اختلاف الروايات في موقف النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حين خروجه

ويؤيد ذلك (أولاً): أن روايات الصلاة المذكورة التي تضمنتها كتب الحديث لجمهور السنة، قد تضمنت خروج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد ذلك للصلاة. وهي مختلفة أشد الاختلاف في أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) حينما خرج هل تقدم بنفسه للإمامة، فصلى بالناس جالساً، وقد ائتم به الناس بما فيهم أبو بكر، أو أن أبا بكر بقي هو الإمام وقد ائتم به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مع الناس، ويبدو مما ذكره ابن حجر(1)، والشوكاني(2)، أن الأول هو الأقوى رواية.

وهو لو تم أنسب بدعوى الشيعة في المقام، لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا كان بصدد تقديم أبي بكر للصلاة تنويهاً به من أجل ترشيحه للخلافة، فخروجه (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد ذلك، وإمامته للناس نقض لذلك الغرض. ولا أقل من كونه مثيراً للشبهة، التي تضعف احتمال ترتب الغرض المذكور، وظرفه (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يسمح بذلك، لعلمه بدنو أجله، وعدم وجود الوقت الكافي لدفع الشبهات، وتدارك الأمور.

 

بعض الفجوات في روايات الحادثة

(وثانياً): أن تلك الروايات، مشتملة على فجوات ومفارقات تظهر للمتأمل. وربما يظهر بعضها مما سبق. وقد تعرض لها علماء الشيعة، ونبه بعض علماء الجمهور إلى بعضها، بنحو يغنينا عن تفصيل الكلام فيه، بل لا يسعنا ذلك، لأن الحديث فيه طويل متشعب.

غير أنه قد ألفت نظرنا أمر ربما أغفله الكثير. ففي حديث أبي بكر عبد الله بن أبي مليكة قال: ((لما كان يوم الاثنين خرج رسول الله (صلى الله عليه و سلم) عاصباً رأسه إلى الصبح، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما خرج رسول الله (صلى الله عليه و سلم) تفرج الناس، فعرف أبو بكر أن الناس لم يفعلوا ذلك إلا لرسول الله (صلى الله عليه و سلم)، فنكص عن مصلاه، فدفع رسول الله في ظهره، وقال: صل بالناس، وجلس رسول الله إلى جنبه، فصلى قاعداً عن يمين أبي بكر.

فلما فرغ من الصلاة، أقبل على الناس وكلمهم رافعاً صوته، حتى خرج صوته من باب المسجد يقول: يا أيها الناس سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإني والله لا تمسكون عليّ شيئاً، إني لم أحل لكم إلا ما أحل لكم القرآن، ولم أحرم عليكم إلا ما حرم عليكم القرآن، فلما فرغ رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ...))(3).

ولا نريد أن نناقش صلاة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مؤتماً بأبي بكر، لأن ذلك ليس ممتنعاً عند الجمهور. وإنما الملفت للنظر خطبة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد الصلاة الشديدة اللهجة، والمناسبة لتهيؤ الأمة للفتن والانقلاب، حتى سعرت النار، وتنصل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من مغبة ما يحصل، لأنه لم يحل إلا ما أحل القرآن، ولم يحرم إلا ما حرمه.

مع أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) لو كان قد أمر أبا بكر بالصلاة مشيراً إلى أنه يرضى خلافته، فالأمور بالآخرة قد جرت على وفق ما أراد (صلى الله عليه و آله و سلم) ، الذي هو موافق للقرآن المجيد. فيفترض أن يكون ذلك مفتاح عصمة الأمة من الفتن. ومعه لا موجب لتسعير النار، ولا للتهديد والوعيد الشديد. وإنما يتناسب ذلك جداً مع تفسير الشيعة المتقدم لحدث الصلاة.

وأما توجيه ذلك التهديد بالردة التي حصلت بعد ارتحال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) للرفيق الأعلى, فهو لا يناسب تنصل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الذي تضمنته الخطبة، لظهور أن التنصل بالوجه المذكور فيها إنما يحسن أن يوجه لمن يؤمن بالقرآن الشريف ويخصمه (صلى الله عليه و آله و سلم) به. لا لمن يكفر به، ويرتد عن الإسلام، كما لعله ظاهر.

 

وقد أثبتنا هذه الملاحظة لعدم عثورنا عاجلاً على من نبه عليها. وإن كان الجواب لا يتوقف عليها. والذي يهمنا هو عدم الاتفاق على صدور الأمر المذكور من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ، وإبداء تحفظنا عليه، ولاسيما بملاحظة ما سبق في جواب السؤال الأول من تعرض السنة الشريفة للوضع والتحريف ضد أهل البيت (عليهم السلام) ، ولصالـح أعدائهم ومناوئيهم. فراجع.

 

حادثة الصلاة ليست نصاً ولم تلزم الصحابة ببيعة أبي بكر

(الأمر الثاني): لا ريب في أن الحادثة المذكورة كيف كانت لا تبلغ مرتبة النص على أبي بكر، لما استفاض عند الجمهور من أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يعهد من بعده إلى أحد. وغاية ما يدعى أنها نحو من الإشارة له، كما ذكرته في السؤال. ومن المعلوم أن الحدث الواحد يمكن الاختلاف في مدلوله باختلاف الناس، وباختلاف الزاوية التي ينظرون منها إليه، والتي يحاول بعضهم التأكيد عليها تبعاً لميله وهواه.

والشيء الذي لا ريب فيه أن هذه الحادثة لم تمنع الأنصار من محاولة الاستيلاء على السلطة، وبيعة سعد بن عبادة بالخلافة، ولم تمنع أبا بكر من ترشيح عمر وأبي عبيدة للخلافة، وتقديمهما للبيعة، ولا من قوله في مرضه: ((أما إني لا آسى على شيء إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددت أني فعلتهن، وثلاث وددت اني سألت رسول الله (صلى الله عليه و سلم) عنهن، فأما الثلاث التي وددت أني لم أفعلهن... ووددت أني يوم سقيفة بني ساعده قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر، وكان أمير المؤمنين وكنت وزيراً... وأما الثلاث اللاتي وددت أني سألت رسول الله (صلى الله عليه و سلم)  عنهن، فوددت أني سألته فيمن هذا الأمر فلا ينازعه أهله...))(4)

إذ لو فهم من حادثة الصلاة ترشيح النبي  (صلى الله عليه و آله و سلم) له لهذا المنصب، فلا موقع للسؤال عمن هو أهل له، ولا لقذفه في عنق أحد الرجلين.

كما لم تمنع أمير المؤمنين (عليه السلام)   وبني هاشم عامة وجماعة من خواص الصحابة وأعيانهم ـ ممن تقدم التعرض له في مطاوي جواب السؤال الثالث والرابع ـ من التقاعس عن بيعة أبي بكر والإنكار عليها، والطعن فيها، ومحاولة نقضها.

وإذا كان ترشيح الأنصار لسعد بن عبادة، وترشيح أبي بكر لعمر وأبي عبيدة، يوم السقيفة، عمليتين ارتجاليتين، اقتضتهما طبيعة الصراع، بنحو أغفل عن حادثة الصلاة، وقد انتهتا في وقتهما، من دون أن يترتب عليهما أثر معتد به، فلا ريب في أن موقف أمير المؤمنين (عليه السلام)   ومن اتجه وجهته حسابي مدروس، يبتني على الخصومة والاحتجاج والإصرار، كما يظهر مما سبق في جواب السؤالين الثالث والرابع.

وكذا ما تقدم من كلام أبي بكر في مرضه. لظهور أنه قد قاله بكمال التروي، بعد أن مرّ بتجربة الخلافة، وأدرك مسؤوليتها. وذلك بمجموعه يكشف عن أحد أمرين لا ثالث لهما:

(أولهما): أن الأمر بصلاة أبي بكر لم يصدر من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)  ، وإنما كانت قضية الصلاة عملية أريد بها التشويش على النص، والالتفاف عليه، بإبراز أبي بكر للواجهة فجأة في الوقت الحرج، في محاولة لاستلاب الحكم من أهل البيت(صلوات الله عليهم) في سلسلة نشاطات المعارضة التي تصاعدت في الوقت المناسب، كما تقول الشيعة.

ــــــــــــــــــــ

(1) فتح الباري ج:2 ص:155.

(2) نيل الأوطار ج:3 ص:184.

(3) تاريخ الطبري ج:2 ص:231 في أحداث سنة إحدى عشرة. السيرة النبوية ج:6 ص:71 اليوم الذي قبض الله فيه رسول (صلى الله عليه و سلم) . البدء والتاريخ ج:5 ص:61.

(4) مجمع الزوائد ج:5 ص:202 ـ 203 كتاب الخلافة: باب كراهة الولاية ولمن تستحب، واللفظ له. الأحاديث المختارة ج:1 ص:89 ـ 90 فيما رواه عبد الرحمن بن عوف (رضي الله عنه) عن أبي بكر (رضي الله عنه) . المعجم الكبير ج:1 ص:62 ومما أسند أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) . الضعفاء للعقيلي ج:3 ص:420 ـ 421 في ترجمة علوان بن داود البجلي. ميزان الاعتدال ج:5 ص:135 ـ 136 في ترجمة علوان بن داود البجلي. لسان الميزان ج:4 ص:189 في ترجمة علوان بن داود البجلي. تاريخ الطبري ج:2 ص:353 ـ 354 أحداث سنة ثلاث عشرة: ذكر أسماء قضاته (أي أبي بكر) وكتابه وعماله على الصدقات. تاريخ دمشق ج:30 ص:418 ، 420 ، 421، 422 في ترجمة عبد الله ويقال عتيق بن عثمان بن قحافة. وغيرها من المصادر.