استدلال أبي زرعة على عدالة الصحابة بنحو العموم

بل عن أبي زرعة: ((إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و سلم)  فاعلم أنه زنديق. وذلك أن الرسول عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و سلم)  . وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة. والجرح أولى بهم، وهم زنادقة))(1).

 

رد الاستدلال المذكور

وقد فاته بسبب تعصبه (أولاً): أن الذي أوصل ذلك إلينا ليس الصحابة وحدهم، بل التابعون وتابعوهم، وكل من يقع في الأسانيد طبقة بعد طبقة، فهل يحكم يا ترى بعدالة الكل، وبأن من تكلم في بعضهم زنديق؟! ولماذا خص ذلك بالصحابة؟!

(وثانياً): أن جميع الأنبياء الماضين (صلوات الله عليهم) وكتبهم وما جاؤوا به حق، فهل يصر أيضاً على أن جميع من استجاب لدعوتهم، ورآهم وسمع حديثهم عدول صادقون، لا يتكلم فيهم إلا زنديق؟!

)وثالثاً): أن تقديس من لا يستحق التقديس وتصديق من ليس أهلاً للتصديق، واختلاط الحديث الصحيح بالسقيم، والتباس الأمر على الناس، كل ذلك يخدم هدف الزنادقة، ويسهل عليهم الطعن في دين الله تعالى، وفي نبيه العظيم  (صلى الله عليه و آله و سلم)  وحديثه الشريف، باستغلال الثغرات والسلبيات التي حدثت نتيجة ذلك.

أما التعرف على واقع الصحابة، وإعطاء كل ذي حق حقه، ونقد حملة الحديث ـ منهم ومن غيرهم ـ وتمييز الصادق من الكاذب، وتنقية الحديث الشريف من الأكاذيب والموضوعات، والأساطير والخرافات، فهو يسد الطريق على الزنادقة، ويحول دون تنفيذ مخططهم وتحقيق أهدافهم، لأن الحق الخالص خال عن الثغرات والسلبيات.

يقول الذهبي: ((فكلام الناقد الورع في الضعفاء من النصح لدين الله، والذب عن السنة))(2).

وهذا من الوضوح بحد يغني عن إطالة الكلام فيه. ولكن للناس فيما يعشقون مذاهب. ومن عشق شيئاً أعشى بصره.

 

نتائج إهمال الجمهور النظر في أمر الصحابة

وعلى كل حال فقد أهمل الجمهور من السنة بسبب ذلك التعرف على واقع الصحابة، وتمييز الثقة منهم عن غيره، حتى ضاعت عليهم موازين الجرح والتعديل في الصحابة، وكثر المجهولون منهم.

وانتهى الأمر بهم نتيجة ذلك إلى أنهم لو أرادوا التحرر من أسر تلك الشبهات، وكسر طوق التقليد والتعصب في أمر الصحابة، والجري في الاستدلال على الطرق العلمية والعقلائية، لعجزوا، لعدم بقاء محصلة لهم معتد بها، يمكن الركون إليها والتعويل عليها، وانقطاع سبل المعرفة نتيجة الفاصل الزمني الطويل.

وذلك يزيدهم تمسكاً بالواقع الذي هم عليه وتشبثاً به، وتقديساً له، ودفاعاً عنه، وتغاضياً عن ثغراته وسلبياته. إلا أن ينهار جدار الإصرار ببعضهم بفعل مطارق النقد والتعرية والحساب، فيرفض ذلك الواقع جملة وتفصيلاً.

 

رجال الجرح والتعديل عند الجمهور مطعون فيهم

)الأمر الثاني) أن رجال الجرح والتعديل عند الجمهور مطعون فيهم. والطعن فيهم على قسمين:

)القسم الأول) الطعون الخاصة في آحادهم. ولنذكر جملة منهم.

ــــــــــــــــــــ

(1) تهذيب الكمال ج:19 ص:96 في ترجمة عبيدالله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، واللفظ له. الكفاية في علم الرواية ص:49 باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة.

(2) سير أعلام النبلاء ج:13 ص:286 في ترجمة عبدالرحمن ابن أبي حاتم.