موقف الجمهور غير المتوازن بين الشيعة والنواصب

)الثاني): الموقف غير المتوازن بين الشيعة والنواصب، فإن الجمهور أكثروا من الرواية عن النواصب ـ من العثمانية والخوارج ـ مع تصريحهم بنصبهم وسبهم لأمير المؤمنين (عليه السلام)، بل إغراقهم في ذلك. وقد أفرط بعضهم في توثيقهم. فعن أبي داود: ((ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثاً من الخوارج)). ثم ذكر عمران بن حطان وأبا حسان الأعرج(1).

أما العثمانية فقد اختلطوا بالجمهور حتى لا يكادون يتميزون عنهم، وما أكثر ما وصفوا الرجل بأنه كان شديداً في السنة وأغرقوا في الثناء عليه، وبالتعرف على حاله نراه زائغاً عن أهل البيت(صلوات الله عليهم) أموي النزعة، مغرقاً في ذلك. ووضوح ذلك يغني عن الاستطراد بذكر الشواهد. وقد تقدم بعضها.

أما الشيعة فهم يهجرونهم غالباً أو مطلقاً ويرمونهم بقوارص القول.

وإذاكان الطعن على الشيعة بأنهم ينالون من بعض الصحابة ـ كما سبق بعض ذلك ـ فإن النواصب ينالون من كثير من الصحابة أيضاً ممن لزموا أهل البيت (عليهم السلام)  واهتدوا بهداهم. ويزيدون عليهم بنيلهم من أهل البيت(صلوات الله عليهم) وبغضهم لهم.

 

موقفهم من الخوارج

بل الخوارج يكفرون صريحاً أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي هو سيد أهل البيت (عليهم السلام) بلا منازع، وسيد الصحابة، أو من ساداتهم ـ على الأقل ـ ويعلنون هم والعثمانية لعنه وسبه، وهو الذي سبق في جواب السؤال الرابع أن من سبه فقد سب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)  ، ومن أبغضه فقد أبغض النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)  . وقد قال فيه النبي(صلى الله عليه و آله و سلم): ((لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق))(2).

وهو الذي قال أحمد بن حنبل في حقه:((ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن علي بن أبي طالب))(3).

وفي لفظ آخر عنه: ((ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه و آله و سلم) من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه)  ))(4).

وقال الزرقاني: ((قال أحمد والنسائي وإسماعيل القاضي: لم يرد في حق أحد بالأسانيد الجياد ما ورد في حق علي))(5).

وقال النيسابوري: ((لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأحاديث الحسان ما ورد في حق علي))(6).

ومع كل ذلك فقد تقدم عن أبي داود في الخوارج ما تقدم، وخصوصاً عمران بن حطان، مدح أشقى الآخرين قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام)  عبد الرحمن بن ملجم بقوله المشهور:

يا ضربة من تقي ما أراد بها                  إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

 إني لأذكره يوماً فأحسبــه                  أوفى البرية عند الله ميزانا(7)

                   

حيث لم يمنع ذلك البخاري وغيره من الرواية عنه(8).

 

 كلام ابن حجر في توجيه الموقف غير المتوازن بين الشيعة والنواصب

وقد اعترف ابن حجر العسقلاني بموقف الجمهور غير المتوازن من الشيعة والنواصب، وحاول الدفاع عنه، فقال: ((وقد كنت استشكل توثيقهم الناصبي غالياً(9)، وتوهينهم الشيعة مطلقاً. ولاسيما أن علياً ورد في حقه: لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق. ثم ظهر لي في الجواب عن ذلك أن البغض ههنا مقيد بسبب، وهو كونه نصر النبي(صلى الله عليه و آله و سلم). لأن من الطبع البشري بغض من وقعت منه إساءة في حق المبغض، والحب بعكسه. وذلك ما يرجع إلى أمور الدنيا غالباً.

والخبر في حب علي وبغضه ليس على العموم. فقد أحبه من أفرط فيه، حتى ادعى أنه نبي، أو أنه إله. تعالى الله عن إفكهم.

والذي ورد في حق علي من ذلك قد ورد مثله في حق الأنصار. وأجاب عنه العلماء أن بغضهم لأجل النصر كان ذلك علامة نفاقه، وبالعكس، فكذا يقال في حق علي.

وأيضاً فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهوراً بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة، بخلاف من يوصف بالرفض، فإن غالبهم كاذب، ولا يتورع في الاخبار.

والأصل فيه أن الناصبة اعتقدوا أن علياً (رضي الله عنه)  قتل عثمان، أو كان أعان عليه، فكان بغضهم له ديانة بزعمهم. ثم انضاف إلى ذلك أن منهم من قتلت أقاربه في حروب علي))(10).

وكلامه بطوله يرجع إلى أمرين:

ــــــــــــــــــــ

(1) الكفاية في علم الرواية ص:130 باب ذكر بعض المنقول عن أئمة أصحاب الحديث في جواز الرواية عن أهل الأهواء والبدع. سير أعلام النبلاء ج:4 ص:214 في ترجمة عمران بن حطان. ميزان الاعتدال ج:5 ص:285 في ترجمة عمران بن حطان. تهذيب التهذيب ج:8 ص:113 في ترجمة عمران بن حطان. تهذيب الكمال ج:22 ص:323 في ترجمة عمران بن حطان. تدريب الراوي ج:1 ص:326 النوع الثالث والعشرون صفة من تقبل روايته وما يتعلق به.

(2) مسند أحمد ج:1 ص:95،128 مسند علي بن أبي طالب. فتح الباري ج:1 ص:63. المسند المستخرج على صحيح مسلم ج:1 ص:157. سنن الترمذي ج:5 ص: 643 كتاب كتاب المناقب عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم)  : باب بعد باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)  . مجمع الزوائد ج:9 ص: 133 كتاب المناقب: باب منه جامع فيمن يحبه ومن يبغضه. وغيرها من المصادر الكثيرة جداً. ومثله في صحيح مسلم ج:1 ص:86 كتاب الإيمان: باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي (رضي الله عنه)  من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النفاق، وصحيح ابن حبان ج:15 ص:367 كتاب إخباره (صلى الله عليه و سلم)  عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم بذكر أسمائهم (رضي الله عنهم أجمعين): ذكر الخبر الدال على أن محبة المرء علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)  من الإيمان. وغيرها من المصادر الكثيرة جداً.

(3) فتح الباري ج:7 ص:74.

(4) المستدرك على الصحيحين ج:3 ص:116 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)  مما لم يخرجاه، واللفظ له. فيض القدير ج:4 ص:355. شواهد التنزيل للحسكاني ج:1 ص:27. تهذيب التهذيب ج:7 ص:297 في ترجمة علي بن أبي طالب. تاريخ دمشق ج:42 ص:418 في ترجمة علي بن أبي طالب.

(5) شرح الزرقاني ج:1 ص:241، ومثله في الاستيعاب ج:3 ص:1115 في ترجمة علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)  .

(6) فيض القدير ج:4 ص:355.

(7) الإصابة ج:5 ص:303 في ترجمة عمران بن حطان، واللفظ له. المحلى ج:10 ص:484. سير أعلام النبلاء ج:4 ص:215 في ترجمة عمران بن حطان.

(8) راجع صحيح البخاري كتاب اللباس ج:5 ص:2194 باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه، و ص:2220 باب نقض الصور، وصحيح ابن حبان ج:11 ص:439 كتاب القضاء: ذكر الاخبار عن وصف مناقشة الله في القيامة الحاكم العادل إذا كان في الدنيا، ومجمع الزوائد ج:4 ص:192 كتاب الأحكام: باب في القضاء والسنن الكبرى للبيهقي ج:3 ص:266 كتاب صلاة الخوف: باب من له أن يصلي صلاة الخوف، وسنن أبي داود ج:4ص:72 كتاب اللباس: باب في الصليب في الثوب، والسنن الكبرى للنسائي ج:5 ص:466 كتاب الزينة: لبس الحرير، وغيرها.

(9) كذا في المصدر. لكن في كتاب العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل ص:35 نقلاً عن ابن حجر: (غالباً).

(10) تهذيب التهذيب ج:8 ص:410 في ترجمة لمازة بن زبار الأزدي.