بدء محاولة التصحيح وإيضاح الحق في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)

وليت الأمر وقف على ذلك، ليبدأ التصحيح وبيان الحق في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) منه(عليه السلام) ومن أهل البيت(عليهم السلام) ومن المستحفظين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، الذين أخذوا منهم، وحدثوا عنهم. والذين كان لهم ـ بسبب ما عرفوا به من صدق اللهجة ـ الأثر المهم بعد ذلك في التنبيه للحق والتذكير به، حيث حملوه وحفظوه ووعوه، وحدثوا به ونشروه، ودعوا له، وروجوه، على شدة المحنة، وطول المدة، وما عانوه من قسوة مواقف السلطة، وعامة الناس الذين تأثروا بتثقيفها وإعلامها.

نظير من ذكرهم الجوزجاني في كلامه المتقدم عن بعض الشيعة، ممن لا يرتضي هو ولا النواصب مذهبهم، حيث قال: ((كان من أهل الكوفة قوم لا يحمد الناس مذاهبهم. هم رؤوس محدثي الكوفة. مثل أبي إسحاق ،ومنصور، وزبيد بن الحارث اليامي، والأعمش، وغيرهم من أقرانهم، احتملهم الناس لصدق ألسنتهم في الحديث)).

 

الانتكاسة بمقتل أمير المؤمنين وإقصاء أهل البيت (عليهم السلام) عن الحكم

أقول: ليت الأمر وقف على ذلك، ليتم التصحيح وبيان الحق بجهود هؤلاء.

غير أن الأمر لم يطل حتى انطوى عهد حكم أهل البيت (عليهم السلام) ، وجاء عهد معاوية الذي هو كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ((ظاهر غيه، مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحكيم بخلطته))(1).

وقد جاء ليعلن ـ بكل صلافة وصفاقة وجه ـ عن استهتاره في أول خطبة له بعد استيلائه على أمور المسلمين في النخيلة، قبل أن يدخل الكوفة، حيث قال: ((ما قاتلتكم لتصلوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا. وقد أعرف أنكم تفعلون ذلك. ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم. وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون))(2).

 

عهد جديد في تحريف السنة النبوية وتضييع الكثير منها

وجاء عهد جديد في تحريف السنة النبوية، بدأ بخطبته في أهل الشام حينما رجع من الكوفة بعد اجتماع الناس عليه، حيث قال: ((أيها الناس إن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال لي: إنك ستلي الخلافة من بعدي، فاختر الأرض المقدسة، فإن فيها الأبدال. وقد اخترتكم، فالعنوا أبا تراب)) فلعنوه.

فلما كان من الغد كتب كتاباً، ثم جمعهم فقرأه عليهم. وفيه: ((هذا كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية، صاحب وحي الله الذي بعث محمداً نبياً، وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فاصطفى له من أهله وزيراً كاتباً أميناً، فكان الوحي ينزل على محمد، وأنا أكتبه، وهو لا يعلم ما أكتب. فلم يكن بيني وبين الله أحد من خلقه)).

فقال الحاضرون كلهم: صدقت يا أمير المؤمنين(3).

 

عود التحجير على الحديث النبوي

وأدبر عهد الصحابة، وعادوا للانكماش في هذا العهد الأسود، وانحسر نشاطهم في التثقيف الصحيح، وخمد صوتهم، وأخفيت كثير من الحقائق فقد جرى معاوية على سنن الماضين في التحجير على الحديث النبوي الصحيح.

ومن كلامه: ((يا ناس أقلوا الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) . وإن كنتم تتحدثون فتحدثوا بما كان يتحدث به في عهد عمر...))(4). بل رجعت الفتنة إلى أوج طغيانها، وشدة شراستها.

كما يظهر بمراجعة ما تقدم في جواب السؤال الرابع من هذه الأسئلة، عند التعرض لمواقف الصحابة في نصرة أمير المؤمنين وأهل البيت(صلوات الله عليهم) وما قاموا به وما عانوه بعد مقتله (عليه السلام) في العهد الأموي.

 

حملة التثقيف بالأحاديث الموضوعة

ثم جاءت حملة التثقيف العام بالأحاديث الموضوعة، والمنع عن ذكر الأحاديث الواردة في فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل البيت (صلوات الله عليهم).

تلك الحملة التي تقدم التعرض لها في جواب السؤال الأول من هذه الأسئلة، والتي ذكرها الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) ، والمدائني، ونفطويه. فراجع تفصيل ذلك هناك.

 

تدوين السنة بعد انتشار الأحاديث الموضوعة

ولم تدون السنة عند الجمهور إلا في عهد عمر بن عبدالعزيز، تحت إشراف السلطة طبعاً، وبعد مدة طويلة من انتشار الأحاديث الموضوعة، قبل حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) وبعده، وبعد أن رواها الديانون، واعتقدوا أنها حق، لشيوعها وكثرة رواتها، كما سبق عن الإمام الباقر (عليه السلام) ، والمدائني، ونفطويه.

 

النتائج الطبيعية لما سبق

أترى بعد كل ذلك كيف يكون أمر السنة الشريفة، وكم ضاع منها في الفترات المتعاقبة، أو ضيع؟. وكم ظهر منها محرفاً نتيجة وهم الرواة عن حسن نية، أو نتيجة تعمد المضللين والمنافقين؟. وكم كان مما ظهر منها منسوخاً قد خفي نسخه؟. وكم ظهر منها معارضاً بما يناقضه من الموضوعات، بحيث يلتبس الأمر فيها على الناس؟ وما مقدار ما ظهر منها سالماً من جميع ذلك؟ وكيف يمكن التمييز، ومعرفة الحق في ذلك كله؟ وكيف يكون عمل الناس في الأمور التي يتعرضون لها، ويحتاجون فيها لمعرفة تعاليم دينهم وأحكامه؟

وكذا الحال في الوقائع المتجددة بعد عصر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ، والتي لم يرد فيها لعامة الناس سنة من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يرجع إليها ويعمل بها.

هذا كله في فترة قصيرة بعد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لا تبلغ قرناً من الزمن.

ــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة ج:3 ص:64.

(2) المصنف لابن أبي شيبة ج:6 ص:187 كتاب الأمراء: ما ذكر من حديث الأمراء والدخول عليهم، واللفظ له. سير أعلام النبلاء ج:3 ص:147 في ترجمة معاوية بن أبي سفيان. شرح نهج البلاغة ج:16 ص:46. تاريخ دمشق ج:59 ص:150 في ترجمة معاوية بن صخر أبي سفيان ابن حرب بن أمية. البداية والنهاية ج:8 ص:131 أحداث سنة ستين من الهجرة النبوية: وهذه ترجمة معاوية وذكر من أيامه وما ورد في مناقبه وفضائله.

(3) شرح نهج البلاغة ج:4 ص:72.

(4) كنز العمال ج:10ص:291 حديث:29473، واللفظ له. المعجم الكبير ج:19ص:370 فيما رواه عبدالله بن عامر اليحصبي القاريء عن معاوية.