الضغط على أهل الحديث من السلطان والعامة

3 ـ وأيضاً ما أكثر ما منع أصحاب الحديث من الحديث، أو ضويقوا، لا لكذبهم، بل لعدم ملاءمة أحاديثهم لهوى السلطان أو العامة. ويكفينا حديث عيسى بن يونس: ((ما رأيت الأعمش خضع إلا مرة واحدة. فإنه حدثنا بهذا الحديث: قال علي: أنا قسيم الجنة والنار. فبلغ ذلك أهل السنة، فجاؤوا إليه، فقالوا: أتحدث بأحاديث تقوي بها الروافضة والزيدية والشيعة. فقال: سمعته، فحدثت به. فقالوا: فكل شيء سمعته تحدث به!. قال: فرأيته خضع ذلك اليوم))(1).

ويبدو أن تلك المضايقات اضطرت الأعمش للتراجع عن الحديث. يقول أبو بكر بن عياش: ((قلت للأعمش: أنت حين تحدث عن موسى بن ظريف عن عباية عن علي: أنا قسيم الجنة والنار! قال: فقال: والله ما رويته إلا على جهة الاستهزاء. قال: قلت حمله الناس عنك في الصحف، وتزعم أنك رويته على جهة الاستهزاء))(2).

ويقول الذهبي: ((قال شبابة: حدثنا ورقاء، قال: انطلقت أنا ومسعر إلى الأعمش نعاتبه في حديثين: أنا قسيم الجنة والنار، وحديث آخر: فلان كذا وكذا على الصراط. فقال: ما رويت هذا قط. وقال الخريبي: كنا عند الأعمش. فجاءنا يوماً وهو مغضب فقال: ألا تعجبون، موسى بن طريف يحدث عن عباية عن علي قال: أنا قسيم الجنة والنار))(3).

وفيما تقدم من مواقفهم من فضائل أهل البيت (صلوات الله عليهم) ومناقبهم، ومثالب أعدائهم، الكثير مما يناسب ذلك.

4 ـ ثم ما أكثر كتب الحديث التي تلفت نتيجة الإهمال والآفات والطوارئ، كالحريق والحروب وغيرها، كما يظهر بأدنى ملاحظة لكتب التاريخ والتراجم، ومن الطبيعي أن يكون قد ضاع بسبب ذلك حديث كثير جداً قد دون فيها، ولم يدون في غيرها.

بل قد أتلف بعض المحدثين كتبهم لمختلف الدواعي. ولنذكر مثالاً واحداً من ذلك. فقد قال سهل بن حصين بن مسلم الباهلي: ((بعثت إلى عبد الله بن الحسن بن أبي الحسن: ابعث إليّ بكتب أبيك، فبعث إليّ: إنه لما ثقل قال: اجمعها لي، فجمعتها له، وما ندري ما يصنع بها، فأتيته بها. فقال للخادم: استجري التنور، ثم أمر بها فأحرقت، غير صحيفة واحدة، فبعث بها إليّ...))(4).

والحديث في ذلك طويل لا يسعنا استقصاؤه. ويسهل التعرف عليه للباحث، خصوصاً بعد أن أفاضت في الحديث عنه بعض الكتب التي صدرت وانتشرت في هذه الأيام.

5 ـ أضف إلى ذلك محنة الحديث الشريف في ضوابط الجرح والتعديل والتضعيف والتصحيح التي أطلنا الكلام فيها في القسم الأول من الجواب عن هذا السؤال.

 

لابد من حل للمشكلة من قبل الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه و آله و سلم)

وبعد كل هذا لا ريب في أن الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه و آله و سلم) عالمان بما يؤول إليه أمر الأمة من الاختلاف والتفرق، والفتنة والحيرة. وقد أعلما بذلك في كثير من الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة. كما أنهما عالمان بما يؤول إليه أمر السنة الشريفة من الضياع والتحريف والالتباس، نتيجة العوامل المختلفة التي أشرنا إلى بعضها.

أضف إلى ذلك ما يؤول إليه أمر المسلمين على الأمد البعيد، وفي القرون المتعاقبة، نتيجة حصول المستجدات، وتطور الفكر الإنساني، ونزوع الطبيعة البشرية للتحلل من قيود الماضي، والتكيف مع الحاضر، وعدم استقرار الأمور بمجملها على حال، حيث يتعرض المسلمون بسبب ذلك للتحلل من قيود الدين أو التخفيف منها، ولو بتحوير الدين، وتحريف نصوصه، وتفسيرها بما يناسب ذلك.

فهل يمكن مع كل ذلك أن يهمل الله سبحانه ورسوله (صلى الله عليه و آله و سلم) الأمر، ويتركا الدين والأمة من دون أن يضعا حلاً لهذه المشاكل ومخرجاً منها؟!

ولاسيما مع ما هو المعلوم من أن هذا الدين خاتم الأديان، ونبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) خاتم الأنبياء، فلا ينتظر أن يكون الحلّ بوحي جديد من السماء، بل لابد أن يكون من ضمن هذا الدين القويم، وفي جملة تشريعاته الرفيعة، التي بلغ بها النبي الأعظم (صلى الله عليه و آله و سلم) .

ولا أظن أحداً يملك شيئاً من الإنصاف يشك ـ بعد التفاته لذلك ـ في الحاجة لحلّ هذه المشاكل، لتفادي السلبيات والمضاعفات الخطيرة التي تنشأ عنها. بل هي حاجة تبلغ حدّ الضرورة القصوى. ولاسيما بعد ملاحظة واقع المسلمين اليوم، وشدة اختلافهم في الدين، في الأصول والفروع، وعجزهم عن الحل بأنفسهم. حيث يتجلى حجم المشكلة، وأهميتها. وشدة الحاجة لحلها.

ــــــــــــــــــــ

(1) الضعفاء للعقيلي ج:3 ص:416 في ترجمة عباية بن ربعي الأسدي، واللفظ له. لسان الميزان ج:3 ص:247 في ترجمة عباية بن ربعي.

(2) الضعفاء للعقيلي ج:3 ص:416 في ترجمة عباية بن ربعي الأسدي، واللفظ له. لسان الميزان ج:3 ص:247 في ترجمة عباية بن ربعي. ميزان الاعتدال ج:4 ص:56 في ترجمة عباية بن ربعي. العلل المتناهية ج:2 ص:945.

(3) ميزان الاعتدال ج:4 ص:55 ـ 56 في ترجمة عباية بن ربعي، واللفظ له. لسان الميزان ج:3 ص:247 في ترجمة عباية بن ربعي.

(4) الطبقات الكبرى ج:7 ص:175 في ترجمة الحسن بن أبي الحسن واسم أبي الحسن يسار، واللفظ له. سير أعلام النبلاء ج:4 ص:584 في ترجمة الحسن البصري.