ما تضمن أن الأئمة اثنا عشر تدل على انحصار الإمامة فيهم

وذلك أنه اتفقت أحاديث الشيعة والجمهور في تعيين عدد الأئمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنهم اثنا عشر. وأحاديث الشيعة صريحة في حصرهم باثني عشر، وأنهم لا يزيدون ولا ينقصون عن ذلك.

وأما أحاديث جمهور السنة المتضمنة للعدد المذكور فهي ظاهرة في ذلك أيضاً، لأنها واردة في بيان عدد الأئمة، لا في مجرد وجود هذا العدد في ضمن الأئمة، وإن كانوا هم أكثر من ذلك. إذ لا فائدة في بيان وجود هذا العدد من الأئمة إذا كان الأئمة أكثر من ذلك. خصوصاً ما أطلق فيه ذكر عدد الأئمة من دون وصف لهم بشيء، أو مع وصفهم بأنهم من قريش.

نعم لو كان التعبير هكذا: يكون في الأئمة أو في الخلفاء بعدي اثنا عشر من قريش، مثلاً، لما كان ظاهراً في الانحصار. لكن لسان تلك الأحاديث ليس كذلك. ويقوى الظهور في الانحصار باثني عشر في جملة من تلك الأحاديث..

(منها): حديث عبد الله بن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ((قال: يكون بعدي من الخلفاء عدة نقباء موسى)) (1). بناء على ما هو المعلوم من أن نقباء موسى اثنا عشر. فإنه كالصريح في التطابق بين خلفاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونقباء موسى (عليه السلام) المذكورين.

(ومنها): حديث جابر بن سمرة: ((دخلت مع أبي على النبي (صلى الله عليه وسلم) فسمعته يقول: إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة. قال: ثم تكلم بكلام خفي عليّ. قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: قال: كلهم من قريش)) (2).

وهو كالصريح في أن الخلفاء الذين يتعاقبون على هذا الدين ما دام قائماً هم اثنا عشر. وقريب منه أحاديث أخر كثيرة.

(ومنها): حديث ابن سمرة العدوي قال:((سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  يقول: لايزال الدين قائماً حتى يكون اثنا عشر خليفة من قريش. ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة...))(3).

حيث تضمن إشغال الخلفاء الاثني عشر للمدة الزمنية لظهور الدين، وأن ظهور الكذابين بعدهم من أشراط الساعة.

ونظيره حديثه الآخر عنه  (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ((لا تزال هذه الأمة مستقيم أمرها ظاهرة على عدوها حتى يمضي منهم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش. فلما رجع إلى منزله أتته قريش، قالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج)) (4).

(ومنها): حديث سمرة: ((سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  يقول: يكون بعدي اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش. فلما رجع إلى منزله أتته قريش، قالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج))(5).

لظهور سؤال قريش في أنهم فهموا الحصر، وكون الحديث مشيرا إلى فترة زمنية تناسب أمد خلافة الاثني عشر, فأرادوا أن يعرفوا حال الدنيا بعد تلك الفترة.

وحديث أنس: ((لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر من قريش فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها))(6).

وأظهر منها في ذلك حديث أبي الطفيل عن عبد الله بن عمرو قال: ((قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  إذا ملك اثنا عشر من بنى كعب بن لؤي كان النقف والنقاف إلى يوم القيامة))(7).

وأصرح من الكل حديث مسروق، قال: ((كنا جلوساً ليلة عند عبد الله يقرئنا القرآن، فسأله رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  كم يملك هذه الأمة من خليفة. فقال عبد الله ما سألني عن هذا أحد منذ قدمت العراق قبلك. قال: سألناه، فقال: اثنا عشر، عدة نقباء بني إسرائيل))(8).

فإن السؤال فيه عن عدد الخلفاء موجب لصراحة الحوار في حصرهم بالعدد المذكور، لا في مجرد وجود هذا العدد في ضمنهم، مع كونهم أكثر من ذلك.

ومن هنا كانت هذه الطائفة بمجموعها دالة على انحصار الخلفاء والأئمة بالاثني عشر. وذلك لا يتناسب مع مذهب الجمهور في الإمامة، ولا ينطبق إلا على مذهب الإمامية فيها. وإن حاول جماعة التخلص من ذلك والخروج بهذه النصوص عن ظاهرها، بل صريحها، وتأويلها بتكلف وتمحل يأباه لسانها، كما يظهر للناظر في كلماتهم(9).

ويؤكد ما ذكرنا ما في بعض هذه النصوص من أن هؤلاء الخلفاء لا يضرهم خذلان من خذلهم، ولا عداوة الناس لهم.

كحديث جابر ابن سمرة: ((سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يخطب على المنبر، وهو يقول: اثنا عشر قيماً من قريش لايضرهم عداوة من عاداهم...))(10).

وحديثه الآخر: ((كنت مع أبي عند النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيماً لا يضرهم من خذلهم...))(11).

فإن الخلافة إذا كانت بالسلطان القاهر ـ كما عليه الجمهور ـ أضر بالخليفة خذلان من خذله، وعداوة من عاداه، لأنه يضعف سلطانه بل قد يزيله، ويبطل إمامته عند الجمهور. أما إذا كانت بالنص والجعل الإلهي ـ كما عليه الإمامية ـ فلا يضر بالخليفة عداوة من عاداه، ولا خذلان من خذله، لعدم تأثيرهما على حقه. بل هما يضران بالخاذل والمعادي، لتقصيرهما في أداء وظيفتهما إزاء الإمام الحق.

نظير قوله تعالى: ((لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ))(12)، وقول أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): ((لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا تفرقهم عني وحشة))(13).

وبالجملة: لا ينبغي للمنصف الإشكال في دلالة النصوص المذكورة على انحصار الأئمة بالاثني عشر، وعدم زيادتهم عليهم.

هذا وقد تضمنت جملة من هذه النصوص أنهم من قريش(14). وفي بعضها ((وكلهم يعمل بالهدى ودين الحق))(15).

وتضمنت نصوص أخر أن الأئمة من قريش(16) من دون تحديد بعدد.

كما تضمنت جملة ثالثة من النصوص وجود خلفاء راشدين مهديين(17).

ومقتضى الجمع بين هذه الطوائف الثلاث والطائفة الأولى هو أن الأئمة والخلفاء اثنا عشر من قريش، كلهم يعمل بالهدى ودين الحق، راشدون مهديون، وأنه لا أئمة غيرهم ممن يعترف شرعياً بإمامتهم.

وبعد هذه المحصلة لابد من النظر في تعيينهم بأشخاصهم من نصوص وأدلة أخر. وقد تقدم في أوائل الجواب عن السؤال الرابع أنه يمتنع اقتصار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان من له حق الإمامة والخلافة على أنها في قريش، بما لهذا العنوان من شمولية وسعة، بل لابد من التحديد بوجه أتم، بحيث يمنع من التشاح والخلاف. وهو ما حصل فعلاً.

 

ما تضمن أن الأئمة من بني هاشم وأنهم علويون

فقد ورد في بعض طرق أحاديث الأئمة الاثني عشر أنهم من بني هاشم (18). كما أنه تقدم في جواب السؤال الثالث من هذه الأسئلة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: ((ألا وإن الأئمة من قريش قد غرسوا في هذا البطن من بني هاشم...)) (19).

وقد ورد بذلك أحاديث كثيرة رواها الشيعة لا مجال لاستقصائها. وهي بين ما صرح فيه بأنهم أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة من ولده، وما صرح فيه بأنهم أمير المؤمنين وأحد عشر من ولده.

ـــــــــــــــــــــ

(1) كنز العمال ج:12 ص:33 حديث:33859، واللفظ له، ج:6 ص:89 حديث:14971. الفتن لنعيم بن حماد ج:1 ص:95 في عدة ما يذكر من الخلفاء بعد رسول الله( في هذه الأمة. البداية والنهاية ج:6 ص:248 الإخبار عن الأئمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش. الجامع الصغير ج:1 ص:350.

(2) صحيح مسلم ج:3 ص:1452 كتاب الإمارة: باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.

(3) مسند أبي عوانة ج:4 ص:373 مبتدأ كتاب الأمراء: بيان عدد الخلفاء بعد رسول الله( الذين ينصرون على من خالفهم ويعز الله بهم الدين وأنهم كلهم من قريش والدليل على إبطال قول الخوارج، واللفظ له. مسند أحمد ج:5 ص:86،87 في حديث جابر بن سمرة(. المعجم الكبير ج:2 ص:199 فيما رواه عامر بن سعد بن أبي وقاص عن جابر بن سمرة.

(4) المعجم الكبير ج:2 ص:253 فيما رواه الأسود بن سعيد الهمداني عن جابر بن سمرة، واللفظ له. المعجم الأوسط ج:6 ص:268. تهذيب الكمال ج:3 ص:224 في ترجمة الأسود بن سعيد الهمداني. البداية والنهاية ج:6 ص:249 الاخبار عن الأئمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش.

(5) صحيح ابن حبان ج:15 ص:43 باب إخباره( عما يكون في أمته من الفتن والحوادث: ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أن الخلفاء لا يكونون بعد المصطفى( إلا اثني عشر، واللفظ له. مسند أحمد ج:5 ص:92 في حديث جابر بن سمرة(. مسند ابن الجعد ص:390.

(6) كنز العمال ج:12 ص:34 حديث:33861.

(7) تاريخ بغداد ج:6 ص:263 في ترجمة إسماعيل بن ذواد. المعجم الأوسط ج:4 ص:155. فتح الباري ج:13 ص:213. تحفة الأحوذي ج:6 ص:394. ميزان الاعتدال ج:1 ص:383 في ترجمة إسماعيل بن ذؤاد. الكامل في ضعفاء الرجال ج:3 ص:123 في ترجمة ذواد بن علبة الحارثي.

(8) المستدرك على الصحيحين ج:4 ص:546 كتاب الفتن والملاحم، واللفظ له. مسند أحمد ج:1 ص:398 مسند عبدالله بن مسعود(. مسند أبي يعلى ج:8 ص:444 ، ج:9 ص:222 مسند عبدالله بن مسعود. المعجم الكبير ج:10 ص:157 ومن مسند عبدالله بن مسعود(. فتح الباري ج:13 ص:212 مختصراً. تحفة الأحوذي ج:6 ص:394. تفسير ابن كثير ج:2 ص:33. وغيرها من المصادر.

(9) راجع كلام ابن حجر في فتح الباري ج:13 ص:211 ـ 215.

(10) مجمع الزوائد ج:5 ص:191 كتاب الخلافة: باب الخلفاء الاثني عشر، واللفظ له. المعجم الكبير ج:2 ص:256 فيما رواه علي بن عمارة عن جابر بن سمرة. المحدث الفاصل ص:494. فتح الباري ج:13 ص:212.

(11) المعجم الأوسط ج:3 ص:201، واللفظ له. المعجم الكبير ج:2 ص:196 ما أسند جابر بن سمرة: باب عامر الشعبي عن جابر بن سمرة. كنز العمال ج:12 ص:33 حديث:33857.

(12) سورة المائدة الآية: 105.

(13) نهج البلاغة ج:3 ص:62. الإمامة والسياسة ج:1 ص:51 خروج علي من المدينة.

(14) صحيح البخاري ج:6 ص:2640 كتاب الأحكام: باب الاستخلاف. صحيح مسلم ج:3 ص:1452،1453 كتاب الإمارة: باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش. المستدرك على الصحيحين ج:3 كتاب معرفة الصحابة ص:715 ذكر جابر بن سمرة السوائي(، ص:716 ذكر أبي جحيفة السوائي (. صحيح ابن حبان ج:15 باب إخباره( عما يكون في أمته من الفتن والحوادث ص:43 ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أن الخلفاء لا يكونون بعد المصطفى( إلا اثني عشر، ص:44 ذكر البيان بأن المصطفى( أراد بقوله يكون بعدي اثنا عشر خليفة أن الإسلام يكون عزيزاً في أيامهم لا أنه أراد به نفي ما وراء هذا العدد من الخلفاء، ص:45 ذكر وصف عزة الإسلام التي ذكرناها في أيام الاثني عشر. مسند أبي عوانة ج:4 ص:370،371،372،373 مبتدأ كتاب الأمراء: بيان عدد الخلفاء بعد رسول الله( الذين ينصرون على من خالفهم ويعز الله بهم الدين وأنهم كلهم من قريش والدليل على إبطال قول الخوارج. سنن الترمذي ج:4 ص:501 كتاب كتاب الفتن: باب ما جاء في الخلفاء. وغيرها من المصادر الكثيرة جداً.

(15) فتح الباري ج:13 ص:213. فيض القدير ج:2 ص:459. تاريخ بغداد ج:4 ص:37 في ترجمة أحمد أمير المؤمنين القادر بالله.

(16) تقدمت مصادره في جواب السؤال الرابع في ( ج 2 : ص 190 ـ 191).

(17) صحيح ابن حبان ج:1 ص:179 باب الاعتصام بالسنة وما يتعلق بها نقلاً وأمراً وزجراً: ذكر وصف الفرقة الناجية من بين الفرق التي تفترق عليها أمة المصطفى(. المستدرك على الصحيحين ج:1 ص:174،175،176 كتاب العلم، وقال بعد ذكر الحديث: ((هذا حديث صحيح ليس له علة)). سنن الترمذي ج:5 ص:44 كتاب العلم عن رسول الله(: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع. سنن الدارمي ج:1 ص:57 باب اتباع السنة. وغيرها من المصادر الكثيرة جداً.

(18) ينابيع المودة ج:2 ص:315، ج:3 ص:290،292.

(19) تقدمت مصادره في جواب السؤال الثالث في ج2:  ص126.