صحة الاحتجاج بما ورد عن أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام):

وبملاحظة ما سبق يظهر صحة الاحتجاج بما ورد عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في تعيين الأئمة من بعده(1)، لأن أمير المؤمنين هو المتيقن من جميع ما ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في إمامة أهل بيته. بل يمكن الاحتجاج بما ورد عن الإمامين السبطين أبي محمد الحسن وأبي عبدالله الحسين (صلوات الله عليهما)(2). لأنهما داخلان في المتيقن أيضاً. ويأتي تمام الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

بقي في المقام أمران:

 

بشارة الأنبياء السابقين (عليهم السلام) بإمامة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام):

(الأول): أن في جملة من النصوص الدينية والتاريخية أن كون الأئمة اثني عشر من أهل البيت أمر قد بشرت به الأديان السابقة، على لسان أنبيائها (عليهم السلام)، وفي كتبها وصحفها في تتمة بشارتها بنبوة خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم). وأنه قد عرف ذلك علماؤها، وأقرّ به بعضهم.

ولنذكر أحد هذه النصوص تيمناً، ففي غيبة النعماني: ((ابن عقدة ومحمد بن همام وعبد العزيز وعبد الواحد ابنا عبد الله بن يونس، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، قال: لما أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين (عليه السلام) نزل قريباً من دير نصراني، إذ خرج علينا شيخ من الدير جميل الوجه حسن الهيئة والسمت، معه كتاب، حتى أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) فسلم عليه. ثم قال: إني من نسل أحد حواري عيسى بن مريم، وكان أفضل حواري عيسى الاثني عشر، وأحبهم إليه وأبرهم عنده. وإن عيسى أوصى إليه، ودفع إليه كتبه وعلمه وحكمته.

فلم يزل أهل هذا البيت على دينه، ومتمسكين عليه، لم يكفروا، ولم يرتدوا، ولم يغيروا. وتلك الكتب عندي، إملاء عيسى بن مريم، وخط أبينا بيده، فيها كل شيء يفعل الناس من بعده، أو اسم ملك ملك منهم. وأن الله يبعث رجلاً من العرب من ولد إبراهيم خليل الله من أرض يقال لها تهامة، من قرية يقال لها مكة، فقال: لها اثنا عشر اسماً، وذكر مبعثه ومولده، ومهاجرته، ومن يقاتله، ومن ينصره، ومن يعاديه، وما يعيش، وما يلقى أمته بعده، إلى أن ينزل عيسى بن مريم من السماء.

وفي ذلك الكتاب ثلاثة عشر رجلاً من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله، من خير خلق الله، وأحب من خلق الله إليه. والله ولي لمن والاهم، وعدو لمن عاداهم. من أطاعهم اهتدى، ومن عصاهم ضل. طاعتهم لله طاعة، ومعصيتهم لله معصية. مكتوبة أسماؤهم وأنسابهم ونعوتهم، وكم يعيش كل رجل منهم، واحد بعد واحد، وكم رجل منهم يستتر بدينه، ويكتمه من قومه. ومن الذي يظهر منهم وينقاد له الناس، حتى ينزل عيسى بن مريم، فيصلي عيسى خلفه، ويقول: إنكم لأئمة لا ينبغي لأحد أن يتقدمكم، فيتقدم فيصلي بالناس، وعيسى خلفه.

أولهم وخيرهم وأفضلهم ـ وله مثل أجورهم وأجور من أطاعهم واهتدى بهم ـ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اسمه محمد، وعبد الله، ويس، والفتاح، والخاتم، والحاشر، والعاقب، والماحي، والقائد، ونبي الله، وصفي الله، وجنب الله. وإنه يذكر إذا ذكر، من أكرم خلق الله على الله، وأحبهم إلى الله، لم يخلق الله ملكاً مكرماً، ولا نبياً مرسلاً، من آدم فمن سواه، خيراً عند الله، ولا أحب إلى الله منه. يقعده يوم القيامة على عرشه، ويشفعه في كل من يشفع فيه. باسمه صرح القلم في اللوح المحفوظ: محمد رسول الله.

وبصاحب اللواء يوم الحشر الأكبر أخيه ووصيه ووزيره وخليفته في أمته وأحب من خلق الله إليه بعده علي ابن عمه لأمه وأبيه، وولي كل مؤمن بعده.

ثم أحد عشر رجلاً من ولد محمد وولده، أولهم يسمى باسم ابني هارون شبراً وشبيراً، وتسعة من ولد أصغرهما، واحد بعد واحد. آخرهم الذي يصلي عيسى خلفه...))(3).

وهناك أحاديث أخر كثيرة تشهد بذلك(4). وتأتي الإشارة إلى ما يناسبه إن شاء الله تعالى.

 

ما ثبت في التوراة الرائجة حول ذلك

وقال الطبرسي عند التعرض لبشائر الأنبياء بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم): ((فلقد حدثني من أثق به: قال مكتوب في خروج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من ولد إسماعيل وصفته هذه الألفاظ: لاشموعيل شهشخوا هني بيراختما أوثو هربيث أتو هربتي واتو بماد ماد شينم آسور نسيئم وأنا تيتو الكوي كادل. وتفسيره: إسماعيل قبلت صلاته، وباركت فيه، وأنميته، وكثرت عدده بولد له، اسمه محمد، يكون اثنين وتسعين في الحساب. سأخرج منه اثني عشر إماماً ملكاً من نسله. وأعطيه قوماً كثير العدد))(5).

ويقول الأربلي: ((وفي التوراة ما حكاه لي بعض اليهود، ورأيته أنا في توراة معربة، وقد نقله الرواة أيضاً: إسماعيل قبلت صلاته، وباركت فيه، وأنميته، وكثرت عدده بمادماد (معناه: بمحمد) وعدد حروفه اثنان وتسعون حرفاً. سأخرج اثني عشر إماماً ملكاً من نسله، وأعطيه قوماً كثير العدد. وأول هذا الفصل بالعبري: لا شموعيل شمعيثوخو))(6).

وحدثنا بعض من أسلم من المسيحيين أن عنده نسخة مخطوطة من العهدين في حدود القرن الثامن الميلادي، تتضمن ما ذكره الطبرسي. ولم يتسن لنا حتى الآن الاطلاع عليها.

كما حدثنا آخر ممن أسلم من المسيحيين بنحو ذلك. بل بأعجب منه في أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام). ولا نريد أن نثبت حديثاً شفوياً غير مسجل.

وعلى كل حال فالموجود في كتاب العهد القديم المعرب المطبوع الشايع الانتشار الآن ما يقرب من هذا المضمون. إلا أنه قد حذف منه اسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). ففي الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين: ((وأما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه: وها أنا ذا أباركه، وأنميه، وأكثره جداً جداً، ويلد اثني عشر رئيساً. وأجعله أمة عظيمة)).

وقريب منه ما حكاه المجلسي (قدس سره) عن التوراة العبرانية ـ حسبما حدثه به جماعة من ثقات أهل الكتاب(7) ـ وما يأتي من ابن كثير عن التوارة التي بأيدي أهل الكتاب(8). وكلاهما متأخر عن الطبرسي والأربلي(قدس سرهما).

ومقتضى ما سبق أن يكون حذف اسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تحريفاً قد طرأ حديثاً على الكتاب المذكور. وهو أمر غير مستبعد من أهل الكتاب. وقد كثر في القرآن المجيد التنديد بهم، لكتمانهم ما أنزل من البينات والهدى في الكتاب، وتحريفهم الكلم عن مواضعه، وافترائهم على الله تعالى ما ليس من الكتاب، ونحو ذلك.

وقد وقع منهم في عصورنا القريبة ما يناسب ذلك، مما أدى إلى تبرئة اليهود من دم المسيح، على خلاف ما تضمنته تعاليمهم الدينية السابقة.

وقد أكد غير واحد على اختلاف كتابهم باختلاف طبعاته، التي لابد أن تقرها هيئاتهم الدينية الرسمية، حيث يرجع ذلك إلى حصول التحريف بتوجيه من تلك الهيئات.

كما أن ذكر ولادة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للاثني عشر (عليهم السلام) ـ مع أنه لم يلد أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي هو أولهم وسيدهم ـ إما أن يبتني على التغليب، أو على الخطأ في تفسير العترة بالأولاد، بأن يكون الموجود في الكتب عترته (صلى الله عليه وآله وسلم) اثنا عشر، فتوهم المعرب أنهم أولاده. وهذا ليس غريباً في الترجمة.

________________

(1) بحار الأنوار ج:36 ص:373 ـ 383. وغيره.

(2) بحار الأنوار ج:36 ص:383 ـ 385. وغيره.

(3) الغيبة للنعماني ص:74 ـ 75. وعنه بحار الأنوار ج:36 ص:210 ـ 212، واللفظ له.

(4) الكافي ج:1 ص:515 ـ 517، وبحار الأنوار ج:15 ص:236 ـ 239، 241 ـ 247، وج:36 ص:212ـ213، 214، 225.

(5) إعلام الورى بأعلام الهدى ج:1 ص:59.

(6) كشف الغمة في معرفة الأئمة ج:1 ص:22.

(7) بحار الأنوار ج:36 ص:214.

(8) تاريخ ابن كثير ج:6 ص:250 في الأخبار عن الأئمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش.