فشل المأمون في مشروعه

وعلى كل حال فالمأمون وإن نفذ ما أراد، وألزم الإمام الرضا(صلوات الله عليه) بقبول ولاية العهد، إلا أنه بالآخرة فشل فشلاً ذريعاً في مشروعه الجهنمي الخطير، فقد ازداد الإمام الرضا (عليه السلام) رفعة وشأنا في نفوس الخاصة والعامة، بما ظهر له في طريقه إلى خراسان، وعند ولايته العهد، من كرامة الله تعالى له وعنايته، ومن مؤهلاته الشخصية الرفيعة، وسيرته الذاتية المتميزة.

حتى أنه (عليه السلام) لما حدث بحديث سلسلة الذهب في نيسابور عن آبائه (صلوات الله عليهم) صار للحديث المذكور الشأن العظيم في نفوس أهل الحديث وعامة الناس.

وقد كان لسلسلة إسناده عن آبائه (صلوات الله عليهم) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) موقعها العظيم في نفوس أهل الحديث، حتى قال غير واحد: ((لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جنته))(1)، كما تقدم في أواخر الجواب عن السؤال الثامن.

وحتى أن المأمون نفسه حينما أراد أن يبايع للإمام الرضا (عليه السلام) بولاية العهد أظهر الله على لسانه حقاً جَهِدَ كثير من الناس في إخفائه، فقال: ((أيها الناس جاءتكم بيعة علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام). والله لو قرئت هذه الأسماء على الصم البكم لبرؤوا بإذن الله عز وجل))(2).

وحينما انتهت بيعته (عليه السلام) إلى المدينة خطب عبد الجبار بن سعيد بن سليمان المساحقي، فقال في آخر خطبته: ((أتدرون من وليّ عهدكم؟ فقالوا: لا. قال: هذا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).

سبـعة آباء هـــم ما هـم                هم خير من يشرب صوب الغمام))(3)

وبعد أن قتل المأمون الإمام الرضا (عليه السلام) أظهر الأسف والحزن عليه، واضطر إلى تكريمه حتى في دفنه، حيث دفنه في القبة التي دفن فيها أبوه هارون، وجعله في قبلته مقدماً عليه. وبقي يظهر الحسرة عليه ويؤكد علاقته به، وبولده الإمام الجواد (عليه السلام).

حتى أن الدراهم التي ضربت بعد بيعة الإمام الرضا(صلوات الله عليه) بولاية العهد وهي تحمل اسمه الشريف، قد أعيد ضربها بعد وفاته (عليه السلام). حسبما حدثنا به قبل مدة طويلة مدير قسم المسكوكات الأثرية في المتحف العراقي. ولا يظهر لنا سبب لذلك إلا طلب الناس لها وتبركهم بها.

كل ذلك من المأمون للتغطية على جريمة قتله، ولامتصاص نقمة الناس عليه.

وصار لبقية الأئمة من ولد الإمام الرضا(صلوات الله عليهم) من بعده مرتبة متميزة في البلاط العباسي، وبقي الاعتراف بها، حتى في العهد الأسود، عهد المتوكل الذي هو من أشد بني العباس على أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وعلى شيعتهم، حتى هدم قبر الحسين (عليه السلام) (4)، وحرثه(5)، وانتهك الحرمات، وفعل الأفاعيل، حنقاً وحقداً.ومع كل ذلك كان يحترم في الظاهر الإمام أبا الحسن علي بن محمد الهادي (صلوات الله عليه). كل ذلك لأن قدسية الأئمة من أهل البيت (صلوات الله عليهم) قد فرضت بقدرة الله تعالى في الواقع الإسلامي، بنحو لا يمكن تجاهله والتغاضي عنه، تثبيتاً للحجة، وتأكيداً لها، وقطعاً للمعاذير.

ــــــــــــــــــــ

(1) الصواعق المحرقة ج: 2  ص: 595.

(2) عيون أخبار الرضا ج:1 ص:158. الأمالي للصدوق ص:758. روضة الواعظين ص:229.

(3) عيون أخبار الرضا ج:1 ص:157. مقاتل الطالبين ص:377. الإرشاد ج:2 ص:262 ــ 263. بحار الأنوار ج:49 ص:155.

(4) طبقات الشافعية الكبرى ج:2 ص:54. النجوم الزاهرة ج:2 ص:283 ذكر ولاية إسحاق بن يحيى على مصر. تاريخ الطبري ج:5 ص:312 في أحداث سنة ست وثلاثين ومائتين. الكامل في التاريخ ج:6 ص:108 في أحداث سنة ست وثلاثين ومائتين: ذكر ما فعله المتوكل بمشهد الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام). البداية والنهاية ج:10 ص:315 في أحداث سنة ست وثلاثين ومائتين. شذرات الذهب ج:1 ص:86 في أحداث سنة ست وثلاثين ومائتين. تاريخ الخلفاء ج:1 ص:347 في ترجمة المتوكل على الله. مآثر الإنافة ج:1 ص:231 في ترجمة المتوكل على الله: الحوادث والمجريات في خلافته.

(5) طبقات الشافعية الكبرى ج:2 ص:54.