في معنى « الزهراء »

الزهراء : وهو من الألقاب المشهور للسيدة فاطمة ( عليها السلام ) ، وقد شاع وذاع على ألسنة الشيعة الإمامية ، واشتهر في كتب الأخبار عن الأئمة الأطهار ، وهو لقب ممدوح ، حتى عد في أسمائها ( عليها السلام ) ، ويا له من لقب شريف مبارك .

وأصله من زهر وزهور : اتقاد النار واشتعالها ، والزهرة بتحريك الوسط نجم ، والزهرة بضم وفتح الأول والثاني : نور كل نبات ، وبالسكون بمعنى البياض ، ومنه رجل أزهر أي أبيض مشرق الوجه .

وأم الأزهار كنية الزهراء ( عليها السلام ) والمراد من الأزهار الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم .

والزهرة بفتح الزاي وسكون الهاء بمعنى الزينة والبهجة ، قال تعالى : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا زهرة الحياة الدنيا ) .

فالزهر والزهور بمعنى النور والسطوع والإشراق وصفاء اللون والتلألؤ ، وعلى ما في المصباح : الأبيض المشرق ، زهر الرجل أي أبيض وجهه ، مفرده زهرة وجمعه زهر مثل تمر وتمرة ، واليوم الأزهر يوم الجمعة  .

وبالجملة فهذا اللقب النبيل والوصف الجميل غالبا ما يلازم اسم العصمة الكبرى ، حتى في الدعوات والزيارات ، وهذا يعني أن أئمة الهدى ( عليهم السلام ) كانوا يحبون أن تدعى أمهم المخدرة باسم فاطمة الزهراء من بين كل ألقابها وأوصافها الكثيرة الأخرى ، وذلك لأن هذا الاسم الشريف قارن الكثير من الوقائع والأحداث ، وله أسباب وعلل كثيرة نذكر شمة منها في هذه الخصيصة لتقر به عيون الأحبة الذين يقرؤون :

العلة الأولى : روى المرحوم الصدوق ( رحمه الله ) في كتاب علل الشرائع عن جابر عن الصادق ( عليه السلام ) قال : قلت له : لم سميت فاطمة الزهراء زهراء ؟ فقال : لأن الله عز وجل خلقها من نور عظمته ، فلما أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها وغشيت أبصار الملائكة وخرت الملائكة لله ساجدين ، وقالوا : إلهنا وسيدنا ما لهذا النور ؟ فأوحى الله إليهم هذا نور من نوري أسكنته في سمائي ، خلقته من عظمتي ، أخرجه من صلب نبي من أنبيائي ، أفضله على جميع الأنبياء ، وأخرج من ذلك النور أئمة يقومون بأمري يهدون إلى حقي ، وأجعلهم خلفائي في أرضي بعد انقضاء وحيي » .

العلة الثانية : وفي علل الشرائع أيضا : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن فاطمة لم سميت الزهراء ؟ فقال : لأنها كانت إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما تزهر نور الكواكب لأهل الأرض .

العلة الثالثة : في كتاب بحار الأنوار : عن أبي هاشم العسكري : سألت صاحب العسكري ( عليه السلام ) : لم سميت فاطمة الزهراء ؟ فقال : كان وجهها يزهر لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) من أول النهار كالشمس الضاحية وعند الزوال كالقمر المنير ، وعند غروب الشمس كالكوكب الدري  .

العلة الرابعة : في البحار أيضا عن الحسن بن يزيد قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : لم سميت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ؟ قال : لأن لها في الجنة قبة من ياقوت حمراء ، ارتفاعها في الهواء مسيرة سنة ، معلقة بقدرة الجبار ، لا علاقة لها من فوقها فتمسكها ، ولا دعامة لها من تحتها فتلزمها ، لها مأئة ألف باب ، على كل باب ألف من الملائكة ، يراها أهل الجنة كما يرى أحدكم الكوكب الدري الزاهر في أفق السماء ، فيقولون : هذه الزهراء لفاطمة ( عليها السلام )  .

العلة الخامسة : في البحار وغيره من كتب المناقب عن سلمان في حديث طويل : « . . . فخلق نور فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) يومئذ كالقنديل ، وعلقه في قرط العرش ، فزهرت السماوات السبع والأرضون السبع ; من أجل ذلك سميت فاطمة الزهراء .

وكانت الملائكة تسبح الله وتقدسه ، فقال الله : وعزتي وجلالي لأجعلن ثواب تسبيحكم وتقديسكم إلى يوم القيامة لمحبي هذه المرأة وأبيها وبعلها وبنيها . . . »  .

العلة السادسة : روي في علل الشرائع عن أبان بن تغلب قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : يابن رسول الله لم سميت الزهراء ( عليها السلام ) زهراء ؟ فقال : لأنها كانت تزهر لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) في النهار ثلاث مرات بالنور : كان يزهر نور وجهها صلاة الغداة والناس في فرشهم ، فيدخل بياض ذلك النور إلى حجراتهم بالمدينة ، فتبيض حيطانهم فيعجبون من ذلك ، فيأتون النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيسألونه عما رأوا ، فيرسلهم إلى منزل فاطمة ( عليها السلام ) ، فيأتون منزلها فيرونها قاعدة في محرابها تصلي والنور يسطع من محرابها ومن وجهها فيعلمون ، أن الذي رأوه كان من نور فاطمة .

فإذا نصف النهار وترتبت للصلاة ، زهر وجهها ( عليها السلام ) بالصفرة فتدخل الصفرة حجرات الناس فتصفر ثيابهم وألوانهم ، فيأتون النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيسألونه عما رأوا ، فيرسلهم إلى منزل فاطمة ( عليها السلام ) ، فيرونها قائمة في محرابها وقد زهر نور وجهها ( عليها السلام ) بالصفرة ، فيعلمون أن الذي رأوا كان نور وجهها .

فإذا كان آخر النهار وغربت الشمس ، احمر وجه فاطمة ( عليها السلام ) فأشرق وجهها بالحمرة فرحا وشكرا لله عز وجل ، فكان يدخل حمرة وجهها حجرات القوم وتحمر حيطانهم ، فيعجبون من ذلك ويأتون النبي ( صلى الله عليه وآله ) ويسألونه عن ذلك ، فيرسلهم إلى منزل فاطمة ( عليها السلام ) ، فيرونها جالسة تسبح الله وتمجده ونور وجهها يزهر بالحمرة ، فيعلمون أن الذي رأوا كان من نور وجه فاطمة ( عليها السلام ) .

فلم يزل ذلك النور في وجهها حتى ولد الحسين ( عليه السلام ) ، فهو يتقلب في وجوهنا إلى يوم القيامة في الأئمة منا أهل البيت إمام بعد إمام .

نكتة زاهرة لا تعارض بين العلل المذكورة والأحاديث المسطورة في تسمية فاطمة ( عليها السلام ) بالزهراء ، بل كلها صحيحة ويمكن الجمع بينها بأن يقال : إن من كانت في بدو إيجاد نورها المبارك تزهر لأهل السماوات والأرضين وما بينهما ، وخلق من نورها المشرق الموفور بالسرور القبة الزهرائية بتلك الأوصاف ، لا يبعد أن تسطع أنوارها الوجودية في عالم الملك صبحا وظهرا وغروبا على أهل المدينة عموما ، وتزهر لأمير المؤمنين على وجه الخصوص شمسا وقمرا وكوكبا دريا .

ومن البديهي أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان يراها بعين الولاية والمحبة ، وينظر إليها بعين الباطن والظاهر ، فهو يرى ما لا يراه غيره ، فتتجلى له على وجه الخصوص بشكل يختلف عما تتجلى به إلى أهل المدينة عامة .

وبعبارة أخرى : إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان يرى الشمس والقمر والكوكب الدري بحقائقها ، أما الآخرون فيشاهدون شعاع الشمس وضوء القمر ، وهكذا قد يحجب البعض حتى عن رؤية أنوارها ، ويحرم من مشاهدة شعاعها لعدم توفر الاستعداد والقابلية فيهم لتلقي الأنوار الفاطمية ( ولهم أعين لا يبصرون بها )و ( إنهم عن لقاء ربهم لمحجوبون )  .

وباختصار: أتذكر حديث أحد فضلاء العصر في محضر من العلماء حيث أجاب عن سبب اختلاف الألوان الباهرة الساطعة من فاطمة الصديقة الطاهرة ، فمرة البياض ، ومرة الصفرة ، وثالثة الحمرة ، والأنوار ، ولا شك أن لهذه التجليات والظهورات أسرارا وحكما مكنونة في أخبار أهل البيت ( عليهم السلام ) والأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) .

لقد كان هذا الأمر مطروحا للبحث والنقاش مدة من زمان ، وجالت فيه الأنظار والأفكار ، وقد اخترت وجهين فقط من جملة الوجوه الصائبة طلبا للاختصار : الوجه الأول : إن التنور بالألوان الثلاثة في الأوقات الثلاثة إشارة إلى اختلاف حالات تلك المطهرة الطاهرة حين العبادة وبعد الفراغ من أداء الفريضة في محرابها : أما الصبح : فهو أول طلوع النبي الأعظم وابتداء إشراق الشمس من الأفق ، فبياض محيا السيدة الطاهرة يحكي الرحمات الإلهية الخاصة التي أفيضت عليها طيلة الليل من مصدر الرحمة الحقة ، والبياض علامة الرحمة .

وهذه الصفة تشير إلى رجاءها وأملها بقبول العبادات والطاعات السابقة واللاحقة .

أما وقت الظهر : فهو زمان نزول البركات العامة وهبوط ملائكة الرحمة ، والحد الوسط بين الصباح والمساء ، وفيه الصلاة الوسطى ، فكانت آثار الخوف تسطع في جبين سيدة نساء العالمين وتظهر لعيون الملأ المشاهدين ، وهذا الخوف يعني الحذر من الغفلة عن العبادات والذهول عن الطاعات ، لئلا تكون قد قصرت في أداء حق من له الحق ، فلم تؤده كما يستحقه ، فهل من رجاء في العفو ؟ وهل من توفيق للطاعات في الزمن اللاحق ؟ والأثر الطبيعي للخوف والخشية هو الإرتعاش والاضطراب واصفرار الوجه ، خصوصا في محضر الرب القاهر القادر الحاضر الناظر ، إن مناجاته وطلب الحاجة منه مخوف موحش حقا ، كما روي عن نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنهن كن لا يعرفن النبي ( صلى الله عليه وآله ) إذا دخل وقت الصلاة ، بل هكذا كان كل أئمة الدين والأوصياء المرضيين ( عليهم السلام ) ، خصوصا الإمام السجاد ( عليه السلام ) ، حيث روي أنه إذا حضرت الفريضة ارتعدت فرائصه واصفر لونه  .

أما وقت الغروب : فهو آخر زمان أداء التكاليف والوظائف اليومية ، ووقت إقبال الليل والمناجاة مع قاضي الحاجات ، للنشاط والانبساط والسرور الذي يعتريها من قبول الطاعات والتوفيق للعبادات لحضرة ذي الجلال ، يعني أنها كانت ترى وتلمس بالحس والعيان محبة الله تبارك وتعالى لها ، فكانت تتوهج وتهيج في أعماقها المحبة الباطنية التي تلمسها وتعيشها ، فتتحرك إلى الله ، وآية المحبة والشوق احمرار الوجه وإشراق المحيا ، فشرط المحبة الحرارة والإشتعال والتوهج .

وهذه الحالات الثلاثة جميعها من لوازم العبودية وآثارها ، ولهذا كانت تتجلى ( عليها السلام ) في محرابها بهذه الأنوار وتسطع بهذه الألوان المختلفة . تو و طوبى و ما و قامت يار * فكر هركس بقدر همت اوست وهذه خلاصة الأفكار الأبكار وزبدة الآراء والأنظار لمولى البصائر والأبصار .

الوجه الثاني : ورد في الحديث أن العقيق الأبيض من نور وجه النبي الكريم ( صلى الله عليه وآله ) ، والعقيق الأحمر من نور وجه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، والعقيق الأصفر من نور وجه الزهراء ( عليها السلام ) .

بناء على ذلك فهذه الأنوار الثلاثة بالألوان الثلاثة تحكي أنوار النبوة والولاية والعصمة .

أما نور النبوة فهو عين الرحمة ، وعلامته البياض .

وأما الحمرة فأثر نور الولاية ، وهي مظهر الغضب .

وأما الصفرة : فحققة العصمة ، وهي الواسطة بين الرحمة والغضب ومشعرة بالبرزخية والجامعية .

وتلك المخدرة هي الصلاة الوسطى الواقفة بين مبادئ مشرق النبوة ومنتهى مغرب الولاية . وهي الشمس المضيئة من جهة النبوة والأبوة ، والقمر المنير من جهة الولاية والإمامة ، والكوكب الدري الذي يوقد من شجرة مباركة زيتونة ، يكاد زيت علمها يضيء الأملاك والأفلاك من الثريا إلى الثرى ( ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ) .

وهذه الجلوة الرفيعة والرتبة المنيعة تدل على أن سيدة العالم فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) مرآة مجلوة في عالم الإمكان لخاتم النبيين ( صلى الله عليه وآله ) وجناب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان المدد الغيبي من مفيض الخير والبر ومنزل البركات والرحمات يمدها من يمين الرسالة ويسار الولاية بإفاضات غير متناهية في كل صباح ومساء ، فتنزل على الذات الأقدس والجسد المجرد للعصمة الكبرى ، ومنها تترشح على الآخرين ليظهر للعالمين علو قدرها وسمو مقامها ورفعة شأنها وفخامة مكانتها ومكانها .

هذا فضلا عن استفاضتها من فيوضات أبيها وبعلها التي كان أبوها وبعلها يفيضونها على خلق الله أجمعين بطرق شتى ، فتقودهم إلى ساحات السعادة بنور الهداية ، فالإفاضة بالواسطة طريق من طرق الهداية والإرشاد أيضا .

وأما علة جعل فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) طريقا من طرق الهداية بالمعنى المذكور ، فللكشف عن أنها هي الآية العظمى للنبوة بمفاد آية المباهلة ، وهي بمستوى الكفاءة في هاتين المرتبتين ، ويمكنها أن تقوم بمهام مهمة في مرتبة النبوة ومقام الولاية .

وهذه جملة من مكنوناتي الخاصة - أنا الحقير - وشاركني فيها جملة من أرباب الفكر والذكاء ، ولا يسعني بيان أكثر من ذلك ، لأن الأكثر يقصر عنه اللسان ويعجز عن بيانه البنان ، وها أنذا أعترف بجهلي وقصوري وعجزي وحيراني في إدراكهم . ولعل مبدأ الفيض الفاطمي يجري قلمي فيما بعد بما هو خير .

العودة إلى الصفحة الرئيسية