الصفحة 238
من الروحانيين الذي لا يدرك خلقهم ولا صفتهم إلاّ الله ربّ العالمين.

قال علي (صلوات الله عليه): وأما قوله: {مَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُوْلا فَيُوْحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}(1) كذلك قال الله تعالى: قد كان الرسول يوحى اليه رسل من السماء فتبلغ رسل السماء إلى الأرض، وقد كان الكلام بين رسل أهل الأرض وبينه من غير أن يرسل بالكلام مع أهل السماء، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ياجبرئيل هل رأيت ربك؟ فقال جبرئيل: إن ربي لا يرى، فقال رسول الله من أين تأخذ الوحي؟ قال: آخذه من اسرافيل، قال: ومن أين يأخذه إسرافيل؟ قال: يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين، قال: ومن أين يأخذه ذلك الملك؟ قال: يقذف في قلبه قذفاً، فهذا وحي وهو كلام الله عزوجل، وكلام الله ليس بنحو ذلك الملك، قال: يقذف في قلبه قذفاً.

فهذا وحي، وهو كلام الله عزّوجلّ، وكلام الله ليس بنحو واحد منه ما كلّم الله به الرسل، ومنه ما قذف في قلوبهم، ومنه رؤيا يراها الرسل، ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ فهو كلام الله عزوجل.

قال علي (صلوات الله عليه): وأما قوله: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذ لَمـَحْجُوْبُونَ}(2) فانما يعني به يوم القيامة عن ثواب ربهم لمحجوبون، وقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُوْنَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ المَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}(3) يخبر محمداً عن المشركين والمنافقين، الذين لم يستجيبوا لله ولرسوله، فقال: {هَلْ يَنْظُرُوْنَ إِلاِّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ}حيث لم يستجيبوا لله ولرسوله، {أَوْ يَأْتِي رَبُّكَ أَوْ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ}(4) يعني بذلك العذاب يأتيهم في دار الدنيا كما عذّب القرون

____________

1- الشورى: 51.

2- المطففين: 15.

3- الأنعام: 158.

4- الأنعام: 158.


الصفحة 239
الاُولى، فهذا خبر يخبر به النبي (صلى الله عليه وآله) عنهم، ثم قال: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيْمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ..} الآية يعني لم تكن آمنت من قبل أن تأتي هذه الآية، وهذه الآية هي طلوع الشمس من مغربها، وقال في آية اُخرى: {فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ}(1) يعني أرسل عليهم عذاباً، وكذلك إتيانه بنيانهم حيث قال: {فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ}(2) يعني أرسل عليهم العذاب.

قال علي (صلوات الله عليه): وأما قوله عزوجلّ: {بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}(3) وقوله: {الَّذِينَ يَظُنُّوْنَ أَنَّهُمْ مُلاقُواْ رَبِّهِمْ}(4) وقوله: {إِلَى يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ}(5)وقوله: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحاً}(6) يعني البعث، فسماه الله لقاءاً، كذلك قوله: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآت}(7) يعني من كان يؤمن انه مبعوث فان وعد الله لآت من الثواب والعقاب، فاللقاء ههنا ليس بالرؤية، واللقاء هو البعث، وكذلك {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ}(8) يعني أنه لا يزول الايمان عن قلوبهم يوم يبعثون.

قال علي (صلوات الله عليه): وأما قوله عزوجل: {وَرَأَى الْمـُجْرِمُوْنَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوْهَا}(9) يعني: تيقنوا انهم يدخلونها وكذلك قوله: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَق حِسَابِيَةْ}(10) وأما قوله عزوجل ـ للمنافقين ـ {وَيَظُنُّوْنَ بِاللهِ

____________

1- الحشر: 2.

2- النحل: 26.

3- السجدة: 10.

4- البقرة: 46.

5- التوبة: 77.

6- الكهف: 110.

7- العنكبوت: 5.

8- الأحزاب: 44.

9- الكهف: 53.

10- الحاقّة: 20.


الصفحة 240
الظُّنُوْنَا}(1) فهو ظن شك وليس ظن يقين، والظن ظنان: ظن شك، وظن يقين، فما كان من أمر المعاد من الظن فهو ظن يقين، وما كان من أمر الدنيا فهو ظن شك.

قال علي (صلوات الله عليه): وأما قوله عزوجل: {وَنَضَعُ الْمَوَازِيْنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئَاً}(2) فهو ميزان العدل، يؤخذ به الخلائق يوم القيامة بدين الله تبارك وتعالى الخلائق بعضهم من بعض، ويجزيهم بأعمالهم، ويقتص للمظلوم من الظالم، ومعنى قوله: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِيْنُهُ فَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُوْنَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِيْنُهُ}(3) فهو قلة الحساب وكثرته، والناس يومئذ على طبقات ومنازل: فمنهم من يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً، ومنهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب! لأنهم لم يتلبسوا من أمر الدنيا بشيء، وإنما الحساب هناك على من تلبس بها هاهنا، ومنهم من يحاسب على النقير والقطمير ويصير إلى عذاب السعير، ومنهم أئمة الكفر قادة الضلالة فاُولئك لا يقيم لهم يوم القيامة وزناً، ولا يعبؤا بأمره ونهيه يوم القيامة وهم {فِي جَهَنَّمَ خَالِدُوْنَ * وَتَلْفَحُ وُجُوْهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيْهَا كَالِحُوْنَ}(4).

ومن سؤال هذا الزنديق أن قال: أجد الله يقول: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ}(5) وفي موضع آخر يقول: {وَاللهُ يَتَوَفّى الأَنْفُسَ حِيْنَ مَوْتِها}(6) وفي آية اُخرى {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِيْنَ}(7) وما أشبه ذلك، فمرة يجعل الفعل لنفسه، ومرة لملك الموت، ومرة للملائكة، وأجده يقول: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ

____________

1- الأحزاب: 10.

2- الأنبياء: 47.

3- الأعراف: 8، 9.

4- المُؤمِنون: 103، 104.

5- السجدة: 11.

6- الزُمَر: 42.

7- النحل: 32.


الصفحة 241
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ}(1) ويقول: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدى}(2)، اُعلم في الآية الاُولى أن الأعمال الصالحة لا تكفّر، وأعلم في الآية الثانية أن الايمان والأعمال الصالحة لا تنفع إلاّ بعد الاهتداء، وأجده يقول: {وَاسْأَل مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا}(3) فيكف يسل الحي من الأموات قبل البعث والنشور، وأجده يقول: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْماً جَهُوْلا}(4) فما هذه الأمانة ومن هذا الانسان!

وليس من صفة العزيز العليم، التلبيس على عباده، وأجده قد شهر هفوات أنبياءه بقوله: {وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}(5) وبتكذيبه نوحاً لما قال: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي}(6) وبقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}(7) وبوصفه ابراهيم بأنه عبد كوكباً مرة، ومرة قمراً، ومرة شمساً، وبقوله في يوسف: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}(8) وبتهجينه موسى حيث قال: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي}(9) الآية، وببعثه على داود جبرئيل وميكائيل حيث تسورا عليه المحراب، وبحبسه يونس في بطن الحوت حيث ذهب مغاضباً مذنباً، وأظهر خطأ الأنبياء وزللهم، ووارى اسم

____________

1- الأنبياء: 94.

2- طه: 82.

3- الزُخرُف: 45.

4- الأحزاب: 72.

5- طه: 121.

6- هود: 45.

7- هود: 46.

8- يوسف: 24.

9- الأعراف: 143.


الصفحة 242
من اغتر وافتن خلقاً وضل وأضل، وكنى عن أسمائهم في قوله: {وَيَوْمَ يَعُضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُوْلُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُوْلِ سَبِيْلا يَا وَيْلَتِى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيْلا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَائَنِي}(1) فمن هذا الظالم الذي لم يذكر من اسمه ما ذكر من أسماء الأنبياء.

وأجده يقول: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}(2) {وَهَلْ يَنْظُرُوْنَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ المَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}(3) {وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فُرَادَى}(4) فمرة يجيئهم، ومرة يجيئونه.

وأجده يخبر أنه يتلو نبيه شاهد منه، وكان الذي تلاه عبد الأصنام برهة من دهره.

وأجده يقول: {ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيْمِ}(5) فما هذا النعيم الذي يسأل العباد عنه؟

وأجده يقول: {بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ}(6) ما هذه البقية؟

وأجده يقول: {يَاحَسْرَتِى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ}(7) وأجده يقول {فَأَيْنَـمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ}(8){كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}(9) ويقول {وَأَصْحَابُ الَْيمِيْنِ مَا

____________

1- الفرقان: 27 ـ 29.

2- الفجر: 22.

3- الأنعام: 158.

4- الأنعام: 94.

5- التكاثر: 8.

6- هود: 86.

7- الزمَر: 56.

8- البقرة: 115.

9- القصص: 88.


الصفحة 243
أَصْحَابُ الْـيَمِيْنِ}(1) {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ}(2) ما معنى الجنب، والوجه، واليمين، والشمال؟ فإن الأمر في ذلك ملتبس جداً؟

وأجده يقول: {الرَّحْمنُ عَلى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(3) ويقول: {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}(4){وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلهٌ}(5){وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنََما كُنْتُمْ}(6){وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيْدِ}(7) {مَا يَكُوْنُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}(8)الآية!

وأجده يقول: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، ولا كل النساء أيتام فما معنى ذلك؟

وأجده يقول: {وَمَا ظَلَمُوْنَا وَلِكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُوْنَ}(9) فكيف يظلم الله، ومن هؤلاء الظلمة؟

وأجده يقول: {إِنَمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَة}(10) فما هذه الواحدة؟

وأجده يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ}(11) وقد أرى مخالفي الاسلام معتكفين على باطلهم، غير مقلعين عنه، وأرى غيرهم من أهل الفساد مختلفين في

____________

1- الواقعة: 27.

2- الواقعة: 41.

3- طه: 5.

4- الملك: 16.

5- الزخرُف: 84.

6- الحديد: 4.

7- ق: 16.

8- المجادلة: 7.

9- الأعراف: 160.

10- سبأ: 46.

11- الأنبياء: 107.


الصفحة 244
مذاهبهم، يلعن بعضهم بعضاً، فأي موضع للرحمة العامة لهم المشتملة عليهم؟

وأجده قد بيّن فضل نبيه على سائر الأنبياء، ثم خاطبه في أضعاف ما أثنى عليه في الكتاب من الازراء عليه وانتقاص محله، وغير ذلك من تهجينه وتأنيبه ما لم يخاطب أحداً من الأنبياء، مثل قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلى الْهُدى فَلاَ تَكُوْنَنَّ مِنَ الجَاهِلِيْنَ}(1) وقوله: {لَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيْلا}(2) {إذَاً لأََذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيْراً}(3) وقوله: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيْهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}(4) وقول: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ}(5) وقال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيء}(6) {وَكُلَّ شَيء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِيْن}(7) فاذا كانت الأشياء تحصى في الامام وهو وصي النبي، فالنبي أولى أن يكون بعيداً من الصفة التي قال فيها: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ}(8) وهذه كلها صفات مختلفة، وأحوال متناقضة، وأُمور مشكلة، فان يكن الرسول والكتاب حقاً فقد هلكت لشكي في ذلك، وان كانا باطلين فما عليّ من بأس.

فقال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): سبوح قدوس رب الملائكة والروح، تبارك وتعالى، هو الحي الدائم، القائم على كل نفس بما كسبت، هات أيضاً ما شككت فيه، قال: حسبي ما ذكرت ياأمير المؤمنين.

قال (صلوات الله عليه): سأنبئك بتأويل ما سألت، وما توفيقي إلاّ بالله عليه

____________

1- الأنعام: 35.

2- الاسراء: 74.

3- الاسراء: 75.

4- الأحزاب: 37.

5- الاحقاف: 9.

6- الأنعام: 38.

7- يس: 12.

8- الاحقاف: 9.


الصفحة 245
توكلت واليه اُنيب، وعليه فليتوكل المتوكلون.

فأما قوله: {اللهُ يَتَوَفّى الأَنْفُسَ حِيْنَ مَوْتِهَا}(1) وقوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ...}(2) {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}(3) {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ طَيِّبِيْنَ}(4) {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِم}(5) فهو تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يتولى ذلك بنفسه، وفعل رسله وملائكته فعله; لأنهم بأمره يعملون، فاصطفى جل ذكره من الملائكة رسلا وسفرة بينه وبين خلقه، وهم الذين قال الله فيهم: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ}(6) فمن كان من أهل الطاعة تولت قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن كان من أهل المعصية تولت قبض روحه ملائكة النقمة، ولملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة والنقمة، يصدرون عن أمره، وفعلهم فعله، وكل ما يأتون منسوب اليه، وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت، ففعل ملك الموت فعل الله، لأنه يتوفى الأنفس على يد من يشاء، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب على يده من يشاء، وان فعل اُمنائه فعله، {وَمَا تَشآؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ}(7).

وأما قوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ}(8) وقوله: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} فان ذلك كله لا يغني إلاّ مع الاهتداء، وليس كل من وقع عليه اسم الايمان كان حقيقاً بالنجاة مما هلك به الغواة، ولو كان ذلك لنجت اليهود مع اعترافها بالتوحيد، وإقرارها بالله، ونجى سائر

____________

1- الزمر: 42.

2- السجدة: 11.

3- الأنعام: 6.

4- النحل: 16.

5- النحل: 32.

6- الحجّ: 22.

7- الانسان: 30.

8- الأنبياء: 94.


الصفحة 246
المقرين بالوحدانية، من إبليس فمن دونه في الكفر، وقد بيّن الله ذلك بقوله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُلْبِسُواْ إِيْمَانَهُمْ بِظُلْم اُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُوْنَ}(1) وبقوله: {مِنَ الَّذِيْنَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنُ قُلُوْبِهُمْ}(2).

وللايمان حالات ومنازل يطول شرحها، ومن ذلك: أن الايمان قد يكون على وجهين: إيمان بالقلب، وإيمان باللسان، كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول الله لما قهرهم بالسيف وشملهم الخوف فانهم آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، فالايمان بالقلب هو التسليم للرب، ومن سلّم الاُمور لمالكها، لم يستكبر عن أمره، كما استكبر إبليس عن السجود لآدم، واستكبر أكثر الاُمم عن طاعة أنبيائهم، فلم ينفعهم التوحيد، كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل، فانه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام ولم يرد بها غير زخرف الدنيا، والتمكين من النظرة، فلذلك لا تنفع الصلاة والصدقة إلاّ مع الاهتداء إلى سبيل النجاة، وطرق الحق.

وقد قطع الله عذر عباده بتبيين آياته، وإرسال رسله، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولم يخل أرضه من عالم بما يحتاج اليه الخليفة، ومتعلم على سبيل النجاة، اُولئك هم الأقلون عدداً، وقد بيّن الله ذلك في اُمم الأنبياء وجعلهم مثلا لمن تأخر، مثل قوله ـ في قوم نوح ـ: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيْلٌ}(3) وقوله فيمن آمن من اُمة موسى ـ: {وَمِنْ قَوْمِ مُوْسَى اُمَّةٌ يَهْدُوْنَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُوْنَ}(4) وقوله ـ في حواري عيسى حيث قال لسائر بني اسرائيل ـ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلى اللهِ قَالَ

____________

1- الأنعام: 82.

2- المائدة: 41.

3- هود: 40.

4- الأعراف: 159.


الصفحة 247
الْحَوَارِيُّوْنَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آَمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُوْنَ}(1) يعني: بأنهم مسلمون لأهل الفضل فضلهم ولا يستكبرون عن أمر ربهم، فما أجابهم منهم إلاّ الحواريون.

وقد جعل الله للعلم أهلا، وفرض على العباد طاعتهم بقوله: {أَطِيْعُواْ اللهَ وَأَطِيْعُواْ الرَّسُوْلَ وَاُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}(2) وبقوله: {وَلَوْ رَدّوْهُ إِلى الرَّسُوْلِ وَإِلى اُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمْ}(3) وبقوله: {اِتَّقُواْ اللهَ وَكُوْنُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}(4) وبقوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيْلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُوْنَ فِي الْعِلْمِ}(5) وقوله: {وَأْتُواْ البُيُوْتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}(6) والبيوت هي بيوت العلم الذي استودعته الأنبياء، وأبوابها أوصياؤهم، فكل من عمل من أعمال الخير فجرى على غير أيدي أهل الاصطفاء وعهودهم، وشرايعهم، وسننهم، ومعالم دينهم، مردود وغير مقبول، وأهله بمحل كفر وإن شملتهم صفة الايمان، ألم تسمع إلى قوله: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُوْلِهِ وَلاَ يَأْتُوْنَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُوْنَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُوْنَ}(7) فمن لم يهتد من أهل الايمان إلى سبيل النجاة لم يغن عنه إيمانه بالله مع دفع حق أوليائه، وحبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين، وكذلك قال الله سبحانه: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيْمَانُهُمْ لَمَّا رَأَواْ بَأْسَنُا}(8) وهذا كثير في كتاب الله عزّوجلّ.

____________

1- آل عمران: 52.

2- النساء: 59.

3- النساء: 83.

4- التوبة: 119.

5- آل عمران: 7.

6- البقرة: 189.

7- التوبة: 54.

8- غافر: 85.


الصفحة 248
والهداية هي الولاية، كما قال الله عزّوجلّ: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُوْنَ}(1) والذين آمنوا في هذا الموضع هم المؤتمنون على الخلائق من الحجج، والأوصياء في عصر بعد عصر، وليس كل من قرّ أيضاً من أهل القبلة بالشهادتين كان مؤمناً، إن المنافقين كانوا يشهدون أن لا إله إلاّ الله وان محمداً رسول الله ويدفعون عهد رسول الله بما عهده به من دين الله، وعزائمه، وبراهين نبوته، إلى وصيه، ويضمرون من الكراهة لذلك، والنقض لما أمر به منه، عند إمكان الأمر لهم، فيما قد بينه الله لنبيه بقوله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُوْنَ حَتَّى يُحَكِّمُوْكَ فِيْمـَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجَاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيْماً}(2)وبقوله: {وَمَا مُحَمَّدْ إِلاَّ رَسُوْلٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلْ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}(3) وقوله: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقْ}(4) أي لتسلكن سبيل من كان قبلكم من الاُمم، في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء، وهذا كثير في كتاب الله عزوجل، وقد شق على النبي ما يؤول اليه عاقبة أمرهم، واطلاع الله إياه على بوارهم، فأوحى الله عزوجل اليه: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات}(5) {وَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(6).

وأما قوله: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا}(7) فهذا من براهين نبينا التي آتاه إياها، وأوجب به الحجة على سائر خلقه; لأنه لما ختم به الأنبياء، وجعله

____________

1- المائدة: 56.

2- النساء: 65.

3- آل عمران: 144.

4- الانشقاق: 19.

5- فاطر: 8.

6- المائدة: 68.

7- الزخرُف: 45.