وأما ما ذكرته من الخطاب الدال على تهجين النبي (صلى الله عليه وآله) والازراء به، والتأنيب له، ما أظهره الله تعالى في كتابه من تفضيله إياه على سائر أنبيائه، فان الله عزوجل جعل لكل نبي عدواً من المشركين، كما قال في كتابه وبحسب جلالة منزلة نبينا (صلى الله عليه وآله) عند ربه، كذلك عظم محنته لعدوه الذي عاد منه اليه في حال شقاقه ونفاقه كل أذى ومشقة لدفع نبوته وتكذيبه إياه وسعيه في مكارهه وقصده لنقض كل ما أبرمه، واجتهاده ومن فالأه على كفره وعناده ونفاقه والحاده في إبطال دعواه وتغيير ملته، ومخالفته سنته، ولم ير شيئاً أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن مولاة وصيته، وإيحاشهم منه وصدهم عنه وإغوائهم بعداوته، والقصد لتغيير الكتاب الذي جاء به، وإسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل وكفر ذوي الكفر منه وممن وافقه على ظلمه، وبغيه وشركه.
ولقد علم الله ذلك منهم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُوْنَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا}(2)
____________
1- النور: 55.
2- فصّلت: 40.
ثم دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عما لا يعلمون تأويله، إلى جمعه وتأليفه وتضمينه عن تلقائهم، ما يقيمون به دعائم كفرهم، فصرخ مناديهم من كان عنده شيء من القرآن فلياتنا به، ووكلوا تأليفه ونظمه إلى بعض من وافقهم على معادات أولياء الله، فألفه على اختيارهم، وما يدل للمتأمل له على اختلال تمييزهم واغرائهم، وتركوا منه ما قدروا أنه لهم وهو عليهم، وزادوا فيه ما ظهرتنا كره وتنافره، وعلم الله أن ذلك يظهر ويبين، فقال: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ}(3) وانكشف لأهل الاستبصار عوارهم وافتراؤهم.
والذي بدا في الكتاب من الازراء على النبي (صلى الله عليه وآله) من فرقة الملحدين ولذلك قال: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُوْلُوْنَ مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ وَزُوْراً}(4) ويذكر جل ذكره لنبيه (صلى الله عليه وآله) ما يحدثه عدوه في كتابه من بعده بقوله: {وَما أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَسُوْل وَلاَ نَبِي إِلاَّ إِذَا تَمَنى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي اُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ}(5) يعني أنه ما من نبي تمنى مفارقة، ما يعانيه من نفاق قومه وعقوقهم والانتقال عنهم دار الاقامة، إلاّ ألقى الشيطان المعرض لعداوته عنده فقده في الكتاب الذي اُنزل عليه
____________
1- الفتح: 15.
2- آل عمران: 187.
3- النجم: 30.
4- المجادلة: 2.
5- الحج: 52.
فافهم هذا واعلمه، واعمل به، واعلم إنك ما قد تركت مما يجب عليك السؤال عنه أكثر مما سألت عنه، وإني قد اقتصرت على تفسير يسير من كثير لعدم حملة العلم، وقلة الراغبين في التماسه، وفي دون ما بينت لك بلاغ لذوي الألباب.
قال السائل: حسبي ما سمعت ياأمير المؤمنين! شكراً لله ولك على استنقاذي من عماية الشرك وطخية الافك، وأجزل على ذلك مثوبتك انه على كل شيء قدير، وصلى الله أولا وآخراً على أنوار الهدايات، وأعلام البريات محمد وآله، أصحاب الدلالات الواضحات وسلم تسليماً كثيراً(2).
9108/2 ـ الصدوق، حدثنا محمد بن القاسم الاسترابادي المعروف بأبي الحسن الجرجاني، قال: حدثني أبو يعقوب يوسف بن محمد بن زياد، وأبو الحسن علي بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) أنه قال: كذّبت قريش واليهود بالقرآن، وقالوا: سحر مبين تقوّله، فقال الله: {الم * ذلِكَ الْكِتَابُ}(3) أي يامحمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك هو الحروف المقطعة التي منها (ألف، ولام، ميم) وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، واستعينوا على ذلك بسائر شهداءكم، إلى أن قال فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) منهم جماعة فولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) فخاطبهم، فقال قائلهم: إن كان ما يقول محمد [(صلى الله عليه وآله)] حقاً لقد علمنا كم قدر
____________
1- الفرقان: 44.
2- الاحتجاج للطبرسي 1:561 ح137، البحار 93:98، التوحيد: 254، تفسير البرهان 4:532.
3- البقرة: 1-2.
9109/3 ـ الصدوق، أبي (رحمه الله)، قال: حدثنا سعد بن عبدالله، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى}(3) قال: أغنى كل إنسان بمعيشته، وأرضاه بكسب يده(4).
9110/4 ـ الصدوق، أبي (رحمه الله)، قال سعد بن عبدالله، عن سلمة بن الخطاب، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن إبراهيم بن ميمون، عن مصعب، عن سعد، عن الأصبغ، عن علي (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ}(5)قال: نصيبهم من العذاب(6).
____________
1- البقرة: 2.
2- معاني الأخبار: 24، تفسير البرهان 1:55، البحار 10:16.
3- النجم: 48.
4- معاني الأخبار: 214، البحار 103:6.
5- ص: 16.
6- معاني الأخبار: 225، تفسير نور الثقلين 4:443، البحار 12:382.
____________
1- النساء: 163.
2- النحل: 68.
3- القصص: 7.
4- مريم: 11.
5- آل عمران: 41.
6- فصلت: 12.
7- فصلت: 10.
8- المائدة: 111.
9- الأنعام: 112.
9112/6 ـ الصدوق، باسناده: فيما أجاب به أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أسألة الزنديق المدعي للتناقض في القرآن: قال (عليه السلام): وأما قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}(3) وقوله: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً}(4) وقوله: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا}(5) وقوله: {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}(6).
فأما قوله: {مَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب} فانه ما ينبغي لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحياً، وليس بكائن إلاّ من وراء حجاب، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، كذلك قال الله تبارك وتعالى علواً كبيراً، قد كان الرسول يوحى اليه من رسل السماء فتبلغ رسل السماء رسل الأرض، وقد كان الكلام بين رسل أهل الأرض وبينه من غير أن يرسل بالكلام مع رسل أهل السماء، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ياجبرئيل هل رأيت ربك؟ فقال جبرئيل: إن ربي لا يرى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أين تأخذ الوحي؟ فقال: آخذه من اسرافيل. فقال: من أين يأخذه اسرافيل؟ قال: يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين، قال: فمن أين يأخذه ذلك الملك؟ قال: يقذف في قلبه قذفاً، فهذا وحي، وهو كلام الله عزّ وجلّ، وكلام الله ليس بنحو واحد، منه ما كلم الله به الرسل، ومنه ما قذفه في
____________
1- الأنبياء: 73.
2- رسالة المحكم والمتشابه: 16، البحار 18:254.
3- الشورى: 51.
4- النساء: 164.
5- الأعراف: 22.
6- الأعراف: 19.
بيـان:
لعل سؤاله (صلى الله عليه وآله) عن رؤية الرب تعالى بعد ما علم بالعقل أنه تمتنع علهى الرؤية ليعلم بالوحي أيضاً كما علم بالعقل، وليخبر الناس بما اُوحي اليه من ذلك.
|
9113/7 ـ علي بن الحسين المرتضى نقلا من تفسير النعماني، عن الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): وأما الرد على من أنكر المعراج فقوله تعالى: {وَهُوَ بِالاُْفُقِ الاَْعْلى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحَى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى} إلى قوله: {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوى}(2) فسدرة المنتهى في السماء السابعة، ثم قال سبحانه: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}(3) وانما أمر تعالى رسوله أن يسأل الرسل في السماء، ومثله قوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ}(4) يعني الأنبياء (عليهم السلام) هذا كله في ليلة المعراج.
وأما الرد على من أنكر خلق الجنة والنار، فقال الله تعالى: {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهىl عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوى}(5) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): دخلت الجنة فرأيت فيها قصراً من ياقوت أحمر يُرى داخله من خارجه وخارجه من داخله من نوره، فقلت: ياجبرئيل لمن هذا القصر؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام،
____________
1- التوحيد: 264، الاحتجاج 1:569 ح137، البحار 18:257.
2- النجم: 7-10.
3- الزخرف: 45.
4- يونس: 94.
5- النجم: 14-15.
9114/8 ـ العياشي: عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أحدهما يقول: إن علياً (عليه السلام) أقبل على الناس فقال: أي آية في كتاب الله أرجى عندكم؟ فقال بعضهم: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}(2) قال: حسنة وليست إياها، فقال بعضهم: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ}(3) قال: حسنة وليست إياها، وقال بعضهم: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}(4) قال: حسنة وليست إياها، قال: ثم أحجم الناس فقال: ما لكم يامعشر المسلمين؟ قالوا: لا والله ما عندنا شيء، قال (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أرجى آية في كتاب الله {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ}(5) وقرأ الآية كلها، وقال: ياعلي والذي بعثني بالحق بشيراً ونذيراً إن أحدكم ليقوم إلى وضوئه فتساقط عن جوارحه الذنوب، فاذا استقبل (الله) بوجهه وقلبه لم ينفتل عن صلاته وعليه من ذنوبه شيء كما ولدته اُمه، فان أصاب شيئاً بين الصلاتين كان له مثل ذلك، حتى عدّ الصلوات الخمس، ثم قال: ياعلي إنما منزلة الصلوات الخمس لاُمتي كنهر جار على باب أحدكم فما ظن أحدكم لو كان في جسده دَرَن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرات في اليوم أكان يبقى في جسده دَرَن؟ فكذلك والله الصلوات الخمس لاُمتي(6).
9115/9 ـ أخرج ابن جرير، عن ابن سيرين، قال: قال علي (رضي الله عنه): أي آية أوسع؟
____________
1- رسالة المحكم والمتشابه: 85، البحار 18:291.
2- النساء: 48.
3- الزُمَر: 53.
4- آل عمران: 135.
5- هود: 114.
6- تفسير العياشي 2:161، تفسير البرهان 2:239، البحار 82:220، تفسير الصافي 2:476، مجمع البيان 5:201.
9116/10 ـ علي بن الحسين المرتضى، نقلا من تفسير النعماني: فيما رواه عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) أنهم سألوه عن المتشابه في تفسير الفتنة؟ فقال (عليه السلام): منه فتنة الاختبار قوله تعالى: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}(4) وقوله لموسى: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}(5) ومنه فتنة الكفر وهو قوله تعالى في الذين استأذنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك أن يتخلفوا عنه من المنافقين، فقال الله تعالى فيهم: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إئْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا}(6) يعني إئذن لي ولا تكفرني ـ فقال عزّوجلّ: {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَـمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}(7)ومنه فتنة العذاب وهو قوله عزّوجلّ: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ}أي يعذبون ـ {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}(8) أي ذوقوا عذابكم، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا}(9) أي عذبوا المؤمنين ـ ومنه فتنة المحبة للمال والولد كقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}(10) ومنه فتنة
____________
1- النساء: 110.
2- الزُمَر: 53.
3- تفسير السيوطي 5:331.
4- العنكبوت: 1 ـ 2.
5- طه: 40.
6- التوبة: 49.
7- التوبة: 49.
8- الذاريات: 14.
9- البروج: 10.
10- التغابن: 15.
9117/11 ـ علي بن الحسين المرتضى، نقلا من تفسير النعماني: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: الضلالة على وجوه: فمنه محمود، ومنه مذموم، ومنه ما ليس بمحمود ولا مذموم، ومنه ضلال النسيان، فأما الضلال المحمود وهو المنسوب إلى الله تعالى كقوله: {يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ}(3) هو ضلالهم عن طريق الجنة بفعلهم، والمذمومون هو قوله تعالى: {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ}(4) {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدى}(5) ومثل ذلك كثير، وأما الضلال المنسوب إلى الأصنام فقوله في قصة إبراهيم: {وَاجْنُبْنِي وَبُنَيَّ أَنْ نَعْبُدَ الاَْصْنَامَ} {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ}(6) الآية، والأصنام لا يظللن أحداً على الحقيقة، إنما ضل الناس بها وكفروا حين عبدوها من دون الله عزّوجلّ، وأما الضلال الذي هو النسيان فهو قوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُْخْرى}(7) وقد ذكر الله تعالى الضلال في مواضع من كتابه: فمنهم ما نسبه إلى نبيه على ظاهر اللفظ كقوله سبحانه: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى}(8) معناه وجدناك في قوم لا يعرفون نبوتك فهديناهم بك، وأما الضلال المنسوب إلى الله تعالى الذي هو ضد الهدى، والهدى هو البيان، وهو معنى قوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَهْدِي لَهُمْ}معناه أو لم أُبين لهم، مثل قوله سبحانه: {فَهَدَيْنَاهُمْ
____________
1- التوبة: 126.
2- رسالة المحكم والمتشابه: 17، البحار 5:174.
3- المدَّثِّر: 31.
4- طه: 85.
5- طه: 79.
6- إبراهيم: 36.
7- البقرة: 282.
8- الضحى: 7.
وأما معنى الهدى فقوله عزّوجلّ: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد}(3) ومعنى الهاد المبين لما جاء به المنذر من عبد الله.
وقد احتج قوم من المنافقين على الله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}(4) وذلك أن الله تعالى لما أنزل على نبيه {وَلِكُلِّ قَوْم هَاد}قال طائفة من المنافقين: {مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً}(5) فأجابهم الله تعالى بقوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ـ إلى أن قوله ـ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ}(6) فهذا معنى الضلال المنسوب اليه تعالى; لأنه أقام لهم الامام الهادي لما جاء به المنذر فخالفون وصرفوا عنه، بعد أن أقروا بفرض طاعته، ولما بين لهم ما يأخذون وما يذرون، فخالفوه ضلوا، هذا مع علمهم بما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) وهو قوله: لا تصلوا عليّ صلاة مبتورة، إذا صليتم عليّ، بل صلوا على أهل بيتي ولا تقطعوهم مني فإن كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي، ولما خالفوا الله تعالى ضلوا فأضلوا فحذر الله تعالى الاُمة من اتباعهم فقال سبحانه: {وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}(7) والسبيل ههنا الوصي، وقال سبحانه: {وَلاَ تَتَّبِعُوا
____________
1- فُصِّلَت: 17.
2- التوبة: 115.
3- الرعد: 7.
4- البقرة: 26.
5- البقرة: 26.
6- البقرة: 26.
7- المائدة: 77.
9118/12 ـ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الله تعالى قد أعاذكم من أن يجور عليكم، ولم يُعذِكم من أن يبتليكم، وقد قال جلّ من قائل: {إِنَّ فِي ذلِكَ لاَيَات وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ}(4)(5).
9119/13 ـ وروى زاذان، عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، ثم قرأ {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء}(6)(7).
9120/14 ـ أخرج الطبراني في (الأوسط) عن علي (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
____________
1- الأنعام: 153.
2- المدَّثِّر: 31.
3- رسالة المحكم والمتشابه: 13، البحار 5:208.
4- المؤمنون: 30.
5- نهج البلاغة خطبة: 103، البحار 5:220.
6- الطور: 21.
7- مجمع البيان 5:166، البحار 5:289.