الصفحة 118

الباب الثامن:

في وصف الموت

9674/1 ـ الصدوق، حدثنا محمد بن القاسم المفسر الجرجاني، قال: حدثنا أحمد ابن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي الناصري، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين (عليهم السلام)، قال: قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) صف لنا الموت، فقال: على الخبير سقطتم، هو أحد ثلاثة اُمور يرد عليه: اما بشارة بنعيم الأبد، وإما بشارة بعذاب الأبد، وإما تحزين وتهويل وأمره مبهم لا يدري في أي الفرق هو، فأما ولينا المطبع لأمرنا فهو المبشر بنعيم الأبد، وأما عدونا المخالف علينا فهو المبشر بعذاب الأبد، وأما المبهم أمره الذي لا يدري ما حاله فهو المؤمن المسرف على نفسه لا يدري ما يؤول اليه حاله، يأتيه الخبر مبهماً مخوفاً، ثم يسّويه الله عزّوجلّ بأعدائنا لكن يخرجه من النار بشفاعتنا، فاعملوا وأطيعوا، لا تنكلوا ولا تستصغروا عقوبة الله عزّوجلّ فإن من المسرفين من لا تلحقه شفاعتنا، إلاّ بعد

الصفحة 119
عذاب ثلاثمائة ألف سنة(1).

9675/2 ـ في خبر الزنديق المدعي للتناقض في القرآن، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الاَْنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}(2) وقوله: {يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ}(3){تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}(4) و{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ}(5) و{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}(6) فهو تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يتولى ذلك بنفسه، وفعل رسله وملائكته فعله، لأنهم بأمره يعملون، فاصطفى جلّ ذكره من الملائكة رسلا وسفرة بينه وبين خلقه، وهم الذين قال الله فيهم: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ}(7) فمن كان من أهل الطاعة تولّت قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن كان من أهل المعصية تولّت قبض روحه ملائكة النقمة، ولملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة والنقمة، يصدرون عن أمره، وفعلهم فعله، وكل ما يأتونه منسوب إليه، وإذاً كان فعلهم فعل ملك الموت، ففعل ملك الموت فعل الله، لأنه يتوفى الأنفس على من يشاء، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب على يد من يشاء، وإن فعل أمنائه فعله كما قال: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ}(8)(9).

____________

1- معاني الأخبار: 288، البحار 6:153، إحياء الأحياء 8:254.

2- الزُمَر: 42.

3- السجدة: 11.

4- الأنعام: 61.

5- النحل: 32.

6- النحل: 28.

7- الحجّ: 75.

8- الإنسان: 30.

9- الاحتجاج 1:579 ح137، البحار 6:140.


الصفحة 120

الباب التاسع:

في أحوال القبر

9676/1 ـ قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): من قوى مسكيناً في دينه، ضعيفاً في معرفته على ناصب مخالف فافحمه، لقنه الله يوم يدلى في قبره أن يقول: الله ربي، ومحمد نبي، وعلي وليي، والكعبة قبلتي، والقرآن بهجتي وعدتي، والمؤمنون اُخواني (والمؤمنات أخواتي) فيقول الله: أديت بالحجة، فوجبت لك أعالي درجات الجنة، فعند ذلك يتحول عليه قبره أنزه رياض الجنة(1).

9677/2 ـ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): حتى إذا انصرف المشيع، ورجع المتفجع، أقعد في حفرته نجياً لبهتة السؤال، وعثرت الامتحان، وأعظم ما هنالك بلية نزل الحميم، وتصلية الجحيم، وفورات السعير، وسورات الزفير، لا فترة مريحة، ولا دعة مزيحة، ولا قوة حاجزة، ولا موتة ناجزة، ولا سنة مسلية، بين أطوار الموتات،

____________

1- تفسير الامام العسكري (عليه السلام): 346 ح228، البحار 6:228، الاحتجاج 1:17 ح14، تفسير البرهان 1:122.


الصفحة 121
وعذاب الساعات(1).

9678/3 ـ علي بن الحسين المرتضى، نقلا من تفسير النعماني، باسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وأما الرد على من أنكر الثواب والعقاب في الدنيا بعد الموت قبل القيامة، فيقول الله تعالى: (يوم يأتي لا تكلم نفس إلاّ باذنه فمن شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض الآية، وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلاّ ما شاء ربك) يعني السماوات والأرض قبل القيامة، فإذا كانت القيامة بدّلت السماوات والأرض، ومثل قوله تعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(2) وهو أمر بين أمرين، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة ومثله قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ}(3) والغدو والعشي لا يكونان في القيامة التي هو دار الخلود، وإنما يكون في الدنيا، وقال الله تعالى في أهل الجنة: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}(4) والبكرة والعشي إنما يكونان من الليل والنهار في جنة الحياة قبل يوم القيامة، قال الله تعالى: {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً}(5) ومثله قوله سبحانه: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ}(6) الآية(7).

____________

1- نهج البلاغة خطبة: 83، البحار 6:243.

2- المؤمنون: 100.

3- غافر: 46.

4- مريم: 62.

5- الإنسان: 13.

6- آل عمران: 169، 170.

7- رسالة المحكم والمتشابه: 84، البحار 6:245.


الصفحة 122

الصفحة 123


مبحث
المحشر والمعاد





الصفحة 124

الصفحة 125

الباب الأول:

في صفة يوم المحشر

9679/1 ـ محمّد بن يعقوب، عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن ثوير بن أبي فاختة، قال: سمعت عليّ بن الحسين عليهما السلام يحدّث في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: حدّثني أبي أنّه سمع أباه عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه يحدّث الناس، قال:

إذا كان يوم القيامة بعث الله تبارك وتعالى الناس من حفرهم عُزلا بُهماً جرداً مرداً، في صعيد واحد، يسوقهم النور وتجمعهم الظلمة حتّى يقفوا على عقبة المحشر، فيركب بعضهم بعضاً، ويزدحمون دونها، فيمنعون من المضيّ، فتشتدّ أنفاسهم ويكثر عرقهم وتضيق بهم اُمورهم، ويشتدّ ضجيجهم وترتفع أصواتهم.

قال: وهو أوّل هول من أهوال يوم القيامة، قال: فيشرف الجبّار تبارك وتعالى عليهم من فوق عرشه في ظلال من الملائكة، فيأمر ملكاً من الملائكة فينادي فيهم: يا معشر الخلائق انصتوا واستمعوا منادي الجبّار، قال: فيسمع آخرهم كما يسمع

الصفحة 126
أوّلهم، قال: فتنكسر أصواتهم عند ذلك وتخشع أبصارهم وتضطرب فرائصهم وتفزع قلوبهم ويرفعون رؤوسهم إلى ناحية الصوت مهطعين إلى الداعي.

قال: فعند ذلك يقول الكافر: {هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}(1)، قال: فيشرف الجبّار عزّوجلّ الحَكَمُ العدلُ عليهم فيقول: أنا الله لا إله إلاّ أنا الحكم العدل الذي لا يجور، اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي، لا يظلم اليوم عندي أحد، اليوم آخذ للضعيف من القويّ بحقّه، ولصاحب المظلمة بالمظلمة، بالقصاص من الحسنات والسّيئات، واُثيب على الهبات، ولا يجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالم ولأحد عنده مظلمة إلاّ مظلمة يهبها صاحبها، واُثيبه عليها وآخذ له بها عند الحساب.

فتلازموا أيّها الخلائق واطلبوا مظالمكم عند من ظلمكم بها في الدنيا وأنا شاهد لكم عليكم وكفى بي شهيداً، قال: فيتعارفون ويتلازمون فلا يبقى أحد له عند أحد مظلمة أو حقّ إلاّ لزمه بها، قال: فيمكثون ما شاء الله، فيشتدّ حالهم ويكثر عرقهم ويشتدّ غمّهم، وترتفع أصواتهم بضجيج شديد، فيتمنّون المخلص منه بترك مظالمهم لأهلها، قال: ويطّلع الله عزّ وجلّ على جهدهم فينادي مناد من عند الله تبارك وتعالى يسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم: يا مشعر الخلائق أنصتوا لداعي الله تبارك وتعالى واسمعوا إنّ الله تبارك وتعالى يقول لكم: أنا الوهّاب إن أحببتم أن تواهبوا فتواهبوا، وإن لم تواهبوا أخذت لكم بمظالمكم.

قال: فيفرحون بذلك لشدّة جهدهم وضيق مسلكهم وتزاحمهم، قال: فيهب بعضهم مظالمهم رجاء أن يتخلّصوا ممّا هم فيه، ويبقى بعضهم فيقولون: يا ربّ مظالمنا أعظم من أن نهبها، قال: فينادي مناد من تلقاء العرش: أين رضوان خازن الجنان (جنان الفردوس) قال: فيأمره الله عزّ وجلّ أن يطلع من الفردوس قصراً من فضّة بما فيه من الأبنية والخدم، قال: فيطلعه عليهم في حفافة القصر والوصائف

____________

1- القمر: 8.


الصفحة 127
والخدم، قال: فينادي مناد من عند الله تبارك وتعالى: يا معشر الخلائق ارفعوا رؤوسكم فانظروا إلى هذا القصر، فيرفعون رؤوسهم فكلّهم يتمنّاه، قال: فينادي مناد من عند الله تعالى: يا معشر الخلائق هذا لكلّ من عفى عن مؤمن، قال: فيعفو كلّهم إلاّ القليل، فيقول الله عزّ وجلّ: لا يجوز الى جنّتي اليوم ظالم، ولا يجوز إلى ناري اليوم ظالم ولأحد من المسلمين عنده مظلمة حتّى يأخذها منه عند الحساب، أيّها الخلائق استعدّوا للحساب.

قال: ثمّ يخلّى سبيلهم فينطلقون إلى العقبة (يكرد) بعضهم بعضاً حتّى ينتهوا إلى العرصة، والجبّار تبارك وتعالى على العرش قد نشرت الدواوين ونصبت الموازين، واُحضِر النبيّون والشهداء، وهم الأئمة يشهد كلّ إمام على أهل عالمه بأنّه قد قام فيهم بأمر الله عزّ وجلّ ودعاهم إلى سبيل الله(1).

9680/2 ـ عليّ بن إبراهيم: قال علي (عليه السلام): وأمّا أهل المعصية فخلّدوا في النار، وأوثق منهم الأقدام، وغلّ منهم الأيدي إلى الأعناق، وألبس أجسادهم سرابيل القطران، وقطّعت لهم مقطّعات من النار، هم في عذاب قد اشتدّ حرّه، ونار قد أطبق على أهلها، فلا يفتح عنهم أبداً، ولا يدخل عليهم ريح أبداً، ولا ينقضي منهم الغم أبداً، والعذاب أبداً شديد والعقاب أبداً جديد، لا الدار زائلة فتفنى ولا آجال القوم تقضى(2).

9681/3 ـ وعنه، حدّثنا أبو القاسم الحسيني، قال: حدّثنا فرات بن إبراهيم، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن حسّان، قال: حدّثنا محمّد بن مروان، عن عبيد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي

____________

1- الكافي 8: 104; تفسير البرهان 4: 260; البحار 7: 268; احياء الاحياء 8: 323; تفسير نور الثقلين 5: 176.

2- تفسير القمي 2: 289.


الصفحة 128
طالب (عليه السلام) في قوله: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّار عَنِيد}(1) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله تبارك وتعالى إذا جمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد، كنت أنا وأنت يومئذ عن يمين العرش، ثمّ يقول الله تبارك وتعالى لي ولك: قوما فألقيا في جهنّم من أبغضكما وكذّبكما في النار(2).

9682/4 ـ العياشي: عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن جدّه، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف هول يوم القيامة: خُتِم على الأفواه فلا تكلّم فتكلّمت الأيدي، وشهدت الأرجل، ونطقت الجلود بما عملوا فلا يكتمون عند الله حديثاً(3).

9683/5 ـ وعنه: عن أبي معمّر السعدي، قال: قال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في صفة يوم القيامة: يجتمعون في موطن يستنطق فيه جميع الخلق، فلا يتكلّم أحد إلاّ من أذن له الرحمن وقال صواباً، فيقام الرسول فيُسأل فذلك قوله لمحمد (صلى الله عليه وآله): {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلاَءِ شَهِيداً}(4) وهو الشهيد على الشهداء والشهداء هم الرسل(5).

9684/6 ـ وعنه: عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ أهل النار إذا غَلَى الزّقوم والضريع في بطونهم كغلي الحميم، سألوا الشراب فأتوا بشراب غَسّاق وصَديد تغلي به جهنّم منذ خُلقت، وكالمُهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً(6).

____________

1- ق: 24.

2- تفسير القمي 2: 324.

3- تفسير العياشي 1: 242; البحار 3: 281; البرهان 1: 370.

4- النساء: 41.

5- تفسير العياشي 1: 242; البحار 3: 281; البرهان 1: 370.

6- تفسير العياشي 2: 223; البحار 3: 378; البرهان 2: 309.


الصفحة 129
9685/7 ـ قال علي (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تعوّذوا بالله من جبِّ الحزن أو وادي الحزن، قيل: يا رسول الله وما وادي الحزن أو جبّ الحزن؟ قال: واد في جهنّم تتعوّذ منه جهنّم كلّ يوم سبعين مرّة، أعدّه الله تعالى للقرّاء المرائين(1).

9686/8 ـ عن علي (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله): إنّ ناركم هذه لجزء من سبعين جزءاً من نار جهنّم، ولقد اُطفئت سبعين مرّة بالماء، ولولا ذلك لما استطاع آدميّ أن يطفئها إذا التهبت، وأنّه ليؤتى بها يوم القيامة حتّى توضع على النار، ما يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلاّ جثى بركبتيه فزعاً من صرخها(2).

9687/9 ـ العياشي: عن ابن معمّر، عن علي (عليه السلام) في قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ}(3) يقول: يوقنون أنّهم مبعوثون، والظنّ منهم يقين(4).

9688/10 ـ وعنه: عن ابن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض}(5) يعني يوم القيامة(6).

9689/11 ـ عليّ بن الحسين المرتضى، نقلا عن تفسير النعماني، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وأمّا احتجاجه على الملحدين في دينه وكتابه ورسله، فإنّ الملحدين أقرّوا بالموت ولم يقرّوا بالخالق، فأقرّوا بأنّهم لم يكونوا ثمّ كانوا، قال الله تعالى: {ق وَالْقُرْآنِ الَْمجِيدِ ـ إلى قوله: ـ بَعِيدٌ}(7) وكقوله عزّ وجلّ: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا ـ إلى قوله: ـ أَوَّلَ مَرَّة}(8) ومثله قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم

____________

1- احياء الاحياء 8: 355.

2- احياء الاحياء 8: 361; البحار 3: 376.

3- البقرة: 46.

4- تفسير العياشي 1: 44; تفسير البرهان 1: 95; البحار 7: 42.

5- الكهف: 99.

6- تفسير العياشي 2: 351; تفسير البرهان 2: 487; البحار 7: 42.

7- ق: 1-3.

8- يس: 78-79.


الصفحة 130
وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَاب مُنِير}(1)، {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}(2) فردّ الله تعالى عليهم ما يدّلهم على صفة ابتداء خلقهم وأوّل نشئهم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ ـ إلى قوله: ـ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدِ عِلْم شَيْئاً}(3) فأقام سبحانه على الملحدين الدليل عليهم من أنفسهم، ثمّ قال مخبراً لهم: {وَتَرَى الاَْرْضَ هَامِدَةً ـ إلى قوله: ـ وَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُ مِنْ فِي الْقُبُورِ}(4) وقال سبحانه: {واللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ ـ إلى قوله: ـ وَكَذلِكَ النُّشُورُ}(5) فهذا مثال أقام الله عزّ وجلّ لهم به الحجّة في إثبات البعث والنشور بعد الموت.

وأمّا الردّ على الدهريّة الذين يزعمون أنّ الدهر لم يزل أبداً على حال واحدة، وأنّه ما من خالق ولا مدبّر ولا صانع ولا بعث ولا نشور، قال الله تعالى حكاية لقوله: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْم}(6)، {وقَالُوا أَئِذا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ـ إلى قوله: ـ أَوَّلَ مَرَّة}(7) ومثل هذا في القرآن كثير، وذلك ردٌّ على من كان في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) يقول هذه المقالة، ومن أظهر له الايمان وأبطن الكفر والشرك، وبقوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانوا سبب هلاك الاُمّة، فردّ الله تعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ}(8) الآية، وقوله: {وَتَرَى الاَْرْضَ هَامِدَةً}(9) الآية، وما جرى مجرى ذلك في القرآن، وقوله سبحانه في سورة "ق" كما مرّ فهذا كلّه ردّ على

____________

1- الحج: 8، لقمان: 20.

2- الحج: 4.

3- الحج: 5.

4- الحج: 5-7.

5- فاطر: 9.

6- الجاثية: 24.

7- الاسراء: 49.

8 و 9 ـ الحج: 5.


الصفحة 131
الدهرية والملاحدة ممّن أنكر البعث والنشور(1).

9690/12 ـ الصدوق، عن محمّد بن أحمد الورّاق، عن عليّ بن محمّد مولى الرشيد، عن دارم بن قبيصة، عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تقوم الساعة يوم الجمعة بين الصلاتين: صلاة الظهر والعصر(2).

9691/13 ـ عليّ بن الحسين المرتضى، نقلا عن تفسير النعماني، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وأمّا ما أنزل الله تعالى في كتابه ممّا تأويله حكاية في نفس تنزيله وشرح معناه: فمن ذلك قصّة أهل الكهف، وذلك أنّ قريشاً بعثوا ثلاثة نفر: نضر بن حارث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط، وعامر بن وائلة إلى يثرب وإلى نجران ليتعلّموا من اليهود والنصارى مسائل يلقونها على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال لهم علماء اليهود والنصارى: سلوه عن مسائل فإن أجابكم عنها فهو النبيّ المنتظر الذي أخبرت به التوراة، ثمّ سلوه عن مسألة اُخرى فإن ادّعى علمها فهو كاذب لأنّه لا يعلم علمها غير الله، وهي قيام الساعة، فقدم الثلاثة نفر بالمسائل ـ وساق الخبر إلى أن قال: ـ نزل جبرئيل بسورة الكهف وفيها أجوبة المسائل الثلاثة، ونزل في الأخيرة قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ـ إلى قوله: ـ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(3)(4).

9692/14 ـ الصدوق، عن محمّد بن عمرو بن علي بن عبد الله البصري، عن محمّد ابن عبد الله بن أحمد بن جبلة الواعظ، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه، عن الحسين ابن علي (عليه السلام) قال: كان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بالكوفة في الجامع، إذ قام إليه رجل من أهل الشام فسأله عن مسائل، فكان فيما سأله أن قال: أخبرني عن قول الله عزّ

____________

1- رسالة المحكم والمتشابه: 37; البحار 7: 43.

2- الخصال، باب 7: 390; البحار 7: 59.

3- الأعراف: 187.

4- رسالة المحكم والمتشابه: 100; البحار 7: 62.


الصفحة 132
وجلّ: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}(1) من هم؟ فقال (عليه السلام):

قابيل يفرّ من هابيل، والذي يفرّ من اُمّه موسى، والذي يفرّ من أبيه إبراهيم، والذي يفرّ من صاحبته لوط، والذي يفرّ من ابنه نوح يفرّ من ابنه كنعان(2).


بيـان:

قال الصدوق (رضي الله عنه): إنّما يفرّ موسى من اُمّه خشية أن يكون قصّر فيما وجب عليه من حقّها، وإبراهيم إنّما يفرّ من الأب المربّي المشرك لا من الأب الوالد ـ وهو تارخ ـ.



بيـان آخر:

يحتمل أيضاً أن يكون المراد بالاُم امرأة مشركة كانت تربّيه في بيت فرعون.


9693/15 ـ الصدوق، حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن وهب بن وهب القرشي، عن الصادق (عليه السلام) جعفر بن محمّد، عن أبيه، إنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لا تنشقّ الأرض عن أحد يوم القيامة إلاّ وملكان آخذان بضبعه يقولان: أجب ربّ العزّة(3).

9694/16 ـ قال علي (عليه السلام): حتّى إذا تصرّمت الاُمور، وتقضَّت الدهور، وأزفَ النشور، أخرجهم من ضرائح القبور، وأوكار الطيور، وأوجرة السباع، ومطارح المهالك، سِرَاعاً إلى أمرهِ، مهطعين إلى مَعاده، رَعيلا صُمُوتاً، قياماً صُفوفاً، ينفذهم البصر، ويسمعهم الدّاعي، عليهم لَبوسُ الإستكانة، وضَرعُ الإستسلام والذلة، قد ضلَّت الحيلُ، وانقطع الأمل، وهَوت الأفئدة كاظمةً، وخشعت الأصوات مهيمنة،

____________

1- عبس: 34 ـ 36.

2- الخصال، باب 5: 318; البحار 7: 105.

3- أمالي الصدوق، المجلس 64: 336; البحار 7: 106.


الصفحة 133
وألجَمَ العرقُ، وعظم الشَّفقُ، واُرعِدَتِ الأسماعُ لزبرةِ الداعي إلى فصل الخطاب، ومقايضةِ الجزاءِ، ونكالِ العقاب، ونوالِ الثواب(1).

9695/17 ـ قال علي (عليه السلام): فاتّعظّوا عباد الله بالعبر النوافع، واعتبروا بالآي السواطع، وازدجرُوا بالنُّذر البوالغ، وانتفعوا بالذّكر والمواعظ، فكأنّ قد عَلِقَتكُم مخالبُ المنيّة، وانقطعت منكم علائق الاُمنيَّةِ، ودهمتكم مفظعات الاُمور، والسياقةُ إلى الوِرْدِ المورود، فكلّ نفس معها سائق وشهيد، سائق يسوقها إلى محشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها(2).

9696/18 ـ قال علي (عليه السلام): وذلك يوم يجمع الله فيه الأوّلين والآخرين، لنقاش الحساب وجزاء الأعمال، خضوعاً، قياماً، قد ألجمهُمُ العرق، ورجفت بهم الأرض، فأحسنهم حالا من وجد لقدميه موضعاً، ولنفسه متّسعاً(3).

9697/19 ـ قال علي (عليه السلام): وإنّ السعداء بالدنيا غداً هم الهاربون منها اليوم، إذا رجفت الراجفة، وحقّت بجلائلها القيامة، ولحق بكلّ منسك أهله، وبكلّ معبود عَبَدَتُهُ، وبكلّ مطاع أهل طاعته، فلم يجز في عدله وقسطه يومئذ خرق بصر في الهواء، ولا همسُ قدم في الأرض إلاّ بحقّه، فكم حُجّة يوم ذاك داحضة، وعلائق عذر منقطعة، فَتَحرَّ من أمرك ما يقُومُ به عذرك، وتثبت به حجّتك، وخُذ ما يبقى لك ممّا لا تبقى له، وتيسّر لسفرك، وشمّ برق النجاة، وارحل مطايا التشمير(4).

9698/20 ـ القطّان، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن أحمد بن يعقوب بن مطر، عن محمّد بن الحسن بن عبد العزيز، عن طلحة بن يزيد، عن عبيد الله بن عبيد، عن

____________

1- نهج البلاغة: خطبة 83; البحار 7: 112.

2- نهج البلاغة: خطبة 85; البحار 7: 113.

3- نهج البلاغة: خطبة 102; البحار 7: 113.

4- بهج البلاغة: 223; البحار 7: 115.


الصفحة 134
أبي معمّر السعداني، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال في جواب من ادّعى التناقض بين آيات القرآن فقال:

وأجد الله يقول: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقَالَ صَوَاباً}(1) وقال: واستنطقوا، فقالوا: {وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}(2)وقال: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْض وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}(3) وقال: {إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ}(4) وقال: {لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ}(5)وقال: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(6) فمرّة يخبر أنّهم لا يتكلّمون إلاّ من أذن له الرحمن وقال صواباً، ومرّة يخبر أنّ الخلق ينطقون، ويقول عن مقالتهم: والله ربّنا ما كنّا مشركين، ومرّة يخبر أنّهم يختصمون.

فأجاب صلوات الله عليه بأنّ ذلك في مواطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، يجمع الله عزّ وجلّ الخلائق يومئذ في مواطن يتفرّقون ويكلّم بعضهم بعضاً، ويستغفر بعضهم لبعض، اُولئك الذين كان منهم الطاعة في دار الدنيا من الرؤساء والأتباع، ويلعن أهل المعاصي الذين بدت منهم البغضاء وتعاونوا على الظلم والعدوان في دار الدنيا المستكبرين والمستضعفين يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً.

____________

1- النبأ: 38.

2- الأنعام: 23.

3- العنكبوت: 25.

4- ص: 64.

5- ق: 28.

6- يس: 65.