[130] وله أيضاً في رثاء الشهيدة الطاهرة (عليها السلام):
كيف يهنى جسمي بطيبِ منامِ | ونبيُّ الهدى طريحُ سقامِ |
فلقد كابَد الأذيةَ والتكذيبَ | في بدءِ دعوةِ الإسلامِ |
من قريش وكلِ رجس غويٍّ | قابلَ المصطفى بأقسى الكلام |
كم أرادوا قتلَ النبيِّ مراراً | وله الله ناصرٌ ومحامي |
حَجّ حِجَّ الوداعِ عن أمرِ | مولاه لاثباتِ حُجّة ومقامِ |
فقضى حجَّه وأوضح للناس | جميعَ الأمور في الأحكامِ |
وانثنى راجعاً وقد جاء جبرئيلُ | رسولا من ربِّه بالسلامِ |
قائلا: أيها الرسولُ فبلِّغْ | شرعةَ اللهِ في عليِّ الإمامِ |
وانصبِ المرتضى علياً إماماً | ذاك أمرُ الميهمنِ العلاّمِ |
وأتتْه على مشارفِ خمٍّ | عصمةُ اللهِ من جميع الأنامِ |
أمرَ الناسَ بالنزولِ فلبَّوا | طاعةً للنبيِّ نسْلِ الكرامِ |
نصبوا منبرَ الحدائجِ والكورِ | لخير الورى النبيِّ التهامي |
فرقى فوقَه النبيُّ وأرقى | المرتضى الطهرَ فارسَ الإسلامِ |
ودعاهم ألا انصتوا لمقال | أنا ملقيه بينكم في مقامي |
رافعاً في الجموعِ كفَّ عليِّ | سيدِ الأوصياءِ بدرِ الَتمامِ |
إن هذا خليفتي ووصيّي | ووزيري وناصري في الزحامِ |
إن هذا مولاكمُ ووليُّ | الأمرِ بعدي وحُجَّةٌ العلاّمِ |
فأجابوه: إننا قد سمعنا | وأطعناك في جميعِ الكلامِ |
بايَعوا المرتضى وبالحقدِ أخفوا | ما أكَنَّتْ صدورُهم من مرامِ |
ثم لمَّا مات النبيُّ المفدَّى | سارعوا بالأذى لذاك الإمام |
قبل أن يُودَعَ النبيُّ بقبر | نكثوا بيعةَ الإمام الهمامِ |
ثم جاءت لبيته وأدارت | حطبَ الجزلِ عصبةُ الآثامِ |
فانثنتْ فاطمُ البتولُ ونادتْ | ما تريدون من علي المقامِ |
فدعا بعضُهم:علَيَّ بنار | أو عليُّ يُقادُ بالإرغامِ |
فاتت فاطمُ البتولُ للبابِ | ولاذت بهِ عن الأقوامِ |
هجم القومُ والبتولُ توارتْ | وهي مِصْداقُ عِفِّةِ واحتشامِ |
عصروها ومحسناً أسقطوها | وعلياً قادوا بحبلِ الحُسامِ |
كسروا ضلعَها فيا لهفَ نفسي | للذي نالها من الآلامِ |
روَّعوها وعينَها لطموها | ودعَوْها رهينةَ الأسقامِ |
فقضت بالأسى وبالهضمِ حتّى | لحِقت بالنبيِّ عند السلامِ |
وكأنّي بها اشتكت ما عراها | لأبيها من البغاةِ اللئامِ |
آية الله
السيد محمد جمال الدين الهاشمي
لم تكتف الحوزة العلمية قيادة العالم الإسلامي بتجديداتها العلمية فحسب، بل واصلت مسيرتها القيادية لتتزعم النهضة الاصلاحية، يوم هيّمنت التيارات الفكرية العلمانية لتكتسح ثوابت الأمة الإسلامية، وتقتلع ما أسسه أسلافها.
فدعوات المادية الماركسية تدغدغ عواطف أمة الشباب، والأراء القومية تزيّن لذوي المنظور الاقليمي توجهات النازحين من خارج حدود الوطن
في خضم هذا الصخب الثقافي والهوس الفكري، تتصدر الحوزة العلمية مهمة الاصلاح العالمية، وتشترك جميع المدارس الحوزوية النجفية أو العاملية أؤ القمية وكذلك تلك المنبثة في أرجاء العالم الإسلامي كالحوزة البحرانية أو القطيفية وغيرها، تشترك في محاولات برمجة المشاريع الاصلاحية الفكرية والسياسية، بما يلائم وطموحات الرؤية الإسلامية، والسعي من أجل انتشال الأمة من ورطة التحالفات الفكرية الأممية ونبذالمبتنيات الإسلامية الأصيلة.
كانت الحوزة النجفية الرائدة في هذا المضمار، وقد تزعّمت تلك الحركات الإصلاحية بما ينسجم والمبدأ الإسلامي، وإذا كانت الدعوات الاصلاحية تشمل أي مشروع ثقافي فان المشروع الأدبي هو إحدى العيّنات الأساسية التي تعرضت اليها جهود الاصلاح، وكانت قيادة الحوزة العلمية قد تزعّمت هذه النزعة الاصلاحية الأدبية، وخلقت من الغرض الأدبي مشروعاً يطمح لقراءة ذات الأمة وتوجهاتها، فقراءة تاريخية تتبناها القصيدة العربية هي في حد ذاتها اعادة تجديدية لقراءة التاريخ، وتحقيق في قضية عقائدية هو إحياء لمشروع فكري ثقافي، وهكذا كانت الحوزة النجفية، اصلاح دؤوب، وتجديد متواصل، وإذا كانت مقتضيات هذا البحث تستوجب معرفة الشخصية الاصلاحية كعينة في هذا المضمار، فان آية الله السيد محمد جمال الهاشمي مشروع اصلاحي تجديدي، ومحاولة أدبية رائعة
ان قراءة سريعة للجهد العلمي الذي بذله السيد محمد جمال الهاشمي يُطلعنا على مدى أهمية المشروع الأدبي الذي يؤسسه أمثاله فهو من طلائع العلماء المحققين ولا يلقي القضية التاريخية في مقطوعاته الأدبية إلاّ بعد تتبع علمي رائع، وجهد تحقيقي دؤوب، لذا كانت قصائده الفاطمية احدى الوثائق المهمة الشاهدة على مجريات الأحداث.
وردت ترجمته في مقدمة ديوانه كما يلي:
آية الله السيد محمد ابن آية الله العظمى السيد جمال الدين ابن الفقيه السيد حسين ابن الفقيه السيد محمد علي ابن السيد المؤمن ابن الشريف علي ابن السيد الجليل مسعود المعروف بعيشى، يرجع نسبه الشريف إلى ابراهيم المجاب ابن محمد العابد ابن الامام موسى الكاظم (عليه السلام).
ولد في النجف الاشرف، نشأ في بيت علم وتقوى حيث كان والده من مراجع الدين في عصره ومن المعروفين بالزهد والتقوى.
دخل منذ صباه الحوزة العلمية في النجف الاشرف، وتلقى علومه في هذه الجامعة الدينية الكبيرة وأخذ مقدمات العلوم على اساتذة معروفين وتلقى دروس الخارج من الاصول والفقه لدى علماء كبار أمثال الشيخ
قام بامامة صلاة الجماعة ليلا في الصحن العلوي الشريف، وظهرا في مسجد الرأس الواقع في الصحن العلوي، وصباحاً في داخل الروضة العلوية الشريفة.
توفي في شهر ربيع الأول سنة 1397 هـ ودفن في وادي السلام إلى جنب والده رحمة الله عليهما.
له من الاثار العلمية ما يلي:
1 ـ الاخلاق في القرآن الكريم: دراسة جديدة في الاخلاق على نهج المدرسة القديمة.
2 ـ حواشي على حاشية ملا عبد الله في المنطق.
3 ـ حاشية على مطول التفتازاني.
4 ـ حاشية على كفاية الأخوند تقع في جزئين.
5 ـ حاشية على رسائل الشيخ الانصاري.
6 ـ حاشية المكاسب.
7 ـ تقريرات بحث المحقق العراقي.
8 ـ تقريرات بحث والده.
9 ـ رسائل في أهم المباحث الاصولية
11 ـ الادلة الشرعية عند الامامية.
12 ـ اصول الفقه.
فضلا عن آثاره الأخرى التي لم تطبع بعد.
له قصائد في النبي وآله صلوات الله عليهم، وكانت قصيدته "بنت الخلود" من أهم قصائده الرائعة التي نظمها في ميلاد السيدة الزهراء (عليها السلام)وقد تحدث عن عظمتها وقدسيتها فضلا عن مظلوميتها وقد عرّج على ما صح لديه من خبر إسقاط جنينها "المحسن" وكسر ضلعها.
اثبتنا القصيدة من ديوانه المطبوع مع النبي (صلى الله عليه وآله) وآله (عليهم السلام)(1).
[131] بنت الخلود:
شعّت فلا الشمس تحكيها ولا القمرُ | زهراءُ من نورها الاكوانُ تزدهرُ |
بنتُ الخلود لها الاجيال خاشعةُ | أمُ الزمان اليها تنتمي العُصُر |
روحُ الحياة، فلولا لطفُ عنصرها | لم تأتلفْ بيننا الارواح والصورُ |
____________
1- مع النبي (صلى الله عليه وآله) وآله (عليهم السلام) ديوان السيد محمد جمال الهاشمي ص34. قم 1406 هـ.
سمت عن الأفق، لا روح ولا ملَك | وفاقت الأرض، لاجن ولا بشرُ |
مجبولة من جلال الله طينتُها | يرفُ لطفاً عليها الصون والخفر |
ما عاب مفخرها التأنيث أنَّ بها | على الرجال نساءُ الارض تفتخر |
خصالها الغر جلت ان تلوك بها | منا المقاول أو تدنولها الفكر |
معنى النبوة، سرُ الوحي، قد نزلت | في بيت عصمتها الآياتُ والسور |
حوت خِلال رسول الله اجمعها | لولا الرسالةُ ساوى اصله الثمر |
تدرجت في مراقي الحقِّ عارجةً | لمشرق النور حيث السرُ مستتر |
ثم انثنت تملأ الدنيا معارفها | تطوى القرون عياءً وهي تنتشر |
قل للذي راح يُخفي فضلها حسداً | وجه الحقيقة عنا كيف ينستر |
أتقرن النور بالظلماء من سفه؟ | ما أنت في القول إلا كاذب أشِر |
بنتُ النبيِّ الذي لولا هدايتُه | ما كان للحقّ، لا عين ولا أثر |
هي التي ورثت حقاً مفاخره | والعطر فيه الذي في الورد مدخَّر |
في عيد ميلادها الأملاكُ حافلةٌ | والحور في الجنة العليا لها سمرُ |
تزوجت في السماء بالمرتضى شرفاً | والشمسُ يقرُنها في الرتبة القمر |
على النبوة أضفت في مراتبها | فضلُ الولاية لا تبقى ولا تذر |
أم الأئمة من طوعاً لرغبتهم | يعلو القضاء بنا أو ينزل القدر |
قف يا يراعي عن مدح البتول ففي | مديحها تهتف الألواحُ والزبرُ |
وارجع لنستخبر التأريخ عن نبأ | قد فاجأتنا به الانباء والسير |
هل أسقط القومُ ضرباً حملها فهوت | تأنُ مما بها والضلعُ منكسرُ |
وهل كما قيل قادوا بعلها فعدت | وراه نادبةً والدمع منهمرُ |
ان كان حقاً فان القوم قد مرقوا | عن دينهم وبشرع المصطفى كفروا(1) |
[132] وقال أيضاً في قصيدة غراء:
أي خطب يبكي عليه خطابي | ومصاب قد شاب شهدي بصاب |
آه يوم الزهراء أي فؤادي | علوي عليك غير مذاب |
لك في الدهر رنة رددتها | بخشوع أجياله واكتئاب |
فهي نار تذكي القرون ونور | رف لألأوه على الاحقاب |
وهي للمجد فيه للسا | لك تبدو الصعاب غير صعاب |
غاب نور النبي وانقطع الوحي | وخارت عزائم الاراب |
وارتمى موكب الحياة وجاشت | نزعات النفاق في الاحزاب |
فانطوى النور في ظلام كثيف | نشرته جرائم الانقلاب |
وانمحى الحق والصراحة لما | ساد عهد الضلال والارتياب |
موقف أربك العصور فأخفت | رأيها في القلوب والاهداب |
____________
1- المصدر السابق.
غضبة الحق ثورة تجرف الباطل | في موج عزمها الوثاب |
وإذا اللبوة الجريحة ثارت | لهث الموت بين ظفر وناب |
شمّرت للجهاد سيدة الاسلام | عن ذيل عزمها الصخّاب |
وأتت ساحة الجهاد بايما | ن يرد السيوف وهي نواب |
حاكمت عهدها المدعى بقلب | واغر من شجونها لهاب |
لم تدع للمهاجرين وللانصار | رأياً إلاّ انمحى كالضباب |
واستعانت بالحق والحق درع | من أمان وصارم من صواب |
رجمتهم بالمخزيات فأبوا | وهم يحملون سوء المئاب |
حجج كالنجوم ينثرها الحق | ويرمي الشهاب أثر الشهاب |
فهي أما عقل وأما حديث | جاء عن نص سنة أو كتاب |
فتهاوت أحلامهم كصروح | شادها الوهم عالياً في السراب |
آه لولا ضعف النفوس لما | استرجع ركب الهدى على الاعقاب |
ولما عادت الامارة للقوم | وحازوا إمامة المحراب |
واستقرت هوج العواصف لما | قابلتها سياسة الارهاب |
لا خطاب من عاذل لا جواب | عن سؤال لا هجمة من عتاب |
ومذ انهارت الرجال وعادو | بتلول من خزيهم وروابي |
واختفى النص بالولاية لما | أظهر الكيد فكرة الانتخاب |
أو قد الغدر في السقيفة ناراً | علقت في مواكب الاحقاب |
وتلاشى "الغدير" إلا بقايا | تترامى بها بطون الشعاب |
وتوالت مناظر مؤلمات | مثلتها عداوة "الاصحاب" |
من هجوم الارجاس بالنار | كي تحرق بيت الاكارم الاطياب. |
وانكسار الضلع المقدس بالضغط | وسقط الجنين عند الباب |
وانتزاع الوصي سحباً من الدار | بتيار ثورة الاعصاب |
واغتصاب الحق الصريح جماراً | باختلاف الاعذار للاغتصاب(1) |
____________
1- وفاة الصديقة الزهراء (عليها السلام) للسيد عبد الرزاق القرم: 147.
الشيخ عبد المنعم الفرطوسي
وُلِدَ الأدب الشيعي من رحم المأساة، وأنجبت هذه المأساة شعراء مجيدين كما انها أنجبت ابداعات الأدب الشعري، واستلهم الأديب روح المأساة التي حلت بآل البيت (عليهم السلام) ليترجمها أغراضاً شعرية يقدمها في مقطوعاته، لذا فان العبقرية الشعرية كانت استجابة لمعاناة الأديب، حتى صار الأدب الشيعي رافداً مهما من روافد الأدب العربي، واذا تابعنا نتاجات الأدب الجاهلي فانها كانت لا تتعدى عن عرض أدبي يتفنن به الشاعر انتصاراً لعصبية قبلية أو غرض شخصي أراد أن يعكس في مقطوعته تعبيراً
والمشروع الأدبي الإسلامي بقدر ما هذّب سلوكية الأدب المنفلته أيام العرب الجاهليين فانه أضاف للابداع الشعري أغراضاً خاصة انطلقت للتعبير عن طموحات الأديب، فالشعر القصصي مثلا لم يكن قد تداوله الجاهلي بقدر ما اهتم برواية مشاهد يومية بسيطه، والرثاء الإسلامي الموجه لم يكن معروفاً بقدر ما كان الوقوف على الاطلال وبكاء أهلها الراحلين، والوجدانيات لم تكن متعقلة بقدر ما كان الأديب ينفلت في الهجاء والتفاخر على غير بني قومه، والعصبية القبلية برمجت حتى عواطف الشاعر لتوجهها إلى حرب باردة تجر فيما بعد إلى قتال طاحن ونزيف دماء.
وإذا أضفنا رقماً آخر في حسابات البحث عن عقلنة الإسلام لأدب الأديب، فان الشعر القصصي لم تعد قصصاً منسوجة في خيال الأديب، بل استحدث الأدب الشيعي غرضاً أخر يعبّر عن طموحات قضية ليجعل من الأدب القصصي الخيالي، أدباً موجهاً علمياً استخدم فيه قراءة التاريخ برنامجاً يوجّه فيه قصيدته، ويعبّر عن رؤيته الأدبية ضمن مشروع تاريخي يستقرأ به تاريخ أمته، وينقل فيه مشاهداته التاريخية واستقراءاته في
صاغ الشيخ عبد المنعم الفرطوسي ملحمة آل البيت (عليهم السلام) على أساس الدراما القصصية التي تستهوي القاريء والسامع لمتابعة سياقات ملحمته الأدبية، وأكد على العنصر الفني استخداماً لبرمجة روايته التاريخية، وقدّم التاريخ ليشترك فيه الأدب العربي قراءةً وتوثيقاً. عالج الشيخ عبد المنعم الفرطوسي اضطراب الرؤية التاريخية الإسلامية في مشروعه الأدبي هذا، وشخّص مواطن هذا الاضطراب بما أرهقته السياسة الحاكمية من تدوين التاريخ أو القاء القضية التاريخية بما يضمن الابقاء على قدسية النظام السياسي اللا مشروع، فاذا استطاعت الأمة قراءة سيرها التاريخي بوضوح دون إلتواء أو غموض وضحت لديها رؤى تاريخية كانت الذهنية الإسلامية بعيدة عن تصوراتها، فسعى الشاعر في ملحمته هذه إلى الجهود الفكرية التي تشارك في كسر الطوق التثقيفي المضروب على العقلية المسلمة.
ان أهمية ملحمة الشيخ الفرطوسي متأتية من شاعريته العلمية ومن علميته الشاعرية، فهوالأديب الشهير، والشاعر المجيد، والفاضل المحقق،
1 ـ شرح الاستصحاب من رسائل الشيخ الانصاري يقع في ألف صفحة.
2 ـ شرح مجموعة الرسائل وهو نتيجة العهد الذي درس فيه على السيد الاحسائي وغيره.
3 ـ شرح الجزء الأول من كفاية الأصول يقع في 800 صفحة.
4 ـ شرح مقدمة المكاسب وصل به إلى كتاب المعاطاة.
5 ـ شرح شواهد مختصر المطول.
6 ـ منظومة في الاشكال والضابطة من علم المنطق في حاشية ملا عبدالله.
7 ـ ديوان شعره ويقع في أربعة أجزاء.
8 ـ الوجدانيات، مجموعة ذات ألوان وصفية ووجدانية من شعره.
____________
1- راجع في ترجمته شعراء الغري 6: 4.
هذه جوانب شخصيته العلمية، واذا أضفنا معاناته السسياسية التي طبعت مشاريعه الأدبية وما لقيه من مضايقات الأنظمة الجائرة، مسحت أعماله الأدبية بصبغة تراتيجدية حتى طغت مسحة الحزن والمعاناة على أغلب مقطوعاته فصار شعره معبّراً عن معاناة الأمة كما هو معبّر عن معاناته الشخصية أيضاً، لذا فانك تجد أن ملحمته عن آل البيت (عليهم السلام) قد أخرجت مأساة الزهراء (عليها السلام) بصيغتها العلمية الكاملة فضلا عن اللون الأدبي الحزين الذي رافق مقطوعته الفاطمية، وكانت مسألة اسقاط المحسن (عليه السلام) قد أبدع في نقلها وتصويرها بما يضمن الابقاء على اللون الأدبي الذي ارتسمت به معالم الأدب الشيعي الحزين.
دعّم قضية اسقاط المحسن بتحقيقاته المعروفة المتقنة.
ولكي تكتمل رؤية هذه المقدمة فان ملحمته الفاطمية نوردها لتشارك في تأكيد ما قدمناه.
غصبوا حقها جهاراً فأبدوا | كلما أضمروا لها في الخفاء |
أنكروا فرض إرثها من أبيها | وهي كانت من أقرب الأقرباء |
حين صدّوا ببدعة ونفاق | فدكاً عن سليلة الأنبياء |
وهي ممّا أفاءه الله لطفاً | لأبيها محمد من عطاء |
ناشدتهم بالله عهداً فعهداً | أن يفيقوا من سكرة الجهلاء |
فتعاموا عن الهداية جهلاً | حين صمّوا عن منطق العقلاء |
بعد ردّ منهم بما أثبتته | أنّها نحلة بخير ادّعاء |
وعليّ وأُمّ أيمن للزهراء | كانا من خيرة الشهداء |
وكفى حجّة على عهد طه | بيديها كانت بعدل القضاء |
غير أن النفوس بالغّي مرضى | من قديم وما لها من شفاء |
بني قيلة:
يا بني قيلة أَأُهضم إرثي | من أبي جهرة بشر اعتداء(1) |
وبمرأىً أنتم ومسمع مني | في مكان دان بدون تنائي |
ولكم عدة وخير عديد | وسلاح وسطوة الأقوياء |
لا تغيثون صرخة من صريخ | لا تجيبون عند وقت الدعاء |
____________
1- قيلة: قبيلتا الأنصار: الأوس والخزرج.
أفلستم وُصفتمُ بصلاح | وعُرفتم في نجدة وإباء |
خير جند ونخبة قد حُبيتم | لبني أحمد بخير اصطفاء |
أولستم قاتلتم العرب كداً | وتحملتم عظيم العناء |
وقديماً كافحتم دون وهن | أمة بعد أُمة بمضاء |
حيث كنا وحيث كنتم جميعاً | معنا في تعاون والتقاء |
قط لا تبرحون في كل حين | بائتمار لأمرنا وانتهاء |
أفأنتم جبناً تفرون عنا | بفراق منكم بدون اتقاء |
حين دارت رحى الرشاد ودرَّت | حَلبة الدهر في معين الرواء |
واستكانت للشرك ثغرة غي | خضعت ذلةً بدون إباء |
وعرى فورة الضلال سكوتُ | وتلاشت نار العمى بانطفاء |
ونظام الدين استتم كمالا | بعد فوضىً عمَّت بكم وشقاء |
كيف حزتم بعد البيان وصرتم | بعد إعلانكم بهذا الخفاء(1) |
ونكصتم بعد النهوض نكولا | ورجعتم للشرك بعد اهتداء |
فشناراً لكم وبؤساً لقوم | نكثوا عهدهم بدون وفاء |
أفتخشونهم من الرعب خوفاً | وهو أولى بالخوف والاختشاء |
فاعملوا إنكم ستجزون عدلا | أجر أعمالكم بيوم اللقاء |
____________
1- حزتم: ضممتم حقنا اليكم.
أفأخلدتم إلى الخفض لهواً | بعد جدّ في دينكم وعناء(1) |
ودفعتم عنها الذي هو أحرى | من سواه في منصب الخلفاء |
وهو أولى بالبسط والقبض منهم | بعد فقدان خاتم الأنبياء |
ونجوتم بالضيق من كل وسع | وخلوتم في رغدة وهناء |
ما وعيتم مججتم ودسعتم | ما تسوّغتم من الارتواء(2) |
إن كفرتم ومن على الأرض طراً | فهو عن سائر الورى في غناء |
وأنا قلت كل ذلك ردعاً | لكم عن ضلالة الكبرياء |
بعد علم مني بجذلة كفر | خامرتكم ورغدة ورياء(3) |
غير أني من نفثة الغيض أُدلي | ببيائي وشدة البرحاء |
ولحزن من فيضة النفس يطغى | ولتقديم حجة بيضاء |
دونكم بالشنار فاحتقبوها | نقبة دبرة بدون وطاء(4) |
وهي موسومة من الله بالسخط | ستبقى عاراً بدون انقضاء |
وعذاب الجحيم أسوأ عقبىً | ومآلا لكم بيوم الجزاء |
____________
1- أخلدتم: ملتم. الخفض: الخصب واللين.
2- الدسع: القيء. وتسوغ الشراب: شربه بسهولة.
3- الجذلة: ترك النصر. خامرتكم: خالطتكم.
4- احتقبوها: حملوها على ظهورهم. ودبر البعير: أصابته الدبرة ـ بالتحريك ـ وهـ جراحة تحدث من الرحل. والنقب: يقال نقب خف البعير، رق وتثقب.