سيرى الظالمون أي انقلاب | لهم عند ساعة الإنتهاء |
وانا للبغاة بنت نذير | من شديد العذاب يوم البقاء |
احتجاج الزهراء على أبي بكر:
وتناهى بها الحديث فقالت | وهي تدلي بالحجة البيضاء |
لأبي بكر وهو يصغي إليها | بين حشد من مجمع الجلساء |
أبدين الله الذي فيه جاءت | للبرايا شرائع الأصفياء |
أنت تُعطى إرثاً وأُمنع إرثي | من أبي دون سائر الأبناء |
مالكم قد تركتم الذكر عمداً | وهو يبدو أمامكم من وراء |
أخُصصتم بآية أخرجتنا | دون باقي الأبناء والآباء |
أم بحكم الكتاب أعلم أنتم | من عليّ وأحمد في القضاء |
أتقولون أهل شرعين كانا | أفلسنا من ملّة الحنفاء |
ها هو الذكر شاهد ولسان | ناطق صادق بغير افتراء |
حين أضحي ميراث داود فيه | لسليمان دون أيّ خفاء |
وليحي الميراث من زكريّا | وهو أمسى وليّه في الدعاء |
قال هب لي يا ربّ منك وليّاً | وارثاً لي فأنت ربّ العطاء |
قال فيه يوصيكم للبرايا | في اقتسام الميراث بعد الفناء |
مثل حظ للانثيين يكافى | ذكُر من بنيكم في العطاء |
والوصايا للوالدين بخير | حين يبقى خير وللأقرباء |
وجميع الأرحام أولى ببعض | بعضهم في كتاب ربّ القضاء |
أفلا تكتفون فيما أتاكم | منه نصاً وفيه خير اكتفاء |
فتحمل اعباءها سوف تأسى | حين منها تنوء بالأعباء |
يوم تلقاك عند حشر ونشر | مثقلا بالأوزار يوم اللقاء |
فالزعيم النبي والحكَم الله | ونعم الميعاد يوم الجزاء |
جواب أبي بكر:
فتصدى منهم أبو بكر رداً | لاحتجاج الزهراء دون ارعواء |
قال يا بنت أحمد كان طه | برجال الهدى من الرحماء |
وعلى الكافرين كان عقاباً | وعذاباً صَبّا عظيم البلاء |
ان عزوناه في انتساب وجدناه | أباك من دون باقي النساء |
وأخا إلفك الحميم عليّ | دون باقي الأصحاب والرفقاء |
آثر المرتضى على كل خل | واغتدى عونه على الخُصماء |
لا يواليكم سوى السعداء | ليس يقلوكم سوى الأشقياء |
أنتم عترة النبي اجتباكم | ربكم للورى بخير اجتباء |
وأدلاّ ؤنا على الخير رشداً | وطريق لجنة السُعداء |
أنت يا خيرة النساء مقاماً | وابنة الحق خيرة الأصفياء |
لا تقولين غير صدق وحق | ليس فيه من ريبة وافتراء |
غير مردودة عن الحق ظلماً | واغتصاباً من سائر الحُنفاء |
وأنا ما عدوت سنة طه | وتحديث رأيه بالقضاء |
وأنا رائد أيكذب حقاً | رائد أهله بأي افتراء |
وأنا أُشهد الإله بصدق | وهو بالحق خيرة الشُهداء |
انني قد سمعت من فم طه | قال إنا معاشر الأنبياء |
كل فرد يورّث العلم منا | لبنيه وحكمة الحكماء |
كل ميراث فضة ونضار | قد تركنا يكون للأولياء(1) |
فولي الأُمور يحكم فيه | حين يقضي بحكمه في استواء |
ورأينا بأن يكون سلاحاً | وكراعاً لأُمة الحُنفاء |
فوضعناه فيهما كسواه | لجهاد الكفار والأشقياء |
وأنا ما انفردت فيه برأيي | مُستقلا عن سائر الآراء |
حيث قام الإجماع منهم عليه | باتفاق ما بينهم والتقاء |
وأنا في يديك حالي ومالي | فاحكمي فيهما بكل مُشاء |
ليس يزوى عليك منّي شيء | لحجاب محصن ووقاء |
ولأنت الأُم الزكيّة طُهراً | وسمواً لولدك الأزكياء |
____________
1- النضار: الذهب.
ولك العز والسيادة فينا | شرفاً بعد فضلك المترائي |
دون وضع للأصل والفرع طراً | منك بعد العلو والارتقاء |
كل حكم عليّ يصدر ماض | نافذ منك ساعة الإمضاء |
أتريدين أن أُخالف طه | بالذي تطلبين دون اهتداء |
ردها على أبي بكر:
فأجابت سبحان رب البرايا | لم يكن قط خاتم الأصفياء |
صادفاً عن كتابه مستحلا | بعض أحكامه بدون اختشاء |
فهو طول الحياة ما زال يقفو | أثر الذكر في أتم اقتفاء |
أمع الغدر تجمعون ضلالا | قولة الزور ساعة الإفتراء |
مثلما كدتموه حياً فهذا | هو كيد له عقيب الفناء |
فكتاب الإله هذا لعمري | حكمُ عادلُ بفصل القضاء |
كل نص مخالف لكتاب الله | منكم أحق بالإمتراء |
وهو أوحى ميراث داوود حقاً | لسليمان دون أي مراء |
قال هب لي من آل يعقوب بعدي | يرث الفضل خيرة الأولياء |
وأبان الله الفرائض طراً | في المواريث دون أي خفاء |
عند توزيعه السهام بعدل | لذويها بدون أي اعتداء |
ما أزاح الرحمن فيه جلياً | شبهات العمى بدون غشاء |
إنما سوَّلت لك النفس أمراً | فاصطباراً على عظم البلاء |
فتلا قائلا أبو بكر جهراً | قولها في صراحة وجلاء |
صدق الله والرسول وحقاً | صدقت بنت خاتم الأنبياء |
معدن الحكمة البليغة ركن الدّين | عين المحجة البيضاء |
غير مستنكر خطابك فينا | دون قولى مني صوابك نائي |
ها هم المسلمون قد قلدوني | فتقلدت منصب الخلفاء |
وأخذت الذي أخذت بشورىً | واتفاق وهم من الشهداء |
غير مستأثر بما كان مني | دونهم في بداية وانتهاء |
وهي قالت لهم عقيب التفات | معشر المسلمين والحنفاء |
كيف أسرعتم عقيب التغاضي | عن قبيح الفعال للإفتراء |
أفلا تقرءون قرآن ربي | أنتم في تدبر واهتداء |
أم على تلكم القلوب من الريبة | أقفال ضلة وامتراء |
بل عليها قد ران ما قد أسأتم | من قبيح الأفعال والأخطاء |
آخذاً عند ذاك بالسمع منكم | وجميع الأبصار بعد غطاء |
ساء والله ما به قد أشرتم | واغتصبتم في ساعة الاعتداء |
عن قريب يكون حمِلا عليكم | بعد غبّ من أثقل الأعباء |
عند كشف الغطاء والستر عنكم | حينما تصبحون دون وقاء |
بئس للظالمين فالنار مثوىً | ومقرلهم بيوم البقاء |
لم تزل تقرع المسامع منهم | مرتجات باليأس دون رجاء |
وتهز المشاعر الصمَّ لكن | وجدتها كالصخرة الصماء |
ثم قامت عنهم لقبر أبيها | تشتكي ما أصابها من بلاء |
واستكانت لربها بانقطاع | وأتت بيتها بدون غناء |
علي والزهراء (عليها السلام) عتابُها لأمير المؤمنين (عليه السلام):
وعليّ تطلعاً وانتظاراً | لرجوع الزهرا من الرقباء(1) |
فرنت نحواه بطرف حزين | بين شكوى مريرة وبكاء |
وأُثيرت منها الشجون وقالت | عتباً يا ابن سيد البطحاء |
قد تواريت فاشتملت احتجاباً | شملةً للجنين خلف غطاء |
من توان قعدت دون نهوض | حجرة للظنين دون غناء(2) |
ولقد خان فيك من دون ريش | أعزلُ عن منال كل رجاء(3) |
بعد ما قد نقضت قادمة الأجدل | من جانبيك دون بناء(4) |
____________
1- احتجاج الطبرسي: 1/145.
2- الحجرة: الغرفة او الناحية، والظنين: قليل الخير، والمقصود جلست مجلس من لا فائدة فيه على غير عادتك، او هو المتهم الذي يخاف المطالبة بحقه.
3- الأعزل: الطائر لا ريش له.
4- الأجدل: الصقر.
كيف تغضي عني وهذا فُلان | بزّني نحلتي بغير اتقاء(1) |
أنا ألفيته الألدّ عداءً | في خصامي من سائر الخصماء(2) |
هذه قيلة من الغدر عني | حبست نصرها بغير وفاء |
وقلاني المهاجرون جميعاً | بعد قطع لوصلهم بجفاء |
ولقد غضت الجماعة دوني | طرفها من غضاضة وعداء |
أنا لا دافع بقيت ولا مانع | عني يصد كل اعتداء |
وأنا قد خرجتُ كاظمة الغيظ | بنفسي من شدة الإستياء |
ولقد عدت منه راغمة الأنف | هوانا من سطوة الكبرياء |
ولعمري أضرعتَ خدك ذلا | وخضوعا لهم بدون إباء(3) |
حينما قد أضعتَ حدَّك صبراً | فتبقيت دون أي وقاء |
وافترشت التراب وافترست غابك | هذي الذئاب دون اتقاء |
قائلا ما كففتَ بعد تغاض | طائلا ما أغنيت أي غناء(4) |
ليت أني قدمُتُّ من دون ذُلّي | واضطهادي من قبل يوم فنائي |
وعذيري منه إله البرايا عادياً | بعد محنّي وبلائي(5) |
____________
1- بزني: سلبني.
2- الألد: شديد الخصومة.
3- أضرع خدة: خضع وذل.
4- طائلا: أي نافعاً، المعنى ما فعلت شيئاً نافعاً.
5- العذير: النصير، والعادي: الخصم المتجاوز.
ولنفسي منه وأنت كفيلي | خير حام في ساعة الإحتماء |
أنا ويلاي عند كل صباح | أنا ويلاي عند كل مساء |
عضدي قد وهت وقد مات مني | عَمَدي فاغتديت دون وقاء |
أنا عدواي للإله وشكواي | لحزني بخاتم الأنبياء(1) |
أنت ربي أشد حولا وبأساً | ونكالا منهم بيوم الجزاء |
قال وهو الصبور لا ويل حقاً | لك لكن ويل لأهل العداء |
نهنهي يا ابنة النبوة عن وجدك | صبراً في سلوة وعزاء(2) |
أنا والله ونيت عن الدين | بيوم ولا عدوت قضائي |
وإذا كنت تبتغين بهذا | بلغةً من حطام دار الفناء |
فهو للرزق ضامن وكفيل | لك فيه من خيرة الأُمناء |
والذي قد أُعدّ خير وأبقى | لك مما زووا بدار البقاء |
فأجابت وأمسكت هو حسبي | وكفي جازياً بربّ السماء |
خطبة الزهراء (عليها السلام) في نساء المهاجرين والأنصار:
قلن يا بضعة النبي المزكّى | كيف أصبحت بعد هذا العناء(3) |
____________
1- العدوى: طلبك إلى وال لينتقم لك من عدوك.
2- أي كفي عن حزنك وخففي من غضبك.
3- احتجاج الطبرسي 1/147.
فأجابت أصبحت والله ممّا | قد دهاني قد عفت دنيا الفناء |
وقليت الرجال منكنّ لفظاً | بعد عجم لهم وحسن بلاء(1) |
فشناراً للَّعب من بعد جدّ | وفلول للحدّ بعد المضاء |
ولصدع القناة دون التئام | ولقرع الصفاة دون ارتخاء |
ولزيغ الأهواء دون اعتدال | ولختل الأفكار والآراء(2) |
بئس ما قدّموا من الخزي كفراً | بعد سخط الباري ليوم الجزاء |
ولعمري قلدتهم حين مالوا | عن هدى الحق ربقة الأُسراء |
وبنصحي حمّلتهم حين صموا | وعموا عنه أوقة الأعباء(3) |
وشننت الغارات حرباً عليهم | غارة بعد غارة شعواء(4) |
ويحهم عن مهابط الوحي أنّى | زعز عوها ومعدن الأنبياء |
ورواسي الإيمان والعدل منّا | والطبين الخبير في كل داء(5) |
في جميع الأُمور ديناً ودنيا | دون جهل فيها ودون اختفاء |
إن هذا الخطء الذي ارتكبوه | لهو شر الخسران دون اختشاء |
ليت شعري وما الذي نقموه | من عليّ بعد الأذى والعناء |
____________
1- لفظه: رماه. عجمه: اختبره.
2- ختل الآراء: زيفها وخداعها.
3- الأوقة: الثقل.
4- شن الغارة: وجهها من كل ناحية.
5- الطبين: الفطن العالم بجميع الامور.
نقموا من عليّ بأساً شديداً | وجهاداً في الله دون رخاء |
ونكيراً من سيفه ونكالا | صارماً في تنمّر وإباء |
قلة الخوف والمبالاة زهداً | منه في حتفه بيوم اللقاء |
ويميناً لو أنهم بعد كفر | وضلال مالوا عن الإستواء |
لهداهم إلى المحجّة رشداً | فاستقاموا بالحجّة البيضاء |
ولساروا وسار بالقوم سيراً | سجحاً في مناهج الإهتداء(1) |
لا يصاب الخشاش منه بكلم | دون عنف منه ودون التواء |
لا يملّ المسير فيه عناءً | أو يكلّ الساري به من عياء |
وسقاهم من منهل الحق ورداً | عَذِباً سائغاً لفرط الصفاء |
تطفح الضفتان منه معيناً | خالصاً من ترنق الأقذاء |
ولعادوا عند الصدور بطاناً | بعد شبع الطاوي بخير امتلاء |
مع رشد لهم ونصح مبين | منه يبدو في الجهر شبه الخفاء |
وهو في العيش لم يكن يتحلى | منه في طائل بطول البقاء |
ليس يحظى بنائل قطّ منها | بعد زهد عن نيله وجفاء |
غير ريّ لناهل حين يظمى | مع شبع الكافل من غذاء(2) |
____________
1- السجح: السهل.
2- الكافل: الذي يصل الصيام ولم يصب غذاء ولا عشاء.
وتجلّى عن المطامع زهد | لهم صادق بغير افتراء |
قال لو آمنوا فتحنا عليهم | بركات من الثرى والسماء |
غير أن القرى بغت فاستحقت | بعد جحد النعماء سوء الجزاء |
وبحقّ لو عشت أبصرت أمراً | عجباً في الزمان دون انقضاء |
أي عذر لهم بما اكتبسوه | من عظيم الإجرام والأخطاء |
أفلا يعلمون ما اجترموه | من حرام في عترة الأزكياء |
حينما استبدلوا القوادم منّا | بالذنابا منهم بغير ارعواء |
واستعاضوا عن كاهل الدين كفراً | وضلالا بالعجز دون اهتداء(1) |
فابتعاداً لمن أساءوا وظنّوا | أنهم يحسنون دون اتقاء |
ويحهم للرشاد من كان يهدي | من سواه أحق بالاقتداء |
ما لهم يحكمون من غير علم | بعد جهل منهم بعدل القضاء |
فانتظاراً فسوف تنتج ممّا | لقحت كلّ فتنة عشواء |
وسيملى منها نجيعاً عبيطاً | وذُ عافاً في الحلب كل اناء(2) |
ويرى الآخرون ممّا بناه | لهم الأولون غبّ البناء(3) |
____________
1- الكاهل: مقدم الظهر مما يلي العنق. العجز: مؤخر الشيء.
2- الدم العبيط: الخالص الطري. الذعاف: السم الذي يقتل من ساعته.
3- الغب: العاقبة.