ولتطيبوا عن الحياة نفوساً | واستعدّوا للفتنة العمياء |
وابشروا للدمار فيكم بسيف | صارم لا يفل بعد المضاء |
وبحكم لغاشم متعدّ | مُستبدّ من سطوة الأُمراء |
يقتفيه ممّا تثير البلايا | هرج شامل بشر اقتفاء |
يدع الفيء والجموع زهيداً | وحصيداً منكم بحد الفناء |
ما لكم عُمِّيت عليكم فبعداً | لكم من معاشر جهلاء |
كيف تهدون للصواب رشاداً | بعد كره منكم لكل اهتداء |
فأعادت تلك النساء عليهم | ما وعته من خطبة الزهراء |
فأتاها منهم رجالُ وقالوا | بعد عذر منهم بغير حياء |
لو علمنا من قبل أن يبرم العهد | بهذا من سيّد الأوصياء |
ما عدلنا عنه فقالت إليكم | بعد هذا عنّي لفرط التنائي |
أيّ عذر لكم بما كان منكم | بعد تعذيركم بغير انتهاء |
وحصول التقصير حين تجلّى | لكم الأمر في أتمّ جلاء |
احتجاج الصديقة فاطمة (عليها السلام) بحديث الغدير:
واحتجاج الزهراء خير احتجاج | فيه أدلت بالحق خير النساء |
بحديث مسلسل قد تجلى | في حديث الغدير أبهى جلاء |
حين قالت نقضاً لما أبرموه | دون رشد من بيعة الخلفاء |
أنسيتم والعهد غير بعيد | قول طه في سيّد الأوصياء |
يوم خمّ من كنت مولاه حقاً | فعليّ مولاه دون افتراء |
ومقال النبي وهو صريحُ | لعليّ في إمرة الحنفاء |
أنت منّي كما لموسى بحق | كان هارون خيرة الوزراء |
عند ابقائه بغزو تبوك | خلفاً في المدينة الغرّاء(1) |
فدك:
فدك قرية من النخل كانت | في مكان عن يثرب غيرنائي(2) |
قطّ ما أوجفوا عليها بخيل | وركاب في البدء والإنتهاء |
فهي من جملة الصفايا لطه | والصفايا لخاتم الأنبياء |
وهي ممّا أفاء فيها عليه | ربُّه من كرامة وعطاء |
فهي ملك لخاتم الرسل محض | خالص دون سائر الحنفاء |
صالح المصطفى اليهود عليها | ليكونوا فيها من الامناء |
فاصطفاها لنفسه وحباها | نحلة للزكيّة الزهراء |
حينما انزلت عليه وآتوا | حقّ أدنى الأرحام والأقرباء |
____________
1- الغدير: 1/196.
2- الغدير: 16/368 عند نزول آية: "وآت ذا القربى حقه" دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليهم السلام) وأعطاها فدكاً.
فدعاها وقال هذا عطاء | لك منّي بأمر ربّ السماء |
وهي كانت في عهده بيديها | خير ملك لها وخير حباء |
قد أقامت وكيلها وهو حيّ | واستقلّت تصرّفاً في النماء |
وأبو بكر حين خُلّف فيهم | بعد فقد ان خاتم السفراء |
طرد العامل الموكّل فيها | لابنة المصطفى بأقسى جفاء |
وأتت عنوةً لمسجد طه | وهي تسعى في لمة من نساء |
وأبانت ما جاء في الذكر نصّاً | في المواريث من حكيم القضاء |
وأقامت ما حجّه ـ فأتاها ـ | بعد دحض بالحجة البيضاء |
بحديث ما أنزل الله فيه | آية قط في كتاب السماء |
وسواه لم يروه فهو ممّا | خُصّ فيه من بدعة وافتراء(1) |
ولقد خاصمته أُخرىً فقالت | نحلة من أبي بأقوى ادعاء |
أقامت شهودها فحباها | منه صكاً بها بغير وفاء |
حينما في يديه بعد انتزاع | عمرٌ شقّه بوقت اللقاء(2) |
واستمرت في المنع حتى تولىّ | عمرٌ بعده على الحنفاء |
____________
1- شرح النهج لابن أبي الحديد 16 / 220 ذكر أن حديث النبي لا نورث ذهباً ولا فضة لم يروه أحد غير أبي بكر.
2- الغدير 7 / 194 عن السيرة الحلبية / 291 ذكر أن عمر شق صك فاطمة.
فحباها لأهلها دون منع | بعد دفع من أول الخلفاء(1) |
تضارب الآراء من ولاة الامور في فدك:
وعجيب هذا التضارب فيها | من ولاة الامور في الآراء |
فهي إن كان نحلة ونصيباً | من فروض الميراث للأولياء |
كيف صُدّت عن أهلها وهي حق | من أبي بكر ساعة الإبتداء |
وهي إن كان مثل ما قال فيئاً | كيف تعطى من آخر بسخاء |
واصطفاها عثمان بعد انتزاع | وحباها مروان دون اختشاء(2) |
حين أضحى من آل أحمد أولى | بمواريث خاتم الأنبياء |
وطريد النبي لا شك أولى | عند عثمان من بني الأزكياء |
وهي مما تُنعى عليه وكانت | عاملا من عوامل الإستياء |
وتولىّ ابن هند فيمن تولّى | بعد هذا ظلماً من الامراء |
فحبا ثلثها يزيداً وثلثاً | لابن عثمان دون أي اتقاء(3) |
واجتباها مروان حين تولّى | مستقلا له بشر اجتباء |
____________
1- الغدير 7 / 195. ذكر أن عمر بن الخطاب رد فدكاً لأهل البيت (عليهم السلام) نقله عن البخاري 5 / 102.
2- الغدير 8 / 336 عن أبي الفداء في تاريخه 1 / 168 أن مما نقم الناس على عثمان اعطاء فدك إلى مروان بن الحكم.
3- الغدير 7 / 195 ذكر أن معاوية أقطع ولده يزيد من فدك ثلثاً ولمروان ثلثاً ولابن عثمان ثلثاً.
وحباها عبد العزيز فكانت | بيديه ملكاً ليوم الفناء |
واصطفاها مستخلصاً بانفراد | عمر أمرها بخير اصطفاء |
وحباها في الملك حين تولّى | لنبي فاطم بخير حباء(1) |
بعد رفع السباب والشتم ممن | أبدعوه عن سيّد الأوصياء |
وإليه الرضي بالشعر أوحى | "يا ابن عبد العزيز" عند الرثاء |
وتعدى ابن عاتك بعد أخذ | فحواها يزيد دون إباء |
واستمرت في آل مروان حتى | أذهب الله دولة الطلقاء |
وأعاد السفاح ما كان منها | أخذوه للعترة النجباء |
ورجوع المنصور فيها رجوعٌ | ونكوصٌ عن مسلك الإستواء |
وعدول المهدي عنها اعتدال | واستواء في منهج الإهتداء |
وتمادى موسى وهارون فيها | وتعامى الأمين بالإقتداء |
وتهادى المأمون حين اعيدت | لذويها في عهده بلواء |
واصطفاها لنفسه بعد أخذ | جعفر معلناً بنصب العداء |
وحباها بعد الله من قد نماه | عمر البازيار شر انتماء(2) |
وتعدى ظلماً فأرسل شخصاً | صرم النخل في يد الإعتداء |
____________
1- الغدير 7 / 195 ذكر أن عمر بن عبد العزيز رد فدكاً لبني فاطمة.
2- شرح النهج 16 / 217 أن المتوكل جعفر أعطاها لعمر بن البازيار.
فعراه بعد الحذاذ انتقاماً | فلج فاتك بأعظم داء |
جذ منها ما قام من نخلات | هي من غرس خاتم الأنبياء |
كان أبناء فاطم وعلي | تجتني تمرها لأهل الولاء |
فإذا جاء موسم الحج جاءوا | وأفاضوا فيها على الحنفاء |
فيعيشون منهم بالهدايا | حين تهدى لهم بكل سخاء |
باب دار فاطمة (عليها السلام):
وأتوا باب دارها دون إذن | وعليٌ فيها رهين الفناء |
وبأيديهم من الحقد يذكو | قبسٌ مضرمٌ بنار العداء |
قيل في الدار فاطم بنت طه | قال شخص "وإن" بغير اختشاء(1) |
أحرقوه وبنت أحمد حسرى | تختفي خلفه بغير رداء |
فجرى ما جرى على بنت طه | وهي تدعو وراءه ببكاء |
من حديث المسمار والضلع منها | وسقوط الجنين إثر الدماء |
وأحاطوا بالمرتضى فأضاعوا | ذمّة المصطفى بغير وفاء |
حين قادوه بالحمائل ظلماً | ومنلالا منهم بغير اهتداء |
وعدت خلفه وعادوا فبئساً | لهم من ثلاثة أشقياء |
ألمّوها بقسوة وجفاء | دونما رحمة ودون ولاء |
____________
1- ابن قتيبة الامامة والسياسة 1 / 12.
بين وكز بنعل سيف ولطم | بان في جفن عينها الحمراء |
وسياط تُلوى على عضديها | من يدي قنقذ بأقسى جفاء |
وأتوا بالوصي مسجد طه | وهي بالباب امسكت للدعاء |
قيل بايع فقال إن لم أُبايع | قيل تجزى بالقتل شرّ جزاء |
قال هل تقتلون لله عبداً | وأخاً للرسول محض الإخاء |
فأجابوه أنت لله عبدٌ | لا أخاً للرسول دون حياء |
فأرادت كشف القناع فهبّت | شرّ ريح عليهم سوداء |
قلعت من أساس مسجد طه | كل حيطانه وكل بناء(1) |
فاستغاثوا بالمرتضى فاغيثوا | بعد يأس منهم بخير رجاء |
فأتاها سلمان يعدو وأوحى | بعد أمر من سيّد الأوصياء |
بعث الله رحمة ونجاة | للبرايا أباك بعد الشقاء |
لا تكوني يا بنت خير البرايا | بعد فقدان خاتم الأنبياء |
سبباً في هلاك أُمّة طه | ومثاراً لسخط ربّ السماء |
فأجابت لن أترك الباب حتى | يتركوا حيدراً بلا إيذاء |
وإذا بالصياح فيهم دعوه | واتركوه لها من الحنفاء |
فأتاها وقال حين رآها | كيف أصبحت يا ابنة الأزكياء |
____________
1- مناقب ابن شهر آشوب 3 / 340.
فأجابت إن كنتَ كنتُ بخير | أو بشر على صعيد سواء |
وأتت بيتها عليلة نفس | قد أُصيبت منهم بأعظم داء |
لعن الله أُمّة ظلمتها | وسقتها صبراً كؤوس الفناء(1) |
الشيخان على باب فاطمة (عليها السلام):
وأتاها الشيخان بعد هنات | ظلماها فيها بغير ارعواء |
وهما عائدان وهي بحال | ليس يرجى لسقمها من شفاء |
وأرادا إذن الدخول عليها | فأبت نفسها أشد الإباء |
فتعصّى عليهما الأمر حلا | فأُضلا عمىً بغير اهتداء |
فاستغاثا بغوث كل طريد | واستجارا بسيد الأوصياء |
فأتاها وقال إنّ فلاناً | وفلاناً تظلّلا بردائي |
يطلبان الدخول منك بإذن | جعلاني فيه من الشفعاء |
فأبت أن تجود فيه فأوحى | من حنان لها بلحن الولاء |
إننّي قد ضمنت إذ كلماني | لهما الاذن قبل ذا من حيائي |
فأجابت فأذن لمن شئت وامنع | أنت من شئت دون أي اتقاء |
إنما الحرّة التي تصطفيها | لك زوج وأنت ربّ الفناء |
فاستطارا بشراً بما أدركاه | بعد يأس أودى بكل رجاء |
____________
1- مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 3 / 340.
ثم قالا جئناك يا بنت طه | نطلب القرب منك بعد التنائي |
ونروم الغفران والعفو عمّا | قد مضى آنفاً من الأخطاء |
بعد تقصيرنا بحقك ظلماً | وعناداً في البدء والإنتهاء |
فتولت بوجهها وهي غضبى | عنهما نحو حائط في البناء |
وأجابت إني لأسأل حقاً | فأجيبا صدقاً بغير افتراء |
هل سمعتم ما قال طه بحقي | لكما مثل سائر الحنفاء |
فاطم بضعتي وبهجة نفسي | وهي منّي ايذاؤها ايذائي |
يغضب الله حين تغضب سخطاً | ورضاها رضاً لرب السماء |
فأجابا إنّا سمعنا مراراً | كل هذا من خاتم الأنبياء |
فرنت للسماء شكوىً وقالت | بعد نشر اليدين عند الدعاء |
ربِّي اشهد بأن بكراً وعمراً | آذياني وأجهدا في عدائي |
فاذهبا في كراهة لست أرضى | أبداً عنكما ليوم البقاء |
وسأشكو إلى أبي ما دهاني | عنوة منكما بوقت اللقاء |
فاستمرت حتى قضت بنت طه | وهي غضبى عليهما من جفاء(1) |
____________
1- البخاري 4 / 96 روى عن عائشة أن فاطمة (عليها السلام) غضبت على أبي بكر فهجرته وماتت وهي مهاجرة له. وروى دخول الشيخين على فاطمة يعتذران. الخ... ابن قتيبة 1 / 12 في كتاب الإمام والسياسة.
دخلوا الخدر وهي حسرى عليها | فاستهانوا بحرمة الزهراء(1) |
عصروها فأسقطوا خير حمل | من حشاها بقسوة وجفاء |
كسروا ظلعها بعصرة باب | ضرَّجت صدرها بفيض الدماء |
لطموا خدها بكف عناد | نثرت قرطها على الحصباء |
سوّدوا متنها ضلالا وكفراً | بسياط الشحناء والبغضاء |
أخرجوا بعلها عليّاً من البيـ | ـت فأضحى يقاد كالاسراء |
وهي تعدو وراءه وهي تدعو | بجنين وصرخة وبكاء |
ما رعوها وهي الوديعة فيهم | بعد طه من سيّد الامناء |
ما أجاروا بنت الهدى ين جاروا | فأضاعوا ذمام كل وفاء |
أي ذنب جنته بضعة طه | فجزوها ظلماً بأقسى الجزاء |
لعن الله من أباح حماها | مستطيلا بالجور والإعتداء |
وفاتها (عليها السلام):
لم تزل بعده عليلة جسم | لقليل السلوى وطول البلاء(2) |
وهي يغشى من السقام عليها | كل حين من كثرة الإغماء |
لم تفارق فراشها من نحول | قد براها ضعفاً وطول عناء |
____________
1- كشف الغمة 2 / 119.
2- مناقب ابن شهر آشوب 3 / 362.
وهي تبكي ليلا نهاراً أباها | بدموع الذكرى بغير انتهاء(1) |
قاتل الله قوم سوء بغاة | منعوها عن الأسى والبكاء |
أخرجوها من بيتها حين ضجوا | لعليّ من كثرة الإستياء |
فاستظلت ظل الأراكة لكن | قطعوها بقسوة وعداء |
فأقام الوصي بيتاً وسمّا | ه ببيت الأحزان والأرزاء |
فهي تأوي إليه كل نهار | ثم تأتي لبيتها في المساء |
لم تزل دأبا النياحة حتى | أسلمتها إلى قسي الفناء |
حين أوصت بكل ما طلبته | ساعة الموت سيّد الأوصياء |
وقضت نحبها وفي عضديها | أثرٌ من سياطهم مترائي |
فأتت ربّها بضلع كسير | من حشاها ومقلة حمراء |
فبكاها الوصيّ شجواً لأمر | كتمته عنه وعن كل راء |
وأتى للبقيع بالنعش ليلا | بعداد من صحبه الأتقياء |
وأهال الثرى عليها وعفّى | قبرها في غياهب الظلماء |
وقوف أمير المؤمنين على قبر فاطمة (عليها السلام):
قد بكاها حتى تفجر وجداً | وحنيناً على نشيج البكاء(2) |
ورثاها بالدمع من مقلتيه | مستهلا والدمع خير رثاء |
____________
1- جلاء العيون 3 / 322.
2- مناقب ابن شهر آشوب 3 / 264.