الصفحة 606
ولتطيبوا عن الحياة نفوساًواستعدّوا للفتنة العمياء
وابشروا للدمار فيكم بسيفصارم لا يفل بعد المضاء
وبحكم لغاشم متعدّمُستبدّ من سطوة الأُمراء
يقتفيه ممّا تثير البلاياهرج شامل بشر اقتفاء
يدع الفيء والجموع زهيداًوحصيداً منكم بحد الفناء
ما لكم عُمِّيت عليكم فبعداًلكم من معاشر جهلاء
كيف تهدون للصواب رشاداًبعد كره منكم لكل اهتداء
فأعادت تلك النساء عليهمما وعته من خطبة الزهراء
فأتاها منهم رجالُ وقالوابعد عذر منهم بغير حياء
لو علمنا من قبل أن يبرم العهدبهذا من سيّد الأوصياء
ما عدلنا عنه فقالت إليكمبعد هذا عنّي لفرط التنائي
أيّ عذر لكم بما كان منكمبعد تعذيركم بغير انتهاء
وحصول التقصير حين تجلّىلكم الأمر في أتمّ جلاء

احتجاج الصديقة فاطمة (عليها السلام) بحديث الغدير:

واحتجاج الزهراء خير احتجاجفيه أدلت بالحق خير النساء
بحديث مسلسل قد تجلىفي حديث الغدير أبهى جلاء
حين قالت نقضاً لما أبرموهدون رشد من بيعة الخلفاء


الصفحة 607
أنسيتم والعهد غير بعيدقول طه في سيّد الأوصياء
يوم خمّ من كنت مولاه حقاًفعليّ مولاه دون افتراء
ومقال النبي وهو صريحُلعليّ في إمرة الحنفاء
أنت منّي كما لموسى بحقكان هارون خيرة الوزراء
عند ابقائه بغزو تبوكخلفاً في المدينة الغرّاء(1)

فدك:

فدك قرية من النخل كانتفي مكان عن يثرب غيرنائي(2)
قطّ ما أوجفوا عليها بخيلوركاب في البدء والإنتهاء
فهي من جملة الصفايا لطهوالصفايا لخاتم الأنبياء
وهي ممّا أفاء فيها عليهربُّه من كرامة وعطاء
فهي ملك لخاتم الرسل محضخالص دون سائر الحنفاء
صالح المصطفى اليهود عليهاليكونوا فيها من الامناء
فاصطفاها لنفسه وحباهانحلة للزكيّة الزهراء
حينما انزلت عليه وآتواحقّ أدنى الأرحام والأقرباء

____________

1- الغدير: 1/196.

2- الغدير: 16/368 عند نزول آية: "وآت ذا القربى حقه" دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليهم السلام) وأعطاها فدكاً.


الصفحة 608
فدعاها وقال هذا عطاءلك منّي بأمر ربّ السماء
وهي كانت في عهده بيديهاخير ملك لها وخير حباء
قد أقامت وكيلها وهو حيّواستقلّت تصرّفاً في النماء
وأبو بكر حين خُلّف فيهمبعد فقد ان خاتم السفراء
طرد العامل الموكّل فيهالابنة المصطفى بأقسى جفاء
وأتت عنوةً لمسجد طهوهي تسعى في لمة من نساء
وأبانت ما جاء في الذكر نصّاًفي المواريث من حكيم القضاء
وأقامت ما حجّه ـ فأتاها ـبعد دحض بالحجة البيضاء
بحديث ما أنزل الله فيهآية قط في كتاب السماء
وسواه لم يروه فهو ممّاخُصّ فيه من بدعة وافتراء(1)
ولقد خاصمته أُخرىً فقالتنحلة من أبي بأقوى ادعاء
أقامت شهودها فحباهامنه صكاً بها بغير وفاء
حينما في يديه بعد انتزاععمرٌ شقّه بوقت اللقاء(2)
واستمرت في المنع حتى تولىّعمرٌ بعده على الحنفاء

____________

1- شرح النهج لابن أبي الحديد 16 / 220 ذكر أن حديث النبي لا نورث ذهباً ولا فضة لم يروه أحد غير أبي بكر.

2- الغدير 7 / 194 عن السيرة الحلبية / 291 ذكر أن عمر شق صك فاطمة.


الصفحة 609
فحباها لأهلها دون منعبعد دفع من أول الخلفاء(1)

تضارب الآراء من ولاة الامور في فدك:

وعجيب هذا التضارب فيهامن ولاة الامور في الآراء
فهي إن كان نحلة ونصيباًمن فروض الميراث للأولياء
كيف صُدّت عن أهلها وهي حقمن أبي بكر ساعة الإبتداء
وهي إن كان مثل ما قال فيئاًكيف تعطى من آخر بسخاء
واصطفاها عثمان بعد انتزاعوحباها مروان دون اختشاء(2)
حين أضحى من آل أحمد أولىبمواريث خاتم الأنبياء
وطريد النبي لا شك أولىعند عثمان من بني الأزكياء
وهي مما تُنعى عليه وكانتعاملا من عوامل الإستياء
وتولىّ ابن هند فيمن تولّىبعد هذا ظلماً من الامراء
فحبا ثلثها يزيداً وثلثاًلابن عثمان دون أي اتقاء(3)
واجتباها مروان حين تولّىمستقلا له بشر اجتباء

____________

1- الغدير 7 / 195. ذكر أن عمر بن الخطاب رد فدكاً لأهل البيت (عليهم السلام) نقله عن البخاري 5 / 102.

2- الغدير 8 / 336 عن أبي الفداء في تاريخه 1 / 168 أن مما نقم الناس على عثمان اعطاء فدك إلى مروان بن الحكم.

3- الغدير 7 / 195 ذكر أن معاوية أقطع ولده يزيد من فدك ثلثاً ولمروان ثلثاً ولابن عثمان ثلثاً.


الصفحة 610
وحباها عبد العزيز فكانتبيديه ملكاً ليوم الفناء
واصطفاها مستخلصاً بانفرادعمر أمرها بخير اصطفاء
وحباها في الملك حين تولّىلنبي فاطم بخير حباء(1)
بعد رفع السباب والشتم ممنأبدعوه عن سيّد الأوصياء
وإليه الرضي بالشعر أوحى"يا ابن عبد العزيز" عند الرثاء
وتعدى ابن عاتك بعد أخذفحواها يزيد دون إباء
واستمرت في آل مروان حتىأذهب الله دولة الطلقاء
وأعاد السفاح ما كان منهاأخذوه للعترة النجباء
ورجوع المنصور فيها رجوعٌونكوصٌ عن مسلك الإستواء
وعدول المهدي عنها اعتدالواستواء في منهج الإهتداء
وتمادى موسى وهارون فيهاوتعامى الأمين بالإقتداء
وتهادى المأمون حين اعيدتلذويها في عهده بلواء
واصطفاها لنفسه بعد أخذجعفر معلناً بنصب العداء
وحباها بعد الله من قد نماهعمر البازيار شر انتماء(2)
وتعدى ظلماً فأرسل شخصاًصرم النخل في يد الإعتداء

____________

1- الغدير 7 / 195 ذكر أن عمر بن عبد العزيز رد فدكاً لبني فاطمة.

2- شرح النهج 16 / 217 أن المتوكل جعفر أعطاها لعمر بن البازيار.


الصفحة 611
فعراه بعد الحذاذ انتقاماًفلج فاتك بأعظم داء
جذ منها ما قام من نخلاتهي من غرس خاتم الأنبياء
كان أبناء فاطم وعليتجتني تمرها لأهل الولاء
فإذا جاء موسم الحج جاءواوأفاضوا فيها على الحنفاء
فيعيشون منهم بالهداياحين تهدى لهم بكل سخاء

باب دار فاطمة (عليها السلام):

وأتوا باب دارها دون إذنوعليٌ فيها رهين الفناء
وبأيديهم من الحقد يذكوقبسٌ مضرمٌ بنار العداء
قيل في الدار فاطم بنت طهقال شخص "وإن" بغير اختشاء(1)
أحرقوه وبنت أحمد حسرىتختفي خلفه بغير رداء
فجرى ما جرى على بنت طهوهي تدعو وراءه ببكاء
من حديث المسمار والضلع منهاوسقوط الجنين إثر الدماء
وأحاطوا بالمرتضى فأضاعواذمّة المصطفى بغير وفاء
حين قادوه بالحمائل ظلماًومنلالا منهم بغير اهتداء
وعدت خلفه وعادوا فبئساًلهم من ثلاثة أشقياء
ألمّوها بقسوة وجفاءدونما رحمة ودون ولاء

____________

1- ابن قتيبة الامامة والسياسة 1 / 12.


الصفحة 612
بين وكز بنعل سيف ولطمبان في جفن عينها الحمراء
وسياط تُلوى على عضديهامن يدي قنقذ بأقسى جفاء
وأتوا بالوصي مسجد طهوهي بالباب امسكت للدعاء
قيل بايع فقال إن لم أُبايعقيل تجزى بالقتل شرّ جزاء
قال هل تقتلون لله عبداًوأخاً للرسول محض الإخاء
فأجابوه أنت لله عبدٌلا أخاً للرسول دون حياء
فأرادت كشف القناع فهبّتشرّ ريح عليهم سوداء
قلعت من أساس مسجد طهكل حيطانه وكل بناء(1)
فاستغاثوا بالمرتضى فاغيثوابعد يأس منهم بخير رجاء
فأتاها سلمان يعدو وأوحىبعد أمر من سيّد الأوصياء
بعث الله رحمة ونجاةللبرايا أباك بعد الشقاء
لا تكوني يا بنت خير البرايابعد فقدان خاتم الأنبياء
سبباً في هلاك أُمّة طهومثاراً لسخط ربّ السماء
فأجابت لن أترك الباب حتىيتركوا حيدراً بلا إيذاء
وإذا بالصياح فيهم دعوهواتركوه لها من الحنفاء
فأتاها وقال حين رآهاكيف أصبحت يا ابنة الأزكياء

____________

1- مناقب ابن شهر آشوب 3 / 340.


الصفحة 613
فأجابت إن كنتَ كنتُ بخيرأو بشر على صعيد سواء
وأتت بيتها عليلة نفسقد أُصيبت منهم بأعظم داء
لعن الله أُمّة ظلمتهاوسقتها صبراً كؤوس الفناء(1)

الشيخان على باب فاطمة (عليها السلام):

وأتاها الشيخان بعد هناتظلماها فيها بغير ارعواء
وهما عائدان وهي بحالليس يرجى لسقمها من شفاء
وأرادا إذن الدخول عليهافأبت نفسها أشد الإباء
فتعصّى عليهما الأمر حلافأُضلا عمىً بغير اهتداء
فاستغاثا بغوث كل طريدواستجارا بسيد الأوصياء
فأتاها وقال إنّ فلاناًوفلاناً تظلّلا بردائي
يطلبان الدخول منك بإذنجعلاني فيه من الشفعاء
فأبت أن تجود فيه فأوحىمن حنان لها بلحن الولاء
إننّي قد ضمنت إذ كلمانيلهما الاذن قبل ذا من حيائي
فأجابت فأذن لمن شئت وامنعأنت من شئت دون أي اتقاء
إنما الحرّة التي تصطفيهالك زوج وأنت ربّ الفناء
فاستطارا بشراً بما أدركاهبعد يأس أودى بكل رجاء

____________

1- مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 3 / 340.


الصفحة 614
ثم قالا جئناك يا بنت طهنطلب القرب منك بعد التنائي
ونروم الغفران والعفو عمّاقد مضى آنفاً من الأخطاء
بعد تقصيرنا بحقك ظلماًوعناداً في البدء والإنتهاء
فتولت بوجهها وهي غضبىعنهما نحو حائط في البناء
وأجابت إني لأسأل حقاًفأجيبا صدقاً بغير افتراء
هل سمعتم ما قال طه بحقيلكما مثل سائر الحنفاء
فاطم بضعتي وبهجة نفسيوهي منّي ايذاؤها ايذائي
يغضب الله حين تغضب سخطاًورضاها رضاً لرب السماء
فأجابا إنّا سمعنا مراراًكل هذا من خاتم الأنبياء
فرنت للسماء شكوىً وقالتبعد نشر اليدين عند الدعاء
ربِّي اشهد بأن بكراً وعمراًآذياني وأجهدا في عدائي
فاذهبا في كراهة لست أرضىأبداً عنكما ليوم البقاء
وسأشكو إلى أبي ما دهانيعنوة منكما بوقت اللقاء
فاستمرت حتى قضت بنت طهوهي غضبى عليهما من جفاء(1)

____________

1- البخاري 4 / 96 روى عن عائشة أن فاطمة (عليها السلام) غضبت على أبي بكر فهجرته وماتت وهي مهاجرة له. وروى دخول الشيخين على فاطمة يعتذران. الخ... ابن قتيبة 1 / 12 في كتاب الإمام والسياسة.


الصفحة 615
حرمة المظلومة:

دخلوا الخدر وهي حسرى عليهافاستهانوا بحرمة الزهراء(1)
عصروها فأسقطوا خير حملمن حشاها بقسوة وجفاء
كسروا ظلعها بعصرة بابضرَّجت صدرها بفيض الدماء
لطموا خدها بكف عنادنثرت قرطها على الحصباء
سوّدوا متنها ضلالا وكفراًبسياط الشحناء والبغضاء
أخرجوا بعلها عليّاً من البيــت فأضحى يقاد كالاسراء
وهي تعدو وراءه وهي تدعوبجنين وصرخة وبكاء
ما رعوها وهي الوديعة فيهمبعد طه من سيّد الامناء
ما أجاروا بنت الهدى ين جاروافأضاعوا ذمام كل وفاء
أي ذنب جنته بضعة طهفجزوها ظلماً بأقسى الجزاء
لعن الله من أباح حماهامستطيلا بالجور والإعتداء

وفاتها (عليها السلام):

لم تزل بعده عليلة جسملقليل السلوى وطول البلاء(2)
وهي يغشى من السقام عليهاكل حين من كثرة الإغماء
لم تفارق فراشها من نحولقد براها ضعفاً وطول عناء

____________

1- كشف الغمة 2 / 119.

2- مناقب ابن شهر آشوب 3 / 362.


الصفحة 616
وهي تبكي ليلا نهاراً أباهابدموع الذكرى بغير انتهاء(1)
قاتل الله قوم سوء بغاةمنعوها عن الأسى والبكاء
أخرجوها من بيتها حين ضجوالعليّ من كثرة الإستياء
فاستظلت ظل الأراكة لكنقطعوها بقسوة وعداء
فأقام الوصي بيتاً وسمّاه ببيت الأحزان والأرزاء
فهي تأوي إليه كل نهارثم تأتي لبيتها في المساء
لم تزل دأبا النياحة حتىأسلمتها إلى قسي الفناء
حين أوصت بكل ما طلبتهساعة الموت سيّد الأوصياء
وقضت نحبها وفي عضديهاأثرٌ من سياطهم مترائي
فأتت ربّها بضلع كسيرمن حشاها ومقلة حمراء
فبكاها الوصيّ شجواً لأمركتمته عنه وعن كل راء
وأتى للبقيع بالنعش ليلابعداد من صحبه الأتقياء
وأهال الثرى عليها وعفّىقبرها في غياهب الظلماء

وقوف أمير المؤمنين على قبر فاطمة (عليها السلام):

قد بكاها حتى تفجر وجداًوحنيناً على نشيج البكاء(2)
ورثاها بالدمع من مقلتيهمستهلا والدمع خير رثاء

____________

1- جلاء العيون 3 / 322.

2- مناقب ابن شهر آشوب 3 / 264.