متى بدأ العباسيون دعوتهم، وكيف؟
وبعد هذا.. فإن الشيء المهم هنا هو تحديد الزمن الذي بدأ به العباسيون دعوتهم، وكيف؟
ونستطيع أن نبادر هنا إلى القول:
إن الذين بدءوا بالدعوة أولاً هم العلويون، وبالتحديد من قبل أبي هاشم، عبد الله بن محمد الحنفية، وهو الذي نظم الدعاة، ورتبهم، وقد انضم تحت لوائه: محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ومعاوية ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، و عبد الله بن الحارث بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب، وغيرهم.. وهؤلاء الثلاثة هم الذين حضروه حين وفاته، وأطلعهم على أمر دعاته.
وقد قرأ محمد بن علي، ومعاوية بن عبد الله تلك الصحيفة، المشار إليها آنفاً، ووجد كل منهما ذكراً للجهة التي هو فيها.
ولهذا نلاحظ: أن كلاً من محمد بن علي، ومعاوية بن عبد الله، قد ادعى الوصاية من أبي هاشم، مما يدل دلالة واضحة على أنه لم يخصص أياً منهما بالوصية، وإنما عرفهما دعاته فقط.
____________
(1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 149.
1 ـ يحذر العلويين، الذين كانوا أقوى منه حجة، وأبعد صيتاً. بل عليه أن يستغل نفوذهم ـ إن استطاع ـ لصالحه، وصالح دعوته. ولقد فعل ذلك هو وولده كما سيتضح.
2 ـ وكان عليه أيضاً أن يتحاشى مختلف الفئات السياسية، التي لن يكون تعامله معها في صالحه، وفي صالح دعوته.
3 ـ والأهم من ذلك أن يصرف أنظار الحكام الأمويين عنه، وعن نشاطاته، ويضللهم، ويعمي عليهم السبل.
ولذا فقد اختار خراسان، فأرسل دعاته إليها. وأوصاهم بوصيته
____________
(1) شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 150.
____________
(1) ولقد بذل محمد بن علي جهداً جباراً في إنجاح الدعوة، وكانت أكثر نشاطاته في حياة والده، علي بن عبد الله، الذي يبدو أنه لم يكن له في هذا الأمر دور يذكر. وتوفي والده على ما يظهر في سنة 118 ه. وكان قد بدأ نشاطاته، حسب ما بأيدينا من الدلائل التاريخية من سنة 100 ه. أي بعد وفاة أبي هاشم بسنتين. إذ في: سنة 100 ه. وجه محمد بن علي بن أرض الشراة ميسرة إلى العراق ووجه محمد بن خنيس، وأباً عكرمة السراج، وهو أبو محمد الصادق، وحيان العطار إلى خراسان. وفيها أيضاً جعل اثني عشر نقيباً، وأمر دعاته بالدعوة إليه، وإلى أهل بيته.
وفي سنة 102 ه. وجه ميسرة رسله إلى خراسان، وظهر أمر الدعوة بها وبلغ ذلك سعيد خذينة، عامل خراسان، فأرسل، وأتى بهم، واستنطقهم، ثم أخذ منهم ضمناء وأطلقهم.
وفي سنة 104 ه. دخل أبو محمد الصادق، وعدة من أصحابه، من أهل خراسان إلى محمد بن علي، فأراهم السفاح في خرقة، وكان قد ولد قبل خمسة عشر يوما، وقال لهم «والله، ليتمن هذا الأمر، حتى تدركوا ثاركم من عدوكم».
وفي سنة 105 ه. دخل بكير بن ماهان في دعوة بني هاشم. وفيها مات ميسرة، فجعل محمد بن علي بكيراً هذا مكانه في العراق..
وفي سنة 107، أو 108 ه وجه بكير بن ماهان عدة من الدعاة إلى خراسان، فظفر بهم عامل خراسان، فقتلهم، ونجا منهم عمارة، فكان هو الذي أخبر محمد ابن علي بذلك. وفي سنة 113 ه. صار جماعة من دعاة بني العباس إلى خراسان، فأخذ الجنيد بن عبد الرحمان رجلاً منهم، فقتله، وقال: «من أصيب منهم فدمه هدر».
وفي سنة 117 ه. أخذ عامل خراسان أسد بن عبد الله وجوه دعاة بني العباس، وفيهم النقباء، ومنهم سليمان بن كثير، فقتل بعضهم، ومثل ببعضهم، وحبس آخرين. وفي سنة 118 وجه بكير بن ماهان عمار بن يزيد ـ وهو خداش ـ والياً على شيعة بني العباس، فنزل مروا، ودعا إلى محمد بن علي ؛ ثم غلا..
=>
مدى سرية الدعوة:
والظاهر.. أن عبد الله بن معاوية كان من جملة أولئك المخدوعين بهذه الشعارات، إذ قد ذكر المؤرخون، ومنهم أبو الفرج في مقاتل الطالبيين ص 168، وغيره: أنه بعد أن استظهر ابن ضبارة على عبد الله ابن معاوية توجه عبد الله إلى خراسان، وكان أبو مسلم قد ظهر بها، فخرج إلى أبي مسلم طمعاً في نصرته! فأخذه أبو مسلم، فحبسه، ثم قتله..
____________
<=
وفي سنة 120 ه. وجهت شيعة بني العباس سليمان بن كثير إلى محمد بن علي في أمر خداش. وفي سنة 124 ه. قدم جماعة من شيعة بني العباس الكوفة يريدون مكة. وفيها أيضاً اشترى بكير بن ماهان أبا مسلم. راجع في ذلك كله: تاريخ الطبري مطبعة الاستقامة ج 5 ص: 316، 358، 368، 387، 389، 425،
439، 440، 467، 512، وغير ذلك من كتب التاريخ.
بل لعلنا نستطيع أن نقول: إن محمد بن علي قد استطاع أن يخفي هذا الأمر حتى عن ولديه: السفاح، والمنصور، ولذا نراهما قد التحقا مع جميع بني هاشم العباسيين والعلويين على حد سواء، وبعض الأمويين(1) ووجوه قريش بعبد الله بن معاوية الخارج سنة 127 ه. في الكوفة، ثم في شيراز، حيث تغلب على: فارس، وكورها، وعلى حلوان، وقومس، وأصبهان، والري وعلى مياه الكوفة، وعلى مياه البصرة، وعلى همدان، وقم، وإصطخر، وعظم أمره جداً(2).
وقد تولى المنصور من قبل عبد الله بن معاوية هذا على «إيذج»(3) كما تولى غيره غير ذلك من الأمصار. فقبول المنصور لولاية «إيذج» من قبله، باعتباره من الهاشميين يكشف عن أنه لم يكن يعلم: أن والده كان ابتداءاً من سنة مئة، أي قبل خروج عبد الله بن معاوية ب «28» سنة يسعى جاهداً، ويشقى ويتعب في تدبير الأمر للعباسيين، وتركيز الدعوة لهم.. وإنما كان يعلم أن الدعوة كانت لأهل البيت، والرضا من
____________
(1) الأغاني ج 11 ص 74، ومقاتل الطالبيين ص 167، والوزراء والكتاب ص 98.
(2) راجع أنساب الأشراف ص 63، والأغاني ج 11 ص 74، ومقاتل الطالبيين ص 167، والبداية والنهاية ج 10 ص 25، 26، و ص 3، وعمدة الطالب، وزاد في تاريخ الجنس العربي: المدائن، ونيسابور.
(2) أنساب الأشراف للبلاذري ص 63، وعمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب طبع بمبئي ص 22، والوزراء والكتاب ص 98 و 99، وفرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ص 210، وفيه: أن سليمان بن حبيب بن المهلب أخذه، فحبسه، وأراد قتله، فسلم المنصور منه بعد أن أشرف على القتل.. وليراجع الجهشياري أيضاً.
وإلا فلو كان لمحمد بن علي دعوة واضحة، ومشهورة، ومتميزة، وكان المنصور يعلم بها لكان توليه لا يذج من قبل عبد الله بن معاوية مضراً جداً في دعوة أبيه، وضربة قاضية لها..
اللهم إلا أن يكون ثمة غرض آخر أهم، فيكون ذلك منهم حنكة ودهاء ـ كأن يكون نظرهم إلى أنه: لو نجحت دعوتهم، فبها. وإلا.. فلو نجحت دعوة عبد الله بن معاوية، فباستطاعتهم أن يحتفظوا فيها بمراكزهم، ونفوذهم، إذ لهم أن يقولوا: إننا كنا من المعاونين والمساهمين في هذه الدعوة.. كما أن بذلك تنصرف أنظار الحكام عنهم، ويأمن العلويون جانبهم، فلا يناهضون دعوتهم ولا يقفون في وجهها. وبهذه الأسباب نستطيع أن نفسر بيعة العباسيين جميعاً، أكثر من مرة لمحمد بن عبد الله العلوي، وبه أيضاً نفسر جواب المنصور لسائله عن محمد بن عبد الله هذا، حيث قال: «هذا محمد بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن، مهدينا أهل البيت» ويأخذ بركابه. ويسوي عليه ثيابه(1). وأيضاً قوله في مجلس البيعة لمحمد هذا: «ما الناس أصور أعناقاً، ولا أسرع إجابة منهم لهذا الفتى» كما سيأتي.
ومما يوضح أيضاً مدى تكتم العباسيين بأمر دعوتهم، أن: إبراهيم الإمام قد بشر بأنه قد أخذت له البيعة بخراسان ـ وهو في نفس الاجتماع الذي كان قد عقد ليجددوا فيه البيعة لمحمد بن عبد الله بن الحسن. وسيأتي المزيد من الشواهد لهذا أيضاً إن شاء الله تعالى. وهكذا. فإن النتيجة تكون هي: أن العباسيين ظلوا يتسترون
____________
(1) مقاتل الطالبيين ص 239، 240.
لا بد من ربط الثورة بأهل البيت..
إن كان لا بد للعباسيين من ربط الثورة والدعوة بأهل البيت (عليهم السلام)، حيث إنهم كانوا بحاجة إلى:
أولاً: صرف أنظار الحكام عنهم.
ثانياً: كسب ثقة الناس بهم، والحصول على تأييدهم لهم.
ثالثاً: أن لا تقابل دعوتهم بالاستغراب، والإستهجان، حيث إنهم لم يكونوا معروفين في أقطار، وأنحاء الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، ولا كان يعرف أحد لهم حقاً في الدعوة لأنفسهم، كما هو الحال بالنسبة إلى العلويين، مما يجعل الدعوة لهم مع وجود العلويين مستغربة ومستهجنة إلى حد ما.
رابعاً: ـ وهو أهم ما في الأمر ـ أن يطمئن إليهم العلويون، ويثقوا بهم. حتى لا تكون لهم دعوة في مقابل دعوتهم، لأن ذلك بلا شك سوف يضعفهم، ويوهن قوتهم، لما يتمتع به العلويون من نفوذ ومكانة في نفوس الناس بشكل عام.
ولهذا نرى أبا سلمة الخلال، يعتذر لأبي العباس السفاح، عن كتابته
نعم.. لقد كان لربطهم الثورة بأهل البيت (عليهم السلام) أثر كبير في نجاح ثورتهم، وظهور دعوتهم. وقد أكسبها ذلك قوة ومنعة، وجعلها في منأى ومأمن من طمع الطامعين، وتطلع المتطلعين، الذين كانوا يرجون لأنفسهم حظا من الحياة الدنيا، وما أكثرهم. كما وأن ذلك قد أثر أثراً بالغاً في اكتسابهم عطف الأمة، وتأييدها، وخصوصاً الخراسانيين، الذين كانوا لا يزالون يعيشون الإسلام بعيداً عن أهواء المبتدعين، وتلاعب المتلاعبين، والذين: «وإن كانوا أقل غلواً [أي من أهل الكوفة]، فقد كانوا أكثر حماسة للدعوة لأهل البيت»(2)، وذلك لأنهم لم يعاملوا معاملة حسنة في الواقع، ولم يسر فيهم بسيرة محمد والقرآن إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام)(3).
كما أنهم لم ينسوا بعد ما لاقوه في الدولة الأموية من العسف والتنكيل، ولذا فمن الطبيعي أن نراهم مستعدين لتقبل أية دعوة لأهل البيت (عليهم السلام)، والتفاعل معها، بل والتفاني في سبيلها. كما أن بلدهم كان بعيداً من مركز الخلافة بالشام ولم يكن فيه فرق وأحزاب متناحرة كالعراق الذي كان فيه شيعة وخوارج ومرجئة وغير ذلك، وكانت وطأة الحكم العباسي على العراق ومراقبتهم لكل حركة فيه أشد منها في خراسان.
وبالفعل لقد شيد الخراسانيون، الذين كانوا يحبون أهل البيت (عليهم السلام) أركان دولة بني العباس، وقامت خلافتهم على أكتافهم، واستقامت
____________
(1) تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 87.
(2) السيادة العربية، والشيعة، والإسرائيليات ص 106.
(3) نفس المصدر ص 39.
المراحل التي مرت بها عملية الربط:
ولقد مرت عملية الربط هذه بثلاث مراحل أو أربع، طبقاً للظروف التي كانت قائمة آنذاك. وإن كانت هذه المراحل قد تبدو متداخلة. وغير مميزة في أحيان كثيرة(1). إلا أن ذلك كان تبعاً للظروف المكانية، والزمانية، والاجتماعية، التي كانت تتفاوت وتختلف باستمرار إلى حد كبير.. وهذه المراحل هي:
الأولى: دعوتهم في بادئ الأمر «للعلويين» الثانية: دعوتهم إلى: «أهل البيت»، و «العترة».
الثالثة: دعوتهم إلى «الرضا من آل محمد».
الرابعة: ادعاؤهم الخلافة بالإرث، مع حرصهم على ربط الثورة بأهل البيت، بدعوى: أنهم إنما خرجوا للأخذ بثارات العلويين. وليرفعوا عنهم الظلم الذي حاق بهم.
المرحلة الأولى:
وإذ قد عرفنا أن الدعوة كانت في بدء أمرها للعلويين، فلا يجب
____________
(1) قال في العيون والحدائق ص 180: «وكان قد انتشر في خراسان دعاة من الشيعة، قد انقسموا قسمين: قسم منهم يدعو إلى آل محمد على الإطلاق، والقسم الثاني يدعو إلى أبي هاشم بن محمد بن الحنفية، وكان المتولي لهذه الدعوة إلى آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابن كثير، وكان الدعاة يرجعون في الرأي والفقه إلى أبي سلمة الخ..».
ويمكن أن نعتبر بيعتهم هذه هي المرحلة الأولى من تلك المراحل المشار إليها آنفاً..
فنراهم عدا تعاونهم الواضح مع عبد الله بن معاوية، قد بايعوا محمد بن عبد الله بن الحسن أكثر من مرة أيضاً، فقد:
«اجتمع آل عباس، وآل علي (عليه السلام) بالأبواء، على طريق مكة، وهناك قال صالح بن علي:» إنكم القوم الذين تمتد إليهم أعين الناس، فقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاجتمعوا على بيعة أحدكم، فتفرقوا في الآفاق، فادعوا الله، لعل أن يفتح عليكم، وينصركم ، فقال أبو جعفر، أي المنصور: «لأي شيء تخدعون أنفسكم؟ والله، لقد علمتم: ما الناس أصور [أي أميل] أعناقاً، ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى»، يريد محمد بن عبد الله العلوي. قالوا: «قد والله صدقت، إنا لنعلم هذا»، فبايعوا جميعاً محمداً، وبايعه إبراهيم الإمام، والسفاح، والمنصور، وصالح بن علي، وسائر من حضر «طبعاً ما عدا الإمام الصادق (عليه السلام)..».
وخرج دعاة بني هاشم عند مقتل الوليد بن يزيد، فكان أول ما يظهرونه فضل علي بن أبي طالب وولده، وما لحقهم من القتل، والخوف، والتشريد، فإذا استتب لهم الأمر ادعى كل فريق الوصية إلى من يدعو إليه..
ولم يجتمعوا [أي المتبايعون الآنف ذكرهم] إلى أيام مروان بن
بل لقد بايع المنصور محمد بن عبد الله العلوي مرتين:
إحداهما: بالأبواء على طريق مكة.
والأخرى: بالمدينة.
وبايعه مرة ثالثة أيضاً: في نفس مكة، وفي المسجد الحرام بالذات.
ومن هنا نعرف السبب في حرص السفاح والمنصور على الظفر بمحمد ابن عبد الله العلوي، فإن ذلك لم يكن إلا بسبب ما كان له في أعناقهما من البيعة(1).
____________
(1) قد اقتبسنا هذه النصوص كلها من كثير من المراجع، وخصوصاً: مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصفهاني، صاحب الأغاني ص 233، 234. 256، 257، 295، وغيرها. وعلى كل فإن كون الدعوة العباسية كانت في بدء أمرها باسم العلويين، يبدو مما لا شك فيه، ومما اتفقت عليه كلمات المؤرخين، والنصوص التاريخية، التي سوف نشير إلى شطر منها في هذا الفصل..
ولا بأس أن يراجع بالإضافة إلى مقاتل الطالبيين في الصفحات المشار إليها: النصوص التي وردت في: النزاع والتخاصم للمقريزي ص 50، وتاريخ ابن خلدون ج 4 ص 3، و ج 3، ص 187، والفخري في الآداب السلطانية ص 164، 165، وتاريخ التمدن الإسلامي ج 4 ص 397، 398، والبحار ج 47 ص 120 و ص 277، وعمدة الطالب، طبع بيروت ص 84، والخرائج والجرائح ص 244، وجعفر ابن محمد، لعبد العزيز سيد الأهل ص 115، فما بعدها، وغاية الاختصار ص 22، وإعلام الورى ص 271، 272، وإرشاد المفيد ص 294، 296، وكشف الغمة ج 2 ص 383، 384، وابن أعثم الكوفي في كتابه: الفتوح على ما نقله في طبيعة الدعوة العباسية،. وأشار الطبري إلى ذلك في تاريخه ج 10 ص 143، فقال: قد ذكروا أن محمداً كان يذكر أبا جعفر ممن بايعه ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة، حين اضطرب أمر بني مروان.. وأشار إلى ذلك أيضاً ابن الأثير ج 4 ص 270، ويراجع أيضاً شرح ميمية أبي فراس ص 114، و ص 104. 105، وغير هؤلاء كثير.
بئس الجزاء جزيتم في بني حسن | أباهم العلم الهادي وأمهـــم |
لا بيعة ردعتكم عن دمائهـــم | ولا يمين، ولا قربى، ولا ذمـم |
وذكر ابن الأثير: أن عثمان بن محمد، بن خالد بن الزبير، هرب بعد مقتل محمد إلى البصرة، فأخذ وأتي به إلى المنصور، فقال له المنصور: يا عثمان، أنت الخارج علي مع محمد؟!. قال له عثمان: بايعته أنا وأنت بمكة، فوفيت ببيعتي، وغدرت ببيعتك. فشتمه المنصور، فأجابه، فأمر به فقتل(1).
وذكر البيهقي: أنه لما حمل رأس محمد بن عبد الله بن الحسن إلى المنصور، من مدينة الرسول، (صلى الله عليه وآله) وسلم، قال لمطير بن عبد الله: «أما تشهد أن محمداً بايعني؟» قال: «أشهد بالله، لقد أخبرتني أن محمداً خير بني هاشم، وأنك بايعت له» قال: يا ابن الزانية الخ: وكانت النتيجة: أن المنصور أمر به، فوتد في عينيه، فما نطق!.(2) إلى آخر ما هنالك من النصوص الكثيرة، التي يتضح معها بما لا مجال معه للشك: أن الدعوة كانت في بدء أمرها لخصوص العلويين، وباسمهم، ثم استغلت بعد ذلك لمصلحة العباسيين.
المرحلة الثانية:
ثم رأينا بعد ذلك: كيف أن الدعوة العباسية تستبعد العلويين.
____________
(1) الكامل لابن الأثير ج 5 ص 12.
(2) المحاسن والمساوي للبيهقي ص 482.
وكان الناس لا يفهمون من كلمة: «أهل البيت» إلا العلويين، لانصراف الأذهان إليهم عند إطلاق هذه العبارة، وذلك بسبب الآيات والروايات الكثيرة، التي استخدمت هذا التعبير للدلالة عليهم، دون غيرهم.
فهذا أبو داود يقول للنقباء: «.. أفتظنونه ـ أي النبي (صلى الله عليه وآله) ـ خلفه ـ أي العلم ـ عند غير عترته، وأهل بيته، الأقرب، فالأقرب؟!. إلى أن قال: أفتشكون أنهم معدن العلم، وأصحاب ميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!..»(1).
وهذا أبو مسلم الخراساني القائم بالدولة العباسية، يكتب إلى الإمام الصادق (صلى الله عليه وآله) وسلم، ويقول: «إني دعوت الناس إلى موالاة أهل البيت، فإن رغبت فيه، فأنا أبايعك؟».
فأجابه الإمام (صلى الله عليه وآله) وسلم: «.. ما أنت من رجالي، ولا الزمان زماني»، ثم جاء أبو مسلم، وبايع السفاح، وقلده الخلافة(2).
وقال السيد أمير علي بعد أن ذكر ادعاء العباسيين للوصاية من أبي هاشم: «.. وقد لاقت هذه القصة بعض القبول في بعض المناطق الإسلامية. أما عند عامة المسلمين، الذين كانوا يتعلقون بأحفاد محمد،
____________
(1) الطبري، طبع ليدن ج 9 ص 1961.
(2) الملل والنحل للشهرستاني، طبع مؤسسة الحلبي في القاهرة ج 1 ص 154، وطبع العنانية ص 87، وينابيع المودة للحنفي ص 381، نقلاً عن: فصل الخطاب، لمحمد بارسا البخاري.
ويقول: «.. وكانت كلمة: «أهل البيت» هي السحر الذي يؤلف بين قلوب مختلف طبقات الشعب، ويجمعهم حول الراية السوداء»(2).
المرحلة الثالثة:
ثم تأتي المرحلة الثالثة، ويتقلص ظل العلويين، وأهل البيت عن هذه الدعوة، أكثر فأكثر، كلما ازدادت قوتها، واتسع نفوذها، حيث رأينا أخيراً إنها اتسعت بحيث تستطيع أن تشمل العباسيين أيضاً مع العلويين. حيث أصبحت إلى: «الرضا من آل محمد»، وإن كانوا لا يزالون يذكرون فضل علي، وما لحق ولده من القتل والتشريد، كما يتضح بأدنى مراجعة لكتب التاريخ.
وهذه العبارة، وإن كانت لا تختلف كثيراً عن عبارة: «العترة، وأهل البيت»، ونحوها. «إلا أنها كانت في أذهان العامة أبعد من أن يراد بها العلويون على الخصوص. ولكن مع ذلك بقيت الجماهير
____________
(1) و(2) روح الإسلام ص 306 و 308. ولا بأس بمراجعة ما ورد في كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج 1 جزء 2 ص 532. والسيادة العربية والشيعة والإسرائيليات ص 94. وإمبراطورية العرب ص 406، وطبيعة الدعوة العباسية، وغير ذلك.
ملاحظات لا بد منها في المرحلة الثالثة:
وقبل الانتقال إلى الكلام على المرحلة الرابعة، والأخيرة، لا بد من ملاحظة أمور:
أ: إنهم في نفس الوقت الذي نراهم فيه يبعدون الدعوة عن أهل البيت، كما يدلنا عليه قول محمد بن علي العباسي لبكير بن ماهان: «وحذر شيعتنا التحرك في شيء مما تتحرك فيه بنو عمنا آل أبي طالب، فإن خارجهم مقتول، وقايمهم مخذول، وليس لهم من الأمر نصيب «وسنأخذ بثأرهم..»(2).
وكما يدلنا عليه ما رواه الطبري من أن محمد بن علي نهى دعاته عن رجل اسمه: غالب، لأنه كان مفرطاً في حب بني فاطمة(3).
نراهم من جهة ثانية: وحتى لا يصطدموا بالعلويين وجهاً لوجه. كانوا في جميع مراحل دعوتهم يتكتمون جداً باسم الخليفة، الذي يدعون الناس إليه، وإلى بيعته، بل إن الشخص الذي كانوا يدعون
____________
(1) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية لأحمد شلبي ج 3 ص 20.
(2) طبيعة الدعوة العباسية 152، نقلاً عن: مخطوطة العباسي ص 93 أ، 93 ب.
(3) راجع: تاريخ الجنس العربي ج 8 ص 411.
ولعل هدفهم من ذلك كان أيضاً: هو أن لا يربطوا الدعوة بفرد معين، حتى لا تضعف إذا ما مات، أو اغتيل..
وعلى كل فقد نص ابن الأثير في الكامل ج 4 ص 310، حوادث سنة 130 على أن أبا مسلم كان يأخذ البيعة إلى «الرضا من آل محمد». ومثل ذلك كثير في كلمات المؤرخين، وإليك بعض النصوص التاريخية، التي تدل على ذلك:
ففي الكامل، ج 4 ص 323 نص على أن محمد بن علي بعث داعياً إلى خراسان يدعو إلى «الرضا من آل محمد» ولا يسمي أحداً، ولعل الذي أرسله هو أبو عكرمة الآتي ذكره.
وقد قال محمد بن علي العباسي لأبي عكرمة: فلتكن دعوتك إلى: «الرضا من آل محمد»، فإذا وثقت بالرجل، في عقله، وبصيرته، فاشرح له أمركم.
وليكن اسمي مستوراً من كل أحد، إلا عن رجل عدلك في نفسك، وتوثقت منه، وأخذت بيعته».
ثم أمره بالتحاشي عن الفاطميين(1).
ويقول أحمد شلبي: «.. كانوا [أي العباسيون] يوهمون العلويين بأنهم يعملون لهم. ولكنهم في الواقع كانوا يعملون لأنفسهم»(2).
____________
(1) طبيعة الدعوة العباسية ص 155، نقلاً عن: CID. OP ص 95 أ / 95 ب.
(2) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 ص 20.
ولو كان الخليفة معينا ومعروفاً عند الناس، لما استطاع أبو مسلم، وأبو سلمة، وسليمان الخزاعي، أن يكاتبوا الإمام الصادق (عليه السلام)، وغيره من العلويين، أنهم يبايعونهم، ويجعلون الدعوة لهم. وباسمهم.
وقد تقدمت رسالة أبي مسلم للإمام الصادق (عليه السلام)، التي يصرح فيها بأنه، إنما دعا الناس إلى موالاة أهل البيت فقط، أي من دون تصريح باسم أحد.
وقد قال أحدهم: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فأتاه كتاب أبي مسلم، فقال: «ليس لكتابك جواب. أخرج عنا»(2).
وقال السيد أمير علي عن أبي مسلم: «وقد ظل إلى هذا الوقت موالياً، بل مخلصاً، بل متحمسا لأبناء علي»(3).
وقال صاحب قاموس الأعلام: «وعرض أبو مسلم الخراساني الخلافة ابتداءاً على الإمام الصادق، فلم يقبلها»(4).
____________
(1) ضحى الإسلام ج 3 ص 380، 381.
(2) روضة الكافي ص 274، والبحار ج 47 ص 297.
(3) روح الإسلام ص 306.
(4) راجع المجلد الأول، الجزء الأول من كتاب: الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ص 57، نقلاً عن: قاموس الأعلام ج 3 ص 1821 طبع استانبول تأليف: ش. سامي.
ورغم أن أبا مسلم قد قضى على عدة ثورات قامت باسم العلويين، على ما في كتاب: طبيعة الدعوة العباسية ص 251، 253، فإننا نعتقد أن رسائله هذه، ورسائله التي أرسلها إلى المنصور يظهر فيها الندم على أنه زوى الأمر عن أهله، ووضعه في غير
=>
وقد نظم أبو هريرة الآبار، صاحب الإمام الصادق (عليه السلام) هذه الحادثة شعراً، فقال:
ولما دعا الداعون مولاي لم يكن | ليثني إليه عزمه بصــواب |
ولما دعوه بالكتاب أجابهـــم | بحرق الكتاب دون رد جواب |
____________
<=
محله. هي السر، والسبب الحقيقي الكامن وراء قتله، مع أنه مؤسس الدولة العباسية [ومن سل سيف البغي قتل به]، ومشيد أركانها. وقد استظهر ذلك أيضاً المستشرق العلامة [بلوشيه] على ما في كتاب طبيعة الدعوة العباسية ص 251، وأشار إليه أيضاً السيد أمير علي في كتابه: روح الإسلام ص 311.
(1) مروج الذهب ج 3 ص 253، 254، وينابيع المودة ص 381، وتاريخ اليعقوبي ج 3 ص 86، والوزراء والكتاب ص 86، وهامش ص 421 من إمبراطورية العرب، والفخري في الآداب السلطانية ص 154، 155 وروح الإسلام ص 308، وعمدة الطالب، طبع بيروت ص 82، 83، والكامل لابن الأثير.
ونقله في المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 229، والبحار ج 47، ص 132 عن ابن كادش العكبري في: مقاتل العصابة. لكنهما [أعني المناقب والبحار] ذكرا أن الذي كتب للإمام هو أبو مسلم.. وفي المناقب ج 4 آخر ص 229، والبحار ج 47 ص 133 نقلاً عن رامش الأفزاري أن الذي كتب إلى الإمام هو أبو مسلم الخلال!!.
وواضح أن هذا هو السبب الحقيقي لقتل أبي سلمة، وقد صرح بذلك جمع من المؤرخين والباحثين.
وما كان مولاي كمشري ضلالة | ولا ملبساً منها الردى بثواب |
ولكنه لله في الأرض حجـــة | دليل إلى خير، وحسن مآب(1) |
وكتب إليه أبو سلمة أيضاً مرة ثانية، عندما أقبلت الرايات: «إن سبعين ألف مقاتل وصل إلينا، فانظر أمرك». فأجابه الإمام بالرفض أيضاً(2).
وأما سليمان الخزاعي: المدبر الحقيقي للثورة في خراسان، فإنه اتصل بعبد الله بن الحسين الأعرج، وهما يسايران أبا جعفر المنصور في خراسان، عندما أرسله السفاح إليها، قال سليمان لعبد الله: «إنا كنا نرجو أن يتم أمركم، فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون!!»، فعلم أبو مسلم بالأمر، فقتل سليمان هذا(2).
بل إن هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن كثيراً من الدعاة ما كانوا يعرفون: أن الخليفة سيكون عباسياً، فضلاً عن أن يكونوا يعرفونه باسمه الصريح.
قال الدكتور فاروق عمر: «على أننا نستطيع القول: إن اسم الإمام كان معروفا لدى الحلقات الخاصة من الشيعة الهاشمية، أو العباسية، وأن الكثير من الأنصار، الذين ساندوا الثورة، ومنهم ابن الكرماني نفسه، لم يكن يعرف أن «الرضا من آل البيت» سيكون عباسياً، مع أن ابن الكرماني كان قائداً كبيراً، وكان يطمع إلى الاستيلاء على
____________
(1) مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 230، والبحار ج 47، ص 133.
(2) مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 229، والبحار ج 47 ص 133، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج 1 ص 47.
(3) الطبري ج 10 ص 132، والإمامة والسياسة ج 2 ص 125.