مثاله الحيوان قد يؤخذ مع الناطق فيكون هو الانسان نفسه، وقد يؤخذ بشرط التجرد والخلو عن الناطق وهو الماهية بشرط لا شئ كما تقدم تحقيقه (1)، فيستحيل حمله على المجموع المركب منه ومن غيره، وإذا أخذ من حيث هو هو مع قطع النظر عن القيدين كان محمولا.
قال: فتعرض لها الجنسية والفصلية.
أقول: إذا اعتبرنا حمل الجزء على الماهية حصلت الجنسية والفصلية، لأن الجنس هو الجزء المشترك والفصل هو الجزء المميز والجزء المحمول يكون أحدهما قطعا، فإذا أخذ الجزء محمولا حصلت الجنسية أعني مقولية ذلك الجزء على كثيرين، أو الفصلية أعني تميز الجزئية، فجزء الماهية إما جنس أو فصل، والجنس هو الكلي المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو، والفصل هو المقول على الشئ في جواب أي شئ هو في جوهره.
قال: وجعلاهما واحد (2).
أقول: يعني به جعل الجنس والفصل، ولم يكونا مذكورين صريحا بل أعاد الضمير إليهما لكونهما في حكم المصرح بهما. وإنما كان جعلاهما واحدا لأن الفاعل لم يفعل حيوانا مطلقا، ثم يميزه بانضمام الفصل إليه فإن المطلق لا وجود له بل جعل الحيوان هو بعينه جعل الناطق، واعتبر هذا في اللونية فإنها لو كان لها وجود مستقل فهي هيئة أما في السواد فيوجد السواد لا بها هذا خلف، أو في محله فالسواد عرضان لون وفصله لا واحد هذا خلف، فجعله لونا هو بعينه جعله سوادا.
قال: والجنس هاهنا كالمادة، وهو معلول والآخر صورة وهو علة (3).
____________
(1) تقدم في المسألة الثانية من هذا الفصل.
(2) وسيأتي أيضا البحث عنه في آخر هذا الفصل حيث يقول: وجعل الجنس والفصل واحد.
(3) الجنس من المعقولات الثانية، والطبيعة الجنسية أمر مبهم في العقل، بمعنى أنه مأخوذ لا بشرط متردد بين أشياء كثيرة، هي عين كل واحدة منها في الخارج بمعنى أنها جزء حقيقتها غير منطبقة على تمام حقيقة واحدة منها، فإذا انضم إليها الفصل زال عنها الابهام والتردد وتعينت وهي مع انضمامه منطبقة على تمام حقيقتها فيحصل النوع. فالفصل علة لصفة الجنس في الذهن وهي التعين أي زوال الابهام والتردد فيه لا أنه علة لوجود الجنس في الذهن أو في الخارج وإلا لوجب أن لا يعقل الجنس إلا مع علته وهو فصل ما على الأول، ووجب أن تغايرا في الوجود ويمتنع الحمل بالمواطاة على الثاني. وإلى هذا التحقيق يشير القطب في شرح المطالع (ص 92 ط 1) حيث قال بعد نقل كلام الشيخ من أن الفصل علة لحصة النوع، بهذه العبارة: ليس مراده أن الفصل علة لوجود الجنس وإلا لكان إما علة له في الخارج فيتقدم عليه في الوجود وهو محال لاتحادهما في الجعل والوجود، وإما علة له في الذهن وهو أيضا محال وإلا لم يعقل الجنس دون فصل، بل المراد أن الصورة الجنسية مبهمة في العقل يصلح أن يكون أشياء كثيرة هي عين كل واحد منها في الوجود غير محصلة في نفسها لا يطابق تمام ماهياتها المحصلة، وإذا انضاف إليها الصورة الفصلية عينها وحصلها أي جعلها مطابقة للماهية التامة فهي علة لرفع الابهام والتحصيل.
____________
(1) بيان لتخلل الكاف في قوله: والجنس هاهنا كالمادة، يعني كما أن الهيولى لا تحصل لها في الخارج إلا بالصورة كذلك الجنس لا تحصل لها في الخارج إلا بالفصل. وإنما يكونان كالمادة والصورة لأنهما أجزاء خارجية للجسم وهما أمور ذهنية من المعقولات الثانية، والعبارة نقلت في (م ق د) هكذا: والجنس هاهنا كالمادة، وفي (ص): والجنس هنا كالمادة.
(2) قال الشيخ في منطق الإشارات (ص 29 ط 1): وكل فصل فإنه بالقياس إلى النوع الذي هو فصله مقوم، وبالقياس إلى جنس ذلك النوع مقسم.
وقال المحقق الماتن في شرحه عليه: يريد أن الفصل الذي يتحصل به الجنس نوعا أنما يكون له اعتباران: أحدهما: بقياسه إلى الجنس المتحصل به، والثاني: بقياسه إلى النوع المتحصل منه. والأول هو التقسيم فإن الناطق يقسم الحيوان إلى الانسان وغيره. والثاني هو التقويم فإنه يقوم الانسان لكونه ذاتيا له. وأما قولهم: الفصل مقوم لحصة من الجنس فذلك التقويم غير ما نحن فيه فإنه بمعنى كونه سببا لوجود الحصة لا بمعنى كونه جزءا منه.
وقال القطب في تعليقته عليه على منوال كلامه توضيحا: وللفصل ثلاث نسب: نسبة إلى الجنس بالتقسيم، ونسبة إلى النوع بالتقويم، ونسبة إلى الحصة بالتقويم أيضا لكن بمعنى آخر فإنه مقوم للنوع، بمعنى أنه مقوم لماهيته ذاتي له، ومقوم للحصة لا بمعنى أنه مقوم لماهيته بل بمعنى أنه مقوم لوجوده فإنه إذا قارن الجنس تحصص فهو علة لوجود الجنس لا مطلقا بل للقدر الذي هو حصة النوع.
قال: وما لا جنس له فلا فصل له.
أقول: الفصل هو الجزء المميز للشئ عما يشاركه في الجنس على ما تقدم، فإذا لم يكن للشئ جنس لم يكن له فصل، هذا هو التحقيق في هذا المقام.
وقد ذهب قوم غير محققين إلى أن الفصل هو المميز في الوجود، وجوزوا تركيب الشئ من أمرين متساويين كالجنس العالي (1) والفصل الأخير، وكل من
____________
(1) أي ذلك الشئ هو كالجنس العالي وكالفصل الأخير، لأنهما لو كانا مركبين من الجنس والفصل يلزم المحال الذي يذكره الشارح بعيد هذا في ضمن قول المصنف ويجب تناهيهما، فكل من الجنس العالي والفصل الأخير مثال للشئ لا للأمرين المتساويين بأن يكون ذانك الأمران المتساويان هما الجنس العالي والفصل الأخير لوضوح بطلان هذا الكلام، فلا تغفل.
ثم قوله: ولو جعل كل منهما - إلى آخره - موافق لنسختي (ش د) ووجهه ظاهر. وفي (م): لزم التسلسل ولم يكن جعل كل واحد منهما فصلا للمركب، ولم يكن المركب فصلا لكل منهما لتساوي نسبته ونسبتهما إلى الوجود، وهي أقدم النسخ وأصحها غالبا، ومعنى العبارة ظاهر، وهي في النسخ مضطربة أشد من اضطراب المضطربة. وهي في (ش د) هكذا: لزم التسلسل ولو جعل كل منهما فصلا للمركب ولم يكن المركب فصلا لكل منهما لزم الترجيح من غير مرجح لتساوي نسبته ونسبتهما إلى الوجود.
والظاهر أن هذا تحرير آخر من غير الشارح العلامة. وفي (ز): لزم التسلسل ولم يجعل كل منهما فصلا للمركب ولم يكن المركب فصلا لكل منهما لتساوي نسبته ونسبتهما إلى الوجود.
وفي (ق): لزم التسلسل ولم جعل كل منهما - ثم إلى آخر مثل ما في (ز) - ونسخة (د) كانت نحو ما في (ز) ثم صحح مثل ما في (ش).
وهذا خطأ، لأن الأشياء المختلفة لا تفتقر في تمايزها عما يشاركها في الوجود وغيره من العوارض إلى أمر مغاير لذواتها، فإن كل واحد من الجزئين المتساويين كما يمتاز بنفسه عما يشاركه في الوجود كذلك المركب منهما، ولو افتقر كل مشارك في الوجود أو في غيره من الأعراض إلى فصل لزم التسلسل، ولم يكن جعل كل واحد منهما فصلا للمركب، ولم يكن المركب فصلا لكل منهما لتساوي نسبته ونسبتهما إلى الوجود.
قال: وكل فصل تام فهو واحد.
أقول: الفصل منه ما هو تام وهو كمال الجزء المميز، ومنه غير تام وهو المميز الذاتي مطلقا. والأول لا يكون إلا واحدا لأنه لو تعدد لزم امتياز المركب بكل واحد منهما فيستغني عن الآخر في التميز فلا يكون فصلا، ولأن الفصل علة للحصة فيلزم تعدد العلل على المعلول الواحد وهو محال. أما الفصل الناقص وهو جزء الفصل فإنه يكون متعددا.
قال: ولا يمكن وجود جنسين في مرتبة واحدة لماهية واحدة.
أقول: الجنس للماهية قد يكون واحدا كالجسم الذي له جنس واحد هو الجوهر، وقد يكون كثيرا كالحيوان الذي له أجناس كثيرة، لكن هذه الكثرة لا يمكن أن تكون في مرتبة واحدة بل يجب أن تكون مترتبة في العموم والخصوص، فلا يمكن وجود جنسين في مرتبة واحدة لنوع واحد لأن فصلهما إن كان واحدا كان جعل الجنسين جعلا واحدا وهو محال، وأن تغاير لم يكن النوع الواحد نوعا واحدا بل نوعين هذا خلف.
قال: ولا تركيب عقلي إلا منهما.
والثاني إما أن يكون تمام المشترك أو لا يكون، والأول جنس والثاني فصل جنس وإلا لزم التسلسل وهو محال، فقد ثبت أن كل جزء محمول إما أن يكون جنسا أو فصلا وهو المطلوب.
قال: ويجب تناهيهما.
أقول: الجنس والفصل قد يترتبان في العموم والخصوص كالحيوانية والجسمية وقد لا يترتبان، والمترتبة يجب تناهيها في الطرفين فإنه لولا تناهي الأجناس (2) لم تتناه الفصول التي هي العلل، فيلزم وجود علل ومعلولات لا نهاية لها وهو محال.
قال: وقد يكون منهما عقلي وطبيعي ومنطقي كجنسيهما.
أقول: يعني أن من الأجناس ما هو عقلي وهو الحيوانية مع قيد الجنسية، ومنها ما هو طبيعي وهو الحيوان من حيث هو هو لا باعتبار الجنسية ولا باعتبار عدمها، ومنها ما هو منطقي وهي الجنسية العارضة للحيوانية، وهذه الثلاثة أيضا قد تحصل في الفصل، وذلك كما أن جنسيهما يعني جنس الجنس وجنس الفصل وهو الكلي
____________
(1) أي ما يكون مساويا له يلزم منه أن يكون فصلا للجنس. وسيأتي زيادة بيان وتوضيح في كون المساوي فصلا في قوله بعيد هذا: وإذا نسبا إلى ما يضافان إليه.. الخ.
(2) على أنه لزم من ذلك تركب الماهية من أجزاء غير متناهية فلزم منه عدم تحصل الأشخاص أيضا وقد جمعهما الشارح في الجوهر النضيد بقوله: وإنما وجب انتهاء الأجناس في التصاعد لأنه لولا ذلك لزم تركب الماهية من أجزاء غير متناهية ويلزم وجود علل ومعلولات لا يتناهى وهو محال (ص 14 ط 1).
قال: ومنهما عوال وسوافل ومتوسطات.
أقول: الجنس قد يكون عاليا وهو الجنس الذي ليس فوقه جنس آخر كالجوهر ويسمى جنس الأجناس، وقد يكون سافلا وهو الجنس الأخير الذي لا جنس تحته كالحيوان وقد يكون متوسطا وهو الذي فوقه جنس وتحته جنس كالجسم. والفصل أيضا قد يكون عاليا وهو فصل الجنس العالي، وقد يكون سافلا وهو فصل النوع السافل، وقد يكون متوسطا وهو فصل الجنس السافل والمتوسط.
قال: ومن الجنس ما هو مفرد (1) وهو الذي لا جنس له وليس تحته جنس، وهما إضافيان وقد يجتمعان مع التقابل.
أقول: من أقسام الجنس المفرد وهو الذي لا جنس فوقه ولا تحته ويذكر في مثاله العقل بشرط أن لا يكون الجوهر جنسا وأن يكون صدقه (2) على أفراده صدق الجنس على أنواعه.
إذا عرفت هذا فالجنس والفصل إضافيان وكذا باقي المقولات الخمس أعني النوع والخاصة والعرض العام، فإن الجنس ليس جنسا لكل شئ بل لنوعه، وكذا الفصل وسائرها وقد يجتمع الجنس والفصل في شئ واحد مع تقابلهما لأن الجنس مشترك والفصل خاص وذلك كالإدراك الذي هو جنس للسمع والبصر وباقي الحواس وفصل للحيوان بل قد تجتمع الخمس (3) في شئ واحد لا باعتبار
____________
(1) كما في (م) وحدها، والنسخ الأخرى كلها: وفي الجنس ما هو مفرد. والشرح يناسب الأول حيث قال: من أقسام الجنس المفرد. وباقي المتن كان باتفاق النسخ كلها.
(2) أي صدق العقل على أفراده صدق الجنس على أنواعه لا صدق النوع على أفراده حتى يصير الجوهر جنسا للعقل.
(3) قال الشيخ في منطق الإشارات: وقد يكون الشئ بالقياس إلى كلي خاصة، وبالقياس إلى ما هو أخص منه عرضا عاما، فإن المشي والأكل من خواص الحيوان ومن الأعراض العامة وفي (ق): لزم التسلسل ولم جعل كل منهما - ثم إلى آخر مثل ما في (ز) - ونسخة (د) كانت نحو ما في (ز) ثم صحح مثل ما في (ش).
قال: ولا يمكن أخذ الجنس بالنسبة إلى الفصل.
أقول: لا يمكن أن يؤخذ الجنس بالنسبة إلى الفصل فيكون الجنس جنسا له كما هو جنس للنوع وإلا لم يكن فصلا (1) لاحتياجه إلى فصل يفصله عن غيره، فالوجه الذي به احتاج النوع إليه هو بعينه محتاج إلى آخر، فليس الجنس جنسا للفصل بل عرضا عاما بالنسبة إليه وإنما هو جنس باعتبار النوع.
قال: وإذا نسبا إلى ما يضافان إليه كان الجنس أعم والفصل مساويا.
أقول: إذا نسبنا الجنس والفصل إلى ما يضافان إليه أعني النوع كان الجنس أعم من المضاف إليه أعني النوع، لوجوب شركة الكثيرين المختلفين في الحقائق في الجنس دون النوع، وأما الفصل فإنه يكون مساويا للنوع الذي يضاف الفصل إليه بأنه فصل ولا يجوز أن يكون أعم من النوع لاستحالة استفادة التميز من الأعم.
المسألة الخامسة
في التشخص
قال: والتشخص من الأمور الاعتبارية (2) فإذا نظر إليه من حيث هو أمر عقلي
____________
(1) لأن الجنس حينئذ يصير مقوما للفصل أي يكون جزء لماهيته. وأيضا لزم اعتبار جزء واحد في الماهية مرتين وأنه باطل قطعا.
(2) أي من الاعتباريات التي لها نفسية وواقعية، لا كالاعتباريات التي لا نفسية لها كما تحقق في البحث عن نفس الأمر، ولا يلزم من كونه ذا نفسية أن يكون صفة زائدة على الذات المتشخصة كما أن زيدا موجود جزئي خارجي مثلا وليس صفة الجزئية صفة زائدة على ذاته وهذا هو المراد من أن التشخص أمر اعتباري لا وجود له في الخارج. ثم لا يخفى عليك أن التشخص أمر زائد على الماهية في كل واحد من أشخاص تلك الماهية لأن هذه الماهية النوعية من حيث هي هي نفس تصورها غير مانع من صدقها على كثيرين، وأما الشخص فنفس تصوره مانع من الشركة ففي الشخص أمر زائد على الماهية وهو التشخص. نعم إن هاهنا دقيقة في أمر الجزئي الذهني وهي أن الصورة العلمية وإن كانت مثالية جزئية كصورة الشمس مثلا فهي من تلك الحيثية قابلة للصدق على الكثيرين من أمثالها أي الصورة العلمية كلية مطلقا، وقد تحقق البحث عن ذلك في الحكمة المتعالية وإلهيات الشفاء، فتدبر.
وجد مشاركا لغيره من التشخصات فيه (1) ولا يتسلسل بل ينقطع بانقطاع الاعتبار.
أقول: التشخص من ثواني المعقولات ومن الأمور الاعتبارية لا من العينية (2) وإلا لزم التسلسل، ثم إذا نظر إليه من حيث هو أمر عقلي كان مشاركا لغيره من التشخصات في التشخص ولا يتسلسل ذلك بل ينقطع بانقطاع الاعتبار.
وهذا كأنه جواب عن سؤال مقدر وهو أن التشخص ليس من الأمور العينية وإلا لزم التسلسل، لأن أفراد التشخصات قد اشتركت في مطلق التشخص فيحتاج إلى تشخص آخر (3) مغاير لما وقع به الاشتراك، ولا يجوز أن يكون عدميا لأفادته الامتياز ولأنه يلزم أن تكون الماهية المتشخصة (4) عدمية لعدم أحد جزئيها.
والجواب أنه أمر اعتباري عقلي ينقطع بانقطاع الاعتبار.
قال: أما ما به التشخص فقد يكون نفس الماهية فلا تكثر وقد يستند إلى المادة المتشخصة بالأعراض الخاصة الحالة فيها.
أقول: لما حقق أن التشخص من الأمور الاعتبارية لا العينية شرع في البحث عن علة التشخص، واعلم أنه قد يكون نفس الماهية المتشخصة وقد يكون غيرها.
(أما الأول) فلا يمكن أن يتكثر نوعه في الخارج فلا يوجد منه البتة إلا شخص
____________
(1) ضمير فيه راجع إلى التشخص والظرف متعلق بقوله: مشاركا.
(2) أي الخارجية.
(3) وفي (م، ق) إلى مخصص آخر.
(4) ففيهما الماهية المشخصة.
(وأما الثاني) فلا بد له من مادة قابلة لا تكثر فيها (1) وتلك المادة تتشخص بانضمام أعراض خاصة إليها تحل فيها مثل الكم المعين والكيف المعين والوضع المعين، وباعتبار تشخص تلك المادة تتشخص هذه الماهية الحالة فيها.
قال: ولا يحصل التشخص بانضمام كلي عقلي إلى مثله (2).
أقول: إذا قيد الكلي العقلي بالكلي العقلي لا يحصل الجزئية، فإنا إذا قلنا لزيد أنه انسان ففيه شركة، فإذا قلنا العالم الزاهد ابن فلان الذي تكلم يوم كذا في موضع كذا لم يزل احتمال الشركة فلا يكون جزئيا. وإنما قيد بالعقلي لأنه ليس في الخارج شركة ولا كلية.
قال: والتميز يغاير التشخص ويجوز امتياز كل من الشيئين بالآخر.
أقول: التشخص للشئ أنما هو في نفسه، وامتيازه أنما هو له باعتبار القياس إلى ما يشاركه في معنى كلي بحيث لو لم يشاركه غيره لما احتاج إلى مميز زائد على حقيقته مع أنه متشخص، فالتميز والتشخص متغايران ويجوز أن يمتاز كل واحد من الشيئين بصاحبه لا بامتيازه فلا دور.
قال: والمتشخص قد لا تعتبر مشاركته (3) والكلي قد يكون إضافيا فيتميز والشخص المندرج تحت عام متميز.
____________
(1) كما في (م) والنسخ الأخرى: قابلة للتكثر وتلك المادة.. الخ.
(2) كلمة الكلي تطلق باشتراك اللفظ على معاني عديدة جمعناها في كتابنا ألف نكتة ونكتة والنكتة الرابعة والتسعين والثلاثمائة منها في ذلك الإطلاق. والقيد بالعقلي إما للاحتراز على الطبيعي المقابل للطبيعي والمنطقي، أو المراد منه ما يحصل في العقل ولكل منهما وجه كما في الشوارق على التفصيل. وقال القوشجي: ولم يظهر لي بعد فائدة تقييد الكلي بالعقلي.
(3) والكلي قد يكون إضافيا فيتميز، فلا تشخص. والشخص المندرج تحت عام متميز، فاجتمع التشخص والتميز.
وأما صدق التميز بدون التشخص ففي الكلي إذا كان جزئيا إضافيا يندرج تحت كلي آخر فإنه يكون ممتازا عن غيره وليس بمتشخص.
وأما صدقهما على شئ واحد ففي التشخص المندرج تحت غيره إذا اعتبر اندراجه فإنه متشخص ومتميز.
المسألة السادسة
في البحث عن الوحدة والكثرة
قال: والتشخص يغاير الوحدة.
أقول: الوحدة عبارة عن كون المعقول غير قابل للقسمة من حيث هو واحد، وهو مغاير للتشخص لأن الوحدة قد تصدق على الكلي غير المتشخص، وعلى الكثرة نفسها من دون صدق التشخص عليهما.
قال: وهي تغاير الوجود لصدقه على الكثير من حيث هو كثير بخلاف الوحدة، وتساوقه.
أقول: قد ظن قوم أن الوجود والوحدة عبارتان عن شئ واحد لصدقهما على جميع الأشياء وهو خطأ، فإنه لا يلزم من الملازمة الاتحاد. ثم الدليل على تغايرهما أن الكثير من حيث إنه كثير يصدق عليه أنه موجود وليس بواحد، فالموجود غير الواحد من الشكل الثالث.
نعم، الوحدة تساوق الوجود وتلازمه، فكل موجود فهو واحد والكثرة يصدق عليها الواحد لا من حيث هي كثرة على معنى أن الوحدة تصدق على العارض
المسألة السابعة
في أن الوحدة غنية عن التعريف
قال: ولا يمكن تعريفها إلا باعتبار اللفظ.
أقول: الوحدة والكثرة من المتصورات البديهية فلا يحتاج في تصورهما إلى اكتساب، فلا يمكن تعريفهما إلا باعتبار اللفظ بمعنى أن يبدل لفظ بلفظ آخر أوضح منه، لا أنه تعريف معنوي (1).
قال: وهي والكثرة عند العقل والخيال تستويان في كون كل منهما أعرف بالاقتسام.
أقول: الوحدة والكثرة عند العقل والخيال تستويان في كون كل منهما أعرف من صاحبتها بالاقتسام، فإن الوحدة أعرف (2) عند العقل والكثرة أعرف عند الخيال لأن الخيال يدرك الكثرة أولا ثم العقل ينزع منها أمرا واحدا، والعقل يدرك أعم الأمور أولا وهو الواحد ثم يأخذ بعد ذلك في التفصيل، فقد ظهر أن الكثرة والوحدة مستويتان في كون كل واحدة منهما أعرف من صاحبتها لكن بالاقتسام فإن الكثرة أعرف عند الخيال والوحدة أعرف عند العقل، فقد اقتسم العقل
____________
(1) كما تقدم البحث عنه مفصلا في المسألة الأولى من صدر الكتاب.
(2) في أول الفصل الثالث من ثالثة إلهيات الشفاء (ص 339 ط 1): يشبه أن تكون الكثرة أعرف عند تخيلنا والوحدة أعرف عند عقولنا. ويشبه أن تكون الوحدة والكثرة من الأمور التي نتصورها بديا لكن الكثرة نتخيلها أولا والوحدة نعقلها أولا والوحدة نعقلها من غير مبدأ لتصورها عقلي بل إن كان ولا بد فخيالي. وفي الحكمة المنظومة (ص 103).
وسر أعرفية الأعم | سنخية لذاتك الأتم |
ووحدة عند العقول أعرف | وكثرة عند الخيال أكشف |
المسألة الثامنة
في أن الوحدة ليست ثابتة في الأعيان (1)
قال: وليست الوحدة أمرا عينيا بل هي من ثواني المعقولات وكذا الكثرة.
أقول: الوحدة إن كانت سلبية لم تكن سلب أي شئ كان بل سلب مقابلها أعني الكثرة، فالكثرة إن كانت عدمية كانت الوحدة عدما للعدم فتكون ثبوتية (2)، وإن كانت وجودية (3) كان مجموع العدمات (4) أمرا وجوديا وهو محال، وإن كانت ثبوتية (5) فإن كانت ثابتة في الخارج لزم التسلسل وإن كانت ثابتة في الذهن فهو المطلوب، فإذن الوحدة أمر عقلي اعتباري يحصل في العقل عند فرض عدم انقسام الملحوق وهي من المعقولات الثانية العارضة للمعقولات الأولى، وكذا الكثرة لأنه لا يمكن أن تتصور وحدة أو كثرة قائمة بنفسها بل إنما تتصور عارضة لغيرها.
المسألة التاسعة
في التقابل بين الوحدة والكثرة
قال: وتقابلهما لإضافة العلية (6) والمعلولية والمكيالية والمكيلية لا لتقابل
____________
(1) وفي الأسفار: (ولا تصغ إلى من يقول الوحدة من الاعتبارات..) (ط 1 ج 1 ص 131).
(2) أي الوحدة.
(3) أي الكثرة، فالجملة عطف على قوله: إن كانت عدمية، لأن الوجود مقابل العدم.
(4) أي مجموع الوحدات السلبية لأن الكلام في أن تكون الوحدة سلبيا فلا تغفل.
(5) أي الوحدة، فالجملة عطف على قوله: إن كانت سلبية، لأن الثبوت مقابل السلب.
(6) أقسام التقابل غير جارية بين الوحدة والكثرة وإنما التقابل بينهما بالعرض والشيخ قد بحث عن تقابل الوحدة والكثرة في سادس ثالثة إلهيات الشفاء (ص 88 - 92 ط 1) على التفصيل وبعد البيان في عدم أصناف التقابل فيهما قال: فبالحري أن تجزم أن لا تقابل بينهما في ذاتيهما ولكن يلحقهما تقابل وهو أن الوحدة من حيث هي مكيال تقابل الكثرة من حيث هي مكيل، وليس كون الشئ وحدة وكونه مكيلا شيئا واحدا بل بينهما فرق، والوحدة يعرض لها أن تكون مكيالا كما أنها يعرض لها أن تكون علة، الخ. ومعنى كون الوحدة مكيالا للكثرة أنها تفنيها مرة بعد أخرى كما أن العاد في الكم المنفصل، والمقدر في الكم المتصل كذلك إلا أن الواحد لا يكون عادا وإن كان مفنيا كما حقق في العلوم الرياضية. وستعلم أصناف التقابل في المسألة الحادية عشرة من هذا الفصل.
جوهري بينهما.
أقول: إن الوحدة وإن كانت تعرض لجميع الأشياء حتى الكثرة نفسها لكنها لا تجامع الكثرة في موضوع واحد بالقياس إلى شئ واحد، فإن موضوع الكثرة من حيث صدق الكثرة عليه لا يمكن صدق الوحدة عليه فبينهما تقابل قطعا.
إذا عرفت هذا فنقول: إنك ستعلم أن أصناف التقابل أربعة: إما تقابل السلب والإيجاب أو العدم والملكة أو التضايف أو التضاد، وليس بين الوحدة والكثرة تقابل جوهري أي ذاتي يستند إلى ذاتيهما بوجه من الوجوه الأربعة، لأن الوحدة مقومة للكثرة ومبدأ لها، وهما ثبوتيتان فليستا بسلب وإيجاب، ولا عدم وملكة، ولا متضايفتين لأن المقوم متقدم والمضايف مصاحب، ولا متضادتين لامتناع تقوم أحد الضدين بالآخر فلم يبق بينهما إلا تقابل عرضي وهو باعتبار عروض العلية والمعلولية والمكيالية والمكيلية العارضتين لهما، فإن الوحدة علة للكثرة ومكيال لها والكثرة معلولة ومكيلة، فبينهما هذا النوع من التضايف فكان التقابل عرضيا لا ذاتيا.
المسألة العاشرة
في أقسام الواحد (1)
قال: ثم معروضهما قد يكون واحدا فله جهتان بالضرورة، فجهة الوحدة إن
____________
(1) باتفاق النسخ كلها.
لم تقوم جهة الكثرة ولا تعرض لها فالوحدة عرضية، وإن عرضت كانت موضوعا أو محمولات عارضة لموضوع أو بالعكس، وإن قومت فوحدة جنسية أو نوعية أو فصلية، وقد يتغاير (1) فموضوع مجرد عدم الانقسام لا غير وحدة بقول مطلق (2) وإلا نقطة إن كان له مفهوم زائد ذو وضع، أو مفارق إن لم يكن ذا وضع، هذا إن لم يقبل القسمة وإلا فهو مقدار أو جسم بسيط أو مركب.
أقول: قد بينا أن الوحدة والكثرة من المعقولات الثانية (3) العارضة للمعقولات الأولى، إذا عرفت هذا فموضوعهما أعني المعروض إما أن يكون واحدا أو كثيرا، فإن كان واحدا كانت جهة وحدته غير جهة كثرته (4) بالضرورة لاستحالة كون الشئ الواحد بالاعتبار الواحد واحدا وكثيرا، وإذا ثبت أنه ذو جهتين فإما أن تكون جهة الوحدة مقومة لجهة الكثرة أو لا، فإن لم تكن مقومة فإما أن تكون عارضة لها أو لا، فإن لم تكن عارضة فهي الوحدة بالعرض كما تقول نسبة الملك إلى المدينة كنسبة الرائس (5) إلى السفينة، وكذلك حال النفس إلى البدن (6) كحال الملك إلى المدينة فإنه ليس هناك نسبة واحدة ولا حالة واحدة
____________
(1) عطف على قوله قد يكون واحدا، أي وقد يتغاير معروضهما.
(2) وفي بعض النسخ وحدة شخصية بقول مطلق، أي وحدة هي شخص من أشخاص مفهوم الوحدة، فإن مفهوم الوحدة واحد من حيث الذات كثير من حيث الأفراد فهو غير داخل في المقسم. والمراد بقول مطلق أنها وحدة من غير إضافة إلى شئ، بأن يقال مثلا وحدة النقطة أو وحدة العقل وغير ذلك.
(3) بينه في المسألة الثامنة قبيل ذلك.
(4) وذلك كأفراد الانسان مثلا فإنها كثيرة من حيث أشخاصها وواحدة من حيث إنها انسان.
(5) كما في (م) والباقية: كنسبة الربان، الربان بالباء الموحدة كرمان هو الفلاح ويقال له الملاح أيضا وهو بالفارسية ناخدا. وفي منتهى الإرب: ربان كرمان مهتر كشتيبان كه كشتى راند.
(6) التحقيق أن حال النفس إلى البدن أرفع من نحو هذا القول، فإن البدن من حيث هو بدن مرتبة نازلة للنفس والإنسان الواحد الشخصي له مرتبة طبيعية ومرتبة مثالية ومرتبة عقلية ومرتبة لاهوتية (ما لكم لا ترجون لله وقارا × وقد خلقكم أطوارا).
ثم مراد الشارح أن التدبير وهو جهة الوحدة بين النسبتين ليس مقوما ولا عارضا لأنه غير محمول عليهما، إذ المدبر هو النفس والملك لا نسبتاهما.
وإن كانت الوحدة عارضة للكثرة فأقسامه ثلاثة: أحدها: أن تكون موضوعا كما تقول، الانسان هو الكاتب، فإن جهة الوحدة هنا هي الانسانية وهي موضوع.
الثاني: أن تكون محمولات عرضت لموضوع واحد كقولنا: الكاتب هو الضاحك، فإن جهة الوحدة ما هو موضوع لهما أعني الانسان. الثالث: أن تكون موضوعات لمحمول واحد كقولنا: القطن هو الثلج (2)، فإن جهة الوحدة هي صفة لهما أعني البياض.
وأما إن كانت جهة الوحدة مقومة لجهة الكثرة فهي جنس إن كانت مقولة على كثرة مختلفة (3) بالحقائق في جواب ما هو، ونوع إن كانت الحقائق متفقة (4)، وفصل إن كانت مقولة (5) في جواب أي ما هو في جوهره.
وإن كان موضوعهما كثيرا أعني يكون موضوع الوحدة شخصا واحدا فإما أن يكون ذلك الموضوع هو موضوع مجرد عدم الانقسام لا غير أعني أن يكون وجود ذلك الشخص هو أنه شئ غير منقسم وليس له مفهوم وراء ذلك وهو الوحدة نفسها (6)، أو يكون له مفهوم آخر فإن كان ذا وضع فهو النقطة وإلا فهو العقل والنفس.
هذا إن لم يقبل القسمة، وإن كان الموضوع للوحدة قابلا للقسمة فإما أن تكون أجزاؤه مساوية لكله أو لا، والأول هو المقدار إن كان قبوله للانقسام لذاته وإلا فهو الجسم البسيط، والثاني الأجسام المركبة.
____________
(1) كما في (م) والنسخ الأخرى: فالوحدة فيهما عرضية.
(2) فإنهما كثير بذاتهما وواحد من حيث أنهما أبيض، فالأبيض جهة الوحدة وهو عارض ذاتي للقطن والثلج اللذين هما جهتا الكثرة.
(3) كوحدة الانسان والفرس من حيث إنهما حيوان.
(4) كوحدة زيد وعمرو من حيث إنهما انسان.
(5) كوحدة زيد وعمرو من حيث إنهما ناطق.
(6) كما سيأتي في آخر هذه المسألة من أن الوحدة قد تعرض لذاتها.
قال: وبعض هذه أولى من بعض بالوحدة.
أقول: الواحد من المعاني المقول على ما تحته بالتشكيك فإن بعض أفراده أولى باسمه من بعض، فإن نفس الوحدة الحقيقية أولى بالواحد من العرضية، والواحد بالشخص أولى به من الواحد بالنوع، وهو أولى به من الواحد بالجنس، والوحدة من أقسام الواحد أولى به من غيرها وهذا ظاهر.
قال: والهو هو على هذا النحو (1).
أقول: الهو هو أن يكون للكثير من وجه وحدة من وجه، فقياس الهو هو قياس الوحدة، فكما يقال: الوحدة إما في وصف عرضي أو ذاتي كذلك الهو هو، وبالجملة أقسام الوحدة هي أقسام الهو هو لكن مع الكثرة فلا يعرض (2) للشخص الواحد بخلاف الوحدة.
قال: والوحدة في الوصف (3) العرضي والذاتي تتغاير أسماؤها بتغاير المضاف إليه.
أقول: الوحدة في الوصف العرضي والذاتي تتغاير أسماؤها بتغاير المضاف إليه، فإن الوصف العرضي وهو المضاف إليه الوحدة إن كان كيفا سمي مشابهة، وإن كان في الكم سمي مساواة، وإن كان في الإضافة سمي مناسبة، وإن كان في الخاصة سمي مشاكلة، وإن كان في اتحاد الأطراف سمي مطابقة، وإن كان في اتحاد وضع الأجزاء سمي موازاة، وباقي الأعراض ليس لها أسماء خاصة.
____________
(1) الهو هو لفظ مركب جعل اسما فعرف باللام والمراد به الحمل الإيجابي بالمواطاة.
(2) ضمير الفعل راجع إلى الهو هو أي لا يعرض الهو هو للشخص الواحد بخلاف الوحدة.
(3) المتن والشرح مطابقان للنسخ كلها، وما في المطبوعة قد سقط منها سطر. والمراد من قوله هذا أن الشيئين المتغايرين إن اتحدا في الوصف العرضي كالثلج والعاج في البياض، أو اتحدا في الوصف الذاتي كالانسان والفرس في الحيوانية، فإن أسماء الوحدة تتغاير بتغير المضاف إليه الوحدة لأن الوحدة تضاف إلى ذلك الوصف كوحدة البياض في الأولين، ووحدة الحيوانية في الأخيرين، وغيرهما.