الصفحة 54

[ تفسير آيات القضاء والقدر ]

فصل: فيما ذكر الشيخ أبو جعفر في القضاء والقدر


قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله - في القضاء والقدر: الكلام في القدر منهي عنه، وروى حديثا لم يذكر له إسنادا(1) (2).

قال الشيخ أبو عبد الله المفيد - عليه الرحمة -(3): عول(4) أبو جعفر - رحمه الله - في هذا الباب على أحاديث شواذ لها وجوه يعرفها العلماء متى صحت وثبت إسنادها ولم يقل فيه قولا محصلا، وقد كان ينبغي له لما لم يكن يعرف للقضاء معنى أن يهمل الكلام فيه، والقضاء معروف في اللغة وعليه شواهد من القرآن، فالقضاء على أربعة أضرب: أحدها: الخلق، والثاني:

الأمر، والثالث: الإعلام، والرابع:

القضاء [ في الفصل بالحكم ](5).

فأما شاهد القضاء في معنى الخلق فقوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان - إلى قوله -: فقضاهن سبع سماوات في يومين)(6) يعني خلقهن سبع سماوات في يومين.

____________

(1) الاعتقادات ص 34.

(2) التوحيد: 365.

(3) عنه في البحار 5: 97 / 22، 23، 24.

(4) في بقية النسخ: عمل.

(5) في بعض النسخ: بالفصل في الحكم.

(6) فصلت: 11، 12.


الصفحة 55
وأما شاهد القضاء في معنى الأمر فقوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)(1) يريد أمر ربك.

وأما شاهد القضاء في الإعلام فقوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل)(2) يعني أعلمناهم ذلك وأخبرناهم به قبل كونه.

وأما شاهد القضاء بالفصل(3) بالحكم بين الخلق فقوله تعالى: (والله يقضي بالحق)(4) [ يعني يفصل بالحكم ](5) بالحق بين الخلق وقوله: (وقضي بينهم بالحق)(6) يريد وحكم بينهم بالحق، وفصل بينهم بالحق.

وقد قيل إن للقضاء وجها خامسا وهو الفراغ من الأمر، واستشهد على ذلك بقول يوسف - عليه السلام -: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)(7) يعني فرغ منه، وهذا يرجع إلى معنى الخلق، وإذا ثبت ما ذكرناه في أوجه القضاء بطل قول المجبرة أن الله تعالى قضى بالمعصية على خلقه، لأنه لا يخلو إما أن يكونوا يريدون به أن الله خلق العصيان في خلقه، فكان يجب أن يقولوا قضى في خلقه(8) بالعصيان ولا يقولوا قضى عليهم، لأن الخلق فيهم لا عليهم، مع أن الله تعالى قد أكذب من زعم أنه خلق المعاصي(9) لقوله(10) سبحانه: (الذي أحسن كل شئ خلقه)(11) فنفى عن خلقه القبح وأوجب له الحسن، والمعاصي قبائح بالاتفاق، ولا وجه لقولهم قضى بالمعاصي(12) على معنى أنه أمر بها، لأنه تعالى قد

____________

(1) بني إسرائيل: 23.

(2) بني إسرائيل: 4.

(3) في المطبوعة: في الفصل.

(4) غافر: 20.

(5) (ق): أي يحكم بينهم.

(6) الزمر: 69.

(7) يوسف: 41.

(8) (ز): الخلق.

(9) بحار الأنوار 5: 98.

(10) في بقية النسخ: بقوله.

(11) السجدة: 7.

(12) في بقية النسخ: المعاصي.


الصفحة 56
أكذب مدعي ذلك بقوله: (إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون)(1) ولا معنى لقول من زعم أنه قضى بالمعامي على معنى أنه أعلم الخلق بها إذا كان الخلق لا يعلمون أنهم في المستقبل يطيعون أو يعصون ولا يحيطون علما بما يكون منهم في المستقبل على التفصيل، ولا وجه لقولهم إنه قضى بالذنوب على معنى أنه حكم بها(2) بين العباد، لأن أحكامه(3) تعالى حق والمعاصي منهم(4) ولا لذلك فائدة وهو لغو بالاتفاق، فبطل قول من زعم أن الله تعالى يقضي بالمعاصي والقبائح.

والوجه عندنا في القضاء والقدر بعد الذي بيناه في معناه أن لله تعالى في خلقه قضاء وقدرا وفي أفعالهم أيضا قضاء وقدرا معلوما ويكون المراد بذلك أنه قد قضى في أفعالهم الحسنة بالأمر بها وفي أفعالهم القبيحة بالنهي عنها، وفي أنفسهم بالخلق لها، وفيما فعله فيهم بالايجاد له، والقدر منه سبحانه فيما فعله(5) إيقاعه في حقه وموضعه، وفي أفعال عباده ما قضاه فيها من الأمر والنهي والثواب والعقاب، لأن ذلك كله واقع موقعه، موضوع في مكانه لم يقع عبثا ولم يصنع باطلا، فإذا فسر القضاء في أفعال الله تعالى والقدر بما شرحناه زالت الشنعة منه، وثبتت الحجة به، ووضح(6) الحق فيه لذوي العقول، ولم يلحقه فساد ولا إخلال.

____________

(1) الأعراف: 28.

(2) بحار الأنوار 5: 99.

(3) ( أ ) (ح) (ز) (ق) (ش): أحكام الله.

(4) (ش) (ق): فيهم.

(5) بحار الأنوار 5: 99.

(6) (ش) (ق): وصح.


الصفحة 57

[ تفسير أخبار القضاء والقدر ]


فأما الأخبار التي رواها أبو جعفر - رحمه الله -(1) في النهي عن الكلام في القضاء والقدر فهي تحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون النهي خاصا بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم ويضلهم عن الدين ولا يصلحهم في عبادتهم إلا الامساك عنه وترك الخوض فيه، ولم يكن النهي عنه عاما لكافة المكلفين، وقد يصلح بعض الناس بشئ يفسد به آخرون، ويفسد بعضهم بشئ يصلح به آخرون، فدبر(2) الأئمة - عليهم السلام - أشياعهم في الدين بحسب ما علموه(3) من مصالحهم فيه.

وثانيا(4): أن يكون النهي عن الكلام في القضاء والقدر النهي عن الكلام فيما خلق الله تعالى وعن علله وأسبابه وعما أمر به وتعبد(5)، وعن القول في علل ذلك إذا كان طلب علل الخلق والأمر محظورا، لأن الله تعالى سترها عن أكثر خلقه، ألا ترى أنه لا يجوز لأحد أن يطلب لخلقه جميع ما خلق عللا مفصلات فيقول لم خلق كذا وكذا؟ حتى يعد المخلوقات كلها ويحصيها، ولا يجوز أن يقول:

لم أمر بكذا؟ أو تعبد بكذا؟ ونهى عن كذا؟ إذ تعبده بذلك وأمره لما هو أعلم به

____________

(1) عنه في البحار 5: 196 / 1 - 8.

(2) (ق): وقد أمر.

(3) (ق): علموا.

(4) في بقية النسخ: والوجه الآخر.

(5) بحار الأنوار 5: 99.


الصفحة 58
من مصالح الخلق ولم يطلع أحدا من خلقه على تفصيل علل ما خلق وأمر به وتعبد، وإن كان قد أعلم في الجملة(1) أنه لم يخلق الخلق عبثا وإنما خلقهم للحكمة والمصلحة، ودل على ذلك بالعقل والسمع.

فقال سبحانه: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين)(2) وقال:

(أفحسبتم أنا خلقناكم عبثا)(3) وقال: (إنا كل شئ خلقناه بقدر)(4) يعني بحق ووضعناه في موضعه وقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(5) وقال فيما تعبد به: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم)(6).

وقد يصح أن يكون الله تعالى خلق حيوانا بعينه لعلمه(7) بأنه يؤمن عند خلقه كفار، أو يتوب عند ذلك فساق، أو ينتفع به مؤمنون، أو يتعظ به ظالمون، أو ينتفع المخلوق نفسه بذلك، أو يكون عبرة لواحد في الأرض أو في السماء وذلك مغيب عنا، وإن قطعنا في الجملة أن جميع ما صنع الله تعالى إنما صنعه لأغراض حكيمة(8) ولم يصنعه عبثا، وكذلك يجوز أن يكون تعبدنا بالصلاة لأنها تقربنا من طاعته وتبعدنا عن(9) معصيته، وتكون العبادة بها لطفا لكافة المتعبدين بها أو لبعضهم، فلما خفيت هذه الوجوه(10) وكانت مستورة عنا ولم يقع دليل على التفصيل فيها وإن كان العلم بأنها حكمة في الجملة كان النهي عن الكلام في معنى القضاء والقدر إنما هو نهي عن طلب علل لها مفصلة، فلم يكن نهيا عن

____________

(1) بحار الأنوار 5: 100.

(2) الأنبياء: 16.

(3) المؤمنون: 115.

(4) القمر: 49.

(5) الذاريات: 56.

(6) الحج: 37.

(7) بحار الأنوار 5: 100.

(8) ( أ ) (ق):

حكمية، (ح) (ش): حكمته.

(9) (ق) (ش): من.

(10) بحار الأنوار 5: 100.


الصفحة 59
الكلام في معنى القضاء والقدر.

هذا إن سلمنا(1) الأخبار التي رواها(2) أبو جعفر - رحمه الله.

فأما إن بطلت أو اختل سندها فقد سقط عنا(3) عهدة الكلام فيها.

والحديث الذي رواه عن زرارة حديث صحيح من بين ما روى، والمعنى فيه ظاهر ليس به على العقلاء خفاء، وهو مؤيد للقول بالعدل(4) ودال على فساد القول بالجبر، ألا ترى إلى ما رواه عن أبي عبد الله - عليه السلام -(5) من قوله:

(إذا حشر الله تعالى الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم عما قضى عليهم) وقد نطق القرآن بأن الخلق مسؤولون عن أعمالهم(6)، فلو كانت أعمالهم [ بقضاء الله ](7) تعالى لما سألهم عنها، فدل على أن قضاء الله تعالى ما خلقه من ذوات العباد وفيهم وأنه تعالى لا يسألهم إلا عن أعمالهم التي عهد إليهم فيها، فأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبيحها، وهذا الحديث موضح لمعنى القضاء والقدر فلا وجه [ للقول حينئذ بأنه ](8) لا معنى للقضاء والقدر معقول، إذ كان بينا حسبما ذكرناه.

____________

(1) في بقية النسخ: سلمت.

(2) (ح) (ق): بقضائه.

(3) (ح) (ش): عنها.

(4) بحار الأنوار: 5: 100.

(5) التوحيد: 365.

(6) بحار الأنوار: 5: 100.

(7) (ق): بقضائه.

(8) (ق): لقول من زعم أنه.


الصفحة 60

[ معنى فطرة الله ]


قال أبو جعفر - رحمه الله -(1) في معنى الفطرة: إن الله تعالى فطر [ جميع الخلق ](2) على التوحيد(3).

قال الشيخ المفيد - رحمه الله -: ذكر أبو جعفر - رحمه الله - الفطرة ولم يبين معناها! وأورد الحديث على وجهه ولم يذكر فائدته، والمعنى في قوله - عليه السلام - فطر الله الخلق، أي: ابتدأهم بالحدوث، والفطرة هي الخلق.

قال الله تعالى: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض)(4) يريد به خالق السماوات والأرض على الابتداء والاستقبال، وقال: (فطرة الله التي فطر الناس عليها)(5) يعني خلقته التي خلق الناس عليها [ وهو معنى ](6) قول الصادق - عليه السلام: فطر الله الخلق على التوحيد، أي: خلقهم للتوحيد وعلى أن يوحدوه، وليس

____________

(1) عنه في البحار 5: 196 / 1 - 8.

(2) (ق): الخلائق.

(3) الاعتقادات ص 36.

(4) الملائكة: 1.

(5) الروم: 30.

(6) (ق): والمعنى في.


الصفحة 61
المراد به أنه [ أراد منهم ](1) التوحيد، ولو كان الأمر كذلك ما كان مخلوق إلا موحدا، وفي وجودنا من المخلوقين من لا يوحد الله تعالى دليل على أنه لم يخلق التوحيد في الخلق، بل خلقهم ليكتسبوا التوحيد!

وقد قال تعالى في شاهد ما ذكرناه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(2) فبين أنه إنما خلقهم لعبادته.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواية تلقاها العامة والخاصة بالقبول، قال: كل مولود يولد فهو على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه(3). وهذا أيضا مبين عن صحة ما قدمناه من أن الله تعالى خلق الخلق ليعبدوه، وفطرهم ليوحدوه، وإنما أتي الضالون من قبل [ أنفسهم و ] من أضلهم من الجن والإنس دون الله

____________

(1) (ق): خلق فيهم.

(2) الذاريات: 56.

(3) قال العلامة الشهرستاني في مجلة (المرشد - ص 26 - 27 ج 1): الفطرة هي ما يقتضيه الشئ لو خلي ونفسه وبدون مانع، فإذا قيل: (الصدق فطري في البشر) معناه أن الإنسان لو خلي ونفسه فإن حالته الفطرية تقتضي أن يصدق كلامه، وهذه الفطرة قد تدوم فيه كما هو الغالب، وقد تزول عنه بمانع أقوى فيلتجئ إلى الكذب، كما أن القائل: سقوط الحجر إلى الأرض طبيعي، معناه:

أن الحجر المتحرك حول الأرض لو خلي ونفسه فحكمه السقوط إلى الأرض، وهذا لا يمنع أن يتخلف عن طبيعته لعارض وبسبب قاسر.

وعليه فكون دين الاسلام فطريا في البشر لا ينافي وجود سبب عارض يقسره يوما على مخالفته الفطرة، وبعبارة فنية (إن الفطرة اقتضاء لا ضرورة) كما يصرح بذلك حديث (كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه وينصرانه).

وأما معنى فطرية دين الاسلام، فالراجح أنه بعنوانه المجموعي، أي إن الاسلام إذا قيس إلى أي دين آخر كان هو دين الفطرة دون غيره - كما أشار إليه الحديث النبوي المتقدم.

ومما يريك دين الاسلام بلباسه الفطري، أن حقيقة الاسلام هو أن يسلم المرء أمره إلى خالقه وأن يسالم المخلوقين، وهل هذا إلا قضية الفطرة.

قال سبحانه: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن) (النساء: 125) أي:

المسلم لله والمسالم لعباده.

وقال نبي الاسلام صلى الله عليه وآله وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه).

ثم إن الاسلام بني على توحيد الله في ذاته وصفاته وتوحيده في عنايته وعبادته، وهل هذا إلا الفطرة، وأسس شرعه على العدل والاحسان والفضيلة والمحبة، وكلها أحكام الفطرة.

فالاسلام بهذا المعنى دين الفطرة وشرع الحقيقة، وهذا المعنى هو دين الله الحقيقي، وهو أقدم شرائع البشر من عهد إبراهيم - عليه السلام - والذين من قبله، والقرآن يقول في إبراهيم - عليه السلام - إنه: (كان حنيفا مسلما) (آل عمران: 68) أي: متدينا بالدين الأصلي، أعني به إسلام الفرد نفسه لربه ومسالمته مع عباده. چ.


الصفحة 62
تعالى، والذي أورده أبو جعفر في بيان...(1) الله الخلق وهدايتهم إلى الرشد على ما ذكر وقد أصاب في ذلك وسلك الطريقة المثلى فيه وقال ما يقتضيه العدل ويدل عليه العقل، وهو خلاف مذهب المجبرة الرادين على الله فيما قال والمخالفين في أقوالهم دلائل العقول.

____________

(1) هنا في النسخ بياض بمقدار كلمة.


الصفحة 63

فصل: في [ معنى ] الاستطاعة


قال أبو جعفر - رحمه الله -(1) في الاستطاعة: اعتقادنا في ذلك ما روي عن موسى بن جعفر - عليه السلام -: من أن العبد لا يكون مستطيعا إلا بأربع خصال(2)... إلخ(3).

قال أبو عبد الله: الذي رواه أبو جعفر عن أبي الحسن موسى - عليه السلام - في الاستطاعة حديث شاذ، والاستطاعة في الحقيقة هي الصحة والسلامة، فكل صحيح فهو مستطيع، وإنما يعجز الإنسان ويخرج عن الاستطاعة بخروجه عن الصحة، وقد يكون مستطيعا للفعل من لا يجد آلة له ويكون مستطيعا ممنوعا من الفعل، والمنع لا يضاد الاستطاعة وإنما يضاد الفعل، ولذلك يكون الإنسان مستطيعا للنكاح وهو لا يجد امرأة ينكحها.

وقد قال الله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات)(4) فبين أن الإنسان يكون مستطيعا للنكاح وهو غير ناكح، ويكون مستطيعا للحج قبل أن يحج، ومستطيعا للخروج قبل أن يخرج.

____________

(1) عنه في بحار الأنوار 5: 8 و 9 / 10 - 12.

(2) (ق) زيادة: أن يكون مخلى السرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح، له سبب وارد من الله.

(3) الاعتقادات ص 38، الكافي 1: 160 - 161، التوحيد: 348 / 7 وفيهما عن الرضا - عليه السلام -.

(4) النساء: 25.


الصفحة 64
قال الله تعالى: (وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم)(1) فخبر أنهم كانوا مستطيعين للخروج فلم يخرجوا.

وقال سبحانه: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)(2) فأوجب الحج على [ الناس و ](3) الاستطاعة قبل الحج، فكيف ظن أبو جعفر أن من شرط الاستطاعة للزنا وجود المزني بها، وقد بينا أن الإنسان يستطيع ذلك مع فقد المرأة وتعذر وجودها؟ وإن ثبت الخبر الذي رواه أبو جعفر - رحمه الله - فالمراد بالاستطاعة فيه التيسير للفعل وتسهيل سبيله، وليس عدم السبيل موجبا لعدم الاستطاعة، لما قدمناه من وجود الاستطاعة مع المنع، وهذا باب إن بسطناه طال القول فيه، وفيما أثبتناه من معناه كفاية لمن اعتبره(4).

____________

(1) التوبة: 42.

(2) آل عمران: 98.

(3) (ق): من لم يحج، وأثبت.

(4) (ق): تأمله.


الصفحة 65

فصل: في [ معنى ] البداء


قال أبو جعفر - رحمه الله -: اعتقادنا في البداء، إلى آخره(1) (2) (3).

قال أبو عبد الله: قول الإمامية في البداء طريقه السمع دون العقل، وقد(4) جاءت الأخبار به عن أئمة الهدى - عليهم السلام - والأصل في البداء هو الظهور قال الله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون)(5) يعني به:

ظهر لهم من أفعال الله تعالى بهم ما لم يكن في حسبانهم وتقديرهم، وقال:

(وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم)(6) يعني: ظهر لهم جزاء كسبهم وبان لهم ذلك، وتقول العرب: قد بدا لفلان عمل حسن، وبدا له كلام فصيح، كما يقولون: بدا من فلان كذا، فيجعلون اللام قائمة مقامه(7)، فالمعنى في قول الإمامية بدا لله في كذا - أي: ظهر له فيه ومعنى ظهر فيه - أي ظهر منه، وليس المراد منه(8) تعقب الرأي ووضوح أمر كان قد خفي عنه وجميع أفعاله تعالى الظاهرة في خلقه

____________

(1) الاعتقادات ص 40.

(2) عنه في البحار 4: 125.

(3) انظر كتاب أوائل المقالات ص 53 طبع 1371 چ.

(4) (ق): فقد.

(5) الزمر: 47.

(6) الزمر: 48.

(7) (ق) زيادة: مقام من نائبة عنها.

(8) (ق): به.


الصفحة 66
بعد أن لم تكن فهي معلومة له فيما لم يزل، وإنما يوصف منها بالبداء ما لم يكن في الاحتساب ظهوره، ولا في غالب الظن وقوعه، فأما ما علم كونه وغلب في الظن حصوله، فلا يستعمل فيه لفظ البداء.

وقول أبي عبد الله - عليه السلام -(1): (ما بدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل)، فإنما أراد به ما ظهر من الله تعالى فيه من دفاع القتل عنه وقد كان مخوفا عليه من ذلك مظنونا به، فلطف له في دفعه عنه.

وقد جاء الخبر بذلك عن الصادق - عليه السلام - فروي عنه أنه قال: (كان القتل قد كتب على إسماعيل مرتين فسألت الله في دفعه عنه فدفعه) وقد يكون الشئ مكتوبا بشرط فيتغير الحال فيه.

قال الله تعالى: (ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده)(2).

فتبين أن الآجال على ضربين: ضرب منها مشترط يصح فيه الزيادة والنقصان، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب)(3). وقوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)(4) فبين أن آجالهم كانت مشترطة في الامتداد بالبر والانقطاع بالفسوق.

وقال تعالى [ فيما خبر به ](5) عن نوح في خطابه لقومه: (استغفروا ربكم

____________

(1) التوحيد: 336 / 0 1، كمال الدين: 69.

(2) الأنعام: 2.

(3) الملائكة: 11.

(4) الأعراف: 96.

(5) (ق): خبرا.


الصفحة 67
إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا)(1) إلى آخر الآيات.

فاشترط لهم في مد الأجل وسبوغ النعم الاستغفار فلما لم يفعلوه قطع آجالهم وبتر أعمارهم واستأصلهم بالعذاب، فالبداء من الله تعالى يختص ما كان مشترطا في التقدير وليس هو الانتقال من عزيمة إلى عزيمة ولا من تعقب الرأي، تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا.

وقد قال بعض أصحابنا: إن لفظ البداء أطلق(2) في أصل اللغة على تعقب الرأي [ والانتقال من عزيمة إلى عزيمة ](3) وإنما أطلق(4) على الله تعالى على وجه الاستعارة كما يطلق عليه الغضب والرضا مجازا غير حقيقة، وإن(5) هذا القول لم يضر بالمذهب، إذ المجاز من القول يطلق على الله تعالى فيما ورد به السمع، وقد ورد السمع بالبداء على ما بينا(6)، والذي اعتمدناه(7) في معنى البداء أنه الظهور(8) على ما قدمت القول في معناه، فهو خاص فيما يظهر من الفعل الذي كان وقوعه يبعد في النظر(9) دون المعتاد، إذ لو كان في كل واقع من أفعال الله تعالى لكان الله تعالى موصوفا بالبداء في كل أفعاله، وذلك باطل بالاتفاق.

____________

(1) نوح: 10 و 11.

(2) (ق): موضوع.

(3) (ق): عند وضوح ما كان خفيا.

(4) (ق): يطلق.

(5) (ق) زيادة: صح.

(6) (ق): بيناه.

(7) ( أ ) (ز): اعتمدنا.

(8) ( أ ) (ز) (ق): ظهور.

(9) في بعض النسخ: الظن.


الصفحة 68

فصل: في النهي عن الجدال


قال أبو جعفر [ في الجدال ](1): الجدال في الله منهي عنه، لأنه يؤدي إلى ما لا يليق به(2).

وروي عن الصادق - عليه السلام -(3) أنه قال: يهلك أهل الكلام وينجو المسلمون(4).

قال أبو عبد الله الشيخ المفيد - رحمه الله -: الجدال على ضربين: أحدهما بالحق، والآخر بالباطل، فالحق منه مأمور به ومرغب(5) فيه، والباطل منه منهي عنه ومزجور عن استعماله.

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (وجادلهم بالتي هي أحسن)(6) فأمر بجدال المخالفين وهو الحجاج لهم، إذ كان جدال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقا، وقال تعالى لكافة المسلمين: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)(7) فأطلق لهم

____________

(1) ليست في (ح) ( أ ) (ق).

(2) الاعتقادات ص 42.

(3) بصائر الدرجات: 521.

(4) بصائر الدرجات: 541 / 4 و 5، التوحيد: 458 / 22.

(5) (ز): مرغوب.

(6) النحل: 125.

(7) العنكبوت: 46.


الصفحة 69
جدال أهل الكتاب بالحسن(1)، ونهاهم عن جدالهم بالقبيح.

وحكى سبحانه عن قوم نوح - عليه السلام - ما قالوه في جدالهم(2) فقال سبحانه: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا)(3) فلو كان الجدال كله باطلا لما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم به، ولا استعمله الأنبياء - عليهم السلام - من قبله، ولا أذن للمسلمين فيه.

فأما الجدال بالباطل فقد بين الله تبارك وتعالى عنه في قوله: (ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون)(4) فذم المجادلين في [ آيات الله ](5) لدفعها أو قدحها(6) وإيقاع الشبهة في حقها.

وتد ذكر الله تعالى عن خليله إبراهيم - عليه السلام - أنه حاج كافرا في الله تعالى فقال: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه)(7) الآية. وقال مخبرا عن حجاجه قومه: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء)(8).

وقال سبحانه آمرا لنبيه صلى الله على وآله وسلم بمحاجة مخالفيه: (قل هل عندكم من علم

____________

(1) في بقية النسخ: بالحق.

(2) (ح): جداله لهم.

(3) هود: 32.

(4) المؤمن: 69.

(5) (ح) (ق): الآيات.

(6) (ح) (ق): جحدها.

(7) البقرة: 259.

(8) الأنعام: 83.


الصفحة 70
فتخرجوه لنا)(1).

وقال - عز اسمه -: (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل)(2) الآية. وقال لنبيه صلى الله على وآله وسلم: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم)(3) الآية. وما زالت الأئمة - عليهم السلام - يناظرون في دين الله سبحانه ويحتجون على أعداء الله تعالى.

وكان شيوخ أصحابهم في كل عصر يستعملون النظر، ويعتمدون الحجاج ويجادلون بالحق، ويدمغون(4) الباطل بالحجج والبراهين، وكان الأئمة - عليهم السلام - يحمدونهم على ذلك ويمدحونهم ويثنون عليهم بفضل.

وقد ذكر الكليني - رحمه الله - في كتاب الكافي - وهو من أجل كتب الشيعة وأكثرها فائدة - حديث يونس بن يعقوب مع أبي عبد الله - عليه السلام - حين ورد عليه الشامي لمناظرته، فقال له أبو عبد الله - عليه السلام -: (وددت أنك يا يونس كنت تحسن الكلام).

فقال له يونس: جعلت فداك، سمعتك تنهى عن الكلام وتقول: ويل لأهل الكلام، يقولون هذا ينقاد وهذا لا ينقاد، وهذا ينساق وهذا لا ينساق، وهذا نعقله وهذا لا نعقله.

فقال له أبو عبد الله - عليه السلام -: (إنما قلت ويل لهم إذا تركوا قولي وصاروا إلى خلافه) ثم دعا حمران بن أعين ومحمد بن الطيار(5)، وهشام بن سالم وقيس الماصر فتكلموا بحضرته، وتكلم هشام بعدهم فأثنى عليه ومدحه وقال له:

____________

(1) الأنعام: 148.

(2) آل عمران: 94.

(3) آل عمران: 62.

(4) في بعض النسخ: يدفعون.

(5) انظر ذيل كتاب (أوائل ا لمقالات - ص 69 - 70 طبع 1371) بقلم العلامة الزنجاني. چ.