فصل: في المسألة في القبر(*)
قال أبو جعفر اعتقادنا في المسألة في القبر أنها حق(1)،(2).
____________
(*) قال المؤلف قده في ضمن جوابه عن المسألة الخامسة من المسائل السروية: فأما كيفية عذاب الكافر في قبره وتنعم المؤمن فيه، فإن الخبر أيضا قد ورد بأن الله تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا في جنة من جناته، ينعمه فيه إلى يوم الساعة فإذا نفخ في الصور أنشأ جسده الذي في التراب وتمزق ثم أعاده إليه وحشره إلى الموقف وأمر به إلى جنة الخلد، ولا يزال منعما ببقاء الله عز وجل (بإبقاء الله - ظ) غير أن جسده الذي يعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا بل يعدل طباعه ويحسن صورته ولا يهرم مع تعديل الطباع ولا يمسه نصب في الجنة ولا لغوب، والكافر يجعل في قالب كقالبه في محل عذاب يعاقب ونار يعذب بها حتى الساعة ثم ينشئ جسده الذي فارقه في القبر فيعاد إليه فيعذب به في الآخرة عذاب الأبد ويركب أيضا جسده تركيبا لا يفنى معه وقد قال الله عز وجل: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) (سورة المؤمن: 46) وقال في قصة الشهداء: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) (سورة آل عمران: 170) وهذا قد مضى في ما تقدم فدل على أن الثواب والعذاب يكون قبل يوم القيمة وبعدها، والخبر وارد بأنه يكون مع فراق الروح والجسد في الدنيا والروح هيهنا عبارة عن الفعال الجوهر البسيط، وليس بعبارة عن الحياة يصح عليها العلم والقدرة لأن هذه الحياة عرض لا تبقى ولا يصح عليها الإعادة، فهذا ما عول عليه أهل النقل وجاء به الخبر على ما بيناه.
أنظر الصفحة 40 - 42 من هذا الكتاب. طبع 1371 چ. فأخبر أنهم أحياء وإن كانت أجسادهم على وجه الأرض أموات لا حياة فيها. منه ره.
(1) الاعتقادات ص 58.
(2) عنه في البحار 6: 279 - 280 و 53: 128 - 130.
جاءت الآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم(4) أن الملائكة تنزل(5) على المقبورين فتسألهم عن أديانهم، وألفاظ الأخبار بذلك متقاربة، فمنها أن ملكين لله تعالى يقال لهما: ناكر ونكير، ينزلان على الميت فيسألانه عن ربه ونبيه ودينه وإمامه، فإن أجاب بالحق سلموه إلى ملائكة النعيم، وإن ارتج(6) عليه سلموه إلى ملائكة العذاب.
وقيل في بعض الأخبار(7): إن اسمي الملكين اللذين ينزلان على الكافر:
ناكر ونكير، واسمي الملكين اللذين ينزلان على المؤمن: مبشر وبشير، وقيل:
إنه إنما سمي ملكا الكافر ناكرا ونكيرا، لأنه ينكر الحق وينكر ما يأتيانه به ويكرهه، وسمي ملكا المؤمن مبشرا وبشيرا، لأنهما يبشرانه بالنعيم، ويبشرانه من الله تعالى بالرضا والثواب المقيم. وإن هذين الاسمين ليسا بلقب(8) لهما،
____________
(1) (ز) (ش): جيد.
(2) في المطبوعة: يقصد.
(3) ( أ ): يذكره.
(4) بحار الأنوار 6: 280.
(5) (ز): تتنزل.
(6) رتج وارتج الباب: أغلقه، ارتج على الخطيب: استغلق عليه الكلام، أنظر (مجمع البحرين - رتج) لفخر الدين الطريحي، أيضا. چ.
(7) بحار الأنوار 6: 280.
(8) (ق) تلقيبا.
وهذه أمور يتقارب بعضها من بعض ولا تستحيل معانيها، والله سبحانه أعلم بحقيقة الأمر فيها، وقد قلنا فيما سلف أنه إنما ينزل الملكان على من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا، ومن سوى هذين فيلهى عنه(2)، وبينا أن الخبر جاء بذلك، فمن جهته قلنا فيه ما ذكرناه(3).
فصل:
وليس ينزل الملكان إلا على حي، ولا يسألان إلا من يفهم المسألة(4) ويعرف معناها، وهذا يدل على أن الله تعالى يحيي العبد بعد موته للمسألة(5)، ويديم حياته لنعيم إن كان يستحقه، أو لعذاب إن كان يستحقه. نعوذ بالله من سخطه، ونسأله التوفيق لما يرضيه برحمته(6).
والغرض من نزول الملكين ومساءلتهما العبد أن الله تعالى يوكل بالعبد بعد موته ملائكة النعيم أو ملائكة العذاب، وليس للملائكة طريق إلى علم ما يستحقه العبد إلا بإعلام(7) الله تعالى ذلك لهم، فالملكان اللذان ينزلان على العبد أحدهما من ملائكة النعيم والآخر من ملائكة العذاب، فإذا هبطا لما وكلا به
____________
(1) (ح) (ق): وإنما هو. والأنسب في السياق: وإنما هما.
(2) بحار الأنوار 6: 280.
(3) بحار الأنوار 6: 280.
(4) في بقية النسخ: للمسألة.
(5) في بقية النسخ: المسألة.
(6) بحار الأنوار 6: 280.
(7) (ز): بإلهام.
وقد قيل: إن الملائكة الموكلين بالنعيم والعذاب(4). غير الملكين الموكلين بالمسألة، وإنما يعرف ملائكة النعيم وملائكة العذاب ما يستحقه العبد من جهة ملكي المسألة، فإذا سألا العبد وظهر منه ما يستحق به الجزاء تولى منه ذلك ملائكة الجزاء وعرج ملكا المسألة إلى مكانهما من السماء. وهذا كله جائز، ولسنا نقطع بأحد دون صاحبه، إذ الأخبار فيه متكافئة والعبارة لنا في معنى ما ذكرناه الوقف والتجويز(5).
فصل:
وإنما وكل الله تعالى ملائكة المسألة وملائكة العذاب والنعيم بالخلق تعبدا لهم بذلك، كما وكل الكتبة من الملائكة بحفظ أعمال الخلق(6) وكتبها ونسخها ورفعها تعبدا لهم بذلك، وكما تعبد طائفة من الملائكة بحفظ بني آدم، وطائفة منهم بإهلاك الأمم، وطائفة(7) بحمل العرش، وطائفة بالطواف حول
____________
(1) في بقية النسخ: بالمسألة.
(2) (ق): استحقاق.
(3) بحار الأنوار 6: 280 و 281.
(4) (ح): والعقاب.
(5) بحار الأنوار 6: 281.
(6) (ح): الخلائق.
(7) (ز) زيادة: منهم.
وقد كان الله تعالى قادرا على أن يفعل العذاب بمستحقه من غير واسطة، وينعم المطيع من غير واسطة، لكنه سبحانه علق ذلك على الوسائط لما ذكرناه وبينا وجه الحكمة فيه ووصفناه، وطريق مسألة الملكين الأموات بعد خروجهم من الدنيا بالوفاة هو السمع، وطريق العلم برد الحياة إليهم عند المسألة هو العقل، إذ لا يصح مسألة الأموات واستخبار الجماد(4)(5).
وإنما يحسن الكلام للحي العاقل لما يكلم به، وتقريره وإلزامه بما يقدر عليه، مع أنه قد جاء في الخبر أن كل مسائل ترد إليه الحياة عند مساءلته(6) ليفهم ما يقال له، فالخبر بذلك(7) يؤكد ما في العقل، ولو لم يرد بذلك خبر لكفى حجة العقل فيه على ما بيناه(8).
____________
(1) في المطبوعة: وتعبدهم.
(2) (ح) (ق) زيادة: على الأعمال التي يؤدون بها التكليف كما تعبد البشر والجن بالأعمال ليثيبهم.
(3) (ز): النعم.
(4) في المطبوعة: الجمادات.
(5) بحار الأنوار 6: 281.
(6) في بقية النسخ: مساءلتهم.
(7) في بعض النسخ: أكد.
(8) بحار الأنوار 6: 281.
فصل: فيما ذكر الشيخ أبو جعفر في العدل
قال أبو جعفر: باب الاعتقاد في العدل... إلى آخره(1)(2).
قال الشيخ المفيد أبو عبد الله - رحمه الله: العدل، هو الجزاء على العمل بقدر المستحق عليه، والظلم، هو منع الحقوق، والله تعالى عدل كريم جواد متفضل رحيم، قد ضمن الجزاء على الأعمال، والعوض(3) على المبتدئ من الآلام، ووعد التفضل بعد ذلك بزيادة من عنده.
فقال تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)(4) الآية، فخبر أن للمحسنين الثواب المستحق وزيادة من عنده وقال: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) يعني له عشر أمثال ما يستحق عليها. (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون)(5) يريد أنه لا يجازيه بأكثر مما يستحقه، ثم ضمن بعد ذلك العفو ووعد بالغفران.
____________
(1) الاعتقادات ص 69.
(2) بحار الأنوار 5: 335 / 2.
(3) بحار الأنوار 5: 335.
(4) يونس: 26.
(5) الأنعام: 160.
وقال النراقي الأول - قدس سره - في كتابه (مشكلات العلوم ص 162) عند كلامه على تفسير قول الله تعالى: (وإن الله ليس بظلام للعبيد) (آل عمران: 182): إن صيغة المبالغة إنما جئ بها لكثرة العبيد لا لكثرة الظلم في نفسه، فإن الظالم عل الجمع الكثير يكون كثير الظلم نظرا إلى كثرة المظلومين، فيصح الاتيان بصيغة المبالغة الدالة على كثرة أفراد الظلم نظرا إلى كثرة أفراد المظلوم، فمن كانت عبيده كثيرة فإن كان يظلم الكل فالأنسب به اسم الظلام دون الظالم، فإذ ألم يكن ظالما لشئ منهم فاللازم نفي الظلام عنه، إذ لو فرض صدور الظلم منه لكان ظلاما لا ظالما. ولذا إذا أفرد المفعول لا يؤتى بصيغة المبالغة، ومع كونه جمعا يؤتى بها، كقوله تعالى: (عالم الغيب) و (علام الغيوب) وقولهم: زيد ظالم لعبده، وزيد ظلام لعبيده.
والحاصل: أن صيغة المبالغة هنا لكثرة المفعول لا لتكرار الفعل. چ.
وقال سبحانه: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا)(3) والحق الذي للعبد هو ما جعله الله تعالى حقا له واقتضاه [ جود الله وكرمه ](4)، وإن كان لو حاسبه بالعدل لم يكن له عليه بعد النعم التي أسلفها حق، لأنه تعالى ابتدأ خلقه بالنعم وأوجب عليهم بها الشكر، وليس أحد من الخلق يكافئ نعم الله تعالى عليه بعمل، ولا يشكره أحد إلا وهو مقصر بالشكر عن حق النعمة.
وقد أجمع أهل القبلة(5) على أن من قال: إني وفيت(6) جميع ما لله تعالى علي وكافأت نعمه بالشكر، فهو ضال، وأجمعوا على أنهم مقصرون عن حق الشكر، وأن لله عليهم حقوقا لو مد في أعمارهم إلى آخر مدى الزمان لما وفوا لله سبحانه بما
____________
(1) الرعد: 6.
(2) النساء: 48.
(3) يونس: 58.
(4) (ز): جوده أو كرمه.
(5) (ح): العقل.
(6) بحار الأنوار 5: 335.
ولأن حال العامل الشاكر بخلاف حال من لا عمل له في العقول، وذلك أن الشاكر يستحق في العقول الحمد، ومن لا عمل له فليس في العقول له حمد، وإذا ثبت الفضل(1) بين العامل ومن لا عمل له(2) كان ما يجب في العقول من حمده(3) هو الذي يحكم عليه بحقه ويشار إليه بذلك، وإذا أوجبت العقول له مزية على من لا عمل له كان العدل من الله تعالى معاملته بما جعله(4) في العقول له حقا.
وقد أمر الله تعالى بالعدل ونهى عن الجور، فقال تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان)(5)(6).
____________
(1) في بعض النسخ: الفصل.
(2) بحار الأنوار 5: 366.
(3) (ق): الحمد.
(4) (ز): جعل.
(5) النحل: 90.
(6) بحار الأنوار 5: 336.
فصل: في الأعراف
قال أبو جعفر: اعتقادنا في الأعراف أنه سور... إلى آخره(1)(2).
قال الشيخ المفيد - رحمه الله -: قد قيل إن الأعراف جبل بين الجنة والنار.
وقيل أيضا: إنه سور بين الجنة والنار. وجملة الأمر في ذلك: أنه مكان ليس من الجنة ولا من النار(3).
وقد جاء الخبر بما ذكرناه، وأنه إذا كان يوم القيامة كان به رسول الله وأمير المؤمنين والأئمة من ذريته صلى الله عليه وآله وسلم وهم الذين عني الله سبحانه بقوله: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون)(4) وذلك أن الله تعالى يعلمهم أصحاب الجنة وأصحاب النار بسيماء يجعلها عليهم - وهي العلامات - وقد بين ذلك في قوله تعالى: (يعرفون كلا بسيماهم) و (يعرف المجرمون بسيماهم)(5)(6).
____________
(1) الاعتقادات ص 70.
(2) عنه في البحار 8: 340.
(3) بحار الأنوار 8: 340.
(4) الأعراف: 46.
(5) الرحمن: 41.
(6) بحار الأنوار 8: 340.
وروي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أنه قال في بعض كلامه: أنا صاحب العصا والميسم. يعني: علمه بمن يعلم حاله بالتوسم.
وروي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر - عليه السلام - أنه سئل عن قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) قال: فينا نزلت أهل البيت. يعني: في الأئمة - عليهم السلام -.
وقد جاء الحديث بأن الله تعالى يسكن الأعراف طائفة من الخلق(2) لم يستحقوا بأعمالهم الجنة على الثبات من غير عقاب، ولا استحقوا الخلود في النار وهم المرجون لأمر الله، ولهم الشفاعة، ولا يزالون على الأعراف حتى يؤذن لهم في دخول الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين والأئمة من بعده - عليهم السلام -.
وقيل أيضا: إنه مسكن طوائف لم يكونوا في الأرض مكلفين فيستحقون بأعمالهم جنة ونارا، فيسكنهم الله ذلك المكان ويعوضهم على آلامهم في الدنيا بنعيم لا يبلغون به منازل أهل الثواب المستحقين له بالأعمال(3). وكل ما ذكرناه جائز في العقول.
وقد وردت به أخبار - والله أعلم بالحقيقة من ذلك - إلا أن المقطوع به في جملته أن الأعراف مكان بين الجنة والنار يقف فيه من سميناه من حجج الله تعالى على خلقه، ويكون به يوم القيامة قوم من المرجين لأمر الله، وما بعد ذلك فالله أعلم بالحال فيه(4).
____________
(1) الحجر: 75 - 76.
(2) بحار الأنوار 8: 340.
(3) بحار الأنوار 8: 341.
(4) بحار الأنوار 8: 341.
فصل: في الصراط
قال أبو جعفر: اعتقادنا في الصراط أنه حق، وأنه جسر(1)(2).
قال الشيخ المفيد أبو عبد الله - رحمه الله -: الصراط في اللغة هو الطريق، فلذلك سمي الدين صراطا، لأنه طريق إلى الصواب، [ وله سمي ](3) الولاء لأمير المؤمنين والأئمة من ذريته - عليهم السلام - صراطا(4).
ومن معناه قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: أنا صراط الله المستقيم، وعروته الوثقى التي لا انفصام لها. يعني: أن معرفته والتمسك به طريق إلى الله سبحانه.
وقد جاء الخبر بأن الطريق يوم القيامة إلى الجنة كالجسر يمر به الناس، وهو الصراط الذي يقف عن يمينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن شماله أمير المؤمنين - عليه السلام - ويأتيهما النداء من قبل الله تعالى: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد)(5) وجاء الخبر أنه لا يعبر الصراط يوم القيامة إلا من كان معه براءة(6) من علي بن أبي طالب - عليه السلام - من النار(7).
____________
(1) الاعتقادات ص 70.
(2) عنه في البحار 8: 70.
(3) (ق) وبه يسمى.
(4) بحار الأنوار 8: 70.
(5) ق: 24.
(6) برأت: يعني الفرمان الملكي. چ.
(7) بحار الأنوار 8: 70.
والمراد بذلك أنه لا تثبت لكافر قدم على الصراط يوم القيامة من شدة ما
____________
(1) قال العلامة الشهرستاني في مجلة (المرشد ص 179 - 180 ج 1) في جواب هذا السؤال:
من الوارد في الأخبار المأثورة عن الصراط أنه أدق من الشعر وأحد من السيف، فأي معنى يقصد من الشعرة والسيف؟
الجواب: لم يفصل كتاب الله الحكيم من هذا القبيل شيئا، وقد استعمل لفظ الصراط بمعنى الطريق والمسلك المؤدي إلى غاية قدسية مرغوبة، استعارة تمثل شرع الحق المؤدي إلى جنانه ورضوانه بالصراط.
نعم، تضمنت تفاصيل السؤال بعض مرويات قاصرة الاسناد - ولا ضير - فقد وردت في شرحها أحاديث أخرى عن أئمة الاسلام تفسر الصراط الممدود بين النار والجنة كالشعرة دقة، وكالسيف حدة بسيرة الإمام أمير المؤمنين - عليه السلام - والحديث المجمع على صحته ناطق بأن عليا - عليه السلام - قسيم النار والجنة، وأن طريقته المثلى هي المسلك الوحيد المفضي إلى الجنان والرضوان.
ومعلوم لدى الخبراء أن سيرة علي - عليه السلام - كانت أدق من الشعرة، فإنه - عليه السلام - ساوى في العطاء بين أكابر الصحابة الكرام، كسهل بن حنيف، وبين أدنى مواليهم، وكان يقص من أكمام ثيابه لإكساء عبده، ويحمل إلى اليتامى والأيامى أرزاقهم على ظهره في منتصف الليل، ويشبع الفقراء ويبيت طاوي الحشا، ويختار لنفسه من الطعام ما جشب، ومن اللباس ما خشن، ويوزع مال الله على عباد الله في كل جمعة ثم يكنس بيت المال ويصلي فيه، وهو يعيش على غرس يمينه وكد يده، وحاسب أخاه عقيلا بأدق من الشعرة في قصته المشهورة(*)، وطالب شريحا القاضي أن يساوي بينه وبين خصمه الإسرائيلي عند المحاكمة. إلى غير ذلك من مظاهر ترويضه النفس والزهد البليغ، حتى غدا الاقتداء به في إمامة المسلمين فوق الطوق.
وكما كانت سيرة علي - عليه السلام - أدق من الشعرة كانت مشايعته في الخطورة أحد من السيف، نظرا إلى مزالق الأهواء والشهوات، ومراقبة السلطات من بني أمية وتتبعهم أولياء علي - عليه السلام - وأشياعه وأتباعه تحت كل حجر ومدر.
____________
(*) أنظر (منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - ص 421 - 430 ج 7 ط إيران على الحجر) للعلامة المحقق الأديب والفقيه المتكلم الأريب الحاج ميرزه حبيب الله الموسوي الخوئي الآذربيجاني - ولما انجر الكلام إلى هذا المقام لا بأس بأن نشير إلى وجيز من ترجمة العلامة الخوئي - كما أفاد نفسه طاب رمسه - فنقول: قال في (مرآة الكتب - مخطوط): الحاج ميرزا حبيب الله من المعاصرين تشرفت بملاقاته في بلدة تبريز وكان مولده كما ذكره نفسه خامس شهر رجب سنة 1265 ه اشتغل بالتحصيل عند الأساتيذ الفخام كالسيد العلامة الحاج السيد حسين الترك والمحقق الحاج ملا علي بن الحاج ميرزا خليل الطهراني وله إجازة عامة منهما، وكان فاضلا محققا وله من المؤلفات: شرح نهج البلاغة، وحاشية على بعض أبواب القوانين في أربعة عشر ألف بيت، وكتاب منتخب الفن في حجية القطع والظن، وكتاب إحقاق الحق في تحقيق المشتق، وكتاب الجنة الواقية في أدعية نهار رمضان مع شرحها، وشرح كتاب القضاء والشهادات من الدروس. كذا أفاده سلمه الله.
سافر في هذه الأواخر إلى طهران لعرض شرح نهج البلاغة على السلطان المغفور له مظفر الدين شاه واستدعاه أمره بطبعه فنال من السلطان المزبور احتراما وأمر بطبع الكتاب ثم عرض العوارض وتوفي السلطان المزبور (سنة 1324 ه) وتوفي هو رحمه الله في طهران سنة 1325 ه ولم أقف هل طبع شئ من الكتاب أم لا؟).
أقول: وقد طبع الكتاب أخيرا؟ بتبريز في سبعة أجزاء على النسخة التي كانت قد كتبت بمداد الطبع سنة 1325 - 1328 ه بأمر ولد المؤلف العالم الحاج أمين الاسلام نزيل طهران، وينتهي المطبوع منه إلى شرح الخطبة الثامنة والعشرين بعد المائتين، وقال كاتب النسخة في آخرها: (هذا آخر ما وفق إلا شرح بشرحه روح الله روحه وكتبته أنا حسب أمر ولده السيد السند الحاج أمين الاسلام... في ربيع الثاني 1328 ه). هذا وقد ذكر لي نجل المؤلف السيد نعمة الله (هاشمي) أن أباه العلامة مات بطهران ونقل جثمانه إلى بلدة قم المشرفة ودفن هناك قدس الله سره ورحمه رحمة واسعة. چ.
____________
(1) ليست في بقية النسخ.
(2) (ز): يسير.
(3) بحار الأنوار 8: 71.
وقال الله تعالى فيما أمر به عباده من الدعاء وتلاوة القرآن: (اهدنا الصراط المستقيم)(2) فدل على أن ما سواه صراط غير مستقيم.
وصراط الله تعالى دين الله، وصراط الشيطان طريق العصيان، والصراط في الأصل - على ما بيناه - هو الطريق، والصراط يوم القيامة هو الطريق المسلوك إلى الجنة أو(3) النار - على ما قدمناه(4).
____________
(1) الأنعام: 135.
(2) الحمد: 6.
(3) في بقية النسخ: و.
(4) بحار الأنوار 8: 71.
فصل: في العقبات على طريق المحشر
قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله - في العقبات: اسم كل عقبة اسم فرض أو أمر أو نهي(1)(2).
قال الشيخ المفيد - رحمه الله -: العقبات عبارة عن الأعمال الواجبات(3) والمسألة عنها والمواقفة عليها، وليس المراد بها جبال في الأرض تقطع وإنما هي الأعمال شبهت(4) بالعقبات، وجعل الوصف لما يلحق الإنسان في تخلصه من تقصيره(5) في طاعة الله تعالى كالعقبة التي يجهد صعودها وقطعها(6).
قال الله تعالى: (فلا اقتحم العقبة وما أدريك ما العقبة فك رقبة)(7) الآية، فسمى سبحانه الأعمال التي كلفها العبد عقبات تشبيها لها بالعقبات والجبال لما يلحق الإنسان في أدائها من المشاق، كما يلحقه في صعود العقبات وقطعها.
____________
(1) الاعتقادات ص 71.
(2) بحار الأنوار 7: 128 - 129 / 11.
(3) في المطبوعة: الواجبة.
(4) (ح) (ش): شبهها.
(5) في المطبوعة: التقصير.
(6) بحار الأنوار 7: 129.
(7) البلد: 11 - 13.
أراد - عليه السلام - بالعقبة: تخلص الإنسان من التبعات التي عليه، وليس كما ظنه الحشوية من أن في الآخرة جبالا وعقبات يحتاج الإنسان إلى قطعها ماشيا وراكبا(5)، وذلك لا معنى له فيما توجبه الحكمة من الجزاء، ولا وجه لخلق عقبات تسمى بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها من الفرائض، يسأم الإنسان أن يصعدها، فإن كان مقصرا في طاعة الله حال ذلك بينه وبين صعودها، إذ كان الغرض في القيامة المواقفة على الأعمال والجزاء عليها بالثواب والعقاب، وذلك غير مفتقر إلى تسمية(6) عقبات وخلق جبال، وتكليف قطع ذلك وتصعيبه(7) أو تسهيله مع أنه لم يرد خبر صحيح بذلك على التفصيل فيعتمد عليه وتخرج له الوجوه، وإذا لم يثبت بذلك خبر كان الأمر فيه ما ذكرناه(8).
____________
(1) صعبة شاقة المصعد.
(2) المهول: المخوف. ذو الهول.
(3) انجبر صلح بعد الكسر. ج.
(4) نهج البلاغة / الخطبة 202.
(5) بحار الأنوار 7: 129.
(6) (ح) (ش) (ق): نسبة.
(7) بحار الأنوار 7: 130.
(8) بحار الأنوار 7: 130.