الأقوال في نسخ زواج المتعة:
إن تشريع زواج المتعة أمر قطعي لا ريب فيه، وقد ثبت تشريعه بالكتاب والسنة والإجماع، لكن هناك فئة كبيرة من المسلمين تدعي نسخ هذا التشريع، ولكنهم اختلفوا في ما بينهم في هذا النسخ، وفي أزمنته، وأمكنته وغير ذلك من خصوصيات.
والمراجع لكلماتهم؛ يجد أن أقوالهم حول نسخ آية وتشريع المتعة كثيرة، وقد تعددت بسبب تعدد رواياتهم، واختلاف أخبارهم في ذلك.
«وقد روي نسخها بعد الترخيص في ستة مواطن،
الأول: في خيبر،
والثاني: في غزوة تبوك،
والثالث: في عمرة القضاء
والرابع: في عام الفتح،
____________
(1) سنن سعيد بن منصور ج 1 ص 217، وكنز العمال ج 22 ص 99، وابن أبي شيبة ج 3 ص 390 وشرح صحيح مسلم للنووي ج 9 ص 189.
والسادس: في حجة الوداع»(1).
وقد قال العلامة الأميني: إن أقوالهم في نسخها تنتهي إلى اثنين وعشرين قولاً(2) ونحن نذكر نموذجاً من هذه الأقوال.. ونحيل القارئ إلى كتاب الغدير، للعلامة الأميني (ره) ليطلع على باقيها، كما أن كثيراً من هذه الأقوال قد ذكرت في سائر الكتب التي تعرضت للروايات، وللأقوال حول هذا التشريع الثابت بالكتاب والسنة(3).
فنقول: اختلف العلماء في عدد المرات للإباحة وللنسخ(4).
فقيل:
1 ـ إنها كانت رخصة في أول الإسلام ثم نهي عنها يوم
____________
(1) سبل السلام شرح بلوغ المرام ج 3 ص 266.
(2) الغدير ج 3 ص 333.
(3) راجع: البداية والنهاية ج 3 ص 193، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 366 والجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 130 و 131 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص474.
(4) الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 130.
وقال النووي: «إن الإباحة مختصة بما قبل خيبر، والتحريم يوم خيبر للتأبيد.. اختاره المازري، والقاضي»(3).
وإليه ذهب البيهقي في بعض كلامه(4) ومحمد بخيت المطيعي(5) أما يوم الفتح فكان مجرد تأكيد للتحريم الذي كان يوم خيبر(6).
وقال الزرقاني: «هكذا اتفق مالك، وسائر أصحاب الزهري على [خيبر] قال عياض: تحريمها يوم خيبر لا شك فيه»(7).
____________
(1) راجع: بداية المجتهد ج 2 ص 57.
(2) زاد المعاد ج 2 ص 183، وراجع أوجز المسالك ج 9 ص 407، والمنتقى هامش ج 2 ص 517، وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 193، والسيرة النبوية ج 3 ص 366.
(3) شرح صحيح مسلم ج 9 ص 193.
(4) سنن البيهقي ج 7 ص 201.
(5) سلم الوصول إلى نهاية السؤل ج 3 ص 288.
(6) فتح الملك المعبود ج 3 ص 266.
(7) شرح الموطأ للزرقاني ج 3 ص 153.
وعلى حد تعبير البعض: «إن نكاح المتعة، قد كان مباحاً بين أيام خيبر وأيام فتح مكة، إلا أنه صار منسوخاً بإجماع الصحابة»(3).
وعلى حد قول ابن القيم: «ثبت في صحيح مسلم أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبي (صلى الله عليه وآله) بإذنه (صلى الله عليه وآله)»(4).
3 ـ إنها حرمت في حجة الوداع(5) وهو ما صححه الحلبي
____________
(1) سنن البيهقي ج 7 ص 206، وراجع البداية والنهاية ج 4 ص 193، وبداية المجتهد ج 2 ص 57، والمنتقى ج 2 ص هامش ص 517، وبلوغ المرام تعليقات محمد حامد النقي هامش ص 207 عن ابن القيم.
(2) فتح الباري ج 9 ص 145 (3) مجمع الأنهر ج 1 ص 320.
(4) زاد المعاد ج 2 ص 183.
(5) السيرة الحلبية ج 3 ص 104، واشار إلى هذا القول او إلى روايته في: زاد المعاد ج 2 ص 183 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 474، والتمهيد ج 9 ص 103، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 366 والبداية والنهاية ج 4 ص 193، والاعتبار للحازمي ص 176، وفتح الملك المعبود ج 3 ص 227 عن الخطابي وراجع فتح الباري ج 9 ص 144 و 146، وراجع بداية المجتهد ج 2
=>
وذهب إليه الحازمي(2).
4 ـ أبيحت، ثم نهي عنها في غزوة تبوك(3) ولم يقع منه(صلى الله عليه وآله) إذن في الاستمتاع(4).
5 ـ ما حلت إلا في عمرة القضاء، وما حلت قبلها، ولا بعدها عن الحسن(5).
6 ـ أبيحت للضرورة، ثم حرمت آخر سنة حجة الوداع(6)
____________
<=
ص 57، وأوجز المسالك ج 9 ص 204 و407 ونسبه إلى ابن عابدين تبعاً لابن الهمام، وعون المعبود ج 9 ص 84 والمنتقى ج 2 ص 517 في الهامش.
(1) الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 131.
(2) الاعتبار ص 199.
(3) الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 131.
(4) نيل الأوطار ج 6 ص 273.
(5) الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 131 قال: وروي هذا عن سبرة. والمصنف لعبد الرزاق ج 7 ص 503 و 504، والبداية والنهاية ج 4 ص 193، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 366، وراجع: فتح الباري ج 9 ص 145، وراجع التفسير الكبير ج 10 ص 49، وبداية المجتهد ج 2 ص 57، والاستذكار ج 16 ص 292.
(6) راجع بداية المجتهد ج 2 ص 57، والبداية والنهاية ج 4 ص 193.
7 ـ أبيحت ثم نهي عنها عام خيبر، ثم أذن فيها حين الفتح، ثم حرمت، وهو قول القرطبي وقول النووي، وربما يكون هو مقصود الشافعي، حين قال: إنها أبيحت ثم نسخت مرتين.
وقال الشافعي أيضاً: «لا أعلم في الإسلام شيئاً أُحلّ ثم حُرّم، ثم أحلّ ثم حرّم غير المتعة»(1).
فحمل الأمر على ظاهره، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) حرّمها يوم خيبر، ثم أباحها في حجة الوداع ثلاثة أيام ثم حرّمها(2).
واعتبر ابن العربي نكاح المتعة من غرائب الشريعة لأنه أبيح، ثم حرّم، ثم أبيح، ثم حرّم(3).
8 ـ وقيل: حرمت في غزاة أوطاس بعد تحليلها ثلاثة أيام،
____________
(1) لباب التأويل ج 1 ص 343. وراجع: أوجز المسالك ج 9 ص 407، والبداية والنهاية ج 4 ص 193، ونسبه في ص 318 إلى القيل، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 366، وراجع فتح الباري ج 9 ص 147.
(2) أوجز المسالك ج 9 ص 407 الفواكه الدواني ج 5 ص 33 من دون أن يربط ذلك بالشافعي.
(3) شرح الموطأ ج 4 ص 47.
وقالوا: لا مخالفة بين أوطاس والفتح، لأن الفتح هو يوم أوطاس لاتصالهما(2).
9 ـ حرمت يوم حنين.
لكن البعض احتمل: أن تكون غزوة أوطاس وحنين واحداً(3).
10 ـ وروي أنه (صلى الله عليه وآله): قام خطيباً يوم عرفة وقال: «أيها
____________
(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 45، والرواية في صحيح مسلم ج 4 ص 131 عن أياس بن سلمة عن أبيه، ونصب الراية ج 3 ص 177، وسنن البيهقي ج 7 ص 204، والجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 130 و 131، وسنن الدارقطني ج 3 ص 258، وقد ذكروا أن النبي (صلى الله عليه وآله) رخص بها عام أوطاس ثلاثاً، ثم نهى عنها.. وراجع بداية المجتهد ج 2 ص 57.
(2) راجع الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 130 و ج 12 ص 106، وأوجز المسالك ج 9 ص 406 و 407، وبجيرمي على الخطيب ج 3 ص 336، ومرقاة المفاتيح ج 3 ص 422، وراجع: التمهيد ج 9 ص 99، وفتح الملك المعبود ج 3 ص 226، والبناية ج 4 ص 101، وفتح الباري ج 9 ص 147 و 146 عن النووي، وعون المعبود ج 6 ص 82، وشرح النووي على صحيح مسلم ج 9 ص 181، والإحسان ج 9 ص 458، وسبل السلام شرح بلوغ المرام ج 3 ص 266، وشرح الموطأ للزرقاني ج 4 ص 193، وتحفة المحتاج ج 7 ص 224، وقال ابن خويز منداد وغيره: وإليه أشار ابن العربي وزاد المعاد ج 2 ص 142، والبداية والنهاية ج 4 ص 193، راجع الفواكه الدواني ج 5 ص 33، والهداية في شرح البداية ج 6 ص 510.
(3) أوجز المسالك ج 9 ص 406، وفتح الباري ج 9 ص 146.
11 ـ وقال العظيم آبادي: «روي نسخ المتعة بعد الترخص في ستة مواطن الأول خيبر، والثاني في عمرة القضاء، والثالث عام الفتح، والرابع عام أوطاس، والخامس غزوة تبوك، والسادس في حجة الوداع، فهذه التي أوردت إلا أن في ثبوت بعضها خلافاً»(2).
12 ـ أبيحت في صدر الإسلام، وعام أوطاس، ويوم الفتح، وعمرة القضاء، وحرمت يوم خيبر، وغزوة تبوك، وحجة الإسلام(3).
ولعل هذا هو مقصود بعضهم أنها: أبيحت ثم حرمت أربع مرات(4).
13 ـ أبيحت ثم نسخت ثلاث مرات(5).
____________
(1) بجيرمي على الخطيب ج 3 ص 336.
(2) عون المعبود ج 6 ص 92 وراجع أوجز المسالك ج 9 ص 406 عن الهميلي.
(3) راجع: البداية والنهاية ج 3 ص 193، وفتح الباري ج 9 ص 146.
(4) السيرة الحلبية ج 3 ص 45، والبداية والنهاية ج 4 ص 193، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 366.
(5) البداية والنهاية ج 4 ص 193، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 366 وبجيرمي على الخطيب ج 3 ص 336.
14 ـ أبيحت سبعاً، ونسخت سبعاً، في خيبر، وحنين، وعمرة القضاء، ويوم الفتح، وأوطاس، وتبوك، وحجة الوداع(2).
15 ـ ذكر الطحاوي أخبار الحل والتحريم المختلفة فيما بينهما في ذكر مناسبة التحريم ووقته: ثم قال: فثبت بما ذكرنا نسخ ما في الآثار الأول التي ذكرناها في أول الباب، ثم قد روي عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) النهي عنها أيضاً(3).
وقال: «ففي هذه الآثار النهي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن المتعة، فاحتمل أن يكون ما ذكرنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الإذن فيها كان ذلك من قبل النهي، ثم نهى عنها، فكان ذلك
____________
(1) البداية والنهاية ج 4 ص 193، والسيرة النبوية ج 3 ص 366.
(2) راجع: نيل الأوطار ج 6 ص 272 و 273، ولا بأس بمراجعة: أوجز المسالك ج 9 ص 406، والجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 131، وراجع الغدير ج 6 ص 222 و226 لتجد هذه الأقوال، وغيرها. وتوجد هذه الأقوال أيضاً في كتب القائلين بالنسخ، وحين الحديث عن: غزوة تبوك، وأوطاس، وحنين، والفتح، وخيبر، وعمرة القضاء، وحجة الوداع.
(3) شرح معاني الآثار ج 3 ص 26.
وعند الزرقاني: أن ذلك هو المتحصل من الأخبار(2).
16 ـ أبيحت في صدر الإسلام، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت في غزوة أوطاس، ثم حرمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التحريم، وهو قول ابن العربي(3).
17 ـ أبيحت في خيبر سنة سبع، ثم نهي عنها، ثم أبيحت عام الفتح سنة ثمان، ثم نهي عنها، ثم كرر النهي عنها أيضاً في حجة الوداع سنة عشر، وانتهى الأمر على ذلك(4).
الشك فيما نسب للشافعي:
تقدم: أن الشافعي يقول: إن النهي عن المتعة قد كان يوم خيبر.
____________
(1) المصدر السابق ج 3 ص 25.
(2) راجع: شرح الموطأ ج 4 ص 46، ولم يذكر التحريم في حنين، ربما لأنه اعتبرها تصحيف كلمة: (خيبر) وكما ذكره في نفس الصفحة المشار إليها.
(3) الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 130 و 131، وراجع: مرقاة المفاتيح ج 3 ص422.
(4) فتح الملك المعبود ج 3 ص 225.
ونقول:
إننا نشك في صحة نسبة ذلك إلى الشافعي، لأنه قائل بعدم جواز نسخ الكتاب بالسنة..
إلا أن يقال: إن الشافعي إنما يثبت حلية المتعة بالسنة أيضاً، لا بالقرآن..
أو يقال: إنه يقصد من النسخ يوم خيبر هو إعادة إبلاغ النسخ الذي حصل بآية: حفظ الفروج، في سورة المؤمنون، وآية سورة المعارج..
لكن هذا التوجيه لا يتناسب مع ما صرح به ابن قيم الجوزية من أن هذا الزواج قد كان حلالاً قبل خيبر، لأن ذلك معناه: أن هذا الزواج لم ينسخ قبل خيبر ليكون ما جرى يوم خيبر مجرد إعادة إبلاغ للتحريم.. بل يكون إنشاء للتحريم، ونسخاً للحكم القطعي بخبر الواحد الظني.. وذلك مرفوض عندهم كما هم معلوم.
الفصل الثاني
النسخ بالأخبار
بداية:
وبعد أن عرفنا أقوال القائلين بنسخ تشريع زواج المتعة، وقرأنا الروايات التي اعتمدوا عليها في أقوالهم تلك. نرى من الضروري إلفات نظر القارئ الكريم إلى جانب من المآخذ على تلك الأقوال. وقسم من الإشكالات على تلكم الروايات، ليظهر له بجلاء عدم صلاحيتها للاعتماد عليها في أي حال.. ونذكر أولاً بعض المآخذ العامة عليها. ثم نتبع ذلك في الفصل التالي ببعض ما يرتبط بتفاصيلها:
فإن العلماء.. وإن كانوا قد كفونا مؤونة الكلام في كثير من تلك الأقوال، وردوها، وطعنوا في أسانيد الروايات التي ذكرتها، وخطّأوا وغلّطوا القائلين بها.. كل ذلك بالأدلة، والشواهد الكثيرة والقاطعة..
دليل الإباحة هو دليل النسخ:
وزعموا أيضاً: أن النصوص التي أثبتت الإباحة هي التي أثبتت النسخ وأيضاً لا يوجد اتفاق على الإباحة، لأن القائلين بالإباحة من أهل السنة إنما يثبتون الاباحة الموقتة المنسوخة، لا مطلق الإباحة المؤبدة التي لم يتعقبها نسخ، فأين الإجماع؟(1).
ونقول:
1 ـ سوف يأتي بالتفصيل: أن دليل التحريم هو أخبار آحاد، متباينة ومتناقضة فيما بينها، وفيها الكثير من الإشكالات، ودلائل الضعف والسقوط عن صلاحية الاحتجاج بها.
أما دليل الإباحة، فهو الآية الشريفة، واتفاق الأمة، وروايات كثيرة سيأتي شطر منها في فصل النصوص والآثار، وروايات أخرى تتحدث عن تحليل المتعة، من دون أن تشير إلى التحريم.
____________
(1) راجع: تحريم المتعة للمحمدي ص 188 و189.
2 ـ إن المثبتين للإباحة من أهل السنة إنما يثبتونها انصياعاً للأدلة الآنفة الذكر، ويدّعون النسخ استناداً إلى روايات بعينها لا تصلح لاثباته..
3 ـ ليس ثمة اتفاق من الصحابة على النسخ، وقد حكى جابر وغيره عنهم أنهم يصرون على الإباحة.
والتزامهم بقول عمر ليس دليلاً على موافقتهم له. وقد أشرنا أكثر من مرة إلى بعض أسباب التزامهم، خصوصاً وهو يتهددهم بالرجم.
النسخ غير ثابت:
قد تقدم: أن عمران بن الحصين، وابن عباس، والحكم بن عتيبة، يصرحون بأن آية حلية المتعة محكمة غير منسوخة..
وسيأتي أن طائفة كبيرة من الصحابة، وغيرهم، وأهل مكة، واليمن، وأكثر أهل الكوفة، وأهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم.. إلى آخر ما سيأتي قد أصروا على عدم نسخ حكم المتعة.. فلا مجال لدعوى القطع بالنسخ.
السنة لا تنسخ القرآن:
إن ثمة من يقول: كالشافعي وأكثر أصحابه، وأكثر أهل الظاهر وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل: إن السنة لا تنسخ القرآن(1) حتى لو كانت متواترة(2).
وقال ابن حازم الهمداني: «.. ذهب جماعة من المتقدمين ونفر من المتأخرين إلى منع ذلك وقالوا: كما أن خبر الواحد لا ينسخ المتواتر، مع اشتراكهما في اللوازم والتوابع، كذلك السنة لا تنسخ القرآن لتباينهما في الحقائق واللواحق»(3).
وقال أبو بكر الهمداني: «قال الشافعي: لا ينسخ كتاب الله إلاّ كتابه وهكذا سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ينسخها إلاّ سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)».
____________
(1) المستصفى للغزالي ج 1 ص 124، وفواتح الرحموت بهامشه ج 2 ص 78، والأحكام للآمدي ج 3 ص 139، ونهاية السؤل للأسنوي ج 2 ص 579 و 580 متناً وهامشاً، وراجع: ج 4 ص 457، وإرشاد الفحول ص 191، وقال: وبه جزم الصيرفي والخفاف، وأصول السرخسي ج 2 ص 67 و 68 و 69، ولباب التأويل للخازن ج 1 ص 343.
(2) الأحكام ج 3 ص 139.
(3) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص 28 وراجع: الإحكام في أصول الأحكام ج 4 ص 107 وتنقيح الفصول ص 311 وأحكام الفصول لابن خلف الناجي ص 358 وتيسير التحرير ج 3 ص 201 وإرشاد الفحول ص 190 وفواتح الرحموت ج 2 ص 76 ونهاية السؤل ج 2 ص 586.
وروي عن عبد الله بن سعيد، المنع من ذلك عقلاً، وقال أبو حامد وأبو اسحق، وابو الطيب الصعلوكي بالمنع سمعاً، وقيل: ليس بممتنع لا عقلاً، ولا سمعاً، لكنه لم يقع، وقال السبكي: إن قول الشافعي لا يدل على أكثر من هذا(2).
وهذا معناه: أنه لا يصح عندهم نسخ المتعة بالروايات، المدعى ناسخيتها فضلاً عن احتمال نسخها بها مرة أو أكثر من مرة كما يدعون.
نسخ السنة بالسنة:
قالوا: إن نسخ المتواتر بالآحاد غير واقع، لأن الآحاد ضعيف، والمتواتر أقوى منه، فلا يقع الأضعف في مقابلة الأقوى،
____________
(1) الاعتبار ص 28 و 29.
(2) راجع نهاية السؤل ج 2 ص 579 و 580 متناً وهامشاً.
لكن الشوكاني وأهل الظاهر قالوا بالجواز(2).
وقد اعترف الشوكاني بأن أخبار النهي عن المتعة هي آخبار آحاد، وقد نسخت التشريع القطعي الثابت، قال عن وقوع نسخ المتواتر بالآحاد: «ومن الوقوع نسخ نكاح المتعة بالنهي عنها وهو آحاد»(3).
استدلال واعتذار غير مقبول:
تقدم أن الرازي يقول: إنه بعد إجماع الأمة على تشريع المتعة في الإسلام، فالناسخ ـ لو كان ـ لكان معلوماً إما بالتواتر، وهو لا يصح، إذ يلزم منه عدم صحة مخالفة من ستأتي مخالفتهم في فصل أقوال ومذاهب لاستلزام مخالفتهم هذه تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يعني كفرهم، وإن كان الناسخ معلوماً بالآحاد لزم نسخ المقطوع بالمظنون وهو باطل(4).
____________
(1) الأحكام للآمدي 2/3/134 وإرشاد الفحول ص190.
(2) الأحكام للآمدي 2/3/135 وراجع: الأحكام لابن حزم 1/477.
(3) إرشاد الفحول ص191.
(4) التفسير الكبير ج 10 ص 52.
والجواب:
إن الذين سيأتي ذكرهم من القائلين بحلية زواج المتعة قد عاشوا بعد موت عمر، واستمروا على الإصرار على قولهم ذاك.
وقد قلنا: إن عمر إنما نسب التحريم إلى نفسه لا إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وأن عمران بن الحصين، قد اعتبر تحريم المتعة رأياً لعمر، وأنه لا يهتم لهذا الرأي، حيث قال: «قال رجل برأيه ما شاء»، بل سيأتي أن ابن عمر أيضاً قد اعتبر ذلك رأياً لأبيه، وليس له أن يترك ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) ويتبع رأي أبيه.
تعدد النسخ مرفوض:
قد تقدم قولهم: إن زواج المتعة قد نسخ أكثر من مرة: مرتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً، أو ستاً، أو سبعاً، وزعم بعضهم أن
____________
(1) التفسير الكبير ج 10 ص 54.
وأربع تكرر النسخ بها | جاءت بها الأخبار والآثار |
فقبلة ومتعة والحمر | كذا الوضو مما تمس النار(1) |
لكنهم قالوا في مقابل ذلك: إن النسخ مرتين مما لا يعهد في الشرع، ولا يقع مثله فيها(2) فكيف بالنسخ أربع مرات، أو ستاً، أو سبعاً، أو غير ذلك مما تقدم.
وقال النيسابوري والرازي: «.. وقول من قال: إنه حصل التحليل مراراً والنسخ، ضعيف لم يقل به أحد من المعتبرين، إلا الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الرواية»(3).
وقال ابن كثير: «فعلى هذا يكون قد نهى عنها، ثم أذن فيها، ثم حرمت فيلزم النسخ مرتين وهو بعيد»(4).
____________
(1) حاشية الشيرواني على تحفة المحتاج ج 7 ص 224.
(2) زاد المعاد ج2 ص183 وفقه السنة ج2 هامش ص42، والمنتقى هامش ج2 ص97.
(3) تفسير النيسابوري بهامش الطبري ج5 ص19، والتفسير الكبير ج10ص52.
(4) راجع: سنن البيهقي ج7 ص201 و207 وغيره من المصادر ليتضح لك ذلك.
وذلك كله يدفع ما ذهب إليه الماوردي من أن هناك ما يشهد على أن المتعة أبيحت مراراً، وهو قوله (صلى الله عليه وآله) في المرة الأخيرة: «إلى يوم القيامة، وذلك ليشير إلى أن التحريم الماضي كان مؤذناً بأن الإباحة تعقبه، بخلاف هذا فإنه تحريم مؤبد لا تعقبه إباحة اصلاً»(2).
ويدفعه أيضاً: أنه ليس ضرورياً أن تكون كلمة: «إلى يوم القيامة» تشير إلى تعقب التحليل والإباحة.. إذ من القريب جداً أن تكون لأجل تأكيد حالة النسخ وطبيعته..
التناقض والاختلاف:
إن غزوة تبوك كانت في رجب سنة تسع من الهجرة، وغزوة الفتح كانت في العشرين من شهر رمضان سنة ثمان،
____________
(1) البداية والنهاية ج 4 ص 193.
(2) راجع أوجز المسالك ج9 ص 407 وفتح الباري ج 9 ص 147.
فنلاحظ أن هناك اختلافاً في الزمان والمكان، وفي السنين والشهور.
فهل كان التحريم في سنة سبع، أو ثمان أو تسع، أو عشر؟!.
وهل كان في شهر رجب، أو في شوال، أو في شهر رمضان، أو في ذي الحجة، أو في محرم؟!.
وهل أبيحت في عسفان، أو في يوم من فتح مكة؟!.
وهل حرمت في خيبر، أو في فتح مكة، أو في عمرة القضاء، أو في حجة الوداع، أو في أوطاس، أو في تبوك، أو في حنين؟!.
وهل أبيحت ثلاثة أيام فقط، أم أكثر؟!.
وهذه الثلاثة هل هي يوم الفتح، أو يوم أوطاس؟!.
إلى غير ذلك من الاختلافات التي لو تتبعناها لملأنا صفحات عدة..
فمع هذا الاضطراب في أحاديث النسخ كيف يمكن الركون
وهل يمكن اعتبارها مع هذا كله دليلاً قطعياً يصح الاعتماد عليه في نسخ هذا التشريع الثابت بالكتاب والسنة؟ مع العلم أن اليقين لا يدفعه إلا يقين مثله..
فلا عجب إذن إذا اختلفت أقاويل من يدعون النسخ، فقال بعضهم: نسخت مرتين أو ثلاثا، أو غير ذلك، وقال بعضهم أكثر من ذلك حسبما قدمناه. مع أن أخبارهم تفيد أنها نسخت سبع مرات إن قلنا بصحتها..
وقد عرفت قولهم: إن النسخ مرتين لا يجوز.
من عاهات روايات النسخ أيضاً:
إن البعض وإن كان يدعي: أن روايات التحريم متواترة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)(1) لكن سيأتي:
____________
(1) بداية المجتهد ج 2 ص 57، وسبل السلام شرح بلوغ المرام ج 3 ص 227، والهداية في تخريج أحاديث البداية ج 6 ص 502، وراجع عون المعبود ج 6 ص 82 و 83.
2 ـ إن هؤلاء الرواة لا يعترف عدد منهم بمضمونها، بل يروى عنهم القول باستمرار تشريع هذا الزواج، مثل ابن مسعود، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم ممن سيأتي ذكر رواياتهم في فصل النصوص والآثار، فكيف يروي النسخ ثم يلتزم بعدمه؟ والأهم من ذلك.
3 ـ أن روايات الآحاد هذه قد جاء قسم كبير منها على سبيل الاجتهاد في النصوص والآيات القرآنية وفي دلالاتها، ولم يرد على سبيل الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فراجع ماجاء عن ابن عباس، وغيره.
وقد عرفنا الكثير، وسنعرف أيضاً، أنها اجتهادات باطلة، يتجلى فيها الخطأ الفاضح، بحيث إننا نجل أولئك الكبار عن نسبة هذه الأخطاء الفاضحة والواضحة إليهم.
4 ـ إن روايات الآحاد هذه قد جاءت متعارضة، ومتضاربة، لا يكاد يتفق رواتها على شيء في كيفية النسخ، وزمانه، ومكانه، فمن غزوة خيبر، إلى الفتح، إلى حنين، إلى
فيروى عن سبرة مثلاً: أن التحريم كان يوم الفتح، ويروى عنه أيضاً أنه قال: إن ذلك كان في حجة الوداع، أو في خيبر، أو في عمرة القضاء، ورواية النسخ يوم الفتح هي المعتمدة عند أكثر القائلين بتحريم هذا الزواج، وهم يضعفون سائر الروايات التي ذكرت للنسخ مناسبات أخرى وأزمنة مختلفة، فإذا سقطت هذه الدعوى عن الاعتبار فإن ما عداها يكون أولى بالسقوط وأجدر وأضعف وأوهن.
فكيف يمكن ادعاء النسخ بأخبار آحاد هذه حالها، وكل واحد من الرواة فيها يروي النسخ في مكان، وزمان، وخصوصية، ومناسبة، تختلف عما يرويه غيره، بل تختلف كثيراً مع ما يرويه هو نفسه ـ كما سيأتي ـ.
وكيف يمكن الركون إلى روايات هذه حالها للقول: بنسخ
العسقلاني يهشم روايات النسخ:
قال العسقلاني: لا يصح من الروايات شيء بغير علة إلا غزوة الفتح(2) وأما غزوة خيبر، فهي وإن كانت طرق الحديث فيها صحيحة إلا أن فيها من كلام من أهل العلم ما تقدم(3).
وأما عمرة القضاء، فلا يصح الأثر فيها: لكونه من مرسل الحسن، ومراسيله ضعيفة، لأنه كان يأخذ عن كل أحد..
____________
(1) إذ لو لم يكن الحكم ثابتاً لم يكن معنى للقول بنسخه.
(2) سيأتي أنها هي الأخرى فيها الكثير من العيوب والآفات.. ولا يمكن أن تصح.
(3) سيأتي ما ذكره، وما ذكره غيره بعد قليل.
وأما قصة تبوك، فليس في حديث أبي هريرة التصريح بأنهم استمتعوا منهن في تلك الحالة، فيحتمل أن يكون ذلك وقع قديماً، ثم وقع التوديع منهن حينئذ والنهي. أو كان النهي وقع قديماً، فلم يبلغ بعضهم فاستمروا على الرخصة، فلذلك قرن النهي بالغضب لتقدم النهي في ذلك.. على أن في حديث أبي هريرة مقالاً، فإنه من رواية مؤمل بن إسماعيل، عن عكرمة بن عمار، وفي كل منهما مقال.
وأما حديث جابر، فلا يصح، فإنه من طريق عباد بن كثير، وهو متروك.
وأما حجة الوداع، فهو اختلاف على الربيع بن سبرة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصح، وأشهر، فإن كان حفظه، فليس في سياق أبي داود سوى مجرد النهي، فلعله (صلى الله عليه وآله) أراد إعادة النهي ليشيع، ويسمعه من لم يسمعه.
فلم يبق من المواطن ـ كما قلنا ـ صحيحاً صريحاً سوى غزوة خيبر، وغزوة الفتح، وفي غزوة خيبر من كلام أهل العلم
ثم ذكر بعض الإشكالات على غزوة خيبر، وسنوردها إن شاء الله في ما يأتي فلا يبقى إلا روايات النسخ في غزوة الفتح، وسنرى أنها هي الأخرى لا تصح.
تعارض روايات التحريم والتحليل:
إن روايات النسخ متضاربة وضعيفة سنداً إلا أقل القليل منها. وقد رواها فريق بعينه بل إن الاختلاف والتنافي ظاهر حتى في روايات الراوي الواحد، وللقضية الواحدة.
وهي بالإضافة إلى ذلك كله معارضة بالروايات المتواترة والمروية عن عشرات الأشخاص وأسانيد العشرات منها صحيحة، رواها السنة والشيعة على حد سواء، والدالة على عدم نسخ هذا التشريع، وبقائه إلى يوم القيامة.
وسيأتي شطر كبير منها إن شاء الله تعالى في فصل: «النصوص والآثار».
وهذه الروايات ـ بالإضافة إلى ذلك ـ لا تعاني من أي
____________
(1) فتح الباري ج9 ص 146 و147.