ثانياً:
إن كلمة رخص تفيد أن هذا كان تشريعاً جديداً ولم يكن من تشريعات الجاهلية كما يدل عليه تفصيل أنكحة الجاهلية الذي روته عائشة وغيرها كما أشرنا إليه في بعض فصول هذا الكتاب..
فالترخيص يفيد: أن بدء تشريع هذا الزواج كان في هذه المناسبة.. ولم يكن من أنكحة الجاهلية زواج إلى أمد معين ثم يتم الانفصال من دون طلاق؟! ليأتي الإسلام فيمنع منه، ثم يرخص به، ثم يمنع عنه ثم يرخص به.. وهكذا..
ثالثاً:
إن الترخيص والمنع في أيام خيبر أو بعد ذلك ما هو إلا أخبار آحاد فيها الكثير من المشاكل التي تسقطها عن الصلاحية للاستدلال بها على شيء، وتوجب إثارة الشبهات حولها..
وحتى لو صحت: فإن خبر الواحد لا ينسخ التشريع الثابت بالأدلة القطعية..
هل هذا تفسير أم تزوير؟.
جاء في صحيح مسلم قوله: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا
ونقول:
أولاً:
إن الظاهر هو أن كلمة: «متعة الحج» إنما هي من تصرف الراوي، اجتهاداً منه، ومما يشير إلى ذلك: أن مسلماً، بعد أن ذكر لهذه الرواية طريقين قال: «فأما عبد الرحمن ففي حديثه المتعة ولم يقل: متعة الحج، وأما ابن جعفر، فقال: قال شعبة، قال مسلم، لا أدري متعة الحج أو متعة النساء» انتهى(2).
وما ذكرناه في الفصل السابق تحت رقم 32 عن الطيالسي عن شعبة، عن مسلم القرى: دخلنا على أسماء بنت أبي بكر
____________
(1) صحيح مسلم ج 4 ص 55، ومسند أحمد ج6 ص348.
(2) صحيح مسلم ج 4 ص 56.
ولكن يبعد هذا الاحتمال: أن عبارتها هي: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد رخص في متعة الحج حسب نقل مسلم، إلا أن ترديده يشير إلى أن من الممكن أن يكون هذا من توضيحات الراوي.
ثانياً:
إن سائر الروايات ـ وقد قدمناها في الفصل السابق ـ قد تحدثت عن أن النزاع بين ابن عباس وابن الزبير إنما كان في متعة النساء وقد أرجع ابن عباس ابن الزبير إلى أمه ليسألها عن ثوبي عوسجة، وأنها أخبرته أنها ولدته في المتعة، فراجع الفصل السابق.
وأن ابن عباس قال في هذه المناسبة: لو شئت سميت رجالاً من قريش ولدوا فيها.
ثالثاً:
لنفترض أن الحديث كان في هذا المورد عن متعة الحج، فإن ذلك لا يدفع أن يكون قد جرى حوار ونزاع آخر حول متعة النساء فيما بين ابن عباس وابني الزبير: عروة، وعبدالله.. وتكون هذه الرواية شاهداً على ذلك.
اجتهاد ابن أبي عمرة لا يردّ النص:
وبالنسبة للرواية التي زعم فيها ابن أبي عمرة، في مقام رده على ابن عباس: أن إحلال المتعة قد كان للضرورة، كتحليل الميتة، ولحم الخنزير..
فأولاً:
هو اجتهاد من ابن أبي عمرة وقد تكلمنا، ولسوف نتكلم أيضاً، عن هذا الاجتهاد و أنه لا يصح، ولا معنى له في مقابل النص القاطع، عن النبي (صلى الله عليه وآله) وفي مقابل النص القرآني أيضاً.
ثانياً:
ان تشريع حكم لأجل الضرورة، لا ينسخه عروض السعة بل يرتفع موضوعه حينئذ، فإذا عادت الضرورة كان الحكم ثابتاً في موردها.
ثالثاً:
قول ابن أبي عمرة أخيراً: «.. ثم أحكم الله الدين
ومهما يكن من أمر: فإننا نكتفي بهذا المقدار حيث إننا سنذكر ـ إن شاء الله ـ كلاماً كافياً وشافياً حول قولهم: إن تشريع المتعة كان للضرورة. فانتظر..
إقحام في رواية ابن أبي عمرة:
وبالنسبة للرواية التي وردت في فصل النصوص والآثار على لسان ابن أبي عمرة والتي تقول: إن أبا بكر وعمر قد نهيا عن المتعتين، نقول: لم يدع أحد ـ فيما أعلم ـ أن أبا بكر تعرض للمتعة أصلاً، بل الروايات الكثيرة صريحة بأن عمر هو الذي حرّمها، وبأنه قد نسب التحريم إلى نفسه، وأنها كانت تفعل على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأبي بكر، ولم ينهيا عنها..
ابن جريج يدلس ويرسل:
لقد حاول بعضهم أن يرد حديث ابن عباس المتقدم في الفصل السابق برقم 45: لولا نهيه [أي عمر] عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شفا، بادعاء ضعف سند الحديث، لأن ابن جريج «مع كونه ثقة فقيهاً إلا أنه كان يدلس ويرسل».
وقال: «ولم نجده فيما اطلعنا عليه أنه صرح بالسماع، فنتوقف عن الجزم بصحة هذه الرواية عن ابن عباس».
لكن السيوطي ذكر أن ابن المنذر قد روى هذا الأثر عن عطاء.. ولا ندري إن كان قد رواه من طريق ابن جريج أم لا، وهل صرح بالسماع أم لا؟!
وأما رواية عبد الرزاق: قال ابن جريج: وأخبرني من أصدق: أن علياً قال بالكوفة: «لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب. أو قال: من رأي ابن الخطاب لأمرت بالمتعة، ثم ما زنا
فلا تصح: لأن في سنده مبهماً، وتعديل ابن جريج له لا يكفي لأنه لا يلزم من تعديله له أن يكون عدلاً عند غيره.
وقد صح عن علي (عليه السلام) قوله لابن عباس (رض) وبسند آل البيت (عليهم السلام) أنفسهم نهيه عن نكاح المتعة، حتى قال لابن عباس لما بلغه ترخيصه: إنك امرؤ تائه «فلما عارض هذا الحديث الصحيح تحققنا بطلانه، ولزم رده»(1).
ونقول:
إن هذا الكلام غير صحيح، وذلك لما يلي:
أولاً:
بالنسبة لتدليس ابن جريج، وأنه لم يصرح بالسماع نقول:
إن هذا المدلس قد صرح بالسماع من عطاء، قال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا إبراهيم بن عرعرة عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال: «إذا قلت: قال عطاء، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل:
____________
(1) راجع: نكاح المتعة للأهدل ص139 ـ 141 بتصرف وتلخيص.
ثانياً:
إن الاستدلال على حلية زواج المتعة ليس بهذه الرواية بخصوصها، ولا يتوقف ثبوت هذا الزواج على صحة سندها إلى ابن عباس أو إلى علي (عليه السلام)، لكي تردّ بحجة ضعف سندها. بل هذه الرواية إذا جمعت مع عشرات أمثالها وفيها عشرات الروايات الصحيحة أيضاً، فإنها بمجموعها توجب اليقين ببقاء تشريع هذا الزواج..
فهي إذن: جزء من تواتر لأصل التشريع يكون هو الحجة. وليس المطلوب أكثر من ذلك..
ثالثاً:
إن الإشكالات التي ترد على رواية قول علي (عليه السلام) لابن عباس: إنك امرؤ تائه قوية وأساسية، اضطرت أعلام القائلين بتحريم زواج المتعة إلى البخوع والتسليم لها. واللجوء إلى القول بالتحريم عام الفتح أو غيره، وقد ذكرناها في ثنايا هذا الكتاب في أكثر من مورد..
وها نحن نجده: لا يزال يصر على صحة هذه الرواية، بل هو يجعلها معياراً وسبباً لرد ما سواها.
____________
(1) تهذيب التهذيب ج6 ص406.
رابعاً:
إننا نطالب هذا المستدل بنفس ما صنعه هنا، فإن عليه أن يرد رواية «إنك امرؤ تائه» لمعارضتها بروايات صحيحة تعد بالعشرات تدل على بقاء هذا التشريع، وعدم نسخه.. وهذه الرواية تدعي أن تحريم المتعة كان عام خيبر. بل هي معارضة بروايات التحريم عام الفتح أو في حجة الوداع، أو أوطاس أو غير ذلك مما تقدم.
خامساً:
إن نفس هذا المستدل يقول: إن التحريم يوم خيبر كان موقتاً ولم يكن نهي تأبيد(1) فما معنى استدلاله به على التحريم، وجعله معارضاً لما نقل عن علي (عليه السلام) من الاعتراض على عمر..
سادساً:
إن مجرد وجود المبهم في السند أو المدلس ـ لا يعني كذب الرواية، بل لا بد من التوقف عن الحكم بذلك والتماس ما يشهد لها أو عليها.. وكفى بما يزيد على أكثر من مائة رواية تدل على بقاء التشريع شاهداً ومرجحاً لصحتها.
خصوصاً: مع تصريح الراوي الثقة بوثاقة ذلك المبهم الذي يروي
____________
(1) راجع: نكاح المتعة للأهدل ص341/342.
وأما سائر روايات التحريم: فلا تصلح لتأييدها لأنها تختلف معها من جهة، ولأنها تعاني من أكثر من بلاء من جهة أخرى.
سابعاً:
إنه قد ذكر أن ابن المنذر قد روى حديث ابن جريج عن ابن عباس من طريق عطاء، وأنه لم يطلع على هذا الطريق ليعرف هل رواه ابن جريج أم غيره، مصرحاً بالسماع أم لا..
فكيف حكم على الحديث بالضعف إذن مع وجود طريق يحتمل أن يصرح فيه بالسماع، فيرفعه إلى درجة الصحة، ويحتمل أن يكون من غير طريق ابن جريج، فيرفعه إلى درجة الحسن، لأن الضعيف ـ كما يقول هو ـ يرتقي إلى درجة الحسن إذا روي من طريق آخر مثله أو أقوى منه، إذا كان سبب ضعف الحديث سوء حفظ راويه أو انقطاع في سنده(1). فكيف
____________
(1) راجع: تحريم نكاح المتعة للأهدل هامش ص183.
ثامناً:
هناك رواية أخرى صحيحة السند عن ابن عباس وهي الرواية المتقدمة برقم 45، والمروية عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد عن قتادة عن ابن عباس، أنه قال: يرحم الله عمر لولا أنه نهى عن المتعة ما زنى مسلم.
فإذا كان انضمام الحديث الضعيف إلى الضعيف يرفعه إلى درجة الحسن فكيف وهذا الحديث صحيح ينضم إلى حديث لم يطلع عليه ذلك المستدل، وإلى حديث آخر زعم أنه مبهم، ولا يكفي فيه توثيق راويه، وإلى حديث متصل يصرح راويه أنه لم يدلس فيه؟!
سند رواية صفوان عن ابن عباس:
قد تقدم في الفصل السابق حديث رقم 41 وفيه:
قال صفوان: هذا ابن عباس، يفتي بالزنا، فقال ابن عباس: إني لا أفتي بالزنا، أفنسي صفوان أم أراكة، فوالله إن ابنها لمن ذلك أفزناً هو؟! قال: واستمتع بها رجل من بني جمح.
أقول:
أ ـ يبدو أن السند هو ما تقدم: أي عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، الخ، فيكون صحيحاً.
ب ـ الصحيح: «ابن صفوان» لأن صفوان قد توفي في مكة، وسوي عليه التراب: فورد نعي عثمان.. إلا أن يقال: إن ما جرى بين صفوان وابن عباس قد كان في خلافة عثمان..
ج ـ ومن الواضح: أن مساجلات ابن الزبير، وابن عباس، قد كانت بعد ذلك بعشرات السنين، أي بعد وفاة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) حسبما تقدم في بعض الروايات، وبالذات أيام خلافة ابن الزبير، كما ربما يظهر من توعده لابن عباس بالرجم الدال على أنه إنما يتكلم من موقع القدرة والسلطان..
رواية الحكم بن عتيبة:
وقالوا: يرد على رواية الحكم بن عتيبة؛ التي تقدمت برقم [65 و66]:
1 ـ هو ضعيف من طريق أهل السنة، لأن الحكم كان
2 ـ لم يصرح بالسماع من علي (عليه السلام)؛ فالسند غير متصل، وهو دليل الضعف إلا أن يصرح بسماعه.
3 ـ إن الحكم لم يدرك علياً، لأنه ولد سنة خمسين، وقيل سنة سبعة وأربعين، وعلي (عليه السلام) إنما استشهد سنة أربعين، فالسند منقطع جزماً لا تقوم به حجة(1).
4 ـ إن هذا الحديث معارض بما ثبت عن علي (عليه السلام) من التشديد في المتعة، حتى روى مسلم في صحيحه أنه قال لابن عباس، حين بلغه أنه يرخص في المتعة: إنك امرؤ تائه.
أو قال له: مهلاً يا ابن عباس، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية(2).
5 ـ أما عند الشيعة، فالحكم بن عتيبة غير ثقة ومطعون
____________
(1) في هامش استدلال المستدل قال: انظر التهذيب لابن حجر ج2 ص 434.
(2) قال في الهامش: رجال الطوسي ص 171 ورجال ابن داود ص 243 في القسم الثاني المختص بالمجهولين والضعفاء.
وقال الحلي: مذموم عند فقهاء العامة(2).
وقال الأردبيلي روى الكشي في ذمه روايات كثيرة(3).
ونقول:
إن ذلك كله لا يصح، وذلك للأمور التالية:
أولاً:
بالنسبة لضعف الحكم بن عتيبة من طرق أهل السنة نقول:
إن الحكم بن عتيبة قد روى له البخاري، وهم يقولون: من روى له البخاري فقد جاز القنطرة(4). وهو أيضاً من رجال الصحاح، وقد أثنى عليه أئمة الجرح والتعديل بما لا مزيد عليه.. ولا نجد مبرراً لتضعيفه من قبل هؤلاء، ونحن نذكر هنا
____________
(1) راجع: المستدل إلى رجال الحلي ص 218 القسم الثاني بالضعفاء.
(2) راجع جامع الرواة ج1 ص 266.
(3) راجع: كتاب تحريم المتعة للمحمدي ص 124 و125، ونكاح المتعة للأهدل ص 139 و314.
(4) قواعد في علوم الحديث، للتهانوي ص 463 عن أبي الوفاء القرشي في كتاب الجامع الذي جعله ذيلاً للجواهر المضيئة ج2 ص 428.
قال العسقلاني: عن يحيى بن أبي كثير، وعبدة بن أبي لبابة: ما بين لابتيها أفقه من الحكم.
وقال مجاهد بن رومي: علماء الناس عيال عليه.
وقال عباس الدوري: كان صاحب عبادة وفضل. وقال مغيرة: كان الحكم إذا قدم المدينة أخلوا له سارية النبي (صلى الله عليه وآله) يصلي إليها.
وقال ابن عيينة: ما كان بالكوفة بعد إبراهيم والشعبي مثل الحكم وحماد.
وقال ابن مهدي: ثقة ثبت، ولكن يختلف معنى حديثه.
وقال أحمد: أثبت الناس في إبراهيم الحكم ثم منصور.
وقال ابن معين، وأبو حاتم والنسائي: ثقة. زاد النسائي ثبت. وكذا قال العجلي.
وزاد: وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم، وكان صاحب سنة واتباع. وكان فيه تشيع إلا أن ذلك لم يظهر منه.
وقال ابن سعد: كان ثقة فقيهاً عالماً رفيعاً. وقال يعقوب بن سفيان: كان فقيهاً ثقة. وقال ابن حبان في الثقات،
ثانياً:
إن تدليس هذا الرجل لا يضر في ما نريد إثباته، لأن هذا القول الذي نستدل به هو قول له، وليس من نقولاته عن غيره. فإنه هو الذي قال: إن آية المتعة غير منسوخة وهو من كبار علمائهم، فيصح الاستدلال بقوله، إلزاماً للطرف الآخر بما ألزم به نفسه.
ثالثاً:
قد ظهر مما تقدم أن تضعيف علماء الشيعة للحكم بن عتيبة لا يضر، فإن المقصود هو إلزام الطرف الآخر بما ألزم به نفسه.
رابعاً:
إن وصفه بالزيدي البتري، لا يعني أنه غير ثقة، فإن علماء الشيعة يأخذون برواية الثقة من غير الإمامية سواء أكان زيدياً بترياً، أو سنياً ويسمون رواية أمثال هؤلاء موثقة..
يضاف إلى ما تقدم: أنه ليس جميع علماء الشيعة يضعفون الحكم هذا، إذ إن الشيخ النوري قد حكم بوثاقته في النقل، لرواية الأجلة عنه..
____________
(1) تهذيب التهذيب ج2 ص 433 و434.
خامساً:
ليس في الرواية: أنه ينسب هذا القول إلى علي (عليه السلام) ليقال: إنه لم يصرح بالسماع منه. أو ليكون السند متصلاً أو منقطعاً.. أو إنه ولد بعد وفاة علي بسبع أو بعشر سنوات. بل هو نفسه يقرر أن آية المتعة محكمة غير منسوخة، ولعله ينقل ذلك عن الصحابة الآخرين الذين التقى بهم، مثل أبي جحيفة، وعبدالله بن أبي أوفى، وزيد بن أرقم.. وقيل: لم يسمع من هذا الأخير..
سادساً:
قولهم: إنه معارض بما روي عن علي (عليه السلام) من التشديد في المتعة، وقوله لابن عباس: إنك امرؤ تائه. وإن المتعة حرمت يوم خيبر.. قد عرفت جوابه أكثر من مرة في هذا الكتاب.. وأن تحريم المتعة يوم خيبر لا يصح فلا حاجة إلى الإعادة..
على أننا نقول:
إن رواية النسخ يوم خيبر، ورواية علي (عليه السلام) وابن عباس لا تقوى على معارضة أكثر من مائة رواية ذكرناها في فصل: النصوص والآثار.
قول علي: ما زنى إلا شقي:
وقالوا: إن الحديث المروي عن عبدالله بن سليمان عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن علي (عليه السلام): لولا ما سبقني به ابن الخطاب ما زنى إلا شقي(1).. ضعيف، وقد قال المجلسي عنه: إنه مجهول(2).
وحديث المفضل بن عمر المروي في البحار(3) ضعيف بالمفضل بن عمر نفسه(4).
ونقول:
أولاً:
إنه مع غض النظر عن أن المجلسي الأول، وهو الشيخ محمد تقي قد قال عن سند حديث عبدالله بن سليمان عن الإمام الباقر (عليه السلام): إنه صحيح(5).
____________
(1) الكافي ج5 ص 448 وتهذيب الأحكام للطوسي ج7 ص 250 والإستبصار ج3 ص141.
(2) راجع: مرآة العقول ج2 ص 227 وملاذ الأخيار ج12 ص29.
(3) راجع: البحار ج100 ص305 والحدائق ج4 ص166.
(4) تحريم المتعة ص 126 و127.
(5) روضة المتقين ج8 ص465.
كما لا يصح إيراد الروايات القادحة وترك المادحة، وبيان ما قاله العلماء في قيمة روايات القدح..
نعم، إننا مع غض النظر عن ذلك نقول:
إن علماء الشيعة إنما يستدلون بهذه الرواية من حيث إن أهل السنة قد رووها وأوردوها أيضاً.. فهم يلزمونهم بما ألزموا به أنفسهم.. فلماذا أهمل المستشكل ذكر ذلك.. خصوصاً.. وأنه مروي عندهم بسند صحيح، فراجع..
ثانياً:
إنه حتى لو كانت هذه الرواية ضعيفة السند، فإن ذلك لا يضر، لأنها إنما يؤخذ بها على أن تنضم إلى غيرها ليشكل الجميع تواتراً مفيداً للقطع، ولا يشترط في التواتر صحة
____________
(1) معجم رجال الحديث ج18 ص 203 و204 و293 و294.
لماذا لم يعترض علي (عليه السلام):
قال البعض تعليقاً على ما روي عن علي (عليه السلام) وقد تقدم في الفصل السابق برقم [65 و 66]: «لولا ما سبقني إليه ابن الخطاب ما زنا إلا شفا، ـ أي إلا قليل ـ أو إلا شقي».
إنه أبو الحسن (عليه السلام) القادر على حل المشكلات، وأفقه الفقهاء، فكيف سكت عن عمر، ولم يعارضه، وهل هو أضعف أو أقل شأناً من المرأة التي عارضت عمر في المهر علناً، وخضع لرأيها؟.
ولو كان السكوت تقية، فلماذا لم يعلن رأيه بعد أن آل الأمر إليه، أو يبين خطأ عمر فيما ذهب إليه؟..
بل إن ما روي عن علي (عليه السلام) في تحريم المتعة يدل على أن معنى قوله هذا: إن ما سبقني إليه عمر من إعلام الناس بحرمة المتعة ـ وكان من الجائز أن اسبقه إليه، وأنادي به ـ لولا هذا لادعى كل زانٍ أنه يستمتع، فلا يعد زانياً، ويتخلص
أي لولا ما فعله عمر لانتشر الزنا بين الناس باسم المتعة، وما وقع تحت طائلة العقوبة إلا قليل..
فيكون علي (عليه السلام) موافقاً لعمر لا مخالفاً له..
ونقول:
قد تقدمت الإشارة إلى موضوع اعتراض علي (عليه السلام)، وغيره من الصحابة على عمر بن الخطاب حين حرم المتعة، ونعود، فنذكر هنا الأمور التالية:
أولاً:
إن عدم نقل إنكار علي (عليه السلام) على عمر لا يدل على أنه لم ينكر، فإن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، مع توفر الدواعي لإخفاء ذلك، لا سيما إذا كان صادراً عن علي (عليه السلام) الذي يؤثر كلامه وموقفه على من يخالفه، ولا سيما فيما يرتبط بنقل أمور الدين وأحكامه.
ثانياً:
إن غاية الإنكار على عمر هو أن يقول له: إن رسول الله قد أحلها فكيف تحرمها، وعمر هنا قد أوضح أنه عالم بتحليل النبي (صلى الله عليه وآله) لها، وبتشريعها، وبأنه يأتي ما يأتيه عن سابق إرادة وتصميم على مخالفة أمر رسول الله
بخلاف ما جرى بينه وبين المرأة في أمر الزيادة في مهور النساء، فإنه يزعم أن ما يقوله هو الموافق لحكم الشريعة والقرآن، فحين أخبرته المرأة بخطأه في ذلك مستشهدة بالآية الكريمة لم يكن له مجال للإنكار..
ثالثاً:
قد قلنا فيما سبق: إن هذا النقل (لولا ما سبقني إليه ابن الخطاب ما زنى إلا شفا، أو إلا شقي).. لا يصح عن علي (عليه السلام)..
وإنما الصحيح: «لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي»، أو لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب لأمرت بالمتعة، «ثم ما زنى إلا شقي، أو ما زنى فتيانكم هؤلاء» فراجع فصل النصوص والآثار الحديث رقم [65 و 66].
رابعاً:
ولو سلمنا أن العبارة التي قالها علي (عليه السلام) هي: «لولا ما سبقني إليه ابن الخطاب ما زنا الا شفا، أو شقي» فإن معناها ليس هو ما ذكره هذا المستدل، من أن عمر قد سبق علياً إلى التحريم، ولولا سبقه لكان علي (عليه السلام) قد بادر إلى تحريم المتعة أيضاً..
بل المعنى أن عمر قد سبق علياً (عليه السلام)، وأصدر
خامساً:
إن كون علي (عليه السلام) ممن يقول بحلية المتعة مشهور عنه، وإن نفس الكلمة التي هي مورد الحديث، تدل على تخطئته لعمر بن الخطاب، في تحريمه للمتعة.
سادساً:
قوله: إن إقرار علي (عليه السلام): أنه لولا منع عمر من المتعة لأمكن لكل زانٍ أن يدعي أنه يستمتع ويتخلص من الزنا، ومن عقوبته.
غير صحيح، لأن قوله: «ما زنى إلا شقي» معناه ليس أنه ما زنى في زعمه واعتقاده، بل المراد: ما زنى في الواقع إلا شقي، فإن إجراء الكلام يقتضي حمله على الحقيقة والواقع، لا على التخيل، والافتراض..
أنترك السنة ونتبع قول أبي:
وبالنسبة لما ذكر في الفصل السابق الحديث [رقم 50] نقلاً عن الترمذي من أن ابن عمر أحل المتعة، وقال: نترك السنة ونتبع قول أبي، نقول:
قد راجعنا: المطبوع من صحيح الترمذي فلم نجد هذه الرواية في متعة النساء، ولكن في المطبوع من سنن الترمذي وفي مسند أحمد بن حنبل أيضاً، في مسند عبد الله بن عمر، نفس هذه الرواية، لكنها في متعة الحج، التي منع منها عمر هي ومتعة النساء بلفظ واحد، وفي مقام واحد..
ولكن ذلك لا يعني: أن نقل هؤلاء، ولا سيما العلامة في نهج الحق عن صحيح الترمذي كان خطأ..
إذ لو كان ذلك لم يسكت الفضل بن روزبهان عن الإيراد عليه، ولكان صال وجال، وشهر به ما استطاع، ولكان أتهمه أنه غير أمين فيما ينقله.
وقد تحدث ابن عمر عن حلية المتعة في موارد أخرى، وقد تقدمت الروايات.
الأغلب صار إجماعاً:
وقد قال البعض عن الرواية المتقدمة في الفصل السابق [برقم 50] حول إنكار ابن عمر على أبيه متعة النساء بأن «هذا القول الذي نقله أغلب علماء الشيعة بالإجماع من أعظم الكذب. وقد رجعت إلى جامع الترمذي ومسند أحمد، فلم أجد ما نسبته كتب الشيعة».
ثم ذكر: أن الشيعة قد بدلوا حديث ابن عمر في متعة الحج، وجعلوه في متعة النساء(1).
ونقول:
إننا نسجل هنا ما يلي:
1 ـ كيف أصبح الأغلب إجماعاً.. حيث قال: نقله أغلب علماء الشيعة بالإجماع، فإن كان الناقلون هم الأغلب، فلا يوجد إجماع، وإن كان الناقلون هم الجميع، فكيف صار الجميع هم الأغلب.
وإن كان مراده:
أنه كذب بالإجماع، فكيف يتحقق
____________
(1) راجع: تحريم المتعة للمحمدي ص 162 ـ 164.
2 ـ إن هذا النقل إنما هو عن ابن طاووس والعلامة في نهج الحق. وتبعهم آخرون من بعدهم.. فأين هم علماء الشيعة الذين سبقوا العلامة. وأين الأغلب، فضلاً عن الاجماع بعد عصر العلامة إلى يومنا هذا..
مع أن الذين ذكر هذا المعترض أنهم ذكروا هذا النص لا يزيدون على عشرة أشخاص، نصفهم من أهل هذا العصر.. فكيف صار العشرة والعشرون هم أغلب علماء الشيعة بالإجماع؟
3 ـ قد ذكرنا: أنه لو كان هذا النقل غير صحيح لاعترض ابن روزبهان على العلامة، واتهمه بالكذب.. ولكنه لم يفعل ذلك..
4 ـ لنفرض أن ابن روزبهان لم يلتفت، أو لم يراجع ليكتشف الحقيقة، لسبب أو لآخر، ولنفترض أيضاً: أن الصحيح هو أن ابن عمر تحدث عن متعة الحج، لا عن متعة النساء.
فإننا نقول:
إذا كان عمر قد حرمهما بلفظ واحد، وفي مقام واحد،
5 ـ على أن المعترض قد زعم أن الشيعة قد بدلوا كلمة متعة الحج بكلمة متعة النساء.. ثم استشهد بنصوص ذكرت في مصادر أهل السنة تؤكد على أن الحديث كان عن متعة الحج..
ونقول له:
لماذا لا تحتمل أن يكون بعض أهل السنة قد اسقطوا رواية متعة النساء من كتبهم، ليتخلصوا من غائلة نقض الشيعة عليهم بها.
ويشهد لذلك:
أن النصوص التي استشهد بها هذا المعترض تختلف في نصوصها عن النص المنقول في كتب الشيعة عن ابن عمر في متعة النساء. فراجع الأحاديث حول متعة الحج في نفس كتاب تحريم المتعة ص164 و 165 وقارن بينها وبين
المتعة نكاح بلا ميراث:
قد تقدم في الحديث [رقم62] في الفصل السابق: أحل الله من النساء ثلاثاً نكاح موارثة، ونكاح بغير موارثة، وملك يمين.
نقول:
وتفسير النكاح بلا ميراث بنكاح المرأة اليهودية والنصرانية، فإن نكاحها حلال ولا يرثان، أو نكاح أمة الغير(2) ليس بأولى من تفسير ذلك بنكاح المتعة بل هذا التفسير هو الأولى، وذلك لأن التعبير هو «نكاح بغير موارثة»، فاعتبر عدم الإرث من آثار النكاح نفسه، ولم يعتبره ناشئاً من خصوصية المرأة ككونها نصرانية أو أمة.
____________
(1) قد روى نصوص متعة الحج عن النص والاجتهاد ص 190 ومسند أحمد ج2 ص95 والمغني لابن قدامة ج3 ص 281 وغير ذلك.
(2) العلوم لأحمد بن عيسى بن زيد ج 3 ص 13.
فعلناها ومعاوية كافر بالعرش:
وقد جعل المحدثون رواية سعد بن أبي وقاص حول المتعة، والتي تقدمت في السابق [برقم 111] وأمثالها جعلوها في أبواب حج التمتع، كما فعله مسلم في صحيحه، إعتقاداً منهم بأن المقصود بها هو ذلك.
ونقول:
إن تفسيرها بذلك لا يصح: لأن معاوية حسبما يقولون قد أسلم بعد الحديبية، وكان في عمرة القضاء مسلماً.
ويؤيد ذلك بل يدل عليه ما روي من أنه قال: إنه قصّر من رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند المروة(1).. وذلك إنما كان في عمرة القضاء ـ لأنه في حجة الوداع قد حلق في منى.. وذكر المروة يدل على أنه كان معتمراً.
____________
(1) صحيح مسلم ج4 ص47، وسنن النسائي ج5 ص54، ومسند أحمد ج1 ص181.
لنا خاصة أم للناس عامة؟:
وقد ذكرت الرواية عن سلمة بن الأكوع المتقدمة في الفصل السابق (برقم: 63) أن تحليل المتعة قد جاء على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لكن قد جاء في آخرها قوله، حسب نص البخاري:
فما أدري، أشيء كان لنا خاصة، أم للناس عامة: «قال أبو عبدالله [يعني البخاري]: وبيّنه علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه منسوخ».
ونقول:
1 ـ إن جميع الروايات التي ذكرها البخاري في صحيحه في باب نكاح المتعة لا تقوى على إثبات التحريم، ولأجل ذلك أصدر حكمه بأن علياً (عليه السلام) قد بين أن هذا الزواج منسوخ، دون أن يلتفت إلى ما في الرواية عنه (عليه السلام) من إشكالات توهن أمر الاستدلال بها.
وذلك يعني: أن البخاري ملتفت إلى أنه لم يورد في باب نكاح المتعة ما يوجب الحكم بنسخه وتحريمه، فالتجأ إلى الإحالة على غائب.
2 ـ إن البخاري قد سكت ولم يعلق على رواية سلمة بن
3 ـ كيف يتوهم سلمة ان هذا التشريع خاص بالصحابة.
فإن كانت: لحربهم ولخوفهم، كما في بعض النصوص، فالحرب والخوف باقيان على مر الدهور، والأزمان.
وإن كانت: لأسفارهم البعيدة، والشاقة، ولأجل الغربة، واشتداد العزبة عليهم كما زعموا، فالسفر البعيد والغربة، والعزبة، لم تزل ولا تزال.
وإن كانت: لأجل الشبق، واشتداد الشهوة الجنسية، فذلك أيضاً لا يختص بالصحابة.
وإن كانت: لأجل الاضطرار، كالاضطرار إلى الميتة، ولحم الخنزير، فذلك أيضاً لا ينتهي بانتهاء زمن الصحابة..
إذن، فما معنى أن لا يدري: أشيء كان لنا خاصة أم للناس عامة؟!!.