وأقـول:
هذا الجواب للرازي في " الأربعين " كما نقل عنه(1).
وأورد عليه المحقّق الطوسي (رحمه الله) في " التجريد " بما مضمونه: إنّ التقسيم إلى الإرادتين، والفرق بينهما بالحدوث والقدم; لا يدفع الإشكال; لأنّ الترك إنْ لم يمكن مع الإرادة القديمة كان الله تعالى موجباً لا قادراً مختاراً.
وإن أمكن، فإنْ لم يتوقّف فعله تعالى على مرجّح استغنى الجائز عن المرجّح.
وإنْ توقّـف كان الفعل معه موجباً، فيكون اضطرارياً(2).
وسيأتي للكلام تتمّة عند القول في المعارضة الآتية.
____________
(1) انظر: الأربعين في أُصول الدين 1 / 323.
(2) تجريد الاعتقاد: 192 و 199.
قال المصنّـف ـ أجزل الله ثوابه ـ(1):
ونقول في الثاني: إنّ ما علمه تعالى إن وجب ولزم بسبب هذا الوجوب خروج القادر منّا عن قدرته وإدخاله في الموجب، لزم في حقّ الله تعالى ذلك بعينه، وإن لم يقتض سقط الاستدلال.
فقد ظهر من هذا أنّ هذين الدليلين آتيان في حقّ الله تعالى، وهما إن صحّا لزم خروج الواجب عن كونه قادراً، ويكون موجباً.
وهذا هو الكفر الصريح، إذ الفارق بين الإسلام والفلسفة هو هذه المسألة.
والحاصل: إنّ هؤلاء إن اعترفوا بصحّة هذين الدليلين لزمهم الكفر، وإن اعترفوا ببطلانهما سقط احتجاجهم بهما.
____________
(1) نهج الحقّ: 124.
وقال الفضـل(1):
قد عرفت في كلام شارح " المواقف " أنّه ذكر هذا النقض، وليس هو من خواصّه حتّى يتبختر به ويأخذ في الإرعاد والإبراق والطامّات.
والجواب:
أمّا عمّا يرد على الدليل الأوّل فهو: إنّ فعل الباري محتاج إلى مرجّح قديم يتعلّق في الأزل بالفعل الحادث في وقت معين.
وذلك المرجّح القديم لا يحتاج إلى مرجّح آخر، فيكون الله تعالى مستقلاًّ في الفعل.
ولو قال قائل: إذا وجب الفعل مع ذلك المرجّح القديم كان موجباً لا مختاراً.
قلنـا: إنّ الوجوب المترتّب على الاختيار لا ينافيه بل يحقّقه.
فإن قلت: نحن نقول: اختيار العبد أيضاً يوجب فعله، وهذا الوجوب المترتّب على الاختيار لا ينافي كونه قادراً مختاراً.
قلت: لا شكّ أنّ اختياره حادث، وليس صادراً عنه باختياره، وإلاّ نقلنا الكلام إلى ذلك الاختيار، وتسلسل، بل عن غيره، فلا يكون مستقلاًّ في فعله باختياره، بخلاف إرادة الباري، فإنّها مستندة إلى ذاته، فوجوب الفعل بها لا ينافي استقلاله في القدرة عليه(2).
____________
(1) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ 2 / 117.
(2) شرح المواقف 8 / 151.
وكلّ واحد من الصفات الثلاث يتعلّق بمتعلّقه من الأشياء، وعلى كلّ ما تقتضيه، فمقتضى العلم التعلّق من حيث الانكشاف، ومقتضى الإرادة الترجيـح، ومقتضى القدرة صحّة وقوع الفعل والترك فلا يلزم الوجوب; لأنّ صفة العلم لا تصادم صفة القدرة، لأنّهما قديمتان حاصلتان معاً، بخلاف القدرة الحادثة، فإنّ العلم القديم يصادمه، ومقتضى العلم القديم يسلب عنه القدرة، وهذا جائز في الصفات الحادثة بخلاف الصفات القديمة، فليس ثمّة إيجاب تأمّل، فإنّ هذا الجواب دقيق، وبالتأمّل فيه حقيق.
وأمّا ما ذكره من لزوم الكفر، فمن باب طامّاته وترّهاته، وهذه مسائل علمية عملية يباحث الناس فيها، فهو من ضعف رأيه وكثرة تعصّبه ينزله على الكفر والتفسيق، نعوذ بالله من جهل ذلك الفسّيق.
وأقـول:
قد بيّـنّـا أنّ تصنيف المصنّـف لهذا الكتاب قبل تصنيف " شرح المواقف " بنحو مئـة سنة، فلا ينافي كون هذا النقض من خواصّ المصنّف، بل صنّف المصنّف هذا الكتاب سنة سبع بعد السبعمئة أو بعدها بقليل(1)، والقاضي العضد حينئذ صبي; لأّنه وُلد بعد السبعمئة(2)، فيكون هذا الكتاب أسبق من " المواقف " فضلا عن شرحها بكثير.
وأمّا التبختر، فالمصنّف أجلّ منه قدراً، وإنْ حقّ له; لأنّه أكثر الناس علماً وتصنيفاً.
ولا يبعد أنّه صنّف هذا الكتاب بنحو عشرة أيّام، بحسب ما ذكر العلماء من كثرة تصانيفه وسرعته في تأليفها، أجزل الله رحمته عليه وضاعف أجره.
وأمّا الإرعاد، فلا يتوقّف على كون ذلك من خواصّه، وإنْ كان قريباً، بل يكفي فيه أن يكون من إفادات شيخه نصير الملّة والدين، أو غيره من أصحابنا.
وأمّا ما أجاب به الخصم عن معارضة الدليل الأوّل..
ففيه أوّلا: إنّ دعوى عدم صدور اختيار العبد منه بل من الله تعالى باطلـة; لِمـا سـبق تحقيقـه(3) من أنّ بعـض آثـار قدرة العبـد صادرة عنـه
____________
(1) راجع ما مرّ آنفاً في الصفحة 288.
(2) انظر: الدرر الكامنة 2 / 196 رقم 2279، معجم المؤلّفين 2 / 76 رقم 6756.
(3) تقدّم في الصفحة 121 ـ 122 من هذا الجزء.
وثانياً: إنّ كون إرادة الله سبحانه مستندة إلى ذاته لا ينفي الجبر عن فعله على مذهبهم; لأنّها من صفاته، وصفاته بزعمهم صادرة عنه بالإيجـاب، فيـكون فعـله المترتّـب عليـها صـادراً عنه بالإيجـاب والجبـر لا بالقدرة، كما أشار إليه شارح " المواقف " بعد بيان ما ذكره الخصم في جواب معارضة الدليل الأوّل، قال:
" لكن يتّجه أن يقال: استناد إرادته القديمة إلى ذاته بطريق الإيجاب دون القدرة، فإذا وجب الفعل بما ليس اختيارياً له، تطرّق إليه شائبة الإيجـاب "(1).
وقد ترك الخصم ذِكر هذا مع أنّ كلامه مأخوذ من " شرح المواقف " بعين لفظه ليروّج منه الباطل! فالله حسـيبه.
وأمّا ما أجاب به عن معارضة الدليل الثاني..
ففيه: مع أنّ مجرّد القِدم لا يرفع دعوى التصادم لو صحّت، أنّ الذي أوجب عندهم الجبر هو أنّ ما علم الله تعالى وجوده واجب، وما علم عدمه ممتنع، وإلاّ لزم انقلاب علمه تعالى جهلا، وهذا جار في أفعال الله تعالى وأفعال العبـد بلا فرق، ولا دخل لحديث التصادم في رفعه أصلا.
هذا كلّه إذا قلنا بقدم إرادة الله تعالى المخالفة للعلم بالمصلحة كما يدّعيه الأشاعرة..
____________
(1) شرح الواقف 8 / 151.
وأمّا ما ذكره من أنّ لزوم الكفر من باب طامّاته..
ففيه: إنّه كيف لا يلزمهم الكفر وهي ـ كما قال الخصم ـ مسائل علمية عملية، فإنّهم إذا التزموا بصحّة الدليلين، وعملوا واعتـقدوا بمقتضاهما، كان الله تعالى عندهم موجباً لا قادراً مختاراً، وهو عين الكفر، نعوذ بالله.
____________
(1) انظر: المغـني ـ للقاضي عبـد الجبّار ـ 6 ق 2 / 137 و 140، شرح الأُصول الخمسة: 440، الكشف عن مناهج الأدلّة ـ لابن رشد ـ: 47.
(2) سورة الإسراء 17: 16.
(3) سورة يس 36: 82.
قال المصنّـف ـ قدّس الله نفسه ـ(1):
فلينظر العاقل من نفسه: هل يجوز له أن يقلّد من يستدلّ بدليل يعتقد صحّته ويحتجّ به غداً يوم القيامة، وهو يوجب الكفر والإلحاد؟!
وأيّ عذر لهم عن ذلك وعن الكفر والإلحـاد؟!..
( فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفـقهون حديثـاً )(2)؟!
هذه حجّتهم تنطق بصريح الكفر على ما ترى، وتلك الأقاويل التي لهم قد عرفت أنّه يلزم منها نسبة الله سبحانه إلى كلّ خسـيسة ورذيلة! تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
فليحذر المقلّد وينظر كيف هؤلاء القوم الّذين يقلّدونهم؟! فإن استحسنوا لأنفسهم بعد البيان والإيضاح اتّباعَهم، كفاهم بذلك ضلالا!
وإنْ راجعوا عقولهم وتركوا اتّباع الأهواء، عرفوا الحقّ بعين الإنصاف.. وفّـقهم الله لإصابة الصواب.
____________
(1) نهج الحقّ: 125.
(2) سورة النساء 4: 78.
وقال الفضـل(1):
قد عثرت على ما فصّلناه في دفع اعتراضاته المسروقة المنحولة إلى نفسه من كتب الأشاعرة ومن فضلات المعتزلة.
ومَثَله مع المعتزلة في لحس فضلاتهم كمَثَل الزبّال يمرّ على نجاسة رجل أكل بالليل بعض الأطعمة الرقيقة كماء الحمّص، فجرى في الطريق، فجاء الزبّال وأخذ الحمّص من نجاسته وجعل يلحسه ويتلذّذ به.
فهذا ابن المطهّر النجس! كالزبّال يمرّ على فضلات المعتزلة ويأخذ منها الاعتراضات ويكفّر بها سادات العلماء، ينسبهم إلى أقبح أنواع الكفر، يحسب أنّه يُحسن صنعاً، نعوذ بالله من الضلال، والله الهادي.
____________
(1) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ 2 / 120.
وأقـول:
قد عرفت أنّه لم يشتمل كلامه إلاّ على التمويه، الذي لا ينفعه حين الندامة، ولا يكون له عذراً يوم القيامة، والعجب منه أنّه يجازي المصنّف بما يدلّ على أنّه فاعل مختار.
فإذا كان الله تعالى هو الذي خلق تكفير المصنّف لهم، فلينتصف من الله تعالى لا من المصنّف، وليحارب الله تعالى لا المحلّ الذي لا أثر له أصـلا.
ولينظر العاقل أنّ الذي وقع في البين من المخاصمة والعداء كلّه من الله سبحانه، فيكون لاعباً، أو من عبيـده؟!
وهل يحسـن من الله تعالى أن يفعل ذلك ثـمّ يعاقب غيـره على مـا لا أثر له فيه؟! تعالى الله عمّا يصفون.
إبطـال الكسـب
قال المصنّـف ـ أجزل الله ثوابه ـ(1):
المطلب الثاني عشـر
في إبطال الكسـب
إعلم أنّ أبا الحسن الأشعري وأتباعه لمّا لزمهم هذه الأُمور الشنيعة والإلزامات الفظيعة والأقوال الهائلة، من إنكار ما عُلم بالضرورة ثبوته، وهو الفرق بين الحركات الاختيارية والحركات الجمادية وما شابه ذلك، التجأ إلى ارتكاب قول توهّم هو وأتباعه الخلاص من هذه الشناعات.. ( ولات حين مناص )(2)، فقال مذهباً غريباً عجيباً لزمه بسـببه إنكار العلوم الضرورية، كما هو دأبه(3) وعادته في ما تقدّم من إنكار الضروريات، فذهب إلى إثبات الكسب للعبد، فقال:
الله تعالى يوجد الفعل، والعبد مكتسب له(4)، فإذا طولب بتحقيق
____________
(1) نهج الحقّ: 125.
(2) سورة ص 38: 3.
(3) كان في الأصل: " رأيه "، وهو تصحيف، وما أثبتـناه من المصدر هو المناسب للسـياق.
(4) انظر: اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع: 72 ـ 78، مقالات الإسلاميّين: 539.
فقال بعضهم: معنى الكسب خلق الله تعالى الفعل عقيب اختيار العبد الفعل، وعدمه عقيب اختياره العدم، فمعنى الكسب إجراء العادة بخلق الله الفعل عند اختيار العبـد(1).
وقال بعضهم: معنى الكسب أنّ الله تعالى يخلق الفعل من غير أن يكون للعبد فيه أثر ألبتّـة، لكنّ العبـد يؤثّر في وصـف كون الفعـل طاعـة أو معصية، فأصل الفعل من الله تعالى، ووصف كونه طاعة أو معصية من العبـد(2).
وقال بعضهم: إنّ هذا الكسب غير معلوم ولا معقول مع أنّه صادر عن العبـد(3).
____________
(1) انظر: الاقتصاد في الاعتقاد ـ للغزّالي ـ: 59 ـ 60، شرح المقاصد 4 / 225 ـ 226، العلم الشامخ: 319 عن ابن الهمام.
(2) انظر: تمهيد الأوائل: 347، الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ 1 / 84 ـ 85، شرح المقاصد 4 / 224، العلم الشامخ: 321 عن أبي منصور السمرقندي.
(3) انظر: شرح المقاصد 4 / 225، العلم الشامخ: 317 و 325 حكاية عن والد السـبكي.
وقال الفضـل(1):
قد مرّ أنّ مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري: أنّ أفعال العباد الاختيارية مخلوقة لله تعالى، مكسوبة للعبد، والمراد بكسبه إيّاه مقارنته لقدرته وإرادته، من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاًّ له.. هذا مذهب الشـيخ(2).
ولو رجع المنصف إلى نفسه علم أنّه على متن الصراط المستقيم في التوحيد، وتنزيه الله تعالى عن الشركاء في الخلق، مع إثبات الكسب للعبد، حتّى تكون قواعد الإسلام، ورعاية أحكام التكليف والبعثة والثواب والعقاب محفوظة مرعيّة، من غير تكلّف إيجاد الشركاء في الخلق.
ونحن إن شاء الله تعالى نفسّر كلام الشيخ ونكشف عن حقيقة مذهبه على وجه يرتضيه المنصف، وينقاد لصحّته المتعسّف، فنقول:
يُفهم من كلام الشيخ أنّه فسّر كسب العبد للفعل بمقارنة الفعل لقدرته وإرادته تارةً، وفسّره بكون العبد محلاًّ للفعل تارة.
وتحقيقه: إنّ الله تعالى خلق في العبد إرادة يرجّح بها الأشياء، وقدرة يصحّح بها الفعل والترك.
ومن أنكر هذا فقد أنكر أجلى الضروريات عند حدوث الفعل.
وهاتان الصفتان موجودتان في العبد حادثـتان عند حدوث الفعل،
____________
(1) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ 2 / 123.
(2) تقدّم في الصفحة 113 من هذا الجزء.
والصفة القوية تغلب الصفة الضعيفة، كالنور القوي يقهر النور الضعيف ويغلبه.
فلمّا أوجد الله تعالى الفعل، وكان قبل الإيجاد تهيّأت صفة اختيار العبد إلى إيجاد الفعل، ولكن سبقت القدرة الإلهية فأحدثته، فبقي للفعل نسـبتان:
نسبة إلى العبد; وهي أنّ الفعل كان مقارناً لتهيّـؤ الإرادة والاختيار نحو تحصيل الفعل، وحصول الفعل عقيب تهيُّـئِه، فعبّر الشيخ عن هذه النسبة بالكسب; لأنّ الغالب في القرآن ذِكر الكسب عند إرادة ترتّب الجزاء والثواب والعقاب على فعل العبد.
ونسبة إلى الله تعالى; وهو أنّه كان مخلوقاً لله تعالى، موجداً منه.
وهذا معنى كون الفعل مخلوقاً لله تعالى مكسوباً للعبد.
ثمّ إنّ فعل العبد صفة للعبد، فيكون العبد محلاًّ له; لأنّ كلّ موصوف هو محلّ لصفته، كالأسود فإنّه محلّ للسواد، فيجوز أن يقال ـ باعتبار كون الفعل صفة له ـ: إنّه كسبه; ومعنى الكسب كونه محلاًّ له.
والثواب والعقاب يترتّب على المحلّيّة، كالإحراق الذي يترتّب على الحطب، بواسطة كونه محلاًّ لليبوسة المفرطة.
وهل يحسن أن يقال: لِـمَ ترتّبَ الإحراق على الحطب لسبب كونه محلاًّ لليبوسة؟! والحال أنّ الحطب لم يحصل بنفسه هذه اليبوسة! وأيّ
إنْ حَسُنَ ذلك حَسُنَ أن يقال: لِـمَ جعل الله تعالى الكافر محلّ الكفر ثمّ أحرقه بالنار؟!
والعاقل يعلم أنّه لا يحسن الأوّل فلا يحسن الثاني!
فرّغ جهدك لنيل ما حقّـقناه في هذا المقام في معنى الكسب الأشعري، لئلاّ يبقى لك شبهة، فهذا نهاية التوضيح.
ولكنّ المعتزلي عمي بصره فعظم ضرره، ألقته الشبهة في مهواة غائلة، واغتاله القول(1) في مَـهَـمّة(2) هائلة، ونعم ما قلت شعراً:
ظَهَرَ الحقُّ من الأشعري والنورُ جَلِي | طلعَ الشمسُ ولكن عَمِيَ المعتزلي(3) |
فانظر إلى هذا الحِلّي الجاهل، كيف افترى في معنى الكسب، وخلط المذاهب والأقوال، كالحمار الراتع في جنة عالية، قطوفها دانية، والله تعالى يجازيه!
____________
(1) في نسخة إحقاق الحقّ: الغول; ولعلّها الأنسـب.
(2) المَـهَـمّـة: كلّ ما نواه المرء من فعل أو أمر وأراده وعزم عليه وهَـمَّ بأن يفعله; انظر: تاج العروس 17 / 764 و 767 مادّة " همم ".
(3) نـقول: لا ندري ممّ نـتعجّب؟! أمنْ علم هذا الرجل وبراعته في علم الكلام؟! أم من فصاحته وبلاغته ونبوغه في الشعر ومعرفته بالمعاني؟! أم من خُلقه الرفيع العالي؟!
والعجبُ كلّ العجب ممّن يتّبع هذا وأمثاله ويدافع عنهم دون علم ودراية!! ولكن كما قال أبو الطـيّب المتنـبّي:
شـبـيه الشيء منـجـذبٌ إلـيـه | وأشـبـهـنـا بـدنـيـانـا الطـغـامُ |
فليتـأمّـل!
وأقـول:
ظهر لك من تضاعيف الكلمات أنّ الكسب بمعزل عن الحقّ، وأنّ التنزيه الذي موّهوا به من باب تسمية الشيء باسم ضدّه، إذ لم يشتمل إلاّ على إنكار العدل والرحمة، وإثبات العبث في التكليف والبعثة.
وأمّا ما ادّعاه من التحقيق، ففيه وجوه من الخلل:
أمّا أوّلا: فلأنّ قوله: " فأوجد الله بهما الفعل لكونهما تميّزا "، خطأٌ; لأنّ تميّز الإرادة والقدرة القديمتين عن الحادثتين لا يوجب أن يوجد الله سبحانه أفعال العباد، ولا يوجب التزاحم بينهما حتّى تحصل الغلبة.
نعم، يوجب التزاحم لو قلنا: إنّ قدرة الله على الشيء تستلزم فعله له، كما يظهر من بعض ما يحكى عن الرازي(1)، ويظهر من الخصم في المبحث الآتي، حيث إنّه في أثناء كلامه على قول المصنّف: " وأيضاً دليلهم آت... " إلى آخره، قال: " فالاختيار مقدور لله تعالى فيكون مخلوقاً لله تعالى ".
ولكن لا يمكن أن يقال: إنّ القدرة تستلزم فعل كلّ مقدور، لعدم اقتضاء ذاتها له، وللزوم أن يكون كلّ ممكن فُرِضَ موجوداً لأنّه مقدور، أو انحصار قدرته بالموجودات، وهو كما ترى.
وأمّا ثانياً: فلأنّ إثبات التهيّؤ لإرادة العبد لا فائدة فيه، إذ لا يصحّح اللوازم الفاسدة من العقاب للعبد بلا ذنب، والعبث في البعثة والتكليف،
____________
(1) انظر: المطالب العالية من العلم الإلهي 9 / 21.
وأمّا ثالثاً: فلأنّ قوله: " لأنّ الغالب في القرآن ذِكر الكسب عند إرادة ترتّب الجزاء ".. إن أراد به أنّ لفظ الكسب في القرآن يراد به المعنى الذي اصطلحه الأشاعرة، فهو باطل; لأنّه اصطلاح جديد، فاللازم حمله على معناه اللغوي، وهو: العمل(1).
وأيّ دلالة في ذِكر الكسب ـ عند إرادة ترتّب الجزاء ـ على كون المراد هو الكسب الأشعري حتّى يحمل عليه؟!
وإن أراد به أنّ وجود لفظ الكسب في القرآن ـ عند إرادة ترتّب الجزاء ـ سبب لتسمية المعنى الذي تصوّره الأشعري بالكسب، ففيه:
إنّـا لو تصوّرنا وجهاً للسـببية، فلا يثبت به إلاّ تصحيـح الاصطلاح، لا حمل الكتاب العزيز عليه، كما هي عادتهم.
وأمّا رابعاً: فلأنّ قوله: " إنّ فعل العبد صفة للعبد فيكون محلاًّ له; لأنّ كلّ موصوف محلّ لصفته "، باطل; لأنّ أفعال الله تعالى صفات له، لذا يوصف بالمحيي، والمميت، والخالق، والرازق، ونحوها، وهو ليس محلاًّ لها بنحو محلّـيّة الأسود للسواد الذي مثّل به.
ثمّ إنّ ما فرّعه عليه بقوله: " فيجوز أن يقال باعتبار كون الفعل صفة له: إنّه كسبه "، غير تامّ; فإنّه يستدعي أن يقال باعتبار كون أفعال الله تعالى صفة له: إنّه كسبها، وهو باطل; لأنّ الكسب لا يطلق إلاّ حيث يكون الفاعل قاصداً لجلب النفع له أو دفع المضرّة عنه.
____________
(1) انظر مادّة " كسب " في: لسان العرب 12 / 87، المصباح المنير: 203.
فيا عجباً ممّن يتفوّه بهذه الكلمات، ويزعم أنّه لا تبقي معها شبهة، وأنّ صاحبها على متن الصراط، وما هو إلاّ كبيته الذي سمّاه شعراً!!
قال المصنّـف ـ قدّس الله نفسه ـ(1):
أمّا الأوّل: فلأنّ الاختيار والإرادة من جملة الأفعال، فإذا جاز صدورهما عن العبد فليجز صدور أصل الفعل عنه.
وأيّ فرق بـينهما؟! وأيّ حاجة وضرورة إلى التمحّل بهذا؟! وهو أن ينسب القبائح بأسرها إلى الله تعالى، وأن ينسب الله تعالى إلى الظلم والجور والعدوان وغير ذلك، وليس بمعلوم.
وأيضاً: دليلهم آت في نفس هذا الاختيار، فإن كان صحيحاً امتنع إسناده إلى العبد وكان صادراً عن الله تعالى، وإن لم يكن صحيحاً امتنع الاحتجاج به.
وأيضاً: إذا كان الاختيار الصادر عن العبد موجباً لوقوع الفعل، كان الفعل مستنداً إلى فاعل الاختيار، إمّا العبد أو الله تعالى، فلا وجه للمَخلص بهذه الواسطة، وإن لم يكن موجباً، لم يبق فرق بين الاختيار والأكل مثلا في نسـبتهما إلى إيقاع الفعل وعدمه، فيكون الفعل من الله تعالى لا غير، من غير شركة للعبد فيه.
وأيضاً: العادة غيـر واجبـة الاسـتمرار، فجـاز أن يوجـد الاخـتيار ولا يخلق الله تعالى الفعل عقيبه، ويخلق الله تعالى الفعل ابتداء من غير تقدّم اختيار، فحينئذ ينتفي المَخلص بهذا العذر(2).
____________
(1) نهج الحقّ: 126.
(2) في المخطوط: القـدر.
وقال الفضـل(1):
قد علمت معنى الكسب كما ذكره الشيخ(2)، وأمّا هذه الأقوال التي نـقلها عن الأصحاب فما رأيناها في كـتبهم، ولكن ما أورد على تلك الأقـوال فمجاب..
أمّا ما أورد على القول الأوّل، وهو: " إنّ الاختيار والإرادة من جملة الأفعال "، فباطل; لأنّهما من جملة الصفات، وهو يدّعي أنّهما من جملة الأفعال، وأصحابه قائلون بأنّ الإرادة [والاختيار] ممّا يخلقها الله تعالى في العبد، والعبد بهما يرجّح الفعل(3).
فالحمد لله الذي أنطقه بالحقّ على رغم منه، فإنّه صار قائلا بأنّ أفعال العبد ممّا يخلقه الله تعالى، ولكن ربّما يدفعه بأنّه من الأفعال الاضطرارية، وعين المكابرة أن يقال: الاختيار فعل اضطراريّ.
وأمّا قوله: " دليلهم آت في نفس هذا الاختيار "، وبيانه: إنّ الاختيار فعل من الأفعال فيكون مخلوقاً لله تعالى; لأنّه ممكن، وكلّ ممكن فهو مقدور لله تعالى، فالاختيار مقدور لله، فيكون مخلوقاً لله تعالى، فكيف يقال: إنّ الفعل يخلقه الله تعالى عقيب الاختيار؟!
فجوابه: إنّ الاختيار من الصفات التي يخلقها الله تعالى أوّلا في العبد، كسائر صفاته النفسانية، وكيفيّاته المعقولة والمحسوسة، ثمّ يترتّب
____________
(1) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ 2 / 134.
(2) انظر الصفحتين 113 و 307.
(3) الإمامية لا تقول بذلك على إطلاقه، وسـيأتي ردّ المصنّف (قدس سره) عليه.
وأمّا قوله: " وأيضاً: إذا كان الاختيار الصادر عن العبد موجباً لوقوع الفعل، كان الفعل مستنداً إلى فاعل الاختيار... " إلى آخر الدليل.
فجوابه: إنّا نختار أنّ الاختيار صادر عن الله تعالى لا عن العبد.
وأيضاً: نختار أنّ الاختيار يدلّ العبد ليس موجباً للفعل.
قوله: " لم يبق فرق بين الاختيار والأكل مثلا في نسبتهما إلى إيقاع الفعل وعدمه ".
قلنا: ممنوع لِما مرّ من أنّ الاختيار صفة توجب للعبد التوجّه نحو تحصيل الأفعال، ويخلق الفعل عقيب توجيه العبد للاختيار، والفعل مقارن لذلك الاختيار، وليس الأكل كذلك، فالفرق واضح(1).
وأمّا قوله: " العادة غير واجبة الاسـتمرار، فجاز أن يوجد الاختيار ولا يخلق الله الفعل عقيبه ".
فنقول: هذا هو المدّعى، والمراد بالجواز هو الإمكان الذاتي وإن خالفته العادة، ونحن لا نريد مَخلصاً بإثبات وجوب خلق الفعل عقيب الاختيـار.
____________
(1) تقدّم في الصفحة 113.
وأقـول:
ينبغي أن نذكر هنا بعض ما في " شرح المقاصد " لتعرف صدق المصنّف في ما حكاه عنهم، فإنّه بعد بيان أنّ فعل العبد واقع بقدرة الله وحدها، وأنّ العبد كاسب، قال:
" لا بُـدّ من بيان معنى الكسب دفعاً لِما يقال إنّه اسم بلا مسمّى، فاكتفى بعض أهل السُـنّة، بأنّـا نعلم بالبرهان أنّ لا خالق سوى الله تعالى، ولا تأثير إلاّ للقدرة القديمة، ونعلم بالضرورة أنّ القدرة الحادثة للعبد تتعلّق ببعض أفعاله، كالصعود دون البعض كالسقوط، فيسمّى أثر تعلّق القدرة الحادثة كسباً وإنْ لم تعرف حقيقته.
قال الإمام الرازي: هي صفة تحصل بقدرة العبد بفعله الحاصل بقدرة الله تعالى، فإنّ الصلاة والقتل مثلا كلاهما حركة، ويتمايزان بكون إحداهما طاعة والأُخرى معصية، وما به الاشتراك غير ما به التمايز، فأصل الحركة بقدرة الله تعالى، وخصوصية الوصف بقدرة العبد، وهي المسمّاة بـ: الكسـب(1).
وقريب من ذلك ما يقال: إنّ أصل الحركة بقدرة الله تعالى، وتعيّنها بقدرة العبد، وهو كسـب، وفيه نظر.
وقيل: الفعل الذي يخلقه الله تعالى في العبد يخلق معه قدرة للعبد متعلّقة به، يسمّى كسباً للعبد، بخلاف ما إذا لم يخلق معه تلك القدرة.
____________
(1) شرح المقاصد 4 / 225، وانظر: الأربعين في أُصول الدين ـ للفخر الرازي ـ 1 / 320، المطالب العالية من العلم الإلهي 9 / 10.
وهذا ما قالوا هو ما يقع به المقدور بلا صحّـة انفراد القادرية، وما يقع في محلّ قدرته، بخلاف الخلق، فإنّه ما يقع به المقدور مع صحّة انفراد القادرية، وما يقع لا في محلّ قدرته.
فالكسـب لا يوجب وجود المقدور، بل يوجب ـ من حيث هو كسب ـ اتّصاف الفاعل بذلك المقدور; ولهذا يكون مرجعاً لاختلاف الإضافات، ككون الفعل طاعة أو معصية، حسناً أو قبيحاً، فإنّ الاتّصاف بالقبيح بقصده وإرادته قبيح، بخلاف خلق القبيح، فإنّه لا ينافي المصلحة والعاقبة الحميدة، بل ربّما يشتمل عليهما.
وملخّص الكلام ما أشار إليه الإمام حجّة الإسلام، وهو: إنّه لمّا بطل الجبر المحض بالضرورة، وكون العبد خالقاً لأفعاله بالدليل، وجب الاقتصاد في الاعتقاد، وهو أنّها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً، وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلّق يعبّر عنه عندنا بالاكتـساب.
إلى أن قال: فحركة العبد باعتبار نسبتها إلى قدرته تسمّى كسباً له، وباعتبار نسبتها إلى قدرة الله تعالى خلقاً، فهي خلق للربّ ووصف للعبد وكسب له، وقدرته خلق للربّ ووصف للعبد وليس بكسب له(1) "(2).
وإنّما أطلنا بنقل كلامه لتعرف حال أساطينهم فضلا عن مثل هذا
____________
(1) الاقتصاد في الاعتقاد: 60.
(2) شرح المقاصد 4 / 225 ـ 226.
ويكفي في بطـلان هذه الكلمات مجـرّد النـظر فيها، مع أنّ الكسـب ـ بأيّ معنىً فُسِّر ـ إن كان من فعل الله تعالى دون العبد فلا فائدة في إثباته، وإن كان من أثر العبد فقد خالفوا مذهبهم ولم يكن موجب لإثباته وإنكار تأثير العبد في الفعل.
ولولا تعلّق القصد بردّ ما أورده الخصم لكان الأَوْلى الإعراض عن مثله، إلاّ إنّه لا مناص من ردّه، فنقول:
أمّا ما ذكره من أنّ الإرادة من جملة الصفات، فصحيح، سواء أراد بالصفـات مـا كـان مـن مقـولة الكيـف، أو مـا لوحـظ فيـه جهـة التلـبّـس لا الحدوث، لكن لا ينافي أن تكون الإرادة فعلا باعتبار حدوثها، ولذا يقول المتكلّمون: إنّ الله تعالى فاعل للعدل والرحمة والمغفرة باعتبار حدوثها منه، وموصوف بها باعتبار تلبّـسه بها(1)..
فصحّ قول المصنّف: " إنّ إرادة العبد من جملة الأفعال ".
على أنّه لا أثر للاصطلاح والتسمية، فإنّ كلام المصنّف في الصدور الذي يسلّمه القائل بالقول الأوّل، فأورد عليه أنّه إذا جاز صدورهما عن العبد فليجز صدور أصل الفعل عنه... إلى آخره.
وأمّا قوله: " وأصحابه قائلون بأنّ الإرادة ممّا يخلقها الله تعالى في العبـد "..
فإن أراد أنّها ربّما يخلقها الله تعالى، فلا يضرّنا القول به، وإن أراد أنّها مخلوقة له دائماً، فكذب علينا، كيف؟! وقد سبق أنّ العبد فاعل لها،
____________
(1) انظر مؤدّاه في: المطالب العالية من العلم الإلهي 3 / 270 ـ 271.
وأمّا حمده لله تعالى على إقرار المصنّف بأنّ بعض أفعال العبد ممّا يخلقه الله تعالى، فمن المضحك، إذ لم يظهر من المصنّف اختيار أنّ إرادة العبد صادرة عن الله تعالى إن لم يظهر منه الخلاف، ومجرّد قول أصحابـه به ـ لو سُلّم ـ لا يستلزم أن يقول المصنّف به، إذ ليس هو من أُصول الدين.
على أنّ القول بأنّ بعض أفعالنا مخلوق لله تعالى لا ينافي مذهبنـا; لأنّ النزاع بيننا وبين الأشاعرة في الإيجاب الكلّي حيث يقولون: إنّ جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى(1)، ونحن نمنـعه، فلا ينافي الإيجاب الجزئي.
ثمّ إنّ معنى قول الخصم: " ولكن ربّما يدفعه... " إلى آخره; هو أنّ المصنّف قد يجيب عن ذلك بأنّ الإرادة والاختيار ليسا محلّ النزاع; لأنّ النزاع إنّما هو في الأفعال الاختيارية، وليست الإرادة والاختيار صادرَين بالاختيار.
وفيه: إنّ المصنّف لا يجيب بهذا; لأنّ الإرادة عنده فعل اختياري(2)، أي من آثار قدرة العبد، وإنّما يجيب بخطأ الخصم، حيث زعم أنّ الإرادة عندنا من أفعال الله تعالى، كما عرفت.
ثمّ إنْ أراد بقوله: " وعين المكابرة أن يقال: الاختيار فعل اضطراري " إنكار كون الاختيار فعلا، فباطل; لِما عرفت من معنى الفعل.
وإنْ أراد به دعوى أنّ الاختيار مسبوق بالاختيار، لزمه التسلسل.
____________
(1) الإبانة عن أُصول الديانة: 46، تمهيد الأوائل: 341، المواقف: 311.
(2) مناهج اليقين: 240 ـ 241.