وقال الفضـل(1):
صحّ في الصحاح أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعمّار: ويحَ عمّار! تقتله الفئـة الباغيـة(2).
وباقي ما ذكر إنْ صحّ دلّ على أنّ عليّـاً كان مع الحقّ أينما دار، وهذا شيء لا يُرتاب فيه حتّى يحتاج إلى دليل، بل هذا دليلٌ على حقّية الخلفاء; لأنّ الحقّ كان مع عليّ، وعليٌّ كان معهم، حيث تابعهم وناصحهم، فثبت من هذا خلافة الخلفاء، وأنّها كانت حقّـاً صريحاً.
____________
1- إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ 7 / 470.
2- انظر: صحيح البخاري 1 / 194 ح 107 و ج 4 / 77 ح 27، صحيـح مسـلم 8 / 185 ـ 186، سنن الترمذي 5 / 627 ح 3800، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 75 ح 8275، مسند أحمد 2 / 161 و 164 و ج 3 / 5 و 22 و ج 4 / 197 و 199 و ج 5 / 215 و 306 و ج 6 / 289 و 300، مسند البزّار 4 / 256 ح 1428، مسند أبي يعلى 3 / 209 ح 1645 و ج 11 / 403 ح 6524، المعجم الكبير 5 / 266 ح 5296 و ج 19 / 171 ح 382 و 383، المعجم الأوسط 8 / 298 ح 8551، مسند الطيالسي: 90 ح 649 و ص 288 ح 2168، مصنّف عبـد الرزّاق 11 / 240 ح 20427، مصنّف ابن أبي شيبة 8 / 723 ح 9 و 15 و ص 728 ح 39 و 40، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ 1 / 185 و ج 3 / 190 ـ 191، مسند الشاشي 3 / 408 ح 1532، الجعديات 1 / 342 ح 1179 و ص 472 ح 1641 و 1642، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 9 / 105 ح 7036 ـ 7038، المستدرك على الصحيحين 3 / 435 ح 5657 و ص 436 ح 5659 و ص 442 ح 5676، حلية الأولياء 4 / 172 رقم 270 و ج 7 / 197 ـ 198، الاستيعاب 3 / 1140 رقم 1863، تاريخ بغداد 7 / 414 رقم 3965، تاريخ دمشق 13 / 9 رقم 1279 و ج 43 / 412 ـ 436.
وأقـول:
روى لفظ الحديث الأوّل الترمذي في فضائل عليّ (عليه السلام)(1).
والحاكم أيضاً في فضائله من " المسـتدرك "(2).
ونقل في " الصواعق "(3)، عن الذهبي أنّه صحّح طرقاً كثيرةً لدعاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ في غدير خمّ; المشتمل على قوله: " وأَدِر الحقّ معه حيث دار ".
وحكى ابن أبي الحديد(4)، عن أبي القاسم البجلي(5) وتلامذته من المعتزلة، قالوا: لو نازع عليٌّ عَقِيب وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلّ سيفه لحكمنا بهلاك كلّ من خالفه وتقدّم عليه، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه ـ إلى أن قالوا: ـ وحكمه حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنّه قال: " عليٌّ مع الحقّ، والحقُّ مع عليّ،
____________
1- سنن الترمذي 5 / 592 ح 3714.
2- ص 124 من الجزء الثالث [ 3 / 135 ح 4629 ]. منـه (قدس سره).
3- في الفصل الخامس من الباب الأوّل في الشبهة الحادية عشرة [ 64 ]. منـه (عليه السلام).
وانـظر: طرق حـديث " مَـن كـنت مـولاه " ـ للذهبي ـ: 12 ح 1 و ص 17 ح 4 و ص 27 ـ 28 ح 18 ـ 20 و ص 30 ح 24 و ص 44 ح 38 و ص 64 ح 65 و ص 76 ح 82 و ص 91 ح 105 و ص 92 ح 107.
4- ص 212 من المجلّد الأوّل [ 2 / 297 ]. منـه (قدس سره).
5- كذا في الأصل، وهو تصحيف، والصحيح: " البلخي " كما في المصدر; وقد تقـدّمت ترجمته في ج 2 / 167 هـ 3 من هذا الكـتاب; فراجـع!
وحكم ابن أبي الحديد أيضاً بثبوت هذا الحديث(1) في شرح الخطبة التي يقول فيها: إنّ الأئمّة من قريش، غُرسوا في هذا البطن من هاشم.
ونقل في " كنز العمّال "(2)، عن أبي يعلى وسعيد بن منصور، بسندهما عن أبي سعيد، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " الحقّ مع ذا، الحقّ مع ذا ـ يعني: عليّـاً ـ ".
وحكى في " الكنز " أيضاً(3)، عن الديلمي، عن عمّار وأبي أيّوب، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " يا عمّار! إنْ رأيتَ عليّـاً قد سلك وادياً وسلك الناسُ وادياً غيره، فاسلك مع عليّ ودع الناس، إنّه لن يدلّك على ردىً، ولن يخرجك من هدىً ".
وهذا بعضُ الحديث الذي ذكره المصنّف (رحمه الله)، وذكره بتمامه إلاّ القليل في " كشف الغمّة "، نقلا عن الخوارزمي، عن أبي أيّوب(4).
والأخبار الدالّة على أنّ الحقّ مع عليّ ـ والحقُّ معه ـ، إمّا بلفظه أو بمعناه، أكثر من أن تحصى، وهي متواترة معنىً، وقد تقدّم منها ما صرّح بأنّه فاروق هذه الأُمّـة يفرق بين الحـقّ والباطل(5)..
____________
1- ص 422 من المجلّد الثاني [ 9 / 88 خطبة 144 ]. منـه (قدس سره).
2- ص 157 من الجزء السادس [ 11 / 621 ح 33018 ]. منـه (قدس سره).
وانظر: مسند أبي يعلى 2 / 318 ح 1052.
3- ص 155 ج 6 [ 11 / 613 ـ 614 ح 32972 ]. منـه (قدس سره).
4- كشف الغمّة 1 / 143; وانظر: مناقب الإمام عليّ (عليه السلام) ـ للخوارزمي ـ: 105 ح 110.
5- راجـع الصفحة 40 من هذا الجـزء.
وأنّ أهل البيت سـفينة النجـاة(2).
فإذا كان عليّ مع الحقّ، والحقّ معه، يدور حيث دار، وجب أن يكون معصوماً، والعصمة شرط الإمامة، ولا معصوم غيره من الصحابة اتّـفاقـاً.
وأيضاً: يلزم منه بطلان خلافة أبي بكر، ولا سـيّما في الستّة أشهر التي امتنع فيها عن بيعة أبي بكر، كما رواه البخاري في غزاة خيبر(3)، وغيـره(4).
وأمّا مبايعته بعد ذلك فلم تقع إلاّ قهراً، كما أنّ مناصحته لهم ـ بعد مشاورتهم له في بعض الأُمور ـ إنّما هي لإصلاح الدين لا لترويج إمرتهم; ولذا ما زال يتظلّم منهم، ووقع بينهم وبينه من النفورة والعداوة ما هو جليٌّ لكلّ أحد(5).
وأمّا ما ذكره في شأن البغاة، فهو إقرار بأنّ صاحبة الجمل وأصحابها ومعاوية وأنصاره، كانوا مبطِلين، ومطالَبين عند الله تعالى بأمر عظيم، وهو إلقاح الفتـنة إلى يوم الدين، وإزهاق نفـوس الآلاف من المسـلمين، الذي لا تنجي منه التوبة بالقول ـ لو صدرت ـ ما لم يعطوا النَّصَفَ من أنفسهم ويخرجوا عن المظالم إلى أهلها.
____________
1- سيأتي الكلام عليها مفصّـلا في الصفحة 235 وما بعدها من هذا الجزء; فراجع!
2- راجـع الصفحة 261 من هذا الجـزء.
3- صحيح البخاري 5 / 288 ح 256.
4- تاريخ الطبري 2 / 236، الصواعق المحرقة: 25 ـ 27.
5- شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 1 / 151.
____________
1- راجع الهامش 4 في الصفحتين 179 ـ 180 من هذا الجزء.
2- صحيح البخاري 5 / 93 ح 213، مسند أحمد 1 / 103، المستدرك على الصحيحين 3 / 408 ح 5558.
3- سنن الترمذي 5 / 645 ح 3842، مسند أحمد 4 / 216.
25 ـ حـديث الـثِّـقْـلَين وما بمعناه
قال المصنّـف ـ طاب ثراه ـ(1):
الخامـس والعشـرون: روى أحمـد بن حنبل في " مسـنده "، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد الحسـن والحسـين وقال: " من أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامـة "(2).
وفيـه: عن جابر، قال: قال رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذاتَ يوم بعرفـات وعليٌّ تجاهه: " ادن منّي يا عليّ! خُلِـقْتُ أنا وأنت من شجرة، فأنا أصلها وأنت فرعها، والحسـن والحسـين أغصانها، فمن تعلّق بغصن منها أدخله الله الجنّـة "(3).
____________
1- نهج الحقّ: 225.
2- مسند أحمد 1 / 77، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ 2 / 863 ح 1185، زوائـد عبـد الله بن أحمد: 420 ح 203، سنن الترمذي 5 / 599 ـ 600 ح 3733، جواهر العقدين: 336 عن أبي داود، المعجم الكبير 3 / 50 ح 2654، المعجم الصغير 2 / 70، كنز العمّال 13 / 639 ح 37613، الذرّيّة الطاهرة: 167 ح 225، طبقات المحدّثين في أصبهان 4 / 80 ـ 81 ح 848، جزء ابن غطريف: 77 ح 30، تاريخ أصبهان 1 / 233 رقم 361، تاريخ بغداد 13 / 287 ـ 288 رقم 7255، الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2 / 20 و 49، مناقب الإمام عليّ (عليه السلام) ـ للخوارزمي ـ: 138 ح 156، تاريخ دمشق 13 / 196، ميزان الاعتدال 5 / 144 رقم 5805.
3- انظر: المعجم الأوسط 4 / 443 ح 4150، المستدرك على الصحيحين 2 / 263 ح 2949، موضّح أوهام الجمع والتفريق 1 / 49، مناقب الإمام عليّ (عليه السلام) ـ لابن المغازلي ـ: 122 ح 133 و ص 251 ح 340، شواهد التنزيل 1 / 290 ـ 291 ح 397، فردوس الأخبار 1 / 43 ح 112، تاريخ دمشق 42 / 64 ـ 66، كفاية الطالب: 317 ـ 318، ميزان الاعتدال 5 / 54 رقم 5529.
ورواه أحمـد من عـدّة طـرق(1).
وفي " صحيح مسلم "، في موضعين، عن زيد بن أرقم، قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بماء يدعى " خُمّـاً " بين مكّـة والمدينـة، ثمّ قال بعـد الوعظ:
" أيّها الناس! إنّما أنا بشرٌ يوشِك أن يأتيني رسول ربّي فأُجيب، وإنّي تاركٌ فيكم الثِّـقْلَين; أولّهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ـ فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال: ـ وأهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي "(2).
وروى الزمخشري ـ وكان من أشدّ الناس عناداً لأهل البيت، وهو الثقة المأمون عند الجمهور ـ، قال بإسناده: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " فاطمـة مهجة(3) قلبي، وابناها ثمرة فؤادي، وبعلها نور بصري،
____________
1- مسند أحمد 3 / 14 و 17 و 26 و 59 و ج 4 / 367 و 371 و ج 5 / 182 و 189 ـ 190، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ 1 / 211 ح 170 و ج 2 / 708 ح 968 و ص 723 ح 990 و ص 747 ح 1032 و ص 978 ح 1382 و 1383 و ص 988 ح 1403.
2- صحيح مسلم 7 / 122 و 123 فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام).
3- كذا في الأصل، وفي المصادر المذكورة في الهامش التالي: " بهجة ".
وروى الثعلبي في تفسير قوله تعالى: { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا }(2)، بأسانيد متعدّدة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: " أيّها الناس! قد تركت فيكم الثِّـقْلَين خليفتين، إنْ أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر; كتابُ الله حبلٌ ممدود ما بين السماء والأرض; وعترتي أهلُ بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يَرِدا علَيَّ الحـوض(3).
وفي " الجمع بين الصحيحين ": " إنّما أنا بشرٌ يوشِك أن يأتيني رسول ربّي فأُجيب، وأنا تاركٌ فيكم الثِّـقْلَين; أوّلهما كتابُ الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكـتاب الله واسـتمسكوا به; وأهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي خيراً "(4).
____________
1- انظر: مقتل الحسـين (عليه السلام) ـ للخوارزمي ـ 1 / 99 ح 21، فرائد السمطين 2 / 66 ح 390، ينابيع المودّة 1 / 242 ح 17.
2- سورة آل عمران 3: 103.
3- انظر: ينابيع المودّة 1 / 105 ح 25 عن تفسير الثعلبي.
4- الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ 1 / 515 ح 841، سنن الترمذي 5 / 621 ـ 622 ح 3786 و 3788، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 45 ح 8148 و ص 130 ح 8464، سنن الدارمي 2 / 292 ح 3311، مسند البزّار 3 / 89 ح 864، مسند أبي يعلى 2 / 297 ح 1021 و ص 303 ح 1027 و ص 376 ح 1140، المعجم الكبير 3 / 65 ـ 67 ح 2678 ـ 2683 و ج 5 / 166 ـ 167 ح 4969 ـ 4971 و ص 169 ـ 170 ح 4980 ـ 4982، المعجم الأوسط 4 / 81 ح 3439 و ص 155 ح 3542، المعجم الصغير 1 / 131 و 135، مصنّف ابن أبي شيبة 7 / 418 ح 41، مسند عبـد ابن حميد: 114 ح 265، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ 2 / 150، المنمّق: 25، السُـنّة ـ لابن أبي عاصم ـ: 337 ح 753 و ص 629 ـ 631 ح 1548 ـ 1558، صحيح ابن خزيمة 4 / 62 ـ 63 ح 2357، أنساب الأشراف 2 / 357، الجعديات 2 / 302 ح 2722، نوادر الأُصول 1 / 163، الذرّيّة الطاهرة: 168 ح 228، جواهر العقدين: 238، المؤتلف والمختلف ـ للدارقطني ـ 2 / 1045 و ج 4 / 2060، المستدرك على الصحيحين 3 / 118 ح 4576 و 4577 و ص 160 ـ 161 ح 4711، حليـة الأوليـاء 1 / 355 رقم 57، السـنن الكبـرى ـ للبيـهقي ـ 2 / 148 و ج 7 / 30 و ج 10 / 114، الاعتقاد على مذهب السلف ـ للبيهقي ـ: 185، تاريخ بغـداد 8 / 442 رقم 4551 واقتصر فيه على ذِكر الثقل الأوّل وأسقط الثاني فلم يذكره!!، مناقب الإمام عليّ (عليه السلام) ـ لابن المغازلي ـ: 214 ـ 215 ح 281 ـ 284، فردوس الأخبار 1 / 53 ـ 54 ح 197، مصابيح السُـنّة 4 / 185 ح 4800 و ص 189 ح 4815، الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2 / 47، تاريخ دمشق 42 / 219 ـ 220، كنز العمّال 1 / 185 ـ 187 ح 943 ـ 953 و ج 13 / 104 ح 36340 و 36341.
والحديث أخرجه أبو داود في سننه 4 / 295 ح 4973، إلاّ أن يد الخيانة والتحريف حذفته ولم تذكر من الحديث إلاّ قوله: " أمّا بعـد "، والحديث موجود في طبعة مطبعة السعادة بالقاهرة سنة 1369 هـ برقم 4973، كما أشار إليه محقّق كتاب " المنتخب من مسـند عبـد بن حميـد "، في الصفحة 114 هامش الحديث 265.
وقال الفضـل(1):
هذه الأخبار بعضُها في الصحاح، وبعضُها قريبُ المعنى منها، وحاصلها: التوصية بحفظ أحكام الكتاب، وأخذ العلم منه ومن أهل البيت، وتعظيم أهل البيت ومحبّتهم وموالاتهم، وكلّ هذه الأُمور فريضةٌ على المسلمين، ولا قائل بعدم وجوبه على كلّ مسلم.
ولكن ليس في ما ذكر نصٌّ على خلافة عليّ بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم);
____________
1- إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ 7 / 473.
وجعْلهم قرناء للقرآن، يدلّ على وجوب التعظيم، وأخذ العلم عنهم، والاقتداء بهم في الأعمال والأقوال، وأخذ طريق السُـنّة والمتابعـة من أعمالهم، ولا يلزم من هذا خلافتهم، وليس هو بالنصّ في خلافتهم بعـد رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومراد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): توصيةُ الأُمّة بحفظ القرآن، ومتابعة أهل البيت، وتعظيمهم; وهذا ما لا نزاع فيه.
وأقـول:
حديث الثِّـقْلَين مسـتفيضٌ أو متواترٌ، وقد رواه أحمد في " مسنده " من طرق كـثيرة جـدّاً عن جماعـة(1).
ورواه الترمذي في مناقب أهل البيت من " سننه "، عن خمسة من الصحابـة(2).
ورواه مسلم في فضائل عليّ (عليه السلام)، من عدّة طرق، عن زيد بن أرقـم(3).
ورواه الحاكم في " المستدرك "(4)، عن زيد ـ أيضاً ـ من طريقين.
وقال ابن حجر في " الصواعق " ـ عند تعرّضه لحديث الثِّقْلَين(5) ـ: " الحاصل: إنّ الحثّ وقع على التمسّك بالكتاب، وبالسُـنّة، وبالعلماء بهما من أهل البيـت; ويستفاد من مجموع ذلك بقاءُ الأُمور الثلاثة إلى قيام الساعة ".
ثمّ قال: " إعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كـثيرةً وردت عن نـيّـف وعشـرين صحابيّـاً ".
____________
1- تقـدّم قريباً تخريج ذلك عنه في الصفحة 236 هـ 1; فراجـع!
2- سـنن الترمذي 5 / 621 ـ 622 ح 3786 و 3788.
3- صحيح مسلم 7 / 122 و 123.
4- ص 109 من الجزء الثالث [ 3 / 118 ح 4576 و 4577 ]. منـه (قدس سره).
5- في الآية الرابعة من الآيات الواردة في أهل البيت (عليهم السلام)، وهي قوله تعـالى: (وقِفوهم إنّهم مسؤولون) [ ص 230 ]. منـه (قدس سره).
الأوّل: إنّ تصريحه بأنّ الكتاب والعترة لا يفترقان، دالٌّ على علمهم بما في الكتاب، وأنّهم لا يخالفونه قولا وعملا.
والأوّل دليلُ الفضل على غيرهم، والأفضل أحقّ بالإمامة.
والثاني دليلُ العصمة التي هي شرط الإمامة، ولا معصوم غيرهم.
الثاني: إنّه جعلهم عَديلا(1) للقرآن، فيجب التمسّك بهم مثله، واتّباعهم في كلّ أمر ونهي، ولا يجب اتّباعُ شخص على الإطلاق إلاّ النبيَّ أو الإمامَ المعصوم.
الثالث: إنّه عبّر عن الكتاب والعترة بـ " خليفتين "، كما في حديث الثعلبي الذي ذكره المصنّـف (رحمه الله)(2)..
وحديث أحمد في " مسـنده "(3)، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تاركٌ فيكم خليفتين، كتاب الله، وأهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يَرِدا علَيَّ الحوض ".
ومن الواضح أنّ خلافة كلّ شيء بحسـبه، فخلافة القرآن بتحمّله أحكام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومواعظه، وإنذاره، وسائر تعاليمه; وخلافة الشخص بإمامته، وقيامه بما تحتاج إليه الأُمّـة، ونشر الدعوة، وجهاد المعاندين.
الرابع: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر في مفتتح الحديث قربَ موته، كقوله: " يوشِك أن يأتيني رسـول ربّي فأُجيـب "(4)..
____________
1- الـعَـدْلُ والـعِـدْلُ والـعَـدِيلُ: النَّـظير والمَثيل; انظر: لسان العرب 9 / 84 مادّة " عدل ".
2- تقـدّم آنفاً في الصفحـة 237.
3- ص 182 و 189 من الجزء الخامـس. منـه (قدس سره).
4- راجع ما تقـدّم في الصفحتين 236 و 237.
أو نحو ذلك كما في أحاديث مسلم(2)، وأحد حديثَي الحاكم(3)، وحديث أحمد عن زيد بن أرقم(4)، وحديثه عن أبي سعيد(5).
ثمّ قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تاركٌ فيكم الثِّـقْلَين "; ومن المعلوم أنّ ذا السلطان والولاية، الذي له نظامٌ يُـلزِم العمل به بعده، إذا ذكر موته وقـال: " إنّي تاركٌ فيكم فلاناً، وكتاباً حافظاً لنظامي "، لم يُفهم منه إلاّ إرادة العهد إلى ذلك الشخص بالإمرة بعده; خصوصاً وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن كـنتُ مولاه فعليٌّ مولاه "، أو: " مَن كنتُ وليّه فعليٌّ ولـيّه "، كما في حديثَي الحاكم وغيرهمـا(6).
ولا يبعد أنّ وصيّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالـثِّـقْـلَـيـن كانت في غدير خمّ، أو أنّه أحدُ مواردها(7); لقوله في حديث مسلم: " خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
____________
1- السـنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 45 ح 8148 و ص 130 ح 8464.
2- صحيح مسلم 7 / 122 و 123.
3- المسـتدرك على الصحيحين 3 / 118 ح 4576.
4- ص 367 من الجزء الرابع. منـه (قدس سره).
5- ص 17 من الجزء الثالث. منـه (قدس سره).
6- المستدرك على الصحيحين 3 / 118 ح 4576 و 4577، المعجم الكبير 5 / 166 ـ 167 ح 4969 ـ 4971 و ص 171 ـ 172 ح 4986، فوائد سَمّويه: 84 ح 81.
7- لقد صدع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحديث الـثِّـقْـلَـيْن في مواطن متعـدّدة ومواقف شـتّى، وقد أُحصيت تلك المواقف فكانت خمسة; مـرّةً يوم عرفة من حجّـة الوداع، وأُخـرى بعد انصرافه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الطائف، وتارةً على منبره في المدينة، وتارةً أُخرى يوم غـدير خُـمّ، وآخرها في حجرته المباركة في مرضه الذي توفّي فيه والحجرة غاصّـة بأصحابـه.
راجع تفصيل ذلك في: تشـييد المراجعات وتفنيد المكابرات 1 / 104 ـ 107، حديث الـثِّـقْـلَـيْن.. تواتره، فقهه: 33 ـ 35.
وقـد بـيّـنّـا في الآية الثالثـة أنّ أهل البيـت لا يشمل بقـيّـة أقارب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)(3).
الخامس: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تاركٌ فيكم أمرين لن تضلّوا إنِ اتّبعتموهما "، كما في أحد حديثَي الحاكم، وصحّحه على شرط الشـيخين(4)..
ونحـوه ما في " الصواعـق "(5) وصحّـحـه..
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " قد تركت فيكم الثِّـقْلَين خليفتين، إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي "، كما في حديث الثعلبي الذي ذكره المصنّف (رحمه الله)(6)..
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسّـكـتم به لن تضلّوا
____________
1- صحيح مسلم 7 / 122، المعجم الكبير 5 / 183 ح 5028.
2- المعجم الكبير 5 / 166 ـ 167 ح 4969 ـ 4971 و ص 171 ـ 172 ح 4986.
3- راجـع: ج 4 / 351 ـ 380 من هذا الكـتاب.
4- المسـتدرك على الصحيحين 3 / 118 ح 4577.
5- في المقام السابق [ ص 230 ]. منـه (قدس سره).
6- تقـدّم آنفاً في الصفحـة 237.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا "، كما في حديث الترمذي عن جابر(2)، وحديث أحمد عن أبي سعيد(3).
فإنّ كلّ واحد من هذه الأقوال صريحٌ في بطلان خلافة المشايخ الثلاثة; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رتّب عدم ضلال أُمّـتـه دائماً وأبداً على التمسّك بالثقلين.
وبالضرورة، أنّ الضلال واقعٌ ولو أخيراً; لاختلاف الأديان وفساد الأعمال، فيُعلم أنّهم لم يتمسّكوا في أوّل الأمر بالعترة والكتاب، وأنّ خلافة الثلاثة خلافُ التمسّك بهما، ولذا وقع الضلال.
ولا يَرِدُ النقُض بأنّ الأُمّة تمسّكت بالعترة ـ حين بايعت عليّـاً (عليه السلام) ـ ومع ذلك وقع الضلال المذكور; وذلك لأنّ المراد هو التمسّك بالعترة كالكـتاب بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل.
على أنّ الأُمّة لم تتمسّك بعليّ (عليه السلام) بعد مبايعته; لمخالفة الكثير منهم لـه حتّى انقضت أيّامه بحرب الأُمّـة.
فأين تمسّكها بالعترة؟! وأين تمسّكها بالكتاب، وهو قد قاتلهم على تأويله؟!(4).
فإن قلت: لعلّ المراد: أنّكم إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ما دمتم متمسّكين بهما، فلا يدلّ ضلالهم أخيراً على عدم تمسّكهم أوّلا.
____________
1- سـنن الترمذي 5 / 622 ح 3788.
2- سـنن الترمذي 5 / 621 ح 3786.
3- ص 59 من الجزء الثالث. منـه (قدس سره).
4- راجـع: ج 5 / 85 وما بعـدها من هذا الكـتاب.
فقد ظهر من هذه الوجوه الخمسة دلالة الحديث على أنّ الإمامة في العترة الطاهرة، لا على مجـرّد الوصيّة بأخذ العلم منهم.
ولو سُلّم، فمن الواضح دلالة الحديث على وجوب أخذ العلم منهم، وعدم جواز مخالفتهم، كالقـرآن، وحينـئـذ فيجب اتّباع قولهم في الإمامة، وفي صحّة إمامة شخص وعدمها; لأنّه من أخذ العلم منهم.
ومن المعلوم أنّ عليّـاً خالف في إمامة أبي بكر ـ ولو في بعض الأوقات ـ، فتبطل ولو في الجملة، وهذا خلاف مذهب القوم.
فكيف وقد ادّعى أنّ الحقّ له من يوم وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حين موته هو (عليه السلام)، وتظلّم منهم مدّة حياته ـ كما سـبق(1) ـ؟!
وأيضاً: لم تتّبع الأُمّة عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر الخمس والمتعتين وكـثير من الأحكام، فيكونون ضُلاّلا!
وما أدري متى تمسّـكت الأُمّـة بالعترة؟!
أفي زمن أمير المؤمنين؟! أو في زمن أبنائه الطاهرين؟! وقد تركوا كـلاًّ منهم حبيس بيته لا يُسمع له قولٌ، ولا يُـتّبعُ له أمرٌ، ولا يؤخذ منه حكـمٌ.
بل جعلوا عداوتهم وسـبّهم ديناً، وحاربوهم بالبصرة والشام والكوفة، وسَـبَوا نساءهم سـبي الترك والديلم!
____________
1- راجـع: ج 4 / 280 ـ 296 من هذا الكـتاب.
هـذا، ولا يخفى أنّ الحديث دالٌّ على بقاء العترة إلى يوم القيامة لأُمـور:
الأوّل: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه: " إنّي تاركٌ فيكم الـثِّـقْـلَين "; فإنّه دالٌّ على أنّه ترك فيهم ما يحتاجون إليه، وما هو كاف في حصول حاجتهم.
وبالضرورة، أنّه لو لم يدم الثقلان لم يكفيا; لأنّ الأُمّة محتاجةٌ مدى الدهر إلى الأحكام والحكّام.
الثاني: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا "; فإنّ تأبيد عدم الضلال موقوف على تأبيد ما يُتمسّك به.
الثالث: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لن يفـترقا "; فإنّه لو لم يكن في وقت من الأوقات مَن هو قرين الكتاب مِن العترة، لافترق الكتابُ عنهم.
وقد أقـرّ ابن حجر في عبارته السابقة بإفـادة الحـديث بقاء العتـرة إلى يوم القيامـة(2)..
وقال بعد ذلك: " وفي أحاديث التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك; ولهذا كانوا أمانـاً لأهل الأرض كما يأتي، ويشهد لذلك الخبر
____________
1- كما في قوله تعالى: (وما محمّـد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللهَ شـيئاً وسـيجزي اللهُ الشاكرين) سورة آل عمران 3: 144.
2- راجع الصفحة 240 من هذا الجـزء.
أقـول:
أراد بالخبر السابق، ما نقله قبل هذا الكلام عن الملاّء في " سـيرته "، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " في كلّ خلف من أُمّتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين، وانتحال المُبطلين، وتأويل الجاهلين، أَلا وإنّ أئمّتكم وفدُكم إلى الله عزّ وجلّ، فانظروا من توفِـدون "(2).
وليت شعري، إذا علم ابنُ حجر ذلك، فما باله أنكر إمامة العترة، ودان بإمامة أضدادهم، وتمسّك بالشجرة الملعونة في القرآن؟!
وكيف حلّ له أن يترك الأخذ ممّن ينفون عن الدين تحريف الضالّين، ويرجع في أحكامه إلى من حرّفوا الدين، بشهادة مخالفتهم لمن ينفون عنه التحريف؟!
بل لم يكتفِ ابن حجر وأصحابه حتّى عيّنوا لأخذ الأحكام أئمّتهم الأربعة، وحرّموا الرجوع إلى أهل البيت!
فهل هذا من التمسّك بالكتاب والعترة اللذين لا يفترقان إلى يوم القيامـة؟!
____________
1- الصواعق المحرقة: 232.
2- الصواعق المحرقة: 231; وانظر: ذخائر العقبى: 49، جواهر العقدين: 241 ـ 242.
وأمّـا غيره ممّا ذكره المصنّـف (رحمه الله):
فالخبر الأوّل قد رواه أحمد(2)، ورواه الترمذي في مناقب عليّ من " سـننه " وحسّـنه(3).
ودلالته على أنّ الإمامةَ في العترة الطاهرة; لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ساواهم معه دون مَن سواهم، في أنّ من أحبّهم نال تلك المنزلة الرفيعة والمرتبة السامية، الدالّـة على الفضل عند الله سـبحانه والقرب منـه.
فيثبت لهم الفضل على غيرهم، وتكون الإمامـة بهم.
ومثلُه في الدلالة على المطلوب الخبرُ الثاني، الذي حكاه المصنّـف عن أحمـد، عن جابر; ولم أجده في " مسـنده "، ولا يبعد أنّـه ممّـا نالته
____________
1- وانظر تخريج الحديث مفصّـلا في: ج 2 / 187 هـ 1 من هذا الكـتاب.
وراجع ما كـتبه السـيّد عليّ الحسـيني الميلاني ـ حفظه الله ورعاه ـ في الأجزاء 1 ـ 3 من موسوعته " نفحـات الأزهـار "، من بحوث علمية في ما يتعلّق بالحديث وما يرتبـط به.
وأمّا في ما يخصّ لفظ " كـتاب الله وسُـنّتي " الوارد في بعض روايات الجمهور، فانظـر:
ما كتبه السيّد عليّ الحسيني الميلاني في كـتابه " حديث الـثِّـقْـلَـيْـن: تواتره، فـقهه.. كما في كـتب السُـنّة ".
ورسالته في حديث الوصيّـة بالـثِّـقْـلَـيْـن: الكـتاب والسُـنّة.
وكذلك ما كـتبه الشيخ جلال الدين الصغير ـ حفظه الله ـ في كـتابه: عصمة المعصوم (عليه السلام) وفق المعطيات القرآنية: 205 ـ 242.
2- في الجزء الأوّل، ص 77. منـه (قدس سره).
3- سـنن الترمذي 5 / 599 ـ 600 ح 3733.