الصفحة 427
واختُـلِـف في عمر "(1).

ويؤيّـد ما صحّـحه ما ذكره البخاري في غزاة حُنين; فإنّه روى خبرين عن البراء صريحين في ثبات أبي سفيان(2)، وخبرين عن أبي قتادة صريحين في فرار عمر، قال أبو قتادة في أحدهما: " انهزم المسلمون وانهزمتُ معهم، فإذا عمر بن الخطّاب في الناس، فقلت له: ما شأنُ الناس؟!

قال: أمـرُ الله!!

ثمّ تراجع الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "(3).

وقال في الآخر: " لمّا التقينا كانت للمسلمين جولة ـ إلى أن قال: ـ فلحقتُ عمرَ فقلت: ما بالُ الناس؟!

قال: أمرُ الله!! ثمّ رجعوا "(4).. الحديث.

ونحوه في كتاب " الجهاد " من صحيح مسلم، في " باب استحقاق القاتل سلب المقتول "(5).

وذكر في " كنز العمّال " ـ في كتاب الغزوات(6) ـ حديثين يتضمّنان أنّ الثابتين هم: عليٌّ، والعبّـاس، وأبو سفيان بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، وعبـد الله بن الزبير بن عبـد المطّلب، والزبير بن العوّام، وأُسامـة بن

____________

1- الاسـتيعاب 2 / 812 ـ 813 رقم 1378.

2- صحيح البخاري 5 / 310 ح 318 و 320.

3- صحيح البخاري 5 / 312 ح 323.

4- صحيح البخاري 5 / 312 ح 323.

5- صحيح مسلم 5 / 148.

6- ص 304 من الجزء الخامس [ 10 / 542 ح 30214 و 30215 ]. منـه (قدس سره).

وانظر: تاريخ دمشق 28 / 137 ـ 138.


الصفحة 428
زيـد.

وقد روى في " كشف الغمّة " بيتَي العبّـاس الأخيرين كما في " الاسـتيعاب "، إلاّ أنّـه أبـدل لفـظ " سـبعة " بـ " تسـعة "، ولـفـظ " ثـامـن " بـ " عاشر "، وسمّى التسعة كما سمّاهم المصنّـف والقوشجي(1).

وروى أيضاً عن مالك بن عبادة الغافقي أنّه قال [ من الخفيف ]:


لَمْ يُواسِ النبيَّ غيرُ بَني هـاشمِ عندَ السيوف يومَ حُنينِ
هربَ الناسُ غَيرَ تسعةِ رَهْطفَهُمُ يَهتفون بالناس: أَينِ(2)؟!
ثمّ قاموا مع النبيِّ على المَـوتِ فآبوا زيناً لنا غيرَ شَيْنِ
وثوى أيمنُ الأمينُ مِن القَومِ شهيداً فاعتاضَ قُرّةَ عَيْنِ(3)

وأمّـا ما زعمـه من حقيقة قصّـة براءة، فقد سـبق في الخبـر السـادس أنّـها لا حقيقة لها، اختلقوها لتسديد حال أبي بكر، وبيّـنّـا أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبعثه أوّلا إلاّ ليعزله ثانياً; تنبـيـهاً على فضل عليّ وعدم كفاية أبي بكر; ليعتبر الناس أنّ مَن ليسـت له أهليّة القيام بتأدية " براءة " مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يصلح للقيام مقامه في الإمامة والزعامة العظمى بالأَولويّـة(4)!


*  *  *

____________

1- كشف الغمّة 1 / 221 ـ 222، الاستيعاب 2 / 813، وانظر: شرح تجريد الاعتقاد: 487.

2- أَيْـنَ: ظرفٌ للمكان مبنيٌّ على الفتح، وكُسِر هنا لضرورة القافية.

3- كشف الغمّـة 1 / 221.

4- انظر الصفحـات 64 ـ 70 من هذا الجزء.


الصفحة 429

نَـسَــبُـه [ من فضائله الخارجية ]


قال المصنّـف ـ أعلى الله مقامه ـ(1):

القسم الثالث: في الفضائل الخارجيّـة، وفيه مطالب:

الأوّل: في نسـبه

لم يلحق أحدٌ أميرَ المؤمنين (عليه السلام) في شرف النسـب، كما قال (عليه السلام): " نحنُ أهلَ البيت لا يُـقاسُ بنا أحـدٌ "(2).

قال الجاحظ ـ وهو من أعظم الناس عداوةً لأمير المؤمنين (عليه السلام) ـ: " صدق عليٌّ في قوله: نحن أهلَ البيت لا يُـقاس بنا أحـد.

كيف يُقاس بقوم منهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والأطيبان: عليٌّ وفاطمة، والسـبطان: الحسن والحسـين، والشهيدان: أسد الله حمزة وذو الجناحين جعفر، وسـيّد الوادي عبـد المطّلب، وساقي الحجيج عبّـاس، وحليم البطحاء أبو طالب.

والنجدةُ والخِيَرَةُ فيهم، والأنصار مَن نصرهم، والمهاجرون مَن هاجر إليهم ومعهم، والصدّيق مَن صدّقهم، والفاروق مَن فرق بين الحقّ والباطل فيهم، والحواريّ حواريّهم، وذو الشهادتين; لأنّه شَهدَ لهم، ولا خير إلاّ فيهم ولهم ومنهم؟!

____________

1- نهج الحقّ: 252.

2- انظر: فردوس الأخبار 2 / 373 ح 7094، ذخائر العقبى: 49، كنز العمّال 12 / 104 ح 34201 و ج 13 / 7 ـ 8 ح 36095.


الصفحة 430
وأبان رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أهلَ بـيته بقولـه: إنّي تارك فيكـم الخليفتين; كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، نـبّـأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفـترقا حتّى يَرِدا علَيَّ الحـوض(1).

ولو كانوا كغيرهم لَما قال عمر لمّا طلب مصاهرة عليّ: إنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: كلّ سـبب ونسـب منقطع يوم القيامة إلاّ سـببي ونسـبي(2).

فأمّا عليٌّ، فلو أوردنا لأيّامه الشريفة، ومقاماته الكريمة، ومناقبه السَـنِيّة، لأفنينا في ذلك الطوامير الطوال.. العِرقُ صحيح، والمنشأ كريم، والشأن عظيم، والعمل جسيم، والعلم كثير، والبيان عجيب، واللسان خطيب، والصدر رحيب، وأخلاقه وفق أعراقـه، وحديثـه يشهد لقديمه ".

هذا قول عدوّه(3).


*  *  *

____________

1- راجع الصفحة 236 وما بعـدها من هذا الجزء.

2- السير والمغازي ـ لابن إسحاق ـ: 249، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ 8 / 339، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ 2 / 774 ـ 776 ح 1069 و 1070، مسند البزّار 1 / 397 ح 274، المعجم الكبير 3 / 45 ح 2634 و 2635 و ج 11 / 194 ح 1621، المعجم الأوسط 4 / 437 ح 4132، المستدرك على الصحيحين 3 / 153 ح 4684، حلية الأولياء 2 / 34 رقم 131، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 7 / 64 و 114، تاريخ بغـداد 6 / 182 رقم 3237 و ج 10 / 271 رقم 5387.

3- انظر: كشف الغمّة 1 / 30 ـ 31، ينابيع المودّة 1 / 459.


الصفحة 431

وقال الفضـل(1):

ما ذكر من كلام الجاحظ صحيحٌ لا شكّ فيه، وفضائل أمير المؤمنين أكـثر من أن تُحصى، ولو أنّي تصدّيت لبعضها لأغرقت فيه الطوامير.

وأمّا ما ذكر أنّ الجاحظ كان من أعدائه، فهذا كذب; لأنّ محبّة السلف لا تُفهَم إلاّ من ذكر فضائلهم، وليـس هذه المحبّةُ أمراً مشـتهياً للطبـع.

وكلُّ من ذكر فضـائلَ أحد من السلف، فنحـن نسـتدلّ من ذلك الذِكر على وفور محبّته إيّـاه.

وقد ذكر الجاحظ أمير المؤمنين بالمناقب المنقولة، وكذا ذكره في غيـر هذا من رسائله، فكيف يحكم بأنّه عدوٌّ لأمير المؤمنين؟!

وهذا يصحّ على رأي الروافض; فإنّ الروافض لا يحكمون بالمحبّة إلاّ بذِكر مثالب الغير.

فعندهم محبّ عليّ مَن كان مبغضَ الصحـابة، وبهذا المعنى يمكن أن يكون الجاحظ عدوّاً.


*  *  *

____________

1- إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ: 460 الطبعة الحجرية.


الصفحة 432

وأقـول:

لا يصحّ الاسـتدلال على حبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بمجرّد ذِكر فضائله; إذ لا يسع أحداً أن يَعـدَّ فضلا لسواه ويدعه، ويثني على غيره ويَـعْـدوه.

وقد علم الله ما في طيّات قلوبهم من بغضه، وإنِ اختلف قوّةً وضعفاً; إذ لا يجتمع حبّه الصادق مع موالاة مبغضيه، لا سـيّما أظهر أعدائه وأكبر حسّاده وأشدّ محاربيه، كمعاوية، وابن العاص، ومروانَ، والمغيرةِ، وأشـباههم! بل كيف يوالي النبيَّ مَن والاهم؟! وكيف يؤمن به مَن نصرهم وأطراهم؟!

أليس هو القائل لعليّ (عليه السلام): " حربك حربي "(1) و " مَن أبغضك أبغضني "(2) و " مَن سـبّـك سـبّـني "(3)؟!

____________

1- انظر: المعجم الأوسط 3 / 256 ح 2875 و ج 5 / 316 ح 5015 و ج 7 / 242 ح 7259، المعجم الصغير 3 / 3، تاريخ بغـداد 7 / 137 رقم 3582، مناقب الإمام عليّ (عليه السلام) ـ لابن المغازلي ـ: 96 ح 73، شرح نهج البلاغة 2 / 297، كنز العمّال 12 / 97 ح 34164، ينابيع المودّة 1 / 172 ح 19.

وقد تقـدّم تخريج الحديث بألفاظه المختلفة في ج 4 / 358 هـ 4 من هذا الكـتاب; فراجـع!

2- انظر: المعجم الأوسط 5 / 166 ح 4751، تاريخ دمشق 42 / 269 ـ 271، تذكرة الخواصّ: 52، مجمع الزوائـد 9 / 129.

وقد تقـدّم تخريج الحديث مفصّـلا بألفاظه المختلفة في ج 1 / 12 هـ 2 و ج 5 / 271 هـ 1; فراجـع!

3- انظر: مسـند أحمـد 6 / 323، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 133 ح 8476، مسند أبي يعلى 12 / 444 ح 7013، المعجم الكبير 23 / 322 ـ 323 ح 737، المـعجـم الصـغيـر 2 / 21، المسـتدرك على الصحيـحيـن 3 / 130 ـ 131 ح 4615 و 4616، مناقـب الإمـام عليّ (عليه السلام) ـ للمغـازلي ـ: 208 ح 271، مناقـب الإمـام عليّ (عليه السلام) ـ للخوارزمي ـ: 148 ح 175، تاريخ دمشق 42 / 266، كفاية الطالب: 82 ـ 89 باب " كفر مَن سـبّ عليّـاً (عليه السلام) "، الرياض النضرة 3 / 122 و 123، ذخائر العقبى: 123، مختصر تاريـخ دمشـق 17 / 366 و ج 18 / 83، الخلفـاء الراشـدون ـ للذهبي ـ: 385، مشكاة المصابيح 3 / 359 ح 6101، البداية والنهاية 7 / 282 حوادث سنة 40 هـ، جامع المسانيد والسنن 19 / 31، مجمع الزوائد 9 / 130 ـ 133، الجامع الصغير 2 / 529 ح 8736، الصواعق المحرقة: 190، درّ السحابة: 224، ينابيع المودّة 2 / 274 ح 782 و ص 277 ـ 278 ح 796.


الصفحة 433
وقال تعالى: { لا تجدُ قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يُوادّون مَن حادّ اللهَ ورسولَه }(1).

فإذا رأيت أحداً ممّن يوالي هؤلاء يذكر فضلا لأمير المؤمنين (عليه السلام); فليـس إلاّ لأنّـه لا يسـعه ـ كما عرفـتَ ـ، أو لأنّـه يريـد أن يدفـع عنه وصمةَ النصب(2)، أو يريد بيانَ اطّلاعه وسعة باعه، لا حبّـاً له ووفاءً

____________

1- سورة المجادلة 58: 22.

2- كعبـد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجسـتاني، المولود في سجسـتان سـنة 230 هـ، والمتوفّى ببغـداد سـنة 316 هـ، والمنسوب إلى النصب، وهو ابن صاحـب " السـنن ".

قال ابن عديّ في ترجمته: سمعت عليّ بن عبـد الله الداهري يقول: سألتُ ابن أبي داود بالريّ عن حديث الطير، فقال: إنْ صحَّ حديث الطير فنبوّة النبيّ باطل; لأنّه حكى عن حاجب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خيانة، وحاجب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يكون خائناً!

وروى عبـد الله هذا عن الزهري، عن عروة، قال: كانت قد حَفِيَتْ أظافير عليّ من كـثرة ما كان يتسلّق على أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)!

وقد نفاه ابنُ الفرات من بغداد إلى واسط بسـبب نصبه، وردّه عليُّ بن عيسى، فحدَّث وأظهر فضائل عليّ (عليه السلام)، وكان يقول: كلّ الناس منّي في حِلّ، إلاّ مَن رماني ببغض عليّ (رضي الله عنه)!

ثمّ تحنبـل فصار شـيخاً فيهم!

انظر: الكامل في ضعفاء الرجال 4 / 265 رقم 1101، سـير أعلام النبلاء 13 / 221 رقم 118.


الصفحة 434
بحـقّـه(1)!

ولذا لا يروون له فضيلة إلاّ وطعنـوا ـ مهما أمكن ـ بسـندها أو دلالتها، ولا تنشرح نفوسهم لها، بخلاف ما إذا رووا فضيلة لغيره!

ولا بُـدّ أن يُظهر الله مخفـيّـات سرائرهم على صفحات أرقامهم وطفحات أقلامهم، كما رأيته من هذا الرجل في كـثير من كلماته، وظهر على الجاحظ في رسالته التي تحامل فيها على أمير المؤمنين (عليه السلام) كلّ التحامل، وظهر فيها مظهر العداء له، التي نقضها أبو جعفر الإسكافي(2).

____________

1- كالذهبي; فقد أفرد طرق حديث الطير بمصنّـف، وحديث " مَن كنت مولاه " بمصنّـف آخر، وكان قد أنكر في كتابه " تلخيص المسـتدرك " على الحاكم النيسابوري إخراجه في " المسـتدرك " حديثَ الطير، ولمّا رأى كـثرة طرقه أفرده هو بمصنّـف! حتّى قال: " وأمّا حديث الطير، فله طرق كـثيرة جـدّاً، قد أفردتُها بمصنّف، ومجموعها هو يوجب أن يكون الحديث له أصل; وأمّا حديث: (مَن كـنت مولاه)، فله طرق جيّـدة، وقد أفردتُ ذلك أيضـاً ".

انظر: تذكرة الحفّـاظ 3 / 1042 ـ 1043.

وقال: " وقد جمعتُ طرق حديث الطير في جزء، وطرق حديث: (مَن كـنت مولاه)، وهو أصحُّ، وأصحُّ منهما ما أخرجه مسلم عن عليّ، قال: (إنّـه لعهد النبيّ الأُمّـيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إليَّ: إنّـه لا يحبّـك إلاّ مؤمن، ولا يبغضـك إلاّ منافـق) ".

انظر: سـير أعلام النبلاء 17 / 169.

2- والإسكافي، المتوفّى سـنة 240 هـ، هو أوّل من نقض بكـتابه " نقض العثمانية " كتابَ " العثمانية " للجاحظ، وقد أورد ابنُ أبي الحديد مقاطع كـثيرة منه في كتابه.

انظر: شرح نهج البلاغة 13 / 215 ـ 295.

ومن الّذين نقضوا كـتاب الجاحظ، السـيّدُ جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن موسى بن طاووس، المتوفّى سـنة 673 هـ، بكـتابه " بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية "، وهو مطبـوع بتحقيق السـيّد عليّ العدناني الغريفي، ونشر مؤسّـسـتنا.


الصفحة 435
ونقلنـا كلمة منها في المبحـث السابق(1).


هَيْهاتَ لا تَتَكَلَّفَنَّ ليَ الهَوىفَضَحَ التطبّعَ شِيمةُ المَطبوعِ(2)

وممّا ذكرنا يُعلم أنّه يُشـترط في حبِّ عليّ (عليه السلام) الحقيقي بغضُ أعدائـه.


*  *  *

____________

1- راجع الصفحتين 419 ـ 420 من هذا الجزء.

2- البيت للشريف الرضي، من الكامل، من قصيدة في الغزل، مطلعها:


يا صاحبَ القلبِ الصحيحِ أَمَا اشـتفىألَمُ الجَوى مِن قلبيَ المَصدوعِ؟!

انظر: ديوان الشريف الرضي 1 / 652.


الصفحة 436

شرفُ زوجتِه وأولادِه


قال المصنّـف ـ أعلى الله درجته ـ(1):

المطلب الثاني: في زوجته وأولاده

كانت فاطمـة سـيّدة نساء العالمين زوجتَـه..

قال ابن عبّـاس: " لمّا زفّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة (عليها السلام) كان قدّامَها، وجبرئيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك من ورائها، يسـبّحون الله ويقـدّسونه حتّى طلع الفجر "(2).

فانظر ـ أيّها العاقل! ـ كيف يروي الجمهور هذه الروايات، ويظلمونها، ويأخذون حقّها(3)، ويكسرون ضلعها، ويجهضون ولدها من

____________

1- نهج الحقّ: 254.

2- انظر: تاريـخ بغـداد 5 / 7 رقم 2354، مناقـب الإمام عليّ (عليه السلام) ـ للخوارزمي ـ: 341 ـ 342 ح 362، مقتل الحسـين (عليه السلام) ـ للخوارزمي ـ: 108 ح 41، ذخائر العقبى: 73، فرائد السمطين 1 / 96 ح 65، مناقب آل أبي طالب 3 / 402.

3- انظر: صحيح البخاري 4 / 177 ـ 178 ح 2 و ج 5 / 91 ح 207 و ص 288 ح 256 و ج 8 / 266 ح 3، صحيح مسلم 5 / 154 ـ 155، سنن أبي داود 3 / 142 ح 2968 و 2969، سنن الترمذي 4 / 134 ـ 135 ح 1608 و 1609، سنن النسائي 7 / 132 ـ 133، مسند أحمد 1 / 4 و 6 و 9 و 10، مسند أبي يعلى 1 / 45 ح 43، المعجم الأوسط 5 / 441 ح 5339، مسند أبي عوانة 4 / 250 ـ 253 ح 6677 ـ 6684، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 7 / 156 ح 4803 و ج 8 / 205 ـ 206 ح 6573، الإمامة والسياسة 1 / 31، فتوح البلدان: 44 ـ 46.


الصفحة 437
بطنهـا(1)!!

فليحذر المقلّد من اتّباع هؤلاء، فإنّ أخذَك منهم باطلٌ قطعاً!


*  *  *

____________

1- انـظـر: الـفَـرق بـيـن الـفِـرق: 133، إثبـات الوصـيّـة: 146، المـلـل والنـحـل ـ للشهرستاني ـ 1 / 51، مناقب آل أبي طالب 3 / 407، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 16 / 281 و 283، فرائد السمطين 2 / 35 ح 371، الخطط المقريزية 2 / 346.


الصفحة 438

وقال الفضـل(1):

ما ذكره من فضائل فاطمـة معلومٌ، محقّقٌ، ثابتٌ..

وما ذكر أنّ الجمهور يروون فضائلها ويظلمونها، فكلام باطل; لأنّه على تقدير صحّـة الظلم عليها، فإنّ الظالمين عليها(2) كانوا جماعةً غير الراوين لفضائلها، فكلامه هذا غير مربوط ولا معقول، كأكـثر كلامه في هذا الكـتاب.


*  *  *

____________

1- إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ: 462 الطبعة الحجرية.

2- كذا في الأصل والنسخة الحجرية، وهو غير غريب من ابن روزبهان، والصواب لغـةً: " لها ".


الصفحة 439

وأقـول:

أراد المصنّف (رحمه الله) بالجمهور: مَن خالفوا أمير المؤمنين (عليه السلام)، سواءً كانوا من الصحابة أم من غيرهم، فتصحّ نسبة الظلم إليهم باعتبار بعضهم، ونسـبة الرواية إليهم باعتبار بعض آخر.

على أنّ الراوين لفضلها ـ إنْ لم يكونوا من الظالمين لها حقيقةً ـ فهم منهم ببعض الوجوه والاعتبارات; كمؤازرتهم لهم، وتعظيمهم، ونصرتهم لهم بالقلم واللسان!

ولنذكر مَن روى حديث سـيادتها لنسـاء العالمين، أو: المؤمنين، أو: أهل الجنّـة، على اختـلاف في ألفاظ الأحاديث، لِيُعلم اسـتفاضتُه عندهم أو تواتـره.

فممّن رواه: البخاري، في باب " مناقب فاطمة "، وأواخر باب " علامات النبـوّة " قبل أبواب فضائل أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بقليـل(1).

ومنهم: مسلم، في باب " فضائل فاطمة "، من طريقين عن عائشة، عن فاطمـة(2).

ومنهم: الحاكم، في " المسـتدرك "، من طريقين عن حذيفة(3)،

____________

1- صحيح البخاري 5 / 54 ـ 55 ح 126 و ص 91 باب " مناقب قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ومنقبة فاطمـة (عليها السلام) " و ص 105 باب " مناقب فاطمـة (عليها السلام)، وقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): فاطمـة سـيّدة نساء العالمين " ولم يورد في البابين المذكورين أيّ حديث يدلّ على سـيادتها للنساء (عليها السلام); فلاحـظ!

2- صحيح مسلم 7 / 143 ـ 144.

3- ص 151 من الجزء الثالث [ 3 / 164 ح 4721 و 4722 ]. منـه (قدس سره).


الصفحة 440
ومن طريق عن أبي سعيد(1)، ومن طريق عن عائشة(2).

ومنهم: الترمذي في باب " مناقب الحسنين " من طريق عن حذيفة، وفي باب " فضل أزواج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) " من طريق عن أُمّ سلمة(3).

ومنهم: ابن عبـد البرّ في " الاستيعاب " من عدّة طرق، عن عائشة، وأبي سعيد، وعمران بن حصين، وأنس، وأبي هريرة(4).

ومنهم: أحمد في " مسـنده "، عن أبي سعيد(5)، وحذيفـة(6)، وعائشة عن فاطمـة(7).

وأخرجه النسائي في " الخصائص " من عدّة طرق، عن عائشة، وأُمّ سلمة، وأبي سعيد، وأبي هريرة(8).

وحكاه في " كنز العمّال " في فضائل فاطمة، عن ابن جرير عن حذيفة(9)، وعن البزّار عن عليّ (عليه السلام)(10)، وابن أبي شيبة عن حذيفة(11).

____________

1- ص 154 من هذا الجزء [ 3 / 168 ح 4733 ]. منـه (قدس سره).

2- ص 156 منه أيضاً [ 3 / 170 ح 4740 أ ]. منـه (قدس سره).

3- سنن الترمذي 5 / 619 ح 3781 و ص 658 ح 3873 و ص 666 ح 3893.

4- الاسـتيعاب 4 / 1894 ـ 1896.

5- ص 64 من الجزء الثالث. منـه (قدس سره).

6- ص 391 من الجزء الخامس. منـه (قدس سره).

7- ص 282 من الجزء السادس. منـه (قدس سره).

8- خصائص الإمـام عليّ (عليه السلام): 98 ـ 101 ح 122 ـ 127، وانظـر: السـنن الكبـرى ـ للنسائي ـ 5 / 145 ـ 147 ح 8512 ـ 8517.

9- ص 102 من الجزء السابع [ 13 / 640 ح 37617 ]. منـه (قدس سره).

10- ص 111 من هذا الجزء [ 13 / 674 ـ 675 ح 37727 ]. منـه (قدس سره).

وانظر: مسـند البـزّار 3 / 102 ح 885.

11- كنز العمّال 13 / 675 ح 37728، وانظر: مصنّف ابن أبي شيبة 7 / 527 ح 3.


الصفحة 441
وحكـاه أيضـاً(1)، عن البـيهقي، وابن ماجـة، والعقيـلي، عن فاطمـة (عليها السلام)..

وابن عساكر(2)..

وابن حبّان في " صحيحه "، عن حذيفة(3)..

وابن أبي شـيبة، عن عبـد الرحمن بن أبي ليلى(4)..

وأبي يعلى والطبراني، عن أبي سعيد(5)..

وابن النجّار والطبراني، عن أبي هريرة(6)..

وفي أكثر هذه الروايات ذكر أنّ " الحسـن والحسـين سـيّدا شـباب أهل الجنّـة ".

وروى الحاكم في " المسـتدرك "(7)، عن ابن عبّـاس: أفضل نساء أهل الجنّة: خديجـة، وفاطمـة، ومريم، وآسـية.

ومثله في " مسـند أحمد " عن ابن عبّـاس(8).

____________

1- ص 218 من الجزء السادس [ 12 / 110 ح 34230 ]. منـه (قدس سره).

وانظر: الاعتقاد على مذهب السلف: 187، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ 6 / 364، سنن ابن ماجة 1 / 518 ح 1621.

2- كنز العمّال 12 / 107 ـ 108 ح 34217، وانظر: تاريخ دمشق 42 / 134.

3- كنز العمّال 12 / 113 ح 34249، وانظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 9 / 55 ح 6921.

4- كنز العمّال 12 / 110 ح 34233، وانظر: مصنّف ابن أبي شيبة 7 / 527 ح 5.

5- كنز العمّال 12 / 115 ح 34260، وانظر: مسند أبي يعلى 2 / 395 ح 195، المعجم الكبير 22 / 403 ح 1005 و ص 418 ـ 420 ح 1031 ـ 1034.

6- كنز العمّال 12 / 117 ح 34274، وانظر: المعجم الكبير 22 / 403 ح 1006.

7- ص 185 من الجزء الثالث [ 3 / 205 ح 4852 ]. منـه (قدس سره).

8- ص 293 ج 1. منـه (قدس سره).


الصفحة 442
وفي رواية أُخرى للحاكم، عن عائشة: سـيّدات نساء أهل الجنّـة: مريم، وفاطمـة، وخديجـة، وآسـية(1).

وروى حديثه الأوّل بسـند آخر عن ابن عبّـاس(2).

وروى الحـديث عن أنس ـ أيضاً ـ من طريقين، بلفظ: " حسـبُك مـن نساء العالمين، مريم، وخديجـة، وفاطمـة، وآسـية "(3).

ومثله في " صحيح الترمذي "، في فضائل خديجـة(4).

وفي " مسـند أحمد "، عن أنـس(5).

وروي في " الاسـتيعاب " بترجمة خديجـة، حديث تفضيل الأربع، من أربعة طرق، عن ابن عبّـاس(6)..

وثلاثة طرق، عن أنـس(7)..

وطريق، عن أبي هريرة(8)..

ورواه بترجمة فاطمـة بطرق أُخـر عن هؤلاء(9).

ورواه جماعة آخرون يطول ذِكرهم(10).

____________

1- المسـتدرك على الصحيحين 3 / 205 ح 4853.

2- ص 160 ج 3 [ 3 / 174 ح 4754 ]. منـه (قدس سره).

3- ص 157 ج 3 [ 3 / 171 ـ 172 ح 4745 و 4746 ]. منـه (قدس سره).

4- سنن الترمذي 5 / 660 ح 3878.

5- ص 135 ج 3. منـه (قدس سره).

6- الاسـتيعاب 4 / 1821 ـ 1823.

7- الاسـتيعاب 4 / 1822.

8- الاسـتيعاب 4 / 1821.

9- الاسـتيعاب 4 / 1894 ـ 1896.

10- انظر: السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 80 ـ 81 ح 8298 و ص 94 ـ 96 ح 8364 ـ 8368، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ 2 / 946 ح 1325 و ص 949 ح 1331 و 1332 و ص 952 ـ 953 ح 1336 ـ 1339، مسند الطيالسي: 196 ـ 197 ح 1373، مصنّف عبـد الرزّاق 11 / 430 ح 20919، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ 8 / 22، مسند عبـد بن حميد: 205 ح 597، أنساب الأشراف 2 / 225، مشكل الآثار 1 / 35 ـ 36 ح 96 ـ 101، حلية الأولياء 2 / 42 و ج 4 / 190، تاريخ بغـداد 9 / 404 رقم 5008، مصابيح السُـنّة 4 / 184 ح 4798.