الصفحة 391
[ يبور ] الدين لكنّا قد غيّرنا ذلك ما استطعنا "(1)، فهو (عليه السلام) يفسّر الفُرقة بمعنى اختلاف المسلمين عن الدين باختيار جملة منهم الخروج عن الإسلام واعتناق الكفر أو ديانة أُخرى..

وبيانه (عليه السلام) هذا يفسّر قول هارون (عليه السلام): ( إنّي خشِيتُ أن تقولَ فرّقْتَ بين بني إسرائيلَ ولم ترقُبْ قَوْلي )(2)، أنّه بمعنى تفرّق بني إسرائيل عن دين النبيّ موسى (عليه السلام) لو اصطدم هارون معهم بالسلاح أو قاطعهم بمفارقتهم والخروج عنهم، وهذا يوجب شدّة تعصّبهم وارتدادهم عن دين موسى (عليه السلام) ; إذ أنّ عبادتهم للعجل بتسويل السامري كانت بخداعه أنّ ذلك من شرع موسى (عليه السلام): ( فأخرجَ لهم عجلا جسداً له خُوارٌ فقالوا هذا إلهُكم وإله موسى فنسي )(3).

أمّا السبّ، فقد تقدّم افتراقه عن اللعن ; إذ هو الفحش من القول القذر الذي يمارسه حثالى وأسافل الناس، قال تعالى: ( ولا تسُبّوا الّذين يدعون من دون الله فيسُبّوا اللهَ عدْواً بغير علم )(4)، وهو يفترق عن ذكر حقائق الأُمور والأحداث الواقعة في تاريخ المسلمين، فالسبّ لا يرتبط بها، وخلط العناوين مثار مغالطة..

قال عليّ (عليه السلام) ـ وقد سمع قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشام أيام حربهم بصفّين ـ: " إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم

____________

1) الأمالي ـ للشيخ المفيد ـ: 154 ـ 156 ح 6.

2) سورة طه 20: 94.

3) سورة طه 20: 88.

4) سورة الأنعام 6: 108.


الصفحة 392
مكان سبّكم: اللّهمّ احقنْ دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتّى يعرف الحقّ مَن جهله، ويرعوي عن الغي مَن لهج به "(1).

فتراه (عليه السلام) في الوقت الذي ينهى عن السبّ، يحثّ على وصف أعمالهم وذكر حالهم، أي استعراض حقائق الأُمور وما عليه أهل الباطل من رداءة العمل ورذيلة الحال، وبيّن (عليه السلام) الغاية من ذلك: " حتّى يعرف الحقّ مَن جهله " أي: ليتبيّن طريق الحقّ وأهله وطريق الباطل وأهله، وتفيق الأجيال من رقدتها وسباتها، وتبصر الحقّ والهدى، ولا يصيبها العمى والهذيان، " ويرعوي عن الغي والعدوان مَن لهج به " أي: ينقطع المسلمون السالكون طريق الغي والعدوان، ولئلاّ يُدعوْن إلى ذلك الطريق الضال..

قال ابن أبي الحـديد ـ في ذيل الخطبة في شـرح النهج ـ: " الذي كرهه (عليه السلام) منهم أنّهم كانوا يشتمون أهل الشام، ولم يكن يكره منهم لعنهم إيّاهم "(2).

كما أنّه (عليه السلام) يبيّن قواعد وضوابط الوحدة الإسلامية، بقوله (عليه السلام): " اللّهمّ احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتّى يعرف الحقّ... " ; فالقاعدة الأُولى هي: حقن الدماء وسيادة الأمن بين طوائف المسلمين..

____________

1) نهج البلاغة: خطبة 206 ; ومن الأمانة عند بعضهم أن يورد هذه الخطبة مقتطعاً منها ما يروق له، وينقلها بهذه الصورة: " إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو قلتم مكان سبّكم إيّاهم: اللّهمّ احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم... كان أصوب في القول ". فحذف الوسط والذيل وأخّر جملة: [ كان أصوب في القول ]. " هفت آسمان "، عدد 12 ـ 13 ص 217.

2) شرح نهج البلاغة 21 / 11.


الصفحة 393
والقاعدة الثانية: إنّ إصلاح ذات البين بين طوائف المسلمين يجب أن يكون على مسير الهداية والحقيقة والابتعاد عن الضلال، ولغاية معرفة الحقّ ورجوع صاحب الغي عن غيّه ورجوع صاحب العدوان عن اعتدائه وصاحب الدعوة الضالّة عن ترويجه للضلال.

وكلامه (عليه السلام) طبق هدى الآية: ( وإنْ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإنْ بَغَتْ إحداهما على الأُخرى فقاتلوا التي تَبْغي حتّى تفيءَ إلى أمر الله فإنْ فاءَتْ فأصلحوا بينهما بالعدل وأقْسِطوا إنّ الله يُحبُّ المقسطين )(1).

فقد دلّت الآية على أنّ إصلاح ذات البين ورفع اختلاف المسلمين ووحدتهم يجب أن يرسو على العدل والقسط والحقّ والهدى، لا على الظلم وإغماط الحقّ، وأنّ الإصلاح والوحدة يجب أن تكون على أساس الفيء والرجوع إلى أمر الله تعالى، لا إلى الأهواء والميول والضلالات.

ثمّ إنّ في الآية الناهية عن سبّ الّذين يدعون من دون الله نكتة ظريفة، وهي: أنّ علّة النهي هي تمادي أهل الضلال في ضلالهم وغيّهم وابتعادهم عن سبيل الله، ولم يعلل النهي بترك مباغضة المؤمنين لأهل الضلال والتبرّي من غيّهم، ولو على مستوى القلب أو على مستوى السلوك الداخلي في ما بين المؤمنين، كما أنّ مورد آية النهي عن السبّ هو صعيد التعامل مع أهل الضلال، وصعيد دعوتهم للهداية.

وحيث اتّضح الفرق بين السبّ واللعن موضوعاً، فالمناسب الإشارة إلى حكم اللعن للظالمين والمعتدين، فإنّه خُلق إلهي، استعرضه القرآن

____________

1) سورة الحجرات 49: 9.


الصفحة 394
الكريم في ما يزيد على الثلاثين مورداً في السور القرآنية(1)، وكذلك هو خُلق الأنبياء، كما في قوله تعالى في آية المباهلة: ( ثمّ نبْتَهِلْ فنجعلْ لعْنَتَ الله على الكاذبين )(2)، وقوله تعالى: ( لُعنَ الّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون )(3)..

بل في قوله تعالى: ( إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّنّاه للناس في الكتاب أُولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون )(4) دعوة وندب إلى التبرّي من الكاتمين لحقائق الدين والشرائع ولهداية السماء بتوسّـط اللعن هذا، فضلا عن عشرات الموارد التي لعن فيها سـيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) أشخاصاً بأسمائهم، مثل لعنه أصحاب العقبة وأبي سفيان في سبعة مواطن(5)، ولعن رسول الله قاتل الحسين (عليه السلام)، كما رواه الفريقان(6)..

وقد قال: سعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية: " وإنّما اختلفوا

____________

1) سورة البقرة 2: 89، سورة النساء 4: 46 و 47 و 93 و 118، سورة المائدة 5: 13 و 60، سورة الأحزاب 33: 64، وغيرها ; فلاحظ مادّة " ل ع ن " في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.

2) سورة آل عمران 3: 61.

3) سورة المائدة 5: 78.

4) سورة البقرة 2: 159.

5) الخصال: 397 ـ 398 ح 105.

6) تاريخ بغداد 3 / 290، أُسد الغابة 2 / 22 ; ولاحظ ما رواه في الدرّ المنثور 4 / 191 من الروايات في ذيل الآية: (والشجرة الملعونة)، وما رواه الخوارزمي في مقتل الحسين 1 / 176، وابن عساكر في تاريخ دمشق 4 / 339، وابن حجر في لسان الميزان 5 / 377، والسيوطي في ذيل اللآلئ: 76.


الصفحة 395
في يزيد بن معاوية ; حتّى ذكر في الخلاصـة وغيرها: أنّه لا ينبغي اللعن عليه ولا على الحجّاج ; لأنّ النـبيّ صلّى الله عليه [ وآلـه ] وسلّم نهى عن لعن المصلّين ومَن كان من أهل القبلة، وما نقل عن لعن النبيّ صلّى الله عليه [ وآلـه ] وسلّم لبعض مـن أهل القبلة فلِما أنّـه يعلم من أحوال الناس ما لا يعلمه غيره.

وبعضـهم أطلق اللعـن عليه لِما أنّـه كفر حـين أمر بقتل الحسين رضي الله عنه، واتّفقوا على جواز اللعن على مَن قتله، وأمر به، وأجازه، ورضي به.

والحقّ أنّ رضا يزيد بقتل الحسين رضي الله عنه، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم، ممّا تواتر معناه، وإن كان تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقّف في شأنه بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه "(1).

ولا يخفى أنّ المناط والضابطة التي ذكرها التفتازاني تنطبق على كثير ممّن عادى أهل بيت النبوّة.

وقال الغزّالي: " الصفات المقتضية للّعن ثلاثة: الكفر والبدعة والفسق "(2).

وقد ألّف أبو الفرج ابن الجوزي كتاباً في لعن يزيد سمّاه: الردّ على المتعصّب العنيد المانع من ذمّ يزيد، ونسب فيه اللعن إلى العلماء الورعين(3).

____________

1) شرح العقائد النسفية ـ بتحقيق محمّـد عدنان درويش ـ: 247 ـ 248.

2) إحياء علوم الدين 3 / 106.

3) الردّ على المتعصّب العنيد: 13.


الصفحة 396
كما حكى القاضي أبو يعلى الفرّاء في كتاب المعتمد عن أحمد بن حنبل ـ وكذا الشبراوي(1) في الإتحاف ـ أنّه جوّز لعن يزيد(2)، واستدلّ بقوله تعالى: ( فهل عسيْتُم إن تولّيْتُم )(3).

وحكى الدمـيري(4) ذلك عن أبي حنيفة ومالك وأحمد.

ومثله ابن كثير(5)، والطبري(6)، والآلوسي(7).

وحكي كذلك عن الحنفية(8).

وقد وقع أهل السُـنّة في حيص بيص من لعن النبيّ جماعة بأسمائهم، فأخذوا في توجيه ذلك بما يضحك الثكلى(9) مع أنّهم رووا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يلعنهم في صلاته ويقنت عليهم(10).

وروى الحاكم عن عائشة أنّه قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " ستّة لعنتهم، لعنهم الله وكلّ نبيّ مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذّب بقدر الله تعالى، والمتسلّط بالجبروت ; فيُعزّ بذلك مَن أذلّ الله ويُذلّ مَن أعزّ الله، والمستحلّ لحرم الله، والمستحلّ من عترتي ما حرّم الله، والتارك

____________

1) الإتحاف بحبّ الأشراف: 64.

2) الردّ على المتعصّب العنيد: 16 ـ 17.

3) سورة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) 47: 22.

4) حياة الحيوان 2 / 175.

5) البداية والنهاية 8 / 154 و 163 و 179.

6) تاريخ الطبري 4 / 537.

7) روح المعاني 26 / 73.

8) الدرّ المنتقى 1 / 692، فيض القدير 1 / 205 ; ولاحظ الكثير من المصادر الأُخرى في نشرتنا هذه " تراثنا " العدد 50 ـ 51، لسنة 1418 هـ، ص 191 ـ 253.

9) لاحظ: الانتصار ـ للعاملي ـ 3 / 110 ـ 112.

10) صحيح البخاري 5 / 35 باب: ليس لك من الأمر شيء.


الصفحة 397
لسُـنّتي "(1).

وقال المحقّق الكركي في نفحات اللاهوت: " لا ريب أنّ اللعن هو الطرد والإبعاد من الرحمة، وإنزال العقوبة بالمكلّف، وكلّ فعل أو قول اقتضى نزول العقوبة بالمكلّف من فسق أو كفر فهو مقتضي لجواز اللعن "(2).

نعم هذا حكم اللعن للظالمين والمعتدين في نفسه أو في الوسط الداخلي، وأمّا أُسلوب دعوة الآخرين وإرشادهم فلا ريب أن يُتحرّى فيه ما لا يثير عصبية الطرف الآخر، كما ينبغي الالتفات إلى فلسفة اللعن في نفسه أو في الوسط الداخلي ; إذ أنّه مصداق لطبيعة التولّي والتبرّي، التي مرّ أنّها فريضة قرآنية اعتقادية، كما أنّه مصداق لطبيعة إنكار المنكر ـ ولو بالقلب واللسان ـ وكراهة الباطل، وبالتالي فإنّه أُسلوب تربوي للنفوس يقيمها على الحقّ ويبعدها عن استحسان الباطل، فإنّه من أكبر الأدواء في المجتمعات استنكار الحقّ واستحسان الباطل والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.

وقال (عليه السلام) في خطبة له: " وإنّي لعالِم بما يُصلحكم ويُقيم أودكم ولكنّي لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي "(3)..

وهذا أصل بالغ الأهمّية لطريقة إصلاح الآخرين: أن لا تكون على حساب فساد المصلح نفسه ; فقد يداري المصلح الطرف الآخر لدرجة يضيّع فيها على نفسه وطائفته موقف الثبات على الحقّ، ويؤدّي إلى ذوبانه

____________

1) المستدرك على الصحيحين ـ للحاكم ـ 1 / 91 ح 102.

2) نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت: 44 ـ 45.

3) نهج البلاغة: خطبة 69.


الصفحة 398
في الباطل والانحراف باسم المداراة للإصلاح، وبادّعاء أنّ الإصلاح قد يستلزم تخلّي الطائفة المحقّة عن بعض مبادئها وضرورياتها لتربية الطائفة نفسها.

إنّ لمعرفة الأهمّية البالغة للأمر بالمعروف والحقّ والنهي عن المنكر والباطل دور كبير في ثبات هوية المجتمع الديني، ونظامه الاجتماعي، وحصانته أمام الغزو الثقافي والعقائدي الأجنبي الدخيل، الموجب للتحلّل الخلقي ولعدم التزام أفراد المجتمع تجاه مقدّسات الملّة والأُمّة والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم..

الوحدة وشعائر المذهب:

وهذه الوظيفة التي تؤدّيها فريضة التولّي والتبرّي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ من إيجاد الغيرة الدينية وحسّ المسؤولية الاجتماعية الدينية ـ تتأدّى بآليات عديدة، عمدتها الشعائر الدينية، ومن هنا يُتفطّن لأهمّية الشعائر وعدم التفريط بها، ولا سيّما الشعائر الإيمانية المذهبية ; فإنّ التفريط بها يوجب التفريط بكيان المذهب وذوبانه أمام هوية المذاهب الإسلامية الأُخرى، القائمة على فـقه واعتقادات السلاطين، المصنوعة من سياسات السلطات الحاكمة، كالجبرية، والقدرية، والمجسّمة، واجتهاد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالظنّ وإلقاء الشيطان في أُمنيّته، وأنّ يد الله ـ والعياذ بالله ـ مقطوعة عن الأرض، ومشروعية ولاية الحاكم المتغلّب بالقوّة، وإطلاق الاجتهاد بالرأي، والتأوّل، والقياس، والاستحسان، وغيرها من الأُصول، ويؤكّد علماء الاجتماع كذلك على أهمّية الشعائر ـ الطقوس ـ الدينية وفلسفتها.


الصفحة 399
ونظير الخلط السابق بين العناوين، الخلط في الموازنة بين إقامة الشعائر الإيمانية وبين عنوان التقية، مع أنّ موضوع التقية " الخوفية " حيث لا سلطة قائمة للمؤمنين، وكونهم أقلّية قليلة ونحو ذلك، أو الخلط بين التقية " المداراتية " وبين إقامة المعرفة الحقّة في نفوس أبناء الطائفة ; فإنّ التقية إنّما شُرّعت لحفظ الحقّ وأهله لا لطمسهما في المجتمع.

الوحدة وطوائف الشـيعة:

وإنّ التساؤل الجادّ المطروح في مشروع سياسة الوحدة هو عن الاهتمام ببقيّة طوائف ومذاهب الشيعة غير الإمامية ـ كالإسماعيلية والزيدية ومذهب العلويّين ـ نظير الاهتمام بالطوائف السُـنّية، مع أنّ الملاحظ قلّة العناية بهم، بل اللازم أولوية الاهتمام بهم لعدّة أسباب:

الأوّل: إنّ تحالفهم السياسي مع الطائفة مضمون ; نظراً لقرب أُصولهم الاعتقادية لنا.

الثاني: قوّة وأقربيّة احتمال هدايتهم بالمقارنة مع الطوائف السُـنّية.

الثالث: كبر حجمهم العددي والخطورة الاستراتيجية لأماكن تواجدهم.

فالعلويّون ـ مثلا ـ يصل تعدادهم في جنوب تركيا إلى 13 مليون نسمة حسب الإحصائيات الرسمية، ولكن بعض التقارير المحلية تصل بعددهم إلى 22 مليون نسمة، فضلا عن تواجدهم في سوريا ولبنان وشمال العراق.

ومثلهم الإسماعيلية، فهم منتشرون في لبنان وسوريا والعراق

الصفحة 400
وأفغانستان وپاكستان والهند واليمن، وفي جنوب السعودية يشكّلون الأكثرية في المحافظات الجنوبية، والغريب أنّه في مؤتمرات الوحدة لم توجّه إلى الآن ـ حسب ما قيل ـ أي دعوة لعلماء الإسماعيلية في سوريا أو في المناطق الأُخرى، والظاهر أنّ الحال كذلك بالنسبة إلى العلويّـين ; إذ لم توجّه لهم دعوة.

وأمّا الزيدية فهم الأكثرية في اليمن.

وكذلك الحال بالنسبة إلى الأشراف السادة من نسل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فإنّ انتشارهم في الأصقاع كوثر كاثر، ولهم نقابات في أكثر البلدان، وهم على محبّة وولاء قلبي لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أشـدّ من غيرهم..

ففي بلاد المغرب العربي والجزائر وتونس ما يقرب من 5 ملايين حسني، فضلا عن مصر وليبيا، وكذلك في المدينة المنوّرة ومكّة المكرّمة وأندونسيا.

والحاصل قلّما يخلو بلد من البلدان الإسلامية من هذا النسل الطيّب، وهم أوْلى بإقامة الجسور معهم من أتباع بني أُمية ومروان، بل إنّ صوفية السُـنّة وفرقهم أوْلى بإقامة العلاقة معهم من بقية طوائف السُـنّة ; إذ أنّ غالبيّتهم يعتقدون باطناً بإمامة الاثني عشر (عليهم السلام)، ولذلك تتخوّف الطوائف السُـنّية الظاهرية الرسمية منهم.

والحاصل: إنّ سياسة الوحدة لم تبن على بصيرة منهجية، آخذة في عين الاعتبار درجات وأقسام الطوائف الإسلامية الموجودة، وإرساء منهج يستند على أولويات مدروسـة.

وكم فرق بين مَن يُبطن المحبّة لك وبين مَن يُبطن العداوة والبغضاء ;

الصفحة 401
قال تعالى: ( يا أيُّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا بطانةً من دونكم لا يأْلونَكم خبالا ودّوا ما عنتّم قد بدت البغضاءُ من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبرُ قد بيّنّا لكم الآياتِ إنْ كنتم تعقلون * ها أنتم أُولاءِ تحبّونهم ولا يحبّونكم وتؤمنون بالكتاب كلّه... )(1)..

وقال تعالى: ( كيف وإن يظهروا عليكم لا يَرْقُبوا فيكم إلاًّ ولا ذمّةً يُرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم... )(2).

ولا يخفى أنّ الآيات المزبورة ليست في صدد تخشين العلاقة الخُلقية مع الآخرين المتّصفين بذلك كي يُتوهّم معارضتها بنظير قوله تعالى: ( وقولوا للناس حسناً )(3)، وقوله تعالى: ( ادفَعْ بالتي هيَ أحسنُ السيئةَ )(4)، بل هي في صدد بيان سياسة الانفتاح وبناء العلاقات الأساسية المعتمدة لبناء خطوات المستقبل من التحالفات في المجالات المختلفة.

الوحدة وحديث الفرقة الناجية:

إنّ الحديث المتواتر بين الفريقين عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّ أُمّتي ستفترق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية واثنتان وسبعون في النار "(5) يلزم الباحث المسلم الطالب للنجاة الأُخروية الفحص عن خصوص تلك الفرقة الناجية، والتمسّك بها دون بقية فرق المسلمين ; لأنّ

____________

1) سورة آل عمران 3: 118 ـ 119.

2) سورة التوبة 9: 8.

3) سورة البقرة 2: 83.

4) سورة المؤمنون 23: 96.

5) بحار الأنوار 28 / 2 ـ 36.


الصفحة 402
مؤدّى الحديث النبوي أنّ الاختلاف الواقع ليس في دائرة الظنون والاجتهاد المشروع، بل هو في دائرة الأُصول والأركان من الأُمور القطعية واليقينية، أي ممّا قام الدليل القطعي واليقيني عليها، وإن لم تكن ضرورية في زمن أو أزمان معيّنة نتيجة التشويش أو التعتيم الذي تقوم به الفرق الأُخرى.

والحـديث ـ مضافاً إلى كونه ملحـمة نـبوية ـ يحدّد معالم الوحدة التي يجب أن تقيمها الأُمّة الإسلامية بأن تكون على منهاج الحقّ والهدى الذي تسير عليه الفرقة الناجية، وإنّ الأُمّة وإن اشتركت في الإقرار بالشهادتين والانتماء إلى الملّة الواحدة إلاّ أنّ ذلك لا يعدو الأحكام بحسب ظاهر الإسلام في النشأة الدنيوية، إلاّ أنّها مفترقة بحسب واقع الإسلام والإيمان الذي به النجاة الأُخروية ; فهناك ديانة بحسب إقرار اللسان تترتّب عليها أحكام المواطنة في النظام الاجتماعي السياسي، وهناك ديانة بحسب القلب والأعمال تترتّب عليها أحكام الآخرة من النجاة من النار وإعطاء الثواب.

وهذه الأُمور المستفادة من الحديث الشريف المتواتر إنّما هي بلحاظ الإنسان البالغ العاقل المكلّف، الذي قد اجتمعت فيه شرائط التكليف، أمّا الصبي والمجنون والجاهل القاصر أو المعتوه أو الأبله وحديث العهد بالإسلام ونحوهم ممّن لم تقم عليه الحجّة وتتمّ شرائط التكليف لديه، فهم معذورون، وعاقبة المعذور ـ كما سيأتي ـ موقوفة على المشيئة الإلهية الأُخروية، التي فُسّرت في الروايات بإقامة امتحان إلهي له يوم القيامة إن أطاع فيه نجا وإن عصى هلك.

وقـد أُطلق على أفراد المعـذور في الكتاب والسُـنّة عدّة تسميات،

الصفحة 403
كـ: ( المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا )(1)، و ( مُرْجَوْن لأمر الله )(2)، و ( أصحاب الأعراف )(3)، والّذين ( خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً )(4)، و ( المؤلّفةِ قلوبُهُم )(5)، وأُطلق عليهم أيضاً: " الضلاّل "، بمعنى: الضالّ " القاصر " ; إذ هذا أحد معانيه، وإلاّ فهو يطلق على " المقصّر " المخلّد في النار أيضاً..

لذلك لا مفرّ لهذا الإنسان ـ المكلّف المختار ـ ولا مخلص ولا نجاة له إلاّ بالفحص عن الفرقة الناجية من فرق المسلمين، وليس له أن يتعامى عن عمد ويسلك طريق الضلال والغواية ويرجو مع ذلك النجاة، كما أنّ البحث الجادّ بين فرق المسلمين في إطار الوحدة لا بُدّ أن يُتحرّى فيه ـ بمقتضى الحديث الشريف والتوصية النبوية ـ عن الحقّ الذي تسلكه الفرقة الناجية لكي تتّبعها بقيّة الفرق، فإنّ منهاج الهدى لا يرسم بضلال القاصر المستضعف.

ولكي تتمّ الفائدة من هذا الحديث المتواتر ـ حديث الفرقة الناجية ـ الذي أقرّت بمضمونه جلّ فرق المسلمين، نذكر بعض النقاط التالية:

____________

1) سورة النساء 4: 98.

2) سورة التوبة 9: 106.

3) سورة الأعراف 7: 48.

4) سورة التوبة 9: 102.

5) سورة التوبة 9: 60.


الصفحة 404

الأُولى:

إنّ الكلام في النجاة في الحديث الشريف هو بحسب الاستحقاق والامتثال، لا بحسب الشفاعة والشفقة الإلهية والرحمة الواسعة، أي بحسب ما يلزمه حكم العقل باتّباع الأدلّة والبراهين الشرعية والعقلية الأولية، فإنّ العقل يوجب التجنّب عن التعرّض للسخط الإلهي واحتمال العقوبة الأُخروية، وإن لم يكن بين استحقاق العقوبة ووقوعها تلازم ; لاحتمال الشفاعة ونحوها، فإنّ التعرّض لمثل العقوبة الأُخروية التي أشفقت منها السماوات والأرض يعدّ من الإلقاء في الهلكة، هذا فضلا عن الأصناف الأُخرى لحكم العقل من وجوب شكر المنعم وقبح التمرّد والطغيان على المولى، وغيرها من أنماط حكم العقل والفطرة.

الثانية:

إنّ المقصود من النجاة في الحديث الشريف هو النجاة من الدخول في النار ومن ذوق حريق العذاب، لا في النجاة من الخلود فيها ومن دوام العذاب ; فإنّ آراء المتكلّمين تكاد تتّفق أنّ الخلود للجاحدين وأهل العناد، سواء كان الجحود في توحيد الذات أو الصفات، أو في التشريع والرسالة، أو في الولاية والإمامة، أو في الغاية والمعاد، ونحوها من أُصول الاعتقاد..

وبعبارة أُخرى: إنّ مفاد الحديث في دخول الجنّة عند الحساب والميزان، لا في دخول الجنّة بعد أحقاب من العذاب في النار.

الثالثة:

إنّ معذورية أفراد المعذور ـ كما يأتي ـ لا يعني تنجّز نجاته بل هي مرهونة بالمشيئة الإلهية، والتي فُسّرت في عدّة من الأخبار بالامتحان، كما

الصفحة 405
لا يعني أنّ مسار هؤلاء هو طريق هدى بل مفروض العذرية تخبّط المعذور في الضلال والغواية، فلا تلازم بين العذرية والأمان ولا بينها وبين ضمان النجاة، ولا بينها وبين اتّخاذ خطأ وضلال المعذور منهاجاً يتبجّح به. وسيأتي أنّ في الروايات ما يدلّ على أنّه يبيّن الحقّ لأفراد المعذور في امتحان يوم القيامة.

الرابعة:

إنّ هناك جملة من الآيات والأحاديث النبوية المستفيضة والمتواترة الأُخرى الدالّة على مفاد حديث الفرقة الناجية نفسه، لكن بألفاظ مختلفة ودلالات متعدّدة التزامية ومطابقية..

منها: " مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية "(1) ; وفي بعض الطرق: " وليس في عنقه بيعه لإمام زمانه "(2)، ونحو ذلك.

ومنها: "مثل أهل بيتي كسـفينة نوح، مَن ركبها نجا ومَن تركها هلك "(3).

ومنها: ذيل حديث الثقلين ; ومفهومه: " ما إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا أبداً ".

____________

1) دعائم الإسلام 1 / 27، قرب الإسناد: 351 ضمن ح 1260، المحاسن 1 / 251 ـ 252 ح 474 و ح 476.

2) صحيح مسلم 3 / 1478 ح 1851، المعجم الكبير 19 / 334 ح 769، سُنن البيهقي 8 / 156.

3) المناقب ـ للكوفي ـ 1 / 296 ح 220 و 2 / 146 ح 624، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)2 / 27 ح 10، المسترشد ـ لابن جرير الطبري ـ: 260 ذيل ح 73 و 578 ح 250، مسند البزّار 9 / 343 ح 3900.


الصفحة 406
وغيرها من الأحاديث النبوية الواردة في عليّ (عليه السلام) وأهل بيته.

الخامسة:

قد وردت جملة من الروايات المستفيضة في امتحان أقسام المعذور يوم القيامة، منها: صحيحة هشام ; عن أبي عبـد الله (عليه السلام): سُئل عمّن مات في الفترة ـ أي في زمان انقطاع الرسل وغياب الحجّة ـ وعمّن لم يدرك الحنث ـ أي البلوغ ـ والمعتوه، فقال: " يحتجّ الله عليهم يرفع لهم ناراً فيقول لهم: ادخلوها، فمَن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن أبى قال: ها أنتم قد أمرتكم فعصيتموني "(1).

وفي صحـيحة أُخرى قال (عليه السلام): " ثلاثة يحتجّ عليهم: الأبكم، والطفل، ومن مات في الفترة، فيرفع لهم نار فيقال لهم: ادخلوها، فمَن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومَن أبى قال تبارك وتعالى: هذا قد أمرتكم فعصيتموني "(2).

وفي بعض الروايات: " إنّ أولاد المشركين خدم أهل الجنّة "(3).

ومنها: صحـيح زرارة ; قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): هل سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الأطفال؟ فقال: " قد سئل فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين "..

ثمّ قال: " يا زرارة! هل تدري ما قوله الله أعلم بما كانوا عاملين؟! "

____________

1) الكافي 3 / 249 ح 6، بحار الأنوار 5 / 292 ح 14.

2) الكافي 3 / 249 ح 7، بحار الأنوار 5 / 293 ح 15.

3) المعجم الكبير 7 / 295 ح 6993، حلية الأولياء 6 / 308، بحار الأنوار 5 / 291 ح 5.


الصفحة 407
قلت: لا. قال: " لله عزّ وجلّ فيهم المشيئة ; إنّه إذا كان يوم القيامة أُتي بالأطفال، والشيخ الكبير الذي قد أدرك السن [ النبيّ ] ولم يعقل من الكبر والخرف، والذي مات في الفترة بين النبيّين، والمجنون، والأبله الذي لا يعقل، فكلّ واحد يحتجّ على الله عزّ وجلّ، فيبعث الله تعالى إليهم ملكاً من الملائكة ويؤجّج ناراً فيقول: إنّ ربّكم يأمركم أن تثبوا فيها. فمَن وثب فيها كانت عليه برداً وسلاماً، ومَن عصاه سبق إلى النار "(1).

وهناك جملة عديدة من الروايات، فلاحظها في محالّها(2)، كما أنّ هناك جملة أُخرى من الروايات دالّة على دخول أطفال المشركين مع آبائهم في النار، لكنّها محمولة على عصيانهم في الامتحان.

وفي رواية لزرارة، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) ـ وأنا أُكلّمه في المستضعفين ـ: " أين ( أصحاب الأعراف )؟! أين المرجون لأمر الله؟! أين الّذين ( خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً )؟! أين ( المؤلّفة قلوبهم )؟! أين أهل تبيان الله؟! أين ( المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا )؟! ( فأُولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوّاً غفوراً )(3) "(4)..

وتعبـيره (عليه السلام) عـن أفراد المعـذورين بـ: " أهل تبيان الله " لعلّ المراد به أنّه يبيّن تعالى لهم الهدى من الضلال في الامتحان المقام لهم عند الحساب.

____________

1) الكافي 3 / 248 ح 1، معاني الأخبار: 407 ح 86، بحار الأنوار 5 / 290 ح 3.

2) الكافي 3 / 248 ـ 249 ح 1 ـ ح 7، بحار الأنوار 5 / 288 ـ 297 ح 1 ـ ح 22.

3) سورة النساء 4: 99.

4) تفسير العيّاشي 1 / 269 ح 246، بحار الأنوار 72 / 164 ح 23.


الصفحة 408

السادسة:

هناك جملة أُخرى من الروايات يظهر منها دخول أفراد المعذور إلى الجنّة، ولكنّها محمولة ومقيّدة بامتحانهم وطاعتهم فيه، ومن ثمّ نجاتهم، كما تقدّم حمل جملة من الروايات الواردة في دخول أطفال المشركين النار على عصيانهم في الامتحان ; بمقتضى العديد من الروايات المستفيضـة المفصّلة المقيّدة لدخول الجنّة أو النار بالامتحان عند الحساب..

منها: صحيح زرارة ; قال: دخلت أنا وحمران ـ أو: أنا وبكير ـ على أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: إنّا نمدّ المطمار؟ قال: " وما المطمار؟! " قلت: التُتر، فمَن وافقنا من علوي أو غيره تولّيناه، ومَن خالفنا من علوي أو غيره برئنا منه..

فقال: " يا زرارة! قول الله أصدق من قولك ; فأين الّذين قال الله عزّ وجلّ: ( إلاّ المستضعفينَ من الرجال والنساء... )؟! أين المرجون لأمر الله؟! أين الّذين ( خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً )؟! أين ( أصحاب الأعراف )؟! أين ( المؤلّفة قلوبهم )... ".

وزاد فيه جميل، عن زرارة: فلمّا كثر بيني وبينه الكلام قال: " يا زرارة! حقّاً على الله أن [ لا ] يدخل الضلاّل الجنّة "(1) ; بناءً على نسخة بدون " لا " النافية..

وفي رواية العيّاشي: " يا زرارة! حقّاً على الله أن يدخلك الجنّة "(2).

____________

1) الكافي 2 / 282 ح 3، كتاب الإيمان والكفر: باب أصناف الناس.

2) تفسير العيّاشي 2 / 93 ح 74، بحار الأنوار 72: 164 ـ 165 ح 26.


الصفحة 409
وصدر الرواية قد روي بطرق متعدّدة، وموردها في الأصل أنّه (عليه السلام)سأل زرارة: " متأهّل أنت؟! "، فقال: لا. ثمّ ذكر زرارة أنّه لا يستحلّ نكاح هؤلاء فذكر (عليه السلام) أنّ المستضعفين لا زالوا على الولاء، لا ولاء الإيمان بل ولاء ظاهر الإسلام من المناكحة وحلّية ذبيحتهم و... ففي رواية لحمران عنه (عليه السلام): " هم من أهل الولاية... أما إنّها ليست بولاية في الدين ولكنّها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة، وهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكفّار، وهم المرجون لأمر الله عزّ وجلّ "(1).

والحاصل أنّ هذه الرواية ومثيلاتها محمولة على النجاة ـ ومقيّدة لها ـ بالطاعة عند الامتحان في الحساب مع تبيان الحقّ لهم واختيارهم له ; لما مرّ من روايات مستفيضة دالّة على ذلك مضافاً إلى كون مثل هذه الروايات متعرّضة إلى أحكام الحياة الاجتماعية مع هؤلاء..

ومثل هذا التقييد في صحيح ضريس الكناسي: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: جعلت فداك، ما حال الموحّـديـن المقـرّين بنبوّة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) من المسلمين المذنبين، الّذين يموتون وليس لهم إمام ولا يعرفون ولايتكم؟

فقال: " أمّا هؤلاء فإنّهم في حفرهم لا يخرجون منها، فمَن كان له عمل صالح ولم يظهر منه عداوة فإنّه يخدّ له خدّاً إلى الجنّة التي خلقها الله بالمغرب ـ أي البرزخية لا الأُخروية ـ فيدخل عليه الروح في حفرته إلى يوم القيامة حتّى يلقى الله فيحاسبه بحسناته وسيئاته، فإمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النار، فهؤلاء الموقوفون لأمر الله "..

____________

1) تفسير العيّاشي 1 / 269 ح 249، معاني الأخبار: 202 ح 8، بحار الأنوار 72 / 160 ح 13.