الصفحة 24

فإذا كانت الروايات المقطوعة والموقوفة يؤيّد بعضها بعضاً وتصلح للحجة في بابها، فلماذا لا يصلح حديث الغدير للحجة وقد رواه أكثر من مائة صحابي، وله أسانيد صحاح وحسان جمّة؟! اللهم إنّي لا أعلم سببًا لهذا إلاّ البغض لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ونصب العداوة له (عليه السلام) .

وبعد هذا التهافت البيّن وقع الأستاذ في هوّة أخرى كان سببها التعصب الذي حداه أن ينقل المطالب دون وعي لتواليها الفاسدة، ففي حين أنكر حديث الغدير ـ وأحاديث أخرى في أكثر من موطن من كتابه ـ بدعوى عدم صحة الإسناد، رأيناه في الاماكن التي أعوزه فيها الدليل ينقل روايات حتّى الوضاعين المتفق على ضعفهم، معرضًا حتّى عن الإشارة إلى ضعفهم أو وضعهم.

فعندما أراد أن يلقي عهدة قتل عثمان على الخوارج ـ لأنّ القول بأن الصحابة بين قاتل وخاذل لعثمان لا يروقه ـ قال:

فروى الطبري أنّ عليّا ذكر إنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمّ الذي يليه، ثمّ الذي يليه، وقال على مسمع من قتلة عثمان: "ثمّ حدث هذا الحدث الذي جَرَّه على الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاء الله عليه على الفضيلة، وأرادوا ردّ الأشياء على أدبارها"، ثمّ ذكر أنّه راحل غداً إلى البصرة، ليجتمع بأم المؤمنين وأخويه طلحة والزبير، وقال: لا يرتحلن غداً أحد أعان على عثمان بشيء في شيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم(1).

____________

1- انظر كتابه 1:76، نقلاً عن تاريخ الطبري 5:194.


الصفحة 25
وهذه الرواية التي نقلها لم يشر إلى أن راويها سيف بن عمر التميمي المتفق على ضعفه ووضعه وزندقته، فكيف صحّ له الاستدلال بها مع أنّ حالها الإسنادي يرثى له؟!

قال يحيى بن معين: ضعيف الحديث فَلْسٌ خير منه.

وقال النسائي: ضعيف متروك الحديث ليس بثقة ولا مأمون.

وقال أبو داود: ليس بشيء كذاب.

وقال ابن أبي حاتم: متروك الحديث.

وقال ابن السكن: ضعيف.

وقال ابن عدي: ضعيف، بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها.

وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، اتُّهم بالزندقة، وقال: قالوا كان يضع الحديث.

وقال الحاكم: متروك اتُّهم بالزندقة.

وقال الدارقطني: ضعيف، وقال مرة: متروك.

وقال ابن حجر بعد إيراد حديث في سنده سيف: "فيه ضعفاء أشدهم سيف"(1).

وبعد إطباق أئمة الجرح والتعديل على سقوط سيف بن عمر وروايتهِ عن الاحتجاج، وأنه كان متهماً بالزندقة، كيف ساغ للرجل أن يستدل بها في تثبيت الوقائع والأحداث ويلقي بعهدة قتل عثمان على الخوارج؟

وأنّ طلحة والزبير وعائشة لم يكن لهم عداء مع أمير المؤمنين؟ ووو...؟!

انظر إلى الاردواجية وقلب الموازين في بحوث يدعى فيها الموضوعية والعلمية وتصدق من معاهد مشهورة في العالم الإسلامي.

  • ومثل ذلك ما صنعه حين أراد تعميم لفظ الشيعة ليشمل شيعة عليّ (عليه السلام) وشيعة

    ____________

    1- انظر اللئالئ المصنوعة 1:392 و 144 و 176، وميزان الاعتدال 3:353 ـ 354، والجرح والتعديل 4:295 ـ 296، والكامل في الضعفاء 3:435 ـ 436.


    الصفحة 26
    معاوية، حيث ذكر معاني كلمة "شيعة" وقال أنّها وردت في القرآن الكريم مراداً بها معانيها اللغوية الموضوعة لها، ثمّ ذكر المعنى الرابع، وهو معنى المتابع والمُوالي والمُناصر، وذكر قوله تعالى (فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوّه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه)(1)، ثمّ قال:

    وفي الحديث من قول حكيم بن أفلح: إني قد نهيتها ـ أي السيّدة عائشة ـ أن تقول في هاتين الشيعتين شيئاً، أي شيعة الإمام علي (عليه السلام) وشيعة الإمام معاوية، ففي ذلك ما يشهد لعموم اسم الشيعة(2).

    وحكيم بن أفلح هذا مجهول; تفرد بالرواية عنه جعفر بن عبدالله الأنصاري ولم يوثقه سوى ابن حبان، ولذلك ذكره الذهبي في الميزان(3). وانفراد ابن حبان لا يساوي شيئاً ـ كما هو مقرر في محله ـ لأنّه يذكر في كتابه "الثقات" من لايعرفهم هو نفسه(4).

    ومع هذا الحال كيف صحّ الاستدلال بهذا الحديث المجهول حال قائله؟! وهل أنّ الآثار كلّها خلت عن لفظ "الشيعة"؟!

    إننا لا ننكر صحة استعمال لفظ "الشيعة" وإطلاقه حتّى على القاسطين، بل كان يطلق من قبل على أتباع عثمان بن عفان، وقد روى ذلك الإمام اللغوي المحدث الزمخشري، قائلاً: بينا عثمان يخطب ذات يوم فقام رجل فنال منه، فوذأه ابن سلام فائّذأ، فقال له رجلٌ: لا يمنعك مكان ابن سلام أن تسب نعثلاً فإنه من شيعته(5).

    وهو أيضاً كان يطلق من قبل ذلك على أتباع الحكم بن أبي العاص، فقد روى

    ____________

    1- القصص:15.

    2- انظر كتابه 1: 88 ـ 89.

    3- انظر تحرير تقريب التهذيب 1:313.

    4- المعجم الكبير للطبراني 1: 12، سلسلة الأحاديث الضعيفة للالباني 2: 300. وانظر هامش سير اعلام النبلاء 18:170.

    5- الفائق 3:353 "وذأ".


    الصفحة 27
    الدارقطني والطبراني بسنديهما عن ابن عمر، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إن هذا سيخالف كتاب الله وسنة نبيه، وسيخرج من صلبه فتن يبلغ دخانها السماء وبعضكم يومئذ شيعته، يعني الحكم بن أبي العاص، وذلك بعد أن لعنه ثلاثاً(1).

    بل أين كل ذلك من كلام سيد البلغاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) المشهور المعروف: علي وشيعته هم الفائزون، أو قوله مشيراً إلي علي (عليه السلام) : هذا وشيعته هم الفائزون(2).

    ومن المعلوم أنّ مثل هذه الأمور لا يحتاج فيها إلى أكثر من الاطمئنان بصدور اللفظ عن العرب، فهو يجري مجرى ما نقله لنا اللغويون، دون اشتراط العدالة أو الوثاقة في الراوي، لكنّ كاتب الرسالة ألزم نفسه بنقل الصحيح، وأنكر بناءً على ذلك كثيراً من الأمور، ثمّ عاد هو بنفسه ليستدل بالزنادقة والوضاعين والمجاهيل، وما حداه إلى ذلك إلاّ الجهل والتعصب، ولذلك نقل رواية حكيم بن أفلح المجهول مستدلاً بها مقتصراً عليها!!

    مع الصحابة

    ج ـ والنموذج الآخر من تهافتاته، أنّه بعد أن ذهب إلى صحة النهي عن كتابة السنة، أخذ يتشبّث بكل شاردة وواردة لتوجيه وتبرير هذا النهي، وكان من جملة الوجوه التي طرحها هو أنّهم منعوا من ذلك لئلاّ تختلط السنّة بالقرآن، إذ كانوا يكتبون السنة بجانب القرآن، وهذا لا يؤمن معه من الاختلاط، ولمّا دار في خلده سؤال مقدّر ـ مفاده: أنّ الصحابة من العرب الأقحاح الذين لا يلتبس عليهم كلام الله المعجز بكلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ حاول دفعه قائلا:

    ومن هنا ندرك صحة علة النهي عن كتابة شيء ـ في أول الأمر ـ سوى القرآن الكريم،

    ____________

    1- انظر المعجم الكبير للطبراني 12:336، ورواه في كنز العمال 11:165/31060 عن الدارقطني في الافراد، وفي تاريخ دمشق 57:267.

    2- انظر تاريخ دمشق 42:332، ومناقب الخوارزمي:111، والدر المنثور 6:379، وفتح القدير 5:477.


    الصفحة 28
    صيانة لهذا الكتاب المعجز ممن كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم يعتادوا على أسلوبه، وأكثرهم من الأعراب الذين لم يكونوا فقهوا في الدين(1).

    ثمّ قال: مع العلم بأن النهي في أول الأمر كان يشمل وقت نزول القرآن، أو بعده، ممن يمكن أن تقع في يده هذه الصحيفة وهو من غير أهل العلم، حتّى إذا تعلموا الدرس جاء الإذن بكتابة السنة لمن اعتادوا اُسلوب القرآن وتمييزه كعبدالله بن عمرو وغيره ممن أذن لهم النبيّ(2).

    ثمّ قال: "أما رفض دعاة اللادينية وغلاة الشيعة لهذه العلة... فأقول: ليس في ذلك إبطال لإعجاز القرآن... لأنّه إذا كان هناك من كبار الصحابة من يدرك ويميز بين الأسلوب القرآني وإعجازه وبين الاسلوب النبوي، فهناك من عامة الصحابة من لا يدرك ذلك(3)".

    وهذا الكلام مردود من جهات:

    أولها: إن الشربيني اتّهم أكثر الصحابة بأنّهم: أعراب لم يكونوا فقهوا في الدين.

    وثانيها: إن هذا المدعى أخصّ من الدليل، إذ لو صحت العلّة لتوجّه النهي المفترض عن كتابة السنة إلى خصوص من لم يكونوا يفقهون، مع أنّ الأحاديث التي التزمها كان النهي فيها عامّاً، بل استمرّ النهي إلى أمد بعيد حتّى بعد استقرار أمر المصحف الشريف.

    وثالثها: إنّ ما ذكره من أنّ الأمر بالكتابه كان لخصوص من اعتادوا اُسلوب القرآن كعبد الله بن عمرو، يقتضي أنّ أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وجميع العشرة المبشرة ـ عدا عليّا(4) ـ لم يكونوا عارفين ولا معتادين اُسلوب القرآن الكريم، إذ ليس هناك ولا نصٌّ

    ____________

    1- كتابه 1:290.

    2- كتابه 1:290.

    3- كتابه 1:291.

    4- إذ ثبت كونه من المدونين على عهد رسول الله بأمر منه (صلى الله عليه وآله) ، فعن أم سلمة زوج النبي أنّها قالت: دعا رسول الله بأديم وعلي بن أبي طالب عنده فلم يزل رسول الله يملي وعليٌّ يكتب حتّى ملأ بطن الأديم وظهره وأكارعه، وكانت لديه صحيفة عن رسول الله يحتفظ بها في قرابة سيفه، وذكر هذه الصحيفة أكثر من عشرة من تلامذة الإمام عليّ (انظر دراسات الحديث النبوي 1:127 عن أدب الاملاء للسمعاني، وانظر كذلك معرفة النسخ: 207) .


    الصفحة 29
    في الإذن لهم بالكتابة، وهذا بيّن البطلان بناء على مسلكه.

    ورابعها: إنّ الأعراب أصفى قريحة، وأشدّ ذكاء، وأعلم الناس بالكلام، لبعدهم عن الاختلاط بالشعوب الأخرى، ونأيهم عن المدنية التي تعكّر صفو القرائح، فكان إدراكهم لعظمة القرآن وأسلوبه وإعجازه مشهوداً.

    قال الأصمعي: قرأت هذه الآية (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله)(1) وإلى جنبي أعرابي، فقلت: "والله غفور رحيم" سهواً، فقال الأعرابي: كلامُ من هذا؟ قلت: كلام الله، قال: أَعِدْ، فأعدتُ "والله غفور رحيم"، فقال: ليس هذا كلام الله، فتنبهت فقلت (والله عزيز حكيم)، فقال: أصبتَ هذا كلام الله، فقلت له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قلت: فمن أين علمت أنّي أخطات؟ فقال: يا هذا عزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحمَ لمَا قطع(2).

    ويكفي دليلاً على ذلك قول الوليد بن المغيرة المخزومي لما سمع بعض القرآن ـ وهو من المشركين، ولم يدخل الإسلام قلبه، ولا أنس بكلام الله، ولا حفظه، ومات على زندقته ـ: والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وانه ليعلو ولا يُعلى عليه، وما يقول هذا بَشَرٌ(3).

    فالحالة الطبيعية عند العرب والأعراب منهم هي هذه القوة في البلاغة والأدب والتمييز بين الكلام الجاري مجرى كلام العرب وبين الكلام المعجز من الله تبارك وتعالى.

    نعم، كان هناك نفر قليل خانتهم الحافظة، وكانوا مصابين بشيء من العجز الذهني، لكن لا يمكن أن تعطّل مسيرة شريعة وأمّة من أجل قلة لا يفقهون، ولا يمكن أن يقنَّنَ قانونٌ

    ____________

    1- المائدة:38.

    2- زاد المسير 2:274.

    3- تفسير القرطبي 19:74.


    الصفحة 30
    عامّ شامل لمجرّد وجود مثل هذه الشريحة، وإلاّ لصح لغو جميع الشرائع وقوانين الدنيا لعدم خلو الزمان والمكان من مثلهم.

    روى الطبري بسنده عن حبيب بن الشهيد، عن ابن عامر الانصاري: ان عمر بن الخطاب قرأ "والسابقون الأولون من المهاجرين والانصارُ الذين اتبعوهم بإحسان" فرفع "الأنصار" ولم يلحق الواو في "الذين"، فقال له زيد بن ثابت (من المهاجرينَ والأنصارِ والذين اتّبعوهم بإحسان)، فقال عمر: "الذين اتبعوهم بإحسان"، فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم. فقال عمر: ائتوني بأبيّ بن كعب، فأتاه فسأله عن ذلك فقال أبيّ: (والذين اتبعوهم بإحسان)، فقال عمر: إذن نتابع أبيّاً(1).

    وهذه الرواية(2) كما تراها صادرة في زمان حكومة عمر بن الخطاب، أي بعد تمام نزول القرآن الكريم، وبعد وجود عدد كبير من القراء والحفاظ، وليست في زمن أوّل النزول، ومع ذلك التبس فيها الأمر على عمر بن الخطاب، وهنا نجد أنفسنا بين خيارين.

    أوّلهما: القول بأنّ عمر كان قد ضبط القرآن وعرفه ولكنّه تعمَّد التغيير والتبديل، وأراد إضفاء أُبّهة وكرامة للمهاجرين يفوقون بها الأنصار.

    وثانيهما: القول بأنّ عمر لم يتعمّد ذلك، ولكن خانه ذكاؤه وحفظه، وأوقعه فيه عدم إحاطته علماً بكل أمور القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

    وهذا القول هو الذي يترجّح ـ دون إنكار كامل للدوافع القبلية ـ لوجود الأدلة والشواهد عليه، فقد تعلّم عمر سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا(3)،

    ____________

    1- جامع البيان 11:7، والمستدرك على الصحيحين 3:305، والدر المنثور 3:269 وقد رواه الثعلبي في تفسيره اتم من هذا. وانظر المحتسب 1:300 ـ 301.

    2- وغيرها من الروايات التي تثبت بما لا يقبل الشك جهل عمر بن الخطاب بكثير من مفردات القرآن والسنة.

    3- الدر المنثور 1:21، سيرة عمر لابن الجوزي:165، تفسير القرطبي 1:40 وفيه "في بضع عشرة سنة"، شرح النهج 12:66.


    الصفحة 31
    وهذا لا يكون نابعاً إلاّ من قلة الحفظ والفطنة والذكاء، خصوصاً إذا لاحظت تعلم زيد بن ثابت للّغة السريانية كاملة في ستة عشر يوماً(1).

    وهذا القول(2) هو الذي ذهب إليه العلاّمة السيّد علي الشهرستاني في كتابه "منع تدوين الحديث أسباب ونتائج"، واستدل عليه بأدلة جمّة، موضحاً أنّ منع عمر من التحديث والكتابة والتدوين إنّما كان بسبب جهله الحضاري والثقافي، وأنّ عمر كان يخاف من تداول وتناقل السنة المكتوبة المدونة لأنّها تكشف عن كثير من أخطاء عمر واجتهاداته، فمنعه التدوين وأمره باقلال الحديث كان منه إخفاءً لجهله، ولينفتح له السبيل إلى تمرير وتبرير اجتهاداته.

    كل ذلك مضافاً إلى وجود دافع إخفاء فضائل أهل البيت ـ وعلى رأسهم عليّ (عليه السلام) ـ عند عمر، خصوصاً ما يَمُتّ منها إلى الخلافة بصلة، وهذا الوجه الثاني هو الذي ذهب إليه غالب كتاب الشيعة، ومنهم العلاّمة السيّد مرتضى العسكري(3) الذي قرأ الشربيني كتابه.

    فخلاصة ما ذهب إليه السيّد الشهرستاني هو أنّ منع عمر يكمن وراءه دافعان: إخفاء جهله وإضفاء الشرعية على اجتهاداته، ومنع الفضائل التي تمسّ أصل مشروعية حكومته، فاقرأ قوله:

    فمن هذا التشديد، ومن تحديثهم هم، نفهم أن في الأمر التفاتة سياسية ذكية منهم، وهي التحديث بالفضائل والاستماع لبعضها من جهة، لكي لا تتضح معالم سياستهم بشكل واضح، والمنع من تجاوز الحدود المرسومة للتحديث والمحدَّث به من جهة أخرى، وبذلك يتّضح أن التعتيم على فضائل أهل البيت لم يكن هو السبب الأول والأخير في قضية منع التدوين والتحديث، ولا ننكر أن يكون له مدخلية في المنع بنحو العلة الجزئية التي تنضوي

    ____________

    1- الطبقات الكبرى 2:358، سنن أبي داود 3:318، مسند أحمد 5:186، تهذيب الكمال 10:28 ـ 29.

    2- أي القول بجهل عمر بن الخطاب.

    3- معالم المدرستين 2:44 ـ 45. وللمزيد انظر كلام السيد الجلالي في تدوين السنة الشريفة

    الصفحة 32
    تحت إطار منع أشمل لمقصود أوسع وأعم وأشمل(1).

    وهذا الجهل من عمر بن الخطاب هو الذي لم يتجرأ الشربيني أن يذكره أو يناقشه أو يردّه، مع أنّه في الواقع الأصل الكبير الذي بُنيت عليه فكرة كتاب "منع تدوين الحديث" الذي يرتبط بموضوع كتابه.

    ومن هذا كلّه تعلم مقدار قول الشربيني: وفيما سبق رد على ما ذهب إليه بعض غلاة الشيعة أن محو السنة في زمن الخلفاء لأجل ما في الأحاديث من فضائل لأهل البيت، وحجتهم رواية ابن مسعود عند الخطيب.

    ثمّ كتب مهمّشاً على هذه الفقرة:

    معالم المدرستين مرتضى العسكري المجلد 2/44 ـ 45، ومنع تدوين الحديث لعلي الشهرستاني ص 64، وقد تناقض في ذلك مرة بتأييده لذلك هنا ص 64، ثمّ رفضه لذلك السبب وتضعيفه ص 66،70 ثم تأييده ثانية ص 71،81،358،361،362(2).

    فهو يتجاهل الحقيقة أو يجهلها، ويحمل كلام مؤلّفي الشيعة على غير وجهه، مع أنك قرأت تصريح الشهرستاني ووجهة نظره صريحة واضحة، خصوصاً عند تصريحه بأنّ التعتيم على فضائل أهل البيت كان دافعاً للمنع على نحو العلة الجزئية، اللهم إلاّ أن يكون الشربيني لم يفهم معنى "العلة الجزئية"!

    على أنّ العلامتين العسكري والشهرستاني وغيرهما لم يقتصرا في الذهاب إلى ذلك على رواية الخطيب، بل استدلاّ بأدلة جمة، وروايات متعددة منها روايتي ابن أبي الحديد في شرح النهج 12:52 ـ 55، و 46، ورواية الجويني في فرائد السمطين 1:153، وغيرها من المعطيات الحديثية والتاريخية، فحصره استدلالهما برواية الخطيب كذب محض ومجازفة واضحة.

    ____________

    1- منع تدوين الحديث:71 ـ 72.

    2- انظر كتابه 1:295.


    الصفحة 33
    وأمّا رواية ابن مسعود فإن نصها فيه "انّ علقمة جاءه بكتاب أو صحيفة من مكّة أو اليمن فيها أحاديث في أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) ، فدعا جاريته ثمّ دعا بطست فيها ماء فجعل يمحوها"(1)... فهي صريحة الدلالة على أنّ الاحاديث كانت في أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) ، لكنّه صرَفها عن صراحتها لمجّرد قول أبي عبيد: يرى أنّ هذه الصحيفة أخذت من أهل الكتاب(2)، ولرواية الدارمي عن مرة الهمداني قال: جاء أبو مرة الكندي بكتاب من الشام فحمله فدفعه إلى عبدالله بن مسعود(3)... الخ.

    مع أنّ قول أبي عبيد لا يقاوم صراحة الرواية في أن الاحاديث في فضائل أهل البيت، ولا علاقة لها بأهل الكتاب، ورواية الدارمي صريحة في أنّ الكتاب جاء به أبو مرة الكندي من الشام وهي معقل أهل الكتاب، بخلاف الكتاب أو الصحيفة التي فيها فضائل أهل البيت، فإنّ علقمة جاء بها من مكة أو اليمن، وهذا يدل على أنّ الروايتين تتكلمان عن حادثتين مستقلّتين، فكيف خلط الأوراق وحمل رواية النهي عن الفضائل على رواية كتب أهل الكتاب؟!

    فانظر إلى قوله بعد نقله رواية الصحيفة الشامية:

    وهو يعني بالكتب هنا كتب أهل الكتاب أو ما أخذت عنها كما قال أبو عبيد... ويؤكد مرّة الهمداني الراوي عن ابن مسعود ـ كما في رواية الدارمي ـ أنّ الصحيفة ليست من السنة، وإنما كانت من كتب أهل الكتاب... وفيما سبق ردّ على ما ذهب إليه بعض غلاة الشيعة(4)...

    فها هو يخلط بين حديثين، ويصرف صراحة حديث لمجرّد قول أبي عبيد التبرّعي، ويَكْذِبُ في تصريحه بأنّ كتّاب الشيعة اعتمدوا رواية ابن مسعود فقط وفقط في الذهاب إلى أنّ النهي عن التحديث والكتابة والتدوين كان لاخفاء فضائل أهل البيت (عليهم السلام) ، إذ أنهم

    ____________

    1- انظر كتابه 1:275، عن تقييد العلم للخطيب:54.

    2- انظر كتابه 1:276، عن جامع بيان العلم 1:66.

    3- انظر كتابه 1:276، عن سنن الدارمي 1:134.

    4- انظر كتابه 1:295. وقد مر باقي كلامه.


    الصفحة 34
    اعتمدوا أدلّة كثيرة وشواهد روائية وتاريخية، ومن شاء فليراجع كتبهم، ك"تدوين السنة الشريفة" و"منع تدوين الحديث" والاخير عنى بتوضيح هذه المسألة وما تلتها من مسائل في الشريعة، فإنّه جاء بنظرة جديدة، وطَرَحَ أفكاراً وآفاقاً لم تطرق من قبل حول عبدالله بن مسعود وموقفه من المنع، وتناول رواياته كلّها في تقييد العلم بالبحث والخروج بالنتيجة(1)، فادّعاء الاعتماد على رواية علقمة عن ابن مسعود فقط كذب ومجافاة للواقع.

    وخامسها: وهي الجهة المخصوصة بالأهمية في هذا الموضع من بحثنا، أنّ الشربيني نفسه ناقض نفسه في دعوى أنّ أكثر الصحابة أعراب لا يميّزون بين القرآن والسنة، حيث قال وهو بصدد ذكر مصادر الأحكام في الصدر الأول:

    القرآن الكريم، وهو المصدر الأول لهذا الدين وعمدة الملة، وكانوا يفهمونه واضحاً جليًّا، لأنّه بلسانهم نزل، مع ما امتازوا به من معرفة أسباب نزوله(2).

    فكيف انقلب الصحابة الأعراب ـ حسب زعمه ـ الذين لم يكونوا فقهوا الدين، إلى فاهمين أوضح الفهم وأجلاه، وإلى عارفين بأسباب النزول؟! وإذا كان نزل بلسانهم وعرفوا بلاغته وإعجازه فكيف استحال عليهم التفريق والتمييز بينه وبين كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟!

    وحين تطرق لموضوع جواز الرواية بالمعنى ـ ليرّد على من قال أنّ الرواية بالمعنى من النتائج السلبية لمنع التدوين ـ ذكر مالازمُهُ عِلْمُ الصحابة والتابعين بوجوه اللغة وخصائصها ومميزاتها، وهذا يقتضي أنّهم لا يعسر عليهم التمييز بين القرآن والسنة، فيبطل تبريره منع التحديث والكتابة والتدوين بأنّه كان خوف الاختلاط.

    قال: ومن المعلوم أنّ للعلماء في رواية الحديث بالمعنى مذاهب عدة، نستخلص منها مذهبين: المذهب الأول: إنّ رواية الحديث بالمعنى لا تجوز لمن لا يعلم مدلول الألفاظ في اللسان العربي ومقاصدها وما يحيل معناها، والمحتمل من غيره، والمرادف(3) منها.... أما من

    ____________

    1- انظر منع تدوين الحديث:72 ـ 81.

    2- انظر كتابه 1:310.

    3- كذا في كتابه، والصواب "والمترادف".


    الصفحة 35
    كان عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيرًا بما يحيل معانيها، بصيرًا بمقادير التفاوت بينها... فالمعظم منهم أجاز له الرواية بالمعنى إذا كان قاطعًا بأنّه أدّى معنى اللفظ الذي بلغه سواء في ذلك الحديث المرفوع أو غيره... وهذا هو المختار عند الجمهور من السلف وأصحاب الحديث والفقه والأصول واختاره منهم الآمدي(1)...

    وهذا المشهور يقتضي بالملازمة معرفة الصحابة والتابعين بوجوه اللغة ومدلولاتها وألفاظها وكل ما ذكره آنفًا، ومن كانت عنده هذه الملكة ـ وهي عند أغلبهم بلا شك ـ كيف يخفى عليه ما هو قرآن عما هو من كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) .

    ثانيا: إن الكاتب لم يفرّق بين حجية السنة وما هو الحجة

    أن كتاب الشربيني مبنيّ على غلط قبيح أو مغالطة صريحة، وذلك أنّه خلط خلطاً فاحشاً بين من ينكرون أصل السنّة وينفونها من الأساس وهم من أبناء مذهبه، وبين من يقولون بحجية السنّة النبوية ولكنّ كلامهم في طرق وصولها إلينا، وما هو الصحيح منها وما هو غير صحيح من تلك الطرق، وهم الشيعة الاثنا عشرية.

    إن الكاتب خبط خبط عشواء في هذا المجال، فراح يسطّر الاسماء دون وعي لكلامهم، ودون تمييز بين المُنْكِر والمنقِّح، مع أنّه أكثر النقل عن كتاب (دراسات في الحديث النبوي) للدكتور محمد مصطفى الأعظمي، وفيه قوله: أما الشيعة فهي فرق كثيرة... والموجود منهم حالياً في العالم الإسلامي أكثرهم من الاثني عشرية، وهم يذهبون إلى الأخذ بالسنّة النبوية، لكن الاختلاف بيننا وبينهم في طريق إثبات السنة نفسها(2).

    فهل أن الكاتب لم يطّلع على هذا النص أم أغمض عنه عينيه؟!

    ____________

    1- كتابه 1:375 ـ 376. أخذًا من كفاية الخطيب، وفتح المغيث، وتدريب الراوي، وتوضيح الأفكار، وجامع بيان العلم.

    2- دراسات في الحديث النبوي:25.


    الصفحة 36
    وإذا كان لم يقف على هذا النص، فكيف بالنص الذي نقله هو عن الأستاذ محمد سعيد منصور:

    "وجملة القول: إنّ السنة إذا صحّت تكون منزلتها ومنزلة الكتاب سواء بسواء في الاعتبار والاحتجاج عند المجتهدين عامة"(1).

    فلاحظ تقييدهُم السنة المحتج بها بصحّة وصولها، فكيف غفَل أو تغافل عن هذا الفرق الشاسع بين الأمرين.

    وإذا لم يقف على كل ذلك، فكيف به وبتصريحات أعلام الشيعة الإمامية الذين كانت كتبهم ماثلة أمام عينيه، ونقل عنها كثيرًا زاعماً أنّه يردها، مثل "النص والاجتهاد" للسيد عبدالحسين شرف الدين، و "معالم المدرستين" للسيّد مرتضى العسكري، و "منع تدوين الحديث" للسيّد علي الشهرستاني، خصوصاً وأنّ المذكورين صرّحوا بهذا المطلب في الصفحات الأُوَل من كتبهم المذكورة هذه.

    قال السيّد شرف الدين في خطبة كتابه بعد أن ساق عدة آيات في حجية قول النبيّ وفعله وتقريره: فنطقه (صلى الله عليه وآله) كالقرآن الحكيم(لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)، فليس لمؤمن يؤمن بهذه الآيات أو يصدق بنبوته (صلى الله عليه وآله) أن يحيد عن نصوصه قيد شعرة فما دونها(2)...

    بل إن كتابه كلّه مبني على الدعوة لالتزام النص النبوي ورفض ما يقابله من الاجتهاد والرأي، فكيف ساغ للرجل أن يرمي الشيعة بإنكار السنة النبوية وعدائهم لها؟!

    وقال السيّد مرتضى العسكري في مقدمة كتابه "معالم المدرستين"، بعد أن ذكر الإسلام ومبعث النبي ونزول القرآن: ولما أرسل الله خاتم أنبيائه محمّداً (صلى الله عليه وآله) بالقرآن أنزل فيه أصول الإسلام من عقائد وأحكام في آيات محكمة، وأوحى إليه تفصيل ما أنزل في القرآن ليبيّن

    ____________

    1- انظر كتابه 1:517 ـ 518، نقلا عن كتاب منزلة السنة من الكتاب:481.

    2- النص والاجتهاد خطبة المؤلف.


    الصفحة 37
    للناس ما نزّل إليهم، فعلّمهم الرسولُ شرائع الإسلام... فتكوّن منها لدى المسلمين الحديث النبوي الشريف، وكذلك جعل الله تجسيد الإسلام في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأَمَرَ الناس باتّباعه في قوله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، وسُمّي مجموع السيرة والحديث النبوي في الشرع الإسلامي بالسنّة، وأمرنا الله ورسوله باتّباع سنة الرسول(1).

    وأصرح من كل ذلك ما قاله السيّد عليّ الشهرستاني في مقدمة كتابه "منع التدوين"، قال: وهنا يكون مدار البحث لا عن حجية السنة النبوية، لأنّ حجيّتها لايختلف فيها اثنان من المسلمين، وإنّما البحث عن "ما هو الحجّة"، أي في طرق الإثبات لا الحجية، وبتعبير آخر: أيّ نقل من النقول النبوية هو الحجة(2)؟!

    وهكذا صرّحت جميع كتب الإماميّة بأنّ السنة النبوية حجة بلا شك ولا إشكال، وإنما الكلام يقع في ما وصل إلينا منها، فأيُّه الثابت عن الرسول وأيّه غير الثابت عنه؟

    وقفة مع أحاديث العرض

    إذا عرفت هذا، فإليك بعض عباراته لتقف على مبلغ علمه في هذا الشأن، قال:

    ومن قاعدة "عرض السنة على كتاب الله عزّوجلّ"(3) انطلق أعداء الإسلام من الرافضة والزنادقة يشككون في حجية السنة المطهّرة(4).

    وقال: تتلخص هذه الشبهة في زعم المستشرقين وذيولهم من أعداء السنة: أنّ السنة النبوية لو كانت حجّة لأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بكتابتها... واستدل بتلك الشبهة بعض غلاة الشيعة(5)...

    ____________

    1- معالم المدرستين 1:14.

    2- منع تدوين الحديث:8.

    3- ستاتي مناقشتها.

    4- انظر كتابه 1:223.

    5- انظر كتابه 1:266.


    الصفحة 38
    واسترسل في كلامه فقال: واتّفق المستشرقون مع الشيعة في عدم صحّة النهي عن كتابة السنّة في أول الأمر في عهد النبوة المباركة بناء على رأيهم في السنة النبوية بأنّها وضعت على النبي ونسبت إليه(1)...

    فها هو يخلط خلطاً بينا بين أصل السنة النبوية، وبين البحث في مقدار اعتبار الحاكي للسنة، وهذا الخلط أوقعه ـ كما أوقع جمعاً من سلفه ـ في عقم مناقشتهم لحديث عرض السنة على الكتاب، لأنّ السنة المعروضة إنّما هي الحديث الوارد الذي يُفتَرَضُ أنّه حاك عن قول النبي أو فعله أو تقريره، فعند الشك فيه أو عند التعارض نعرضه على الكتاب لنقف على مقدار اعتبار هذا الافتراض، لا أننا نعرض المفروغ عن كونه سنّة النبيّ على الكتاب، كيف ونحن نقول بتخصيص الكتاب بالسنة الثابتة(2)، بل نسخ الكتاب بها(3).

    وقد أوضح علماء الإمامية كلامهم وموقفهم صريحاً في هذا المجال، وبيّنوا أنّ أخبار موافقه الكتاب ومخالفته طائفتان:

    الأولى: في بيان مقياس أصل حجية الخبر ـ لا في مقام المعارضة بغيره ـ وهي التي ورد فيه التعبير بأنّه زخرف وباطل، وتحمل هذه الطائفة من الأخبار على طرح الخبر المخالف لصريح الكتاب بنحو التباين بحيث لا يمكن تنزيله عليه عرفاً، بل يكون مصادماً لمضمون الكتاب لا لظهوره، فإن لم يكن كذلك فهو يكون من باب العموم والخصوص والإطلاق والتقييد، وهذه المخالفة لصريح ومضمون الكتاب تُخْرِجُ الخبرَ المخالف عن موضوع الحجية ذاتاً لا بسبب المعارضة.

    الثانية: في بيان ترجيح أحد المتعارضين، وهذه الطائفة تحمل على المخالفة لظاهر الكتاب لا لنصّه، لا سيما أنّ مورد بعضها ـ كمقبولة عمر بن حنظلة، التي فيها قوله للإمام: فإن كان الخبران عنكما مشهور ين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر، فما وافق حكمه

    ____________

    1- انظر كتابه 1:267.

    2- وهو مما اجمعت عليه الإماميّة.

    3- انظر اصول الفقه للمظفر 2:57.


    الصفحة 39
    حكم الكتاب والسنة... فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ـ هو الخبر الذي لو كان وحده لأُخذ به، وإنّما المانع من الأخذ به وجود المعارض... وهذا يدل على أنّ المراد من مخالفة الكتاب مخالفة الظاهر لا النص(1).

    وهذا الكلام واضح في أن أحاديث العرض جاءت لتنقيح المرويّ، فإن عارض صريح الكتاب المجيد ومضمونه علمنا عدم صدوره عن النبي (صلى الله عليه وآله) ، كما أنّ العرض يفيدنا في بيان ما يجب الأخذ به عند التعارض، فما وافق الكتاب أخذ به وعُلم أنّه هو الصادر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وما خالفه طرح جانباً وعلم أنّه لم يصدر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فأين هذا من إنكار السنة وجحدها رأساً كما صرح به جمع من أبناء العامّة؟! الذين قال الشربيني فيهم:

    ومن المؤسف حقاً أن يكون من بين أبناء الإسلام من يزعم بصريح اللفظ: لا حجة في السنة، إنّما الحجة في القرآن وحده دون سواه، وقد وجدنا بعضًا من هؤلاء في لاهور پاكستان... وقد وجدنا مثل هذا الفريق في مصر وبعضهم يتبوأ مراكز علمية عاليه(2)...

    وهذا الخلط منه ـ ومن جماعة من أسلافه ـ أوقعهم في مناقشة عقيمة منهم لمتن أحاديث عرض السنة على الكتاب، قال:

    واستدل بالحديث الأول(3) [يعني قوله (صلى الله عليه وآله) : فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني] ـ قديماً الشيعة الاثني [كذا] عشرية كما رواه الكليني في الكافي والرافضة منهم والزنادقة كما حكاه الحافظ السيوطي في مفتاح الجنة(4)...

    ثمّ قال: وحجة المنكرين لحجية السنة النبوية من الروايات السابقة: أنّها تفيد عرض

    ____________

    1- انظر أصول الفقه للمظفر 2:254، والمحكم في أصول الفقه 6:180 ـ 186، ودروس في علم الاصول 3:382 ـ 389.

    2- كتابه 1:12. وستأتي زيادة إيضاح في النقطة الثالثة.

    3- تقدمت الإشارة إلى أنّ الشيعة الإماميّة رووا أحاديث متعددة في عرض السنة على الكتاب، وأنّ تخصيص رواية الكافي بالذكر قلّة فهم أو سوء نية منه.

    4- كتابه 1:220.


    الصفحة 40
    السنة على القرآن، فما وافق القرآن فهو من السنة، وتكون السنة في هذه الحالة لمحض التأكيد، والحجة هو القرآن فقط، وما خالف القرآن بإثبات حكم شرعي جديد فهو ليس من السنة ولم يقله النبي (صلى الله عليه وآله) ولا حجة فيه(1).

    وقد علمت قيمة كلامه هذا ممّا تقدم تلخيصه من رأي الشيعة الإمامية في هذا المجال، وأنّ استنتاجه هذا افتراء محض، وادعاء ساقه إليه جهله بموقف الإمامية أو تجاهله له.

    ويتبين لك مقدار بعده عن الحقيقة حين تراه يعدّ قول الشيعة الاثني عشرية معطوفاً عليه قول محمد نجيب "فإذا كانت سنة الرسول وحديثه متفقة مع سنة الله وحديثه فاتّباعُها حكمٌ من مُتَّبعها أنّها أحسن من سنة الله، وأنّها خير من حديث الله، وليس في هذا إلاّ تكذيب لله القائل (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم)، وهذا يحتم عدم الأخذ بسنة غير الله وحديث غير الله"(2)...

    وقال ناقلاً كلام ابن حزم في الرد على حديث العرض: أوّل ما نعرض على القرآن الحديث الذي ذكرتموه، فلمّا عرضناه وجدنا القرآن يخالفه، قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله)وقال تعالى (لتحكم بين الناس بما أراك الله)(3).

    وقال ناقلاً عن البيهقي: والحديث الذي روي في عرض الحديث على القرآن باطل لا يصح، وهو ينعكس على نفسه بالبطلان، فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث على القرآن(4).

    وقال ناقلاً عن ابن عبدالبر: وقد أمر الله عزّوجلّ بطاعته واتّباعه أمراً مطلقًا مجملاً لم يقيَّد بشيء، كما أمرنا باتّباع كتاب الله، ولم يقل "وافق كتاب الله" كما قال بعض أهل الزيغ...

    ____________

    1- كتابه 1:221.

    2- انظر كتابه 1:222 نقلاً عن كتاب الصلاة لمحمد نجيب:278 ـ 279.

    3- كتابه 1:225.

    4- كتابه 1:225، عن دلائل النبوة 1:27.