وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم وقالوا: نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك، قالوا: فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه [مخالفًا] (1) لكتاب الله، لأنّا لم نجد في كتاب الله ألاّ يقبل من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسّي به، والأمر بطاعته ويحذّر المخالفة عن أمره جملةً على كلّ حال(2).
وهذه الكلمات كلّها مبنية على المغالطة المذكورة، لأنّنا لا كلام لنا في أنّ سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجب الأخذ بها على كل الأحوال ودون قيد وشرط.
إذ لا معنى لعرض نفس كلامه (صلى الله عليه وآله) على الكتاب وهو (صلى الله عليه وآله) الكتاب الناطق، وإنّما الكلام في عرض الحاكي المراد التحقّق من مقدار اعتباره كما علمت، وهذا لا يتأتّى عليه النقض المذكور، إذ لا يصدق على كُلّ ما ينقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) ـ وإن كان راويه وضّاعاً، أو حتّى عند اختلاف النقلين ـ أنّه (ما آتاكم الرسول) أو أنّه داخل تحت قوله تعالى (من يطع الرسول)...
وقد وقع الشربيني تبعاً للشافعي والبيهقي في نفس هذا الوَهمَ في ردّ الحديث الثاني، وهو قوله (صلى الله عليه وآله) : "إني لا أحلّ إلاّ ما أحلّ الله في كتابه"، فراجع كلاميهما(3).
نعم نقضهم هذا يتوجه على من ينكر أصل السنة النبوية ـ وهم غير الإماميّة ـ وأمّا عرض هذا الحديث على كتاب الله لتبيّن صحته وعدمه فلا مورد له كما علمت; إذ هو لا يخالف صريح القرآن ومضمونه بنحو التباين، كما أنّه ليس من موارد التعارض، بل القرآن المجيد يؤكّد صحة أحاديث العرض ـ عرض المنقول لا نفس السنة التي هي قوله وفعله وتقريره ـ وذلك في مثل قوله تعالى (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ولقطعنا منه الوتين) وهو يؤكد حقيقة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يقول ما يباين كلام الله
____________
1- من عندنا ليستقيم كلامه.
2- كتابه 1:225 ـ 226، نقلاً عن جامع بيان العلم 2:190 ـ 191.
3- انظر نقله لكلاميهما في 1:226 ـ 227.
على أنّ أخذ الإماميّة بأحاديث العرض أقوى دليل على حجية السنة عندهم، إذ هذا الميزان الصيرفي مأخوذ من كلام سيد المرسلين وعترته الطاهرين، علماً بأنّ مجموعة من أحاديث العرض تحكي بنفسها أنّ فرضها في حالة الشكّ في صدور المنقول "ما أتاكم" عن النبي، وخصوصاً بعد قوله (صلى الله عليه وآله) : "إنّ الحديث سيفشو عني" وما ضارعها من العبارات، فإنّها صريحة بأنّ العرض هو أحد الموازين لكشف المنقولات الزائفة، لا أنّه ميزان لاعتبار أو عدم اعتبار نفس السنة النبوية المباركة.
والعجيب أنّ الشربيني بعد هذا الخلط وتلك المغالطة، وبعد أن ادّعى أن أحاديث العرض ـ المنقولة بطرقهم ـ لا وزن لها رجع إلى العمل بها، فقال:
ومع أنّ أحاديث عرض السنة على القرآن الكريم لا وزن لها سنداً عند أهل العلم كما سبق، إلاّ أنّ معناها صحيح، وعمل بها المحدّثون في نقدهم للأحاديث متنًا، فجعلوا من علامات وضع الحديث مخالفته لصريح القرآن الكريم والسنة النبوية والعقل(1).
ثمّ راح يسطّر ما قاله ابن حجر والرازي وابن حزم والإمام الشاطبي وغيرهم في تدعيم ما قاله، وأنّ الخبر الصحيح لا يخالف ما في القرآن أصلاً(2).
وهذا دَأْبه كما قدّمنا في الإشكال الاول من الإشكالات العامة، حيث أنه ينكر شيئاً تبعاً لجماعة، ويناقضه تبعاً لجماعة آخرين، دون أن يكون له رأي خاص وموقف علمي واضح.
____________
1- كتابه 1:236.
2- انظر كتابه 1:236 ـ 239.
قال البرزنجي: الوجه الثالث الترجيح بموافقة الكتاب: إذا تعارض خبران متساويان سنداً ومتنًا وحكماً إلاّ أنّ أحدهما توافقه آية من كتاب الله في حكمه بخلاف الآخر، فإنّه يرجح على مخالِفِه الذي لا يكون كذلك، وذلك لاعتضاده بها، ولأنّها تفيد زيادة قوة في الظن به.
مثال ذلك: ما ورد أنّ النبيّ قال: الحج والعمرة فرضان لا يضرّك بأيّهما بدأت، مع ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: الحج جهاد والعمرة تطوع، حيث يفيد الأول أنّ العمرة فرض كالحج، والثاني يفيد أنّها سنة وليست بفرض فيتعارضان، فإنّه على فرض التسليم بصحّة سنديهما وتساويهما في القوة يرجح الحديث الأول بأنّه موافق لحكم القرآن، وهو المفهوم من قوله تعالى (وأتمّوا الحج والعمرة لله) أولا لأنّ فيه الأمر بالإتمام وهو ظاهر في الوجوب، وثانيًا: بدلالة القرآن لأنّه قرن العمرة بالحج، والحجٌّ متّفق على وجوبه فالعمرة واجبة كذلك، ونقل الشوكاني عن الإمام الشافعي أنّه قال بهذا الصدد: الوجوب أشبه بظاهر القرآن لأنّه قرنه بالحج(1)...
فلماذا عَدَّ الشربيني الشيعة منكرين للسنة لقولهم بأحاديث العرض ولم يعدّ الشافعي والشوكاني وغيرهما منكرين لها؟! ما هذا إلاّ لقصور باعه وقلّة اطّلاعه، أو لتعصبه على الإماميّة، وهاتان الحالتان لا تخرجان عن الغلط القبيح أو المغالطة الصريحة كما عرفت.
____________
1- التعارض والترجيح للبرزنجي:234 ـ 235. وانظر إرشاد الفحول:223.
ثالثا: إن منكري السنة هم من العامة لا الإماميّة
بدأ الكاتب حملة شرسة ضدّ من سمّاهم أهل البدع، وصوبّ أكثر وأحدّ سهامه إلى الشيعة الاثني عشرية (الرافضة) ، مصوّرًا لهم بأنّهم من أعداء السنة.
فقال في مقدمة كتابه:
وقد هدفت من كتابته إلى عدة أهداف، منها... رابعاً: إرادة الإسهام في كشف القناع عن أساليب وحقيقة أعداء السنة، من أهل الأهواء والبدع قديماً، من الخوارج والشيعة والمعتزلة(1)...
وأعاد نفس النغمة قائلاً في خطة بحثه:
وقد قسمت هذا الموضوع إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة... أما الأبواب فهي: الباب الأول: التعريف بأعداء السنة النبوية، وفيه تمهيد وأربعة فصول، التمهيد: وفيه التعريف بـ"أعداء" لغة وشرعاً، الفصل الأول: أعداء السنة النبوية من أهل الأهواء والبدع قديماً; الخوارج والشيعة والمعتزلة(2).
وملأ كتابه بمثل هذه التهم، وراح يرددها بين الحين والحين، حتى قال:
أجمعت أمة الإسلام ـ من الصحابة والتابعين والأئمّة المجتهدين، وسائر علماء المسلمين من بعدهم ـ... على حجية السنة النبوية ووجوب التمسك بها والعض عليها بالنواجذ.... ولم يمارِ في هذه الحقيقة الساطعة إلاّ نفر ممن لا يعتد بخروجهم على إجماع الأمة من الخوارج والروافض(3).
ونقل عن الأستاذ محمد سعيد منصور قوله: لا خلاف بين علماء المسلمين قديماً وحديثًا ـ إلاّ من شذّ من بعض الطوائف المغرضة المنحرفة، من غلاة الشيعة، والخوارج، والروافض، والمستشرقين، وبعض المتكلمين حديثًا ممن يتكلمون بلغتنا، وينتسبون إلى
____________
1- 1:13.
2- 1:15.
3- 1:481.
ونقل أيضاً عن ابن حزم قوله: ولو أنّ امرءاً قال: "لا نأخذ إلاّ ما وجدنا في القرآن" لكان كافراً بإجماع الأمّة... وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمّة على كفرهم(2).
وقال هو بعد نقله كلاماً لابن عبدالبر في جامع بيان العلم:
وتابع على ذلك [أي على الطعن بالسنن والزهد فيها] حديثًا ذيولهم من المستشرقين، وغلاة الشيعة، ودعاة اللادينية، وجعلوا ذلك ذريعة إلى عدم حجية السنة النبوية(3).
ونحن نتحدّاه أن يذكر اسم واحد من الشيعة ينكر حجية السنة النبوية، بل تصريحاتهم تملأ الكتب بوجوب اتّباع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأنّه ما ينطق عن الهوى، حتّى ذهبوا إلى عصمته في الأحكام والموضوعات، وأنّ كلّ حركاته وسكناته حجّة بلا كلام، خلافاً لأبناء العامة الذين قالوا بعصمته فيما يخل بالتبليغ، بل بعضهم جوّزوا عليه السهو والغلط حتّى فيما يخصّ التبليغ، لكنهم اشترطوا التنبيه عليه فوراً من الله وعدم التقرير عليه(4). ومع هذا الفارق في النظرة لسنة الرسول كيف يصحّ رمي الشيعة بأنّهم أعداء السنة؟! وأنّهم لا يقولون بحجيّتها؟!
ومن عجيب المفارقات أنّ المؤلف نفسه نقل عن صاحب مسلم وشارحه أنّهما يقولان: "إنّ حجية الكتاب والسنة والإجماع والقياس من علم الكلام، لكن تعرض الأصولي لحجية الإجماع والقياس لأنّهما كثر فيهما الشغب من الحمقى من الخوارج والروافض خذلهم الله، وأمّا حجيّة الكتاب والسنة فمتّفق عليها عند الأمة ممن يدّعي التديّن كافّة فلا حاجة
____________
1- 1:514.
2- 1:536.
3- 1:329.
4- انظر كتابه 1:450 ـ 456.
فها هو يصرّح بأنّ الشيعة كسائر المسلمين وعامتهم ـ عدا بعض أبناء العامة كما مرّ وسيأتي ـ لا ينازعون في حجيّة الكتاب والسنة، وإنما كلامهم في حجية الإجماع، إذ لا حجية له عندهم دون دخول المعصوم في المجمعين، كما أنّهم ينكرون حجية القياس في غير منصوص العلة.
ومع غض النظر عن هذا، نرى التهافت بيّنًا في الكتاب عند هذه النقطة التي جعلها أسّاً لكتابه "السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام"، حيث افترض أنّ الخوارج والشيعة والمعتزلة هم أصل أعداء الإسلام، وأنّهم أصل الطعن في السنة النبوية المباركة.
لكنّ نظرة سريعة على كتابه تُعطي نتيجةً معكوسة لما افترضه، وذلك أنّ الأسماء التي تردد ذكرها في كتابه من منكري السنة، كانت غالبيتها الساحقة من أبناء العامّة وممن ترعرعوا في مدارسهم الدينية وجامعاتهم، ونشأووا تحت رعايتهم.
ولكي لا يكون الكلام خالياً عن الدليل إليك بعض أسماء المنكرين للسنة أو المشككين في حجيتها ممن ذكرهم الكاتبُ نفسه، قال:
ومن المؤسف حقّا أن يكون من بين أبناء الإسلام من يزعم بصريح اللفظ "لا حجة في السنة، إنما الحجة في القرآن وحده دون سواه"، وقد وجدنا بعضا من هؤلاء في لاهور پاكستان وسمت نفسها جماعة القرآن... وقد وجدنا مثل هذا الفريق في مصر، وبعضهم يتبوّأ مراكز علمية عالية... كمستشار، أو دكتور، أو مفكر إسلامي(2).
ثمّ ذكر من تلاعبوا بالسنة النبوية فخلطوا بين معناها اللغوي والاصطلاحي، ونقل كلام جولد تسيهر المستشرق اليهودي، ثمّ قال: وردّد هذا الكلام الدكتور حسن عبدالقادر... ثمّ ترجمه في الهامش بأنّه "استاذ تاريخ التشريع الإسلامي. حاصل على العالمية
____________
1- انظر كتابه 1:482، نقلا عن فواتح الرحموت 1:16 ـ 17 بتصرف منه.
2- 1:12.
وذكر أنّ أحمد صبحي منصور أنكر السنة وقال بالاكتفاء بالقرآن، ثمّ ترجمه في الهامش قائلاً "تخرّج في الأزهر وحصل على العالمية في التاريخ من الجامعة، وتبرّأ من السُّنَّة فتبرّأت منه الجامعة"(2).
وهكذا كان دأبه في كتابه، حيث أنّه نسي نفسه ولم يتنبه لكلامه السالف، فراح يذكر أسماءً من أعداء السنة كلّهم لا يمتون للشيعة الإماميّة الاثني عشرية بصلة، بل كلّهم من أتباع مدرسة الاجتهاد والخلافة، وممن كانوا امتداداً طبيعياً لحركة منع التحديث والتدوين التي بدأها أبو بكر وعمر وسار على خطاها عثمان ومعاوية والأمويون إلى زمن عمر بن عبدالعزيز، فكان من الطبيعي أن يجد من أبناء مدرسته من يذهب مذهبهم ويعتنق آراءهم، بخلاف الإماميّة الاثني عشرية الذين لا تجد حتّى واحداً منهم ينكر أصل حجية السنة النبوية.
لذلك كان من الطبيعي أن يمتلأ كتابه بأسماء من سمّاهم أعداء السنة:
علي حسن عبدالقادر، محمود أبو رية، توفيق صدقي، محمد شحرور، نيازي عز الدين، محمد نجيب، أحمد صبحي منصور، قاسم احمد(3)، مصطفى كمال المهدوي، جمال البنا شقيق حسن البنا، ورشاد خليفة، وإسماعيل منصور(4)، ويحيى كامل أحمد(5) وسعيد العشماوي، ونصر أبو زيد(6)، ومحمد رشيد رضا(7)، وعبدالجواد ياسين، وأحمد أمين، ومحمد حسين
____________
1- 1:25.
2- 1:29.
3- انظر كتابه 1:25 ـ 30.
4- انظر كتابه 1:191.
5- انظر كتابه 1:221.
6- انظر كتابه 1:240 ـ 241 قال: "وبهذه الشبهة قال أهل الزيغ والهوى حديثًا مثل محمود أبو ريه وقاسم أحمد وسعيد العشماوي، ومحمد شحرور، وإسماعيل منصور، وجمال البنا، ونصر أبو زيد وغيرهم".
7- انظر كتابه 1:325.
على أنّه عجز أن يأتي بمفردة واحدة من الشيعة في إنكارها لحجية السنة، لكنه ذكر ما يُذهل عن أبناء مذهبه، حتّى أنّ فضيلة الشيخ عبدالمنعم النمر منهم قال عن السلم:
"وهو بيع معدوم موصوف في الذمة، ويسير عليه كثير من الناس في الأرياف، مستغلّين حاجات الزرّاع استغلالاً سيئاً، ممّا يجعلنا نميل إلى تحريمه من أجل هذا الاستغلال الكريه المحرم في الإسلام"(7).
____________
1- انظر كتابه 1:346 ـ 347.
2- انظر كتابه 1:358.
3- انظر كتابه 1:395.
4- انظر كتابه 1:493.
5- انظر كتابه 2:313، قال: "لكنه قليل البضاعة في الحديث".
6- انظر كتابه 2:94.
7- انظر كتابه 1:460. لكنّه ناغاه قائلاً: "يقول الدكتور القرضاوي: وكان أولى بالشيخ هنا أن يقتصر على تحريم الظلم والاستغلال، ولا يتعدى ذلك إلى تحريم التعامل الثابت بالسنة والإجماع". تُرى من هو عدوّ السنة المنكر لها؟!!
وإذا تجاوزنا فتوى الشيخ النمر الاجتهادية، فحسبنا ما ذكره هو عمّن ذهبوا إلى الاكتفاء بكتاب الله، حيث ذكر الأعاجيب تحت عنوان "نماذج من المسائل العجيبة التي استنبطها أعداء السنة من القرآن الكريم بدون رجوعهم إلى بيان النبي (صلى الله عليه وآله) واستعراض بدائلهم عن السنة المطهرة"، فقد ذكر أنّ منهم من رفضوا حتّى أعداد الصلاة اليومية، ومنهم من لم يقيّد الصلاة بالكيفية الواردة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ومنهم من تصرّف حتّى في أوقات الصلاة، فبعضهم قال أنّها أربع، وآخر قال أنّها ست، ومنهم من افترضوا أنّ القبلة الأولى هي بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) .
وصار الأمر ببعضهم إلى يقول أنّ تكرار شهادة "أشهد أن محمداً رسول الله" بجانب "لا إله إلاّ الله" يعدّ شركاً اكبر، وووو(2).... وليس في هؤلاء القائلين واحد من الشيعة الاثني عشرية، بل كلّهم من أبناء العامة الذين تبنّوا مقولة "حسبنا كتاب الله".
على أننا أوضحنا لك الفرق بين مَن ينكر أصل السنة النبوية المباركة، وبين الذي يتكلّم فيما هو الحجّة من بين المنقولات عن رسول الله؟! إذ الشيعة الاثنا عشرية يعطون للرسول ولسنة الرسول قدسيّة لا تجدها عند أي فرقة إسلامية أخرى، فلا تجد أحداً منهم يناقش أو يشكك في حجية سنة الرسول، بخلاف أبناء العامة كما علمت.
____________
1- انظر كتابه 1:457 ـ 460.
2- انظر كتابه 1:487 ـ 496.
فقد روى الخطيب البغدادي في كتابه "الكفاية في علم الرواية" أنّ عمران بن حصين كان جالساً ومعه أصحابه، فقال رجل من القوم: لا تحدّثونا إلاّ بالقرآن(1)...
وقد عقد الإمام الشافعي في أمّه باباً خاصّاً ـ وهو الباب الأول من كتاب جماع العلم ـ تحت عنوان "باب حكاية قول الطائفة التي ردّت الأخبار كلّها"، وصرّح فيه أنّ المنكر للسنّة "ينسب إلى العلم بمذهب أصحابه"(2)، وسرد معه مناقشة طويلة استغرقت ست صفحات من القطع الكبير، ولم يصرّح الشافعي بأنّ هذا المنكر ارتدع عن إنكاره للسنّة.
وقد ذكر الكاتب ذلك قائلاً: واستدل بالحديث الأول [من أحاديث عرض السنة على الكتاب] قديماً الشيعة الاثني [كذا] عشرية... والطائفة التي ردت الأخبار كلها وناظر الإمام الشافعي واحداً من أتباعها، وأهل الرأي... والمعتزلة(3)...
وبهذا فقد عرفت بما لا مزيد عليه أنّ الاماميّة يصحّحون أحاديث العرض لكن كما تقدم. ولا ينكرون حجية السنة من الأساس، فيبقى من انبثقوا من أحضان العامة هم المنكرون الذين تابعوا الشيخين في منع التدوين والتحديث وحرق المدونات وو...، فمشكلة إنكار السنة إذن كامنة عند بعض أبناء العامة لا عند الشيعة الاثني عشرية، ولا ينكر هذا إلاّ مكابر.
وهذه الأمور مما يجب ان لا تخفى على أدنى طلاب العلوم الدينية فهماً واقلّهم بضاعة، فكيف بمن يُدَّعى حصوله على شهادة الماجستير في الشريعة من الازهر الشريف!!!
____________
1- الكفاية:48. ونقله الشربيني نفسه في كتابه 1:505 ـ 506. وانظره في المستدرك على الصحيحين 1:109 ـ 110.
2- انظر كتاب الام 7:273 ـ 278.
3- كتابه 1:220 ـ 221.
رابعاً: جهله بمباني الإماميّة وكلماتهم
ومن الإشكاليات الكلية على الكتاب وكاتبه هو جهله بمباني الإماميّة وكلماتهم، فلذلك حمل ما لم يفهمه من كل ذلك على ما تخيّله أو على ما هو قارّ في ذهنه سلفاً، ثمّ راح يردّ ذلك بتصوّره. مضيفاً إليه شيئاً أو أشياء من تخرّصه.
أ ـ جهله بكيفية اتّصال أسانيد الكتب الأربعة
ففي صدد نقده للأصول الحديثية عند الإماميّة الاثني عشرية يقول:
"وبالنظر في كتب الحديث النبوي عندهم ـ كالكافي والاستبصار والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه، وغيرهاـ نجد رواياتها ليست كلّها متصلة من أصحابها إلى أئمتهم الذين وجدوا في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) ، فالأحاديث المدونة بها قد خلا أكثرها من الإسناد، فنجد الروايات تذكر "عن عدة من أصحابنا" أو "عن الإمام جعفر"، ثمّ تعد هذه الأقوال أحاديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) مع وجود الفارق الزمني الكبير بين أصحاب هذه الروايات وبين النبي وهو فارق زمني يصل إلى عدة قرون"(1).
فهو في هذا الكلام يقرّر أمرين، أوّلهما: عدم اتّصال الأسانيد في مثل "عن عدة من أصحابنا" أو "عن الإمام جعفر"، وثانيهما: وجود الفارق الزمني الكبير بين أصحاب الروايات وبين النبي (صلى الله عليه وآله) .
وظاهر بالتتبع أنّه يقصد بالعبارة الأولى هو ما ورد في الكافي من عبارة "عن عدة من أصحابنا" بكثرة، وأنّه يقصد بالثانية ما في كتاب من لا يحضره الفقيه، حيث ينقل الرواية عن الإمام مباشرة.
وأما الأمر الثاني الذي قرره فكأنّه يريد عدم اتّصال الكلام من الإمام إلى زمن النبوة،
____________
1- كتابه 1:97.
ويؤكد ذلك انه عند الكلام على أحاديث عرض السنة على الكتاب، وخصوصاً حديث "إنّ الحديث سيفشو عنّي فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني وما أتاكم يخالف القرآن فليس عني"، قال: "هذا الحديث لا وزن له عند نقّاد الحديث وصيارفته، فقد روي من طرق كلّها ضعيفة عن علي وأبي هريرة وابن عمر وثوبان"، ثمّ كتب في الهامش: "حديث علي أخرجه الدارقطني في السنن كتاب في الأقضية والاحكام، باب كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري. وقال الدارقطني: والصواب عن عاصم عن زيد عن علي بن الحسين مرسلاً عن النبي (صلى الله عليه وآله) "(2).
وكلا هذين الإشكالين ناتجان عن جهله بمباني الإمامية، وعدم معرفته بعلم رجالهم ولا درايتهم الحديثية، وإلاّ لما وقع في هذه الهُوَّة العلمية السحيقة، لأننا إذا أعرضنا عن تخرّصه بأنّ المعصوم يوحى إليه ـ إذ لم يقل به ولا شيعي واحد، بل لا يقول به مسلم أبداً ـ وإنما الوحي مختص برسول الله (صلى الله عليه وآله) والأنبياء (عليهم السلام) ، وإنّما الأئمّة لهم طرقُ علم خصّهم الله بها، وقد دوّنها علماء الإماميّة ووفّوا البحث فيها حقّه، ولم نجد ـ كما أنّه لن يجد ـ واحداً منهم يقول بأنّ الإمام المعصوم يوحى إليه، وإنّما هذا من مفترياته ومفتريات أضرابه.
أقول: إذا أعرضنا عن ذلك فإنّا نقول في بيان رد هذين الإشكالين:
رد الإشكال الأول:
إن العدّة الذين يروي عنهم الكليني هم أشخاصٌ معروفون من مشايخه، وقد كُتبت في
____________
1- كتابه 1:96.
2- كتابه 1:224.
لقد تكررت "العدة عن أحمد بن محمد بن عيسى"، و"العدة عن أحمد بن محمد بن خالد"، و"العدة عن سهل بن زياد".
أما الاولى: فقال النجاشي في ترجمة الكليني: وقال أبو جعفر الكليني: كل ما كان في كتابي "عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى" فهم: محمد بن يحيى، وعلي بن موسى الكميذاني، وداود بن كورة، وأحمد بن إدريس، وعلي بن إبراهيم بن هاشم(1).
وأمّا الثانية: ففي الخلاصة، عنه: وكلّما ذكرتُ في كتابي هذا "عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي" فهم: علي بن إبراهيم، وأحمد بن عبدالله بن أمية، وعلي بن محمد بن عبدالله بن أذنية، وعلي بن الحسين السعدآبادي(2).
بل صرّح الكليني نفسه في الباب التاسع من كتاب العتق قائلاً: عدة من أصحابنا (علي بن إبراهيم، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن يحيى، وعلي بن محمد بن عبدالله القمّي، وأحمد بن عبدالله، وعلي بن الحسين) جميعاً عن أحمد بن محمد بن خالد(3)...
وأمّا الثالثة: ففي الخلاصة: عنه رحمه الله أنّه قال: وكلّما ذكرتُ في كتابي المشار إليه "عن سهل بن زياد"، فهم: علي بن محمد بن إبراهيم بن علان، ومحمد بن عبدالله، ومحمد بن الحسن، ومحمد بن عقيل الكليني(4).
وهؤلاء العدّة بحسب الموارد كما تراهم مصرّح بهم، وإنما لم يُذكروا مكرَّرين
____________
1- رجال النجاشي:267. وكذا نقله العلاّمة الحلي في الخلاصة:271.
2- رجال العلاّمة:272.
3- وهذه الأسماء موجودة في بعض نسخ الكافي. انظر خاتمة المستدرك 3:509، وخاتمة الوسائل للحر العاملي 30:147 ـ 150 / الفائدة الثالثة في تعليق الكلينيّ للأسانيد وتفسير العدة المذكورة في كتابه، وشرح المصطلحات التي استعملها المؤلف.
4- رجال العلاّمة:271 ـ 272.
هذا، وحسبك في عظمة كتاب الكافي أنّه وحده احتوى على (16199) حديثًا، الصحيح منها على رأي المتشدّدين (5072) حديثا(1) في حين أن صحيح البخاري الذي هو أصح الكتب الستة عندهم، يتصاغر أمام الكافي، فقد قال الحافظ ابن حجر ـ كما في كشف الظنون ـ: جميع أحاديثه بالمكرر سوى المعلّقات والمتابعات على ما حرّرته وأتقنته (7397) حديثًا، والخالص من ذلك بلا تكرير (2602) حديث، وإذا ضُمَّ إليه المتون المعلقة المرفوعة وهي (159) حديثًا، صار مجموع الخالص (2761) حديثاً(2).
وأمّا ما يتعلق بالفقيه، فإنّ رئيس المحدثين الشيخ الصدوق بنى من أوّل الأمر على اختصار الأسانيد، وحذف أوائل السند، ثمّ وضع في آخر كتابه مشيخة يُعرف بها طريقه إلى من روى عنه، فهي المرجع في اتّصال سنده في أخبار كتابه "من لا يحضره الفقيه"، وربّما أخلّ نادراً بذكر الطريق إلى البعض، فيكون السند بهذا الاعتبار معلّقًا(3).
فكأنّ الشربيني لم يتعب نفسه ليرى المشيخة أو أنّه رآها فلم يفهمها، أو فهمها فخان في إيصال الحقيقة إلى القراء، إذ أنّ هذه الأمور مما لا تخفى على أدنى من له فطنة واطلاع على مناهج ومسالك مؤلّفي الكتب الأربعة، وقد أفردت في ذلك المؤلفات، بل هي من الوضوح بمكان للمطّلع على ما يخصّ هذه الكتب الأربعة(4).
____________
1- انظر لؤلؤة البحرين:394.
2- كشف الظنون 1:544.
3- انظر خاتمة المستدرك 4:7.
4- انظر خاتمة المستدرك / المجلدين 4 و 5 في شرح وتفصيل مشيخة الفقيه.
وأما ردّ الإشكال الثاني
فإن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) صرّحوا في مواطن شتى ـ قد تبلغ حد التواتر ـ أنّ كل ما يروونه سندهم فيه عن آبائهم عن أجدادهم عن عليّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وقد صحّت بذلك الروايات واشتهرت، حتّى أنّ من لم يعرف ذلك بين الشيعة يُعدّ جاهلاً بطريقة أهل البيت ومنهجهم في التحديث.
فقد روى الكليني بسنده عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبدالعزيز، عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيرهما، قالوا: سمعنا أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين (عليهم السلام) ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1).
قال المازندراني في شرح أصول الكافي معلّقًا على هذا الحديث: تنتج هذه المقدمات على سبيل القياس المفصول النتائج، أنّ حديث كلّ واحد من الأئمّة الطاهرين قول الله عزّوجلّ...
قال: وما في بعض الروايات من نقل أبي عبدالله (عليه السلام) عن أبيه عن جده إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أو إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) تصريحٌ بما هو في الواقع ومعلوم ضمناً، وفائدته إمّا علوّ الإسناد، أو رفع ما يختلج في قلب السامع، أو التنبيه على شدة الاهتمام بمضمون الحديث(2)...
وقد روى المفيد، قال: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد القمّي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عيسى، قال: حدّثني هارون بن مسلم، عن علي بن أسباط، عن سيف بن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : إذا حدّثتني بحديث فأَسْندِه لي، فقال: حدثني أبي، عن جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، عن جبرئيل (عليه السلام) ، عن الله عزّوجلّ، وكلّما
____________
1- الكافي 1:52.
2- شرح اُصول الكافي 2:225.
وروى الصفار في بصائر الدرجات، قال: حدّثنا إبراهيم بن هاشم، عن يحيى ابن أبي عمران، عن يونس بن عنبسة، قال: سأل رجلٌ أبا عبدالله (عليه السلام) عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: إن كان كذا وكذا ما كان القول فيها؟ فقال (عليه السلام) له: مهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، لسنا نقول برأينا من شيء(2).
وفي كتاب جعفر بن محمد بن شريح الحضرمي: عن حميد بن شعيب السبيعي، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) : ما أحدٌ أكذب على الله ولا على رسوله ممّن كذّبنا أهل البيت، أو كذب علينا، لأنا إنّما نحدّث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الله، فإذا كُذِّبنا فقد كُذِّبَ الله ورسوله(3).
والروايات بهذا المضمون متواترة عند الإماميّة(4)، بل ذلك من ضروريات مذهبهم(5)، حتّى أنّ هذا المعنى سار على لسان شعرائهم وأدبائهم، فنظموه في أشعارهم،
____________
1- أمالي المفيد:42.
2- بصائر الدرجات:300. وانظر قريباً منه في الكافي 1:58 بسنده عن قتيبة قال: سأل رجل أبا عبدالله... وساق قريبا منه.
3- كتاب الحضرمي:61.
4- انظر جامع أحاديث الشيعة 1:179 ـ 268. وقد ذُكِرَ هذا المبنى حتّى في كتب الشيعة التي يتدارسها مبتدئو طلاب علومهم الدينية، وهو كتاب منية المريد:373، وقد ذكره جمع ممن وقف الشربيني على كتبهم، مثل العلاّمة السيّد مرتضى العسكري في معالم المدرستين 2:347، والعلاّمة السيّد علي الشهرستاني في منع تدوين الحديث:313 و 417 وموارد أخرى، وإنما خصصنا الأخيرين بالذكر لوقوف الكاتب على كتابيهما وتصريحه بالنقل عنهما ونقدهما، فكيف لم يفهم هذا المبنى؟!
هذا وإن دراسة الشهرستاني جاءت لتثبت أن أحاديث أهل بيت الرسالة هي أقرب للواقع وأبعد عن الدوافع ـ "لأنّها متوارثةٌ كابراً عن كابر" ـ من أحاديث مدرسة الخلفاء وأتباع الرأي من أبناء القياس والاجتهاد، التي اختطت طبق اُصول خاصة ودوافع معلومة.
5- انظر جامع أحاديث الشيعة 1:268.