الصفحة 57

حيث قال شاعر الشيعة:


إذا شئتَ أن ترضى لنفسك مذهبا وتعرف صدق الناس في نقل أخبارِ
فدع عنك قول الشافعي ومالك وأحمدَ والمروي عن كعب أحبارِ
ووالِ أناساً قولهم وحديثهم روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري

وقال بعض العلويين من الشيعة:


قُل لمن حجّنا بقول سوانا حيث فيه لم يأتنا بدليلِ
نحن قوم إذا روينا حديثا بعد آيات محكم التنزيل
عن أبينا عن جدّنا ذي المعالي سيّد المرسلين عن جبريلِ
وكذا جبرئيل يروي عن اللـ ـه بلا شبهة ولا تأويل
فتراه بأي شيء علينا ينتمي غيرنا إلى التفضيل(1)

وممّا تقدم، تعرف سقم دعواه الثانية هذه، كما تعلم أنّ ما ادعى الدارقطني أنّه الصواب، مجاف للصواب، والذي أوقع القوم في ذلك جهلهم بمباني أئمّة آل محمّد (صلى الله عليه وآله) .

ب ـ جهله بحجية الإجماع عند الإماميّة

ومن المباني التي جهلها الكاتب ـ تبعا لبعض سلفه ـ مبنى حجية الإجماع عند الشيعة الإماميّة، فراح يكيل التهم بكلمات غير مهذبة حول ذلك، قائلاً:

وممّا هو جدير بالذكر هنا، أنّ ذيول الحمقى من الخوارج والروافض في عصرنا الحاضر أكثروا من الشغب في حجية الإجماع، وهم يشكّكون في حجية السنة ويطعنون في الشريعة الإسلاميّة.

ثمّ اتكأ ـ كما هو دأبه في كل الكتاب ـ على كلام غيره في ذلك، فنقل كلام صاحب فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت:

____________

1- الجواهر السنية:226.


الصفحة 58
إن الإجماع حجة قطعًا، ويفيد العلم الجازم عند الجميع من أهل القبلة، ولا يعتد بشرذمة من الحمقى الخوارج والشيعة، والنظّام من المعتزلة، لأنّهم حادثون بعد الاتّفاق يشككون في ضروريات الدين مثل السوفسطائية في الضروريات العقلية(1).

وقبل بيان ضآلة دعواه هنا نودّ الإشارة إلى عبارة "ذيول الحمقى من الخوارج والروافض" التي أخذها بشيء من التحوير من عبارة "بشرذمة من الحمقى الخوارج والشيعة"، فإن هذا الأسلوب ـ أعني أسلوب اقتناص العبارات الجاهزة وترديدها وتكريرها ـ شائع في كتابه، وقد قدمنا لك نماذج من ذلك، وهذا ما يذكرني بقول الشاعر:


خليفة في قفص بين وصيف وبغا
يقول ما قالا لهُ كما تقول الببغا(2)

هذا مع أنّه لم يأل جهداً في انتخاب العبارات غير العلمية، وينتهج نهج تحميل الفكرة وكيل التهم والافتراءات، وقد وقفت على بعض عباراته في مطاوي نقولنا عنه(3).

بعد هذا أقول: قد بيّنّا لك خلاصة موقف الإماميّة من السنة النبوية الشريفة وأوضحنا لك أنّ رمي الشيعة بإنكارها غلط قبيح أو مغالطة صريحة منه.

وأمّا حجية الإجماع، فقد ذهبت الشيعة الإماميّة إلى حجيته بلا نكير من أحد منهم، وقد صرّح بذلك علماؤهم قديماً وحديثًا.

قال محمد بن يونس الشويهي: الإجماع حجّة عند الإماميّة كافة، وعامة الزيدية،

____________

1- كتابه 1:483.

2- تاريخ ابن خلدون 1: 25.

3- انظر 1:17 وقوله: "الشيعة"، يشيع فيهم الكذب على رسول الله وائمتهم... والحق أنّ التشيع كان مأوى يلجأ إليه كلّ من أراد هدم الإسلام "فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة". وفي 1:93 "وفيه أكثر من الفي رواية عن طواغيتهم المعصومين"، وأعادها ص94 قائلاً "فإنّ الكتاب ينطوي كما سبق على الآف النصوص عن طواغيتهم". ومن عجائب تعنته قوله في 1:317 "فالحديث صحيح رغم انف بعض غلاة الشيعة"، وحسبك هذا منطقا في تصحيح الأحاديث!!


الصفحة 59
والكيسانية والفطحية، وغيرهم من سائر فرق الشيعة(1).

وقد صرح بحجيته السيّد المرتضى(2)، والشيخ الطوسي(3)، والمحقق الحلّي(4)، وغيرهم من الأصوليين، وبه جزم الشافعي ومالك وأتباعه، وأحمد بن حنبل، والظاهريون، ممّا يكشف عن اتفاق الشيعة وأهل السنة عليه(5).. بل لا تجد كتاباً من كتب أصول الفقه عندهم إلاّ ويصرّح بحجية الإجماع، ولا يجهل ذلك حتّى أدنى طلاب علومهم الدينية، ولعل سرد الأسماء وتكثير المصادر في ذلك يعدّ ضرباً من التطويل بلا طائل.

لذلك استغرب الشويهي مما نسبه ابن الحاجب ـ المتوفى سنة 646 في مختصر المنتهى الاصولي ـ إلى الشيعة من إنكار حجية الإجماع حيث قال: وهذا ما لا يمكن قبوله، لأنّ مصنفاتهم مملوءة في الاحتجاج به، حتّى أنّ السيّد المرتضى علم الهدى (ت 436 هـ) وهو من مشاهير قدمائهم بنى كتاب "الانتصار" عليه، وكذلك السيّد أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة (ت 585 هـ) ، والشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ) جعل بعض مسائل كتابه "الخلاف" مبنية عليه، وكذا غيرهم من صدور أوائلهم ومشاهير أواخرهم، فإنهم لا يزالون يعتمدون في كثير من الأحكام عليه(6)...

نعم، الكلام يقع في الدليل على حجية الإجماع لا في أصل حجية الإجماع، فإن الإماميّة يرفضون الأدلّة التي يستدل بها العامة على حجية الإجماع، ويرون أنّها جميعاً غير ناهضة بالمدّعى، ويقيمون هم أدلّة أخرى على حجيته، ويشترطون في تحقق حجية الإجماع دخول المعصوم ـ النبي أو الإمام ـ في المجمعين(7).

____________

1- مخاصمات المجتهدين في اُصول أحكام شريعة سيّد المرسلين 2:329.

2- الذريعة 1:450.

3- عدة الاُصول 2:64.

4- معراج الاُصول:65.

5- مخاصمات المجتهدين 2:329.

6- مخاصمات المجتهدين 2:330.

7- انظر بعض تفاصيل ذلك في الاُصول العامة للفقه المقارن:255 ـ 275، واُصول الفقه للمظفر 2:114، وكشف القناع عن وجوه حجية الإجماع:4 ـ 11.


الصفحة 60
ولعل ذلك هو الذي أوقع ابن الحاجب فيما نسبه للشيعة من إنكارهم الإجماع; حيث توهم ذلك من قولهم: إذا خلا الإجماع من معصوم فليس بحجة(1).

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ الكاتب نقل إنكار النظام من المعتزلة لحجية الإجماع، مع أنّ هناك منكرين آخرين لحجية الإجماع، منهم جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر(2).

وصرح إمام الحرمين في البرهان بأنّ معظم العلماء أسندوا حجية الإجماع إلى نص الكتاب وذكروا قوله تعالى (ويتبع غير سبيل المؤمنين) قال: وهذا عندنا ليس على مرتبة الظواهر فضلاً عن ادعاء منصب النص له، وقال: إنه فشا في لسان الفقهاء انّ خارق الإجماع يكفر، وهذا باطل قطعًا، فإنّ من ينكر أصل الإجماع لا يكفر(3).

وصرّح الغزالي في المنخول بأنّه لا مطمع في إثبات حجية الإجماع من مسلك عقلي; إذ ليس فيه ما يدل عليه، ولا من السمع; إذ ليس فيه خبر متواتر ولا نص كتاب، وإثبات الإجماع بالإجماع تهافت، والقياس المظنون لا مجال له في العقليات، فلم يبق وراءه إلاّ مسالك العُرف فلعلنا نتلقاه منه(4). وصرّح أيضاً بأنّه لا يكفر خارق الإجماع لأن الخلاف قد كثر في أصل الإجماع(5)...

وحكى الأسنوي عن الرازي في المحصول وأتباعه، وعن الآمدي في الإحكام ومنتهى السول: ان الإجماع وإن علم تحقّقه فهو من الأدلّة الظنية.

وصرّح صاحب تجريد المعتمد منهم بأنّ خبر "لا تجتمع أمّتي" غير متواتر لفظا ولا معنى، وان إجماعهم على قبوله لا يدل على صحته وصدقه.

وقال الرازي في المحصول: إن الاستدلال [على الإجماع] بدليل العقل ضعيف جدًّا،

____________

1- انظر مخاصمات المجتهدين 2:330.

2- انظر عدة الاُصول 2:164.

3 و 4 و 5- انظر جميع هذه الأقوال في كشف القناع: 13 ـ 15.


الصفحة 61
لاحتمال أن يقال: إنّهم اتّفقوا على الحكم لا لدلالة ولا لأمارة بل لشبهة.

وقال الرازي أيضاً: والعجب من الفقهاء أنّهم أثبتوا حجية الإجماع بعموم الآيات والأخبار، وأجمعوا على أنّ المنكر لما تدل عليه هذه العمومات لا يكفر ولا يفسق إذا كان الإنكار لتأويل، ثمّ يقولون: الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع به ومخالفه كافر وفاسق، فكأنّهم قد جعلوا الفرع أقوى من الأصل، وذلك غفلة عظيمة(1).

وقال الشيخ محمد خضري بك: والظاهر أنّ للشافعي وجهاً في أن ينكر وجود الإجماع على تمام معناه، فإنّ ذلك يتوقف على معرفة شخصية المجتهدين في عصر واحد واعتراف الكافّة لهم بذلك، وأن ينقل عن كلّ منهم قول في المسألة التي فيها الفتوى، وينقل ذلك القول عنهم جمع يؤمن كذبه أو خفاؤه، وهذا لم يكن إلاّ فيما يسمّى بعلم العامّة، كالعلم بأنّ الصلوات المفروضة خمس، وأنّ الصبح ركعتان وما شاكل ذلك، أمّا ما يسميه بعلم الخاصة فقَلَّ أن تجد مسألة يسهل القول بأنّ المجتهدين في عصر واحد اتفقوا في الجواب عنها.

ومن أجل ذلك روي عن الإمام أحمد: من ادّعى الإجماع فهو كاذب(2)...

فهذه كلمات بعض من علماء العامة، ناقشوا فيها حجية الإجماع ثبوتاً، وأنكرها بعضهم إثباتاً، فقد شكك بعضهم ـ كما رأيت ـ في أصل أدلّة حجية الإجماع، وأنكر وقوعه الشافعي وأحمد صريحاً كما قرأت، ومع هذا كيف يرمي الشيعة بأنّهم ينكرون حجية الإجماع مع أنّ المنكر غيرهم؟!، وكيف يصح ما نقله عن الدكتور عبدالغني عبدالخالق من أنّه لم يجد من الأصوليين تصريحاً ولا تلويحاً بأنّ في مسألة الإجماع خلافاً(3).

وإذا لاحظت ما كتبه حول الإجماع، وجدته لا يتجاوز صفحتين مقتضبتين أخلّ فيهما بعرض الاستدلال والمستدل عليه، بل نقل أكثر من نصف الكلام عن الدكتور عبدالغني، ووقع في مفارقة طريفة ودور صريح، حيث كتب وبالعنوان البارز "المطلب الرابع: من أدلّة

____________

1- كشف القناع:13 ـ 15.

2- تاريخ التشريع الإسلامي:151.

3- انظر كتابه 1:481 ـ 482، نقلا عن حجية السنة للدكتور عبدالغني:248 ـ 252.


الصفحة 62
حجية السنة النبوية الشريفة الإجماع" وذلك في ص 481، ثمّ ذكر في ص 484 أنّ من أدلّة حجيّة الإجماع هو السنة الشريفة، وهذا دور صريح، إذ كيف توقفت حجية السنة النبوية على الإجماع المستدلّ عليه بالسنة النبوية؟! وهل تحتاج السنة الشريفة في حجيتها إلى الإجماع؟!

ولا ادري كيف بباحث ازهري ينسب إلى طائفة كبيرة مثل هذه الأمور وبحوزته من الكتب ما يثبت نقض كلامه.

ج ـ جهله بطريقة علماء الإماميّة في التعامل مع الكتب الأربعة

ومن الأُمور التي خلّط فيها الكاتب هو الجهل بطريقة الشيعة الإمامية في رواية الأحاديث، وكيفية التعامل معها في الاستنباط، ولذلك رجّح المجاميع الحديثية العاميّة على الكتب الأربعة، وتحامل عليها تحاملاً ينم عن قصور الباع وعدم الاطلاع، فقال:

وهذه الكتب الحديثية(1) وغيرها الكثير تتحدى في طرق جمعها وتدوينها وصحتها طرق الشيعة الرافضة الممتلئة كتبهم ـ وعلى رأسها أصولهم الأربعة الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار ـ بالكذابين والملاحدة والشعوبيين وفاسدي العقيدة والمذمومين من أئمتهم، وكل ما يخطر ببالك من نقائص، ورغم هذا يصرّح علماؤهم بأنّ كل ما في هذه الأربعة صحيح واجب العمل به(2).

____________

1- وهي الكتب التي قال: فمنها ما هو معلوم الصحة كالصحيحين للبخاري ومسلم، والموطأ والمستخرجات، وصحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة وصحيح أبي عوانة والصحاح لابن السكن، والمنتقى لابن الجارود، والمختارة لضياء المقدسي، ومستدرك الحاكم على ما فيه من تعقبات.

ومنها ما جمع بين الصحيح والحسن والضعيف وهو منبّه عليه في كتبهم... وذلك ككتب السنن وعلى رأسها السنن الأربعة، وهي: سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وكذا سنن الدارمي والدارقطني وسنن سعيد بن منصور والسنن الكبرى للبيهقي وغيرها الكثير.

2- كتابه 1: 373 ـ 374. وقد نقل المقطع الأخير عن كتاب اُصول الحديث للدكتور عبدالهادي الفضلي: 210 ـ 219.


الصفحة 63
وفي كلامه هذا عدّة مواطن من جهله ومغالطاته:

أولّها:

إنّ أرقى الكتب التي ذكرها هو صحيح البخاري عندهم، لم تصل جميع احاديثه بحذف المكرر ـ وهي 2602، أو بإضافة المتون المعلقة المرفوعة وهي 159 ـ إلى عدد الصحاح من أحاديث الكافي على رأي المتشددين، وهي (5072) كما قدمنا، فالكافي أغنى مادّة وأكثر طرقاً صحيحة من البخاري.

وهذه الكتب الأربعة عند الإماميّة أُخذت جميعها من الأصول الأربعمائة التي رويت ودونت في عصر الأئمّة، فالكليني يروي عن أصحاب الأصول مباشرة أو بتوسط راو واحد.

قال الشيخ البهائي في الوجيزة: جميع أحاديثنا ـ إلاّ ما ندر ـ تنتهي إلى أئمتنا الاثني عشر، وهم ينتهون فيها إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فإنّ علومهم مقتبسة من قلب المشكاة، وما تضمنته كتب الخاصة من الأحاديث المروية عن أئمتهم تزيد على ما في الصحاح الستة للعامة بكثير كما يظهر لمن تتبع كتب الفريقين، وقد روى راو واحد ـ وهو أبان بن تغلب ـ عن إمام واحد ـ أعني الصادق (عليه السلام) ـ ثلاثين ألف حديث.

وقد كان جَمَعَ قدماء محدثينا ما وصل إليهم من كلام أئمتنا (عليهم السلام) في أربعمائة كتاب تسمّى "الاصول"، ثمّ تصدى جماعة من المتأخرين ـ شكر الله سعيهم ـ لجمع تلك الكتب وترتيبها، تقليلاً للانتشار، وتسهيلا على طالبي تلك الأخبار، فألّفوا كتبًا مضبوطة، مهذبة مشتملة على الأسانيد المتصله بأصحاب العصمة كالكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار ومدينة العلم والخصال والامالي وعيون الأخبار وغيرها(1).

____________

1- الوجيزة:6 ـ 7، وعنه في خاتمة الوسائل 30:200، وله كلام في مشرق الشمسين:269 ـ 270، فانظره. وهذا النص بحذافيره منقول في كتاب منع تدوين الحديث للعلاّمة الشهرستاني: 453 ـ 454. وهذا المضمون مذكور أيضاً في كتاب تاريخ التشريع الإسلامي للدكتور عبدالهادي الفضلي:223، وهناك بحث قيم في معالم المدرستين 3:251 ـ 321 حول هذا الموضوع، وقرّره العلاّمة السيّد شرف الدين في المراجعات:289 ـ 290 / المراجعة 110. فكيف لم يلتفت الشربيني إلى هذه الطريقة الفذة في ضبط الأحاديث رواية وكتابة ودراية ورجالاً؟! وكيف تكون طرق تدوين كتبهم أضبط من هذه الطرق مع ما يتخللها من فجوات لا تُسَدُّ، ومن ابتعاد عن المصدر الأم للرواية وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟! وأين جهله هذا أو تحامله عن الموضوعية في الكتابه التي ادعاها في صدر كتابه. انظر كتابه 1:17.


الصفحة 64
وهذه الطريقة في التدوين اتّبعها أصحاب الأئمة وضبطوا الأحاديث أشدّ الضبط، وما زالت إلى الآن بعض هذه الأصول الأربعمائة ـ وهي المصادر الأساسية في الرواية عن الائمة ـ محفوظة موجودة نُسخها، وقد طبع بعضها، وقد أفادت العلماء كثيراً وأفادوا منها حتّى اليوم.

وثانيها:

إن وجود الكذابين والملاحدة والشعوبيين وفاسدي العقيدة والمذمومين من قبل الأئمّة، إن سلّمناه تنزّلا بهذه الضخامة والكثرة التي يحاول إيحاءها، فهو منعكس عليه، فكم من رواة الكتب التي ذكرها، واعتبرها صحاحاً من كذابين ووضاعين ونواصب وخوارج وزنادقة ومرجئة وقدرية و و و، ومع ذلك نراهم يأخذون عنهم رواياتهم ودينهم، هذا ناهيك عن المليَّنين الذين ملأوا الكتب بأحاديثهم واعتبروها.

وقد ألف رجالهم في الضعفاء كتباً كثيرة كثيرة، فابن عدي في الكامل ذكر (2206) شخص وسمّى كتابه "الكامل في ضعفاء الرجال"، وألف الذهبي "ديوان الضعفاء والمتروكين" وفيه (5099) شخص، كما ألّف "المغني في الضعفاء" وذكر فيه "7855"، ثمّ ألّف من بعده "ميزان الاعتدال" وذكر فيه (11061) ترجمة من المجروحين، وذيّل عليه الإمام أبو الفضل عبدالرحيم بن الحسين العراقي بكتابه "ذيل ميزان الاعتدال" فزاد عليهم (789) ترجمة، فصار المجموع (11850) ، وإذا علمت أنّ رواة الكتب التسعة عددهم (14449) شخص ـ حسب ما في كتاب موسوعة رجال الكتب التسعة ـ عرفت مقدار

الصفحة 65
المجروحين من رواتهم.

نعم، ندري أنّ رواة جميع الكتب والمصنفات عند العامة أكثر من خصوص رواة الكتب التسعة، لكنّ ما ذكرناه إنّما هو لمجرّد تقريب صورة الحقيقة التي يحاول المتعصبون تغطيتها عبثا.

هذا مع أنّ الذهبي لم يذكر الصحابة المجروحين لجلالتهم ـ حسب تعبيره ـ وكذا لم يذكر فيه من الائمّة المتبوعين في الفروع أحداً لجلالتهم في الإسلام وعظمتهم في النفوس مثل أبي حنيفة والشافعي والبخاري(1)...

وإذا كابرتَ في ذلك، فاقرأ نصّ ما كتبه الذهبي:

وقد احتوى كتابي هذا على ذكر الكذابين الوضاعين المتعمدين قاتلهم الله، وعلى الكاذبين في أنهم سمعوا ولم يكونوا سمعوا، ثمّ على المتّهمين بالوضع أو بالتزوير، ثمّ على الكذابين في حديثهم لا في الحديث النبوي، ثمّ على المتروكين الهلكى الذين كثر خطؤهم وترك حديثهم ولم يعتمد على روايتهم، ثمّ على الحفّاظ الذين في دينهم رقّة، وفي عدالتهم وهنٌ، ثمّ على المحدثين الضعفاء من قبل حفظهم فلهم أغلاط وأوهام ولم يترك حديثهم... ثمّ على خلق كثير من المجهولين ممن ينص أبو حاتم الرازي على أنّه مجهول أو يقول غيره: لا يعرف أو فيه جهالة أو يجهل أو نحو ذلك من العبارات... ثمّ على الثقات الأثبات الذين فيهم بدعة، أو الثقات الذين تَكلّم فيهم من لا يُلتفت إلى كلامه في ذلك الثقة...

ولم أتعرض لذكر من قيل فيه: محلّه الصدق، ولا من قيل فيه: لا بأس به، ولا من قيل: هو صالح الحديث، أو يكتب حديثه، أو هو شيخ، فإنّ هذا وشبهه يدل على عدم الضعف المطلق...

واردأُ عبارات الجرح: دجال كذاب، أو وضاع يضع الحديث، ثمّ متّهم بالكذب، ومتفق على تركه، ثمّ متروك ليس بثقة وسكتوا عنه، وذاهب الحديث، وفيه نظر، وهالك،

____________

1- انظر مقدمة ميزان الاعتدال 1:113.


الصفحة 66
وساقط، ثمّ واه بمرّة، وليس بشيء، وضعيف جدَّا، وضعفوه، وضعيف وواه، ومنكر الحديث، ونحو ذلك(1)...

ثمّ قال: وكذلك مَن قد تكلم فيه من المتأخرين، لا أورد منهم إلاّ من قد تبين ضعفه، واتّضح أمره من الرواة... ثمّ من المعلوم أنه لابد من صون الراوي وستره... ولو فتحتُ على نفسي تليين هذا الباب لَمَا سَلِمَ معي إلاّ القليل، إذ الأكثر لا يدرون ما يروون، ولا يعرفون هذا الشان(2)...

فأيّ عبارات الذم بقيت بعيدة عنها كتبكم؟! وأي راو ـ إلاّ أقل القليل ـ سلم عندكم عن طعن طاعن أو جرح جارح أو تليين مليّن، ومع ذلك تصرحون بأنّه لابدّ من سترهم وصونهم، فهل هي هذه الطرق التي تتحدون بها طرق الإماميّة يا رجُل؟!

وهل من الدِّين أن تذكر طرق الإمامية الموحّدين أتباع آل محمد مقرونة بطرق أهل الكتاب في تدوينهم العهدين القديم والجديد؟!

وهذا الإمام مالك ذكر الأحاديث التي صحّت عنده في موطئه، وغاية أحاديثه ثلاثمائة (300) حديثًا أو نحوها(3).

والإمام أبو حنيفة يقال: بلغت روايته سبعة عشر حديثاً أو نحوها(4).

وعن صالح الفراء، قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: ردّ أبو حنيفة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أربعمائة حديث أو أكثر...

وروى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن يوسف عن أسباط، قال: قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله وأدركته لأخذ بكثير من قولي، وهل الدين إلاّ الرأي الحسن(5).

____________

1- ميزان الاعتدال 1:113 ـ 114.

2- ميزان الاعتدال 1:115.

3- مقدمة ابن خلدون:444.

4- مقدمة ابن خلدون:444.

5- تاريخ بغداد:13 / ترجمة النعمان بن ثابت. وانظر بعض ما يتعلق بذلك في معالم المدرستين 2:373 ـ 378.


الصفحة 67
وكان البخاري يعرِّض بأبي حنيفة ويردّ أقواله في صحيحه، فكل موضع قال فيه "قال بعض الناس" فإنما يعني به أبا حنيفة(1)، وهي سبعة وعشرون مورداً، أربعة عشر منها في كتاب الحيل، والباقي في كتب متفرقة.

وإذا أراد المنصف أن يقف على حقيقة بطلان ما تخرّصه الشربيني في حق الكتب الأربعة ورواتها، ودفاعه الأعمى عن كتبهم الستة، فإليه صورتين متضادتين عن هذه الكتب ورواتها، إذ أنّ البخاري لم يروِ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق في صحيحه لأنّه شيعي!!! وروى عن عمران بن حطان الخارجي الذي مدح ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، ويروي النسائي عن عمر بن سعد قاتل الإمام الحسين (عليه السلام) ، ويروي الترمذي عن سيف بن عمر التميمي الزنديق الوضاع، ويروون جميعهم عن حمران بن أبان (طويدا) اليهودي الفارسي الشعوبي "صاحب حديث الوضوء عن عثمان" الذي نفاه عثمان، والمشارك مع مروان في كتابة كتاب قَتْل الثوار المصريين، والذي لم يكن له حظ من الرواية إلاّ أقل من القليل ثمّ يزعمون أنّه الفقيه الفارسي الثقه العظيم!! وسيأتيك بعض التفسير ولا ينبؤك مثل خبير.

البخاري وموقفه من الصادق (عليه السلام)

قال ابن حجر في تقريب التهذيب: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبدالله، المعروف بالصادق، صدوقٌ فقيه إمام(2).

وقال أبو حنيفة: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد(3).

وقد شهد بعلو شأن الإمام الصادق (عليه السلام) وعظمته أعاظم أبناء العامة، حتّى أن أبا حاتم

____________

1- انظر فتح الباري 3:288، وتحفة الاحوذي 4:533.

2- تقريب التهذيب 1:219.

3- سير أعلام النبلاء 6:257. والفضل ما شهدت به الاعداء.


الصفحة 68
قال: لا يُسْأَل عن مثله، ولم يتعرّض له إلاّ بعض الشراذم مثل ابن سعد ويحيى القطان(1)، لكن المحققين رفضوا مثل هذه الأقاويل وأجمعوا في نهاية المطاف على إمامته وعظمته وعلوّ شأنه.

قال الذهبي في تاريخ الإسلام: مناقب جعفر كثيرة، وكان يصلح للخلافة لسؤدده وفضله وعلمه وشرفه رضي الله عنه(2).

وقال عمرو بن أبي المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنّه من سلالة النبيين(3).

ولعل إطالة سرد الأقوال يخرجنا عما نحن بصدده، إذ لم يبق اليوم من لا يؤمن بعظمه هذا الإمام، وقد روى له أصحاب الصحاح الخمسة سوى البخاري(4).

قال الذهبي: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين الهاشمي، أبو عبدالله، أحد الأئمّة الأعلام، برٌّ صادق كبير الشأن، لم يحتجّ به البخاري(5).

ويبدو أنّ علّة ذلك هو النَّصب في البخاري الذي حداه لترجيح الخوارج والقدرية والجهمية: فإنه كان يتجنب الرافضة كثيراً، كان يخاف من تدينهم بالتقية، ولا يتجنب القدرية ولا الخوارج ولا الجهمية، فإنهم على بدعتهم يلزمون الصدق(6). وقد أوضحنا لك

____________

1- سير اعلام النبلاء 6:256. وفي ذلك يقول العلاّمة صارم الدين الوزير: قول يحيى مشعرٌ بأنّه من نواصب البصرة العثمانية، وقال:


رام يحيى بن سعيد لك يا جعفرُ وَصْما
وأتى فيك بقول ترك الأسماع صُما

انظر الأبيات كاملة في الفلك الدوار:42.

2- تاريخ الإسلام.

3- تهذيب الكمال 5:78.

4- انظر تهذيب الكمال 5:97. وترجم له في تاريخه الكبير 2:198 ـ 199.

5- ميزان الاعتدال 2:144.

6- انظر تهذيب التهذيب 7:392 في ترجمة علي بن هاشم بن البريد الكوفي.


الصفحة 69
بعض الشيء فيما مرّ عن تمحّلاتهم للخروج من هذا المأزق الذي أوقعهم فيه البخاري.

وقد علق العلاّمة أبو بكر بن شهاب الدين بأبيات يعاتب فيها البخاري، متعجّبًا من صنيعه هذا، فقال:


قضية أشبه بالمرزئه هذا البخاري إمام الفئه
بالصادق الصديق ما احتجّ في صحيحه واحتجّ بالمرجئه
ومثل عمران بن حطان أو مروان وابن المرأة المخطئه
مشكلة ذات عوار إلى حيرة أرباب النهى ملجئه
وحقّ بيت يممته الورى مغذة في السير أو مبطئه
إن الإمام الصادق المجتبى بفضله الآيُ أتت منبئه
أجلّ من في عصره رتبة لم يقترف في عمره سيّئه
قلامةٌ من ظفر إبهامه تعدل من مثل البخاري مئه(1)

وفي مقابل ذلك نرى ابن حجر في تقريب التهذيب يلخص مرتبة ابن حطان في الرواية قائلاً: صدوق إلاّ أنّه كان على مذهب الخوارج(2).

ومرتبة "صدوق" مؤدّاها أنّه لا يجوز الاحتجاج به في الاُصول، بل يصلح للشواهد والمتابعات(3)، وعلى ذلك أبناء العامة، لكنّ البخاري احتجّ به كأصل في صحيحه!! وعلى هذا تبطل كلّ الوجوه التي قيلت في التفصِّي عن هذا الإشكال الوارد على البخاري وأتباعه.

على أنّ مرتبه "صدوق" التي أضفوها إلى عمران بن حطان فيها من المجازفة ما لا يعلمه إلاّ الله، كيف يكون صدوقاً اصطلاحيَّاً مع أنّه من رؤوس أصحاب البدع ومن الدعاة

____________

1- النصائح الكافية: 89، والعتب الجميل: 40 ـ 41.

2- تقريب التهذيب 3:113، المطبوع مع تحرير التقريب.

3- انظر مقدمة ابن الصلاح:238، والتقريب للنووي:14، وتدريب الراوي:186، والباعث الحثيث 1:133 ـ 134، والخلاصة في اُصول الحديث:88، وفتح المغيث 1:395.