الصفحة 83
ويعملون بها، بل إنّ عمدة رواة الوضوء عندهم هو طويدا اليهودي.

على أنّ دعوى امتلاء الكتب الأربعة بالكذّابين والملاحدة والشعوبيين، دعوى كاذبة خالية من الدليل، إذ الكتب الأربعة حالها حال كل كتب الروايات، خاضعة للتمحيص والنظر، ولكل حديث درجته من الصحّة والحُسن والتوثيق والضعف و و... فوجود بعض الكذابين و غيرهم لا يضرّ بعظمة هذه الكتب الأربعة، كما لا يضر وجود أمثال هؤلاء في منزلة الكتب التسعة و غيرها من المسانيد والمجاميع الحديثية عند العامة، هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ البخاري التزم إيراد الصحيح فقط والكليني لم يلتزم ذلك، فمؤاخذته في غير محلّها، والقياس قياس مع الفارق.

قال الإمام الخوئي في مقدمة معجم رجال الحديث بعد بحث له حول روايات الكتب الأربعة: و قد تحصّل من جميع ما ذكرناه أنّه لم تثبت صحّة جميع روايات الكتب الأربعة، فلا بدّ من النظر في سند كلّ رواية منها، فإن توفّرت فيها شروط الحجية أخذ بها وإلاّ فلا.(1)

و قال السيد محمد المجاهد في مفاتيح الأصول: إنّ الذي عليه محقّقوا أصحابنا عدمُ حجية كلّ ما ذكره الكليني... بل شاع بين المتأخرين تضعيف كثير من الأخبار المروية فيه سنداً.(2)

وقال الميرزا حسين النوري الطبرسي: انه لم يدّع أحدٌ ـ حتّى من ادّعى قطعيّة أخبار الكافي ـ أنّ أخباره صحيحة ـ بالمصطلح الجديد ـ فيكون رجال أسانيدها في جميع الطبقات من عدول الإمامية، كيف و فيه من رجال سائر المذاهب ما لا يحصى...

نعم، إنّ هناك قلّة قليلة ذهبت إلى صحّة جميع ما في الكافي بمعنى أنّ كلّ ما فيه موثوق بصدوره عن من ينتهي إليه، مهذّب عما يدرجه في سلك الضعاف عندهم، لم يجمع فيه بين الغث والسمين، والسليم والسقيم، بل كلّه صحيح بهذا المعنى، حجّة عند من بنى على حجية

____________

1- معجم رجال الحديث 1: 91.

2- مفاتيح الاصول: 334 ـ 335.


الصفحة 84
هذا القسم من الخبر، يعمل به مثل ما يعمل كُلٌّ بما هو حجّة عنده من أقسامه، فإن خلا عن المعارض يتمسك به، وإلاّ فقد يقدم غيره عليه إذا اشتمل على مزايا توجب تقديمه.(1)

فمبنى الإمامية خلفاً عن سلف هو إخضاع جميع الأحاديث ـ الكتب الأربعة و غيرها ـ للأصول الرجالية و الحديثية، ثم يُعلم قيمة كل حديث منها، فأما القائلون بصحة جميع ما في الكافي وهم قلة قليلة فإنهم يقولون بصحّة الصدور في الجملة لا بالجملة، أي صحة انتسابها إلى رواتها، أو بصحّة أحاديثه بالقرائن.

قال الدكتور عبدالهادي الفضلي: ذهبت الكثرة الكاثرة من علماء الإمامية الى عدم الاعتقاد بصحّة جميع مرويات الكليني في كتابه "الكافي"... والقلّة من علماء الإمامية التي ذهبت إلى صحة مرويات الكليني في الكافي اعتمدت على قرائن علمية وأخرى تاريخية أفادت منها ذلك.(2)

فالشربيني يجهل كلّ الجهل مباني الإمامية، و يُلقي الكلمات على عواهنها، و لا يعرف شيئاً عن أصول الإمامية الحديثية و طرقها، و لا عن أصولهم الدرائية و الرجالية، بل هو رجل التقاطي، يأخذ ما وقعت عليه عيناه دون فهم و لا تمحيص، و قد ادّعى على الدكتور الفضلي أمراً مكذوباً، فقد قرأتَ كلامه بنصّه و هو يختلف عما نقله الشربيني و يبعد عنه بُعد الأرض عن السماء.

ولكي تتحقق من كذبه على الشيعة وعلى الدكتور الفضلي، فإليك نصّ خلاصة البحث الذي كتبه الدكتور الفضلي في كتابه "اصول الحديث":210ـ 219 حيث قال في آخر سطرين من صفحة 219:

والنتيجة هي أنّ ما فيه الكتب الاربعة لا يختلف عمّا في غيرها من كتب الحديث من لزوم اخضاعه لقواعد تقييم الراوي والرواية.

____________

1- خاتمة المستدرك 3: 495 ـ 496.

2- تاريخ التشريع الاسلامي: 234.


الصفحة 85
وأكرر كلامي هنا مرّة اخرى قائلاً: انّ ثقل العتب لا يقع على الشربيني بقدر ما يقع على عاتق الازهر ومشايخه وأساتذته الذين أعطوا درجة "امتياز" لرسالة فيها مثل هذا الكذب الفاضح، وهلاّ طالعوا ما سطّره ورأوا مصادر نقله ووقفوا على حقيقة الأمر قبل منح الدرجات جزافاً!!!

على أنّ هناك من كبار أئمة العامة من لم يذعنوا لصحّة جميع ما في البخاري، فقد ضعّف النسائيُّ جماعةً أخرج لهم الشيخان أو أحدهما.(1) واستدرك الدار قطني على البخاري أحاديث و طعن في بعض أحاديث البخاري.(2)

كما أنّهم صحّحوا أحاديث ضعافاً وعملوا بها لمجرّد أنّ الناس تلقّوا ذلك الحديث بالقبول، قال العلامة الفقيه ظفر أحمد العثماني التهانوي: قد يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح; قال ابن عبد البرّ في الاستذكار ـ لمّا حكى عن الترمذي أنّ البخاري صحّح حديث البحر "هو الطَّهُور ماؤه" ـ: وأهل الحديث لا يصحّحون مثل إسناده، لكنّ الحديث عندي صحيح لأنّ العلماء تلقّوه بالقبول.(3)

وقال في الفصل الثاني نقلا عن تدريب الراوي: وإذا قيل: هذا حديث غير صحيح، فمعناه لم يصحّ إسناده على الشرط المذكور لا أنه كذب في نفس الأمر، لجواز صدق الكاذب وإصابة من هو كثير الخطأ.(4)

قال التهانوي: قلت: فيجوز أن يحتجّ بالضعيف إذا قامت قرينة على صحته، كما يجوز أن يترك العمل بالصحيح لقرينة على خلافه.(5)

وقال الشوكاني في فتح القدير: وقد أخرج مسلم عن كثير ـ في كتابه ـ ممن لم يسلم من

____________

1- الامام البخاري محدثا و فقيها: 140.

2- الامام البخاري محدثا و فقيها: 210.

3- قواعد في علوم الحديث: 60 ـ 61.

4- تدريب الراوي: 30.

5- قواعد علوم الحديث: 56.


الصفحة 86
غوائل الجرح، وكذا في البخاري جماعة تكلم فيهم، فدار الأمر في الرواة على اجتهاد العلماء فيهم.(1)

وقال: إذا تأيَّدَ الضعيف بما يدل على صحّته من القرائن كان صحيحاً.(2)

وقد صرّح الشربيني في ص 373 من مجلده الأول بأنّ من كتب حديثهم ما هو معلوم الصحة، وعدّ منها المستخرجات. مع أنّ عبدالفتاح أبا غدة قال: إنّ إطلاق الحكم بصحة ما في المستخرجات فيه نظر، إذ يوجد فيها الصحيح والضعيف... فإطلاق الحكم بصحة ما فيها ليس بجيد.(3)

وأطلق بعضهم القول بمقبولية كل ما في مسند أحمد، قالوا: وكلّ ما في مسند أحمد فهو مقبول، فإنّ الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن.(4)

قال أبو غدة: هذا أغلبيٌّ وليس بمطّرد، إذ فيه الضعيف شديد الضعف، وفيه ما قيل فيه: موضوع.(5)

وقال الحافظ الذهبي: في مسند أحمد جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها ولا يجوز الاحتجاج بها، وفيه أحاديث شبه موضوعة.(6)

وقال الامام الكوثري في تعليقه على خصائص المسند لأبي موسى المديني: وجملة ما نظمه ابن الجوزي من أحاديث المسند في سلك الموضوعات ثمانية وثلاثون حديثاً... وأما الأحاديث الضعيفة في المسند فكثيرة ولا كلام.(7)

وأطلقوا لفظ الصحيح على المجتبى للنسائي، مع أن السّنديّ في تعليقته على النسائي

____________

1- انظر فتح القدير 1: 115 و 317.

2- انظر فتح القدير 1: 461.

3- انظر الهامش 3 من كتاب قواعد علوم الحديث للتهانوي: 67.

4- كنز العمال 1: 10، و الجامع الكبير للسيوطي في ديباجة قسم الاقوال.

5- انظر الهامش (1) من ص 69 من قواعد في علوم الحديث للتهانوي.

6- سير أعلام النبلاء 11: 329.

7- انظر تعليقه على خصائص المسند: 12.


الصفحة 87
قال: و بالجملة فإطلاق الصحيح على كتاب النسائي الصغير مبنيٌّ على تسمية الحسن صحيحاً أيضاً، و الضعيف نادرٌ جدّاً و ملحق بالحَسَن إذا لم يوجد في الباب غيره، و هو أقوى عند المصنّف و أبي داود من رأي الرجال.(1)

و الكلام في هذا طويل، و تفصيله خارج عن نطاق هذه الأوراق، و فيما أتينا به من نماذجَ دلالةٌ على التزامهم بصحّة و مقبولية كثير من الكتب مع وجود الموضوعات و الأحاديث الضعاف فيها بكثرة، و قد وقفتَ على شيء من تصحيحهم الأحاديث الضعاف بالقرائن، بل بقبول الناس للحديث، و وقفت على أنّ البخاري و مسلماً أخرجا لجماعة متكلّم فيهم، كما عرفت إلحاقهم الضعيف بالحسن إذا لم يوجد في الباب غيره، و أنّ النسائي و أبا داود يعدّان ذلك أقوى من رأي الرجاليين؟!!

فمع كل هذه المباني ـ و ما تركناه منها أكثر ـ كيف يصحّ التحامل على الإمامية جميعاً لمجرّد تصحيح البعضِ القليلِ القليلِ منهم لأحاديث الكافي بالقرائن؟! و هاهي أقوالهم بتصحيح و قبول المستخرجات و سنن النسائي و مسند أحمد و غيرها مع تصريحاتهم بوجود الموضوعات فيها و الضعاف بكثرة كاثرة. فلماذا يجوز عند الأستاذ ذلك و لا يجوز في الكافي؟! اللهم إنّ هذا لا يكون إلاّ من جهله بمباني الإمامية و تحامله عليهم بناء على ذلك الجهل المطبق.

و أحقّ ما يقال في هذا المجال ما قاله الشاعر:


لو كُنتَ تعلم كلَّ ما علم الورى طرّاً لصرتَ صديق كُلِّ العالَمِ
لكن جهلتَ فقلتَ أنّ جميعَ من يهوى خلافَ هواك لَيس بعالِمِ

وإذا أردت الوقوف أكثر على حقيقة الوضع والوضّاعين في كتبهم الحديثية والروائية، فاقرأ ما ذكره العلاّمة الأميني في الغدير حيث قال: في وسع الباحث أن يتَّخذ ممّا ذُكر في سلسلة الكذّابين من عدِّ ما وضعوه أو قلّبوه قائمة تقرِّب له الوقوف على حساب

____________

1- تعليقه الامام السندي على سنن النسائي 1: 5 ـ 6.


الصفحة 88
الموضوعات والمقلوبات من الأحاديث المبثوثة في طيّات كتب القوم ومسانيدهم; وإن لم يمكنه عرفان جلّها فضلا عن كلّها إذ لم يكن هناك مدوَّنٌ لتسجيل الوضّاعين; و ضبط ما افتعلوه، و حصر ما لفَّقوه من موضوع أو مقلوب، والذي يوجد في ترجمة شرذمة قليلة من اُولئك الجمِّ الغفير إنَّما هو من لقطات التاريخ حفظته يد الصدفة لا عن قصد، وإليك جملة من تلك الثَّويلة:

الأعلام عدد الأحاديث أبو سعيد أبان بن جعفر وضع أكثر من 300 أبو علي أحمد الجويباري وضع هو وابنا عكاشة و تميم أكثر من 10000 أحمد بن محمّد القيسي لعلّه وضع على الأئمّة أكثر من 3000 أحمد بن محمّد الباهلي أحاديثه الموضوعة 400 أحمد بن محمّد المروزي قلّب على الثقات أكثر من 10000 أحمد أبو سهل الحنفي أحاديثه المكذوبة 500 بشر بن الحسين الأصبهاني له نسخةٌ موضوعةٌ فيها 150 بشر بن عون له نسخةٌ موضوعةٌ نحو 100 جعفر بن الزبير وضع على رسول الله (صلى الله عليه وآله) 400 الحارث بن اُسامة أخرج أحاديث موضوعة تعدّت 30 الحسن العدوي حدَّث بموضوعات تربو على 1000 الحكم بن عبدالله أبو سلمة وضع نحو 50 دينار الحبشي روى عن أنس من الموضوعات قريباً من 100(1)

زيد بن الحسن وضع 40

____________

1- قال الذهبي في ميزان الاعتدال 3: 49 / الترجمة 3338 "قال لنا القفاصُ: أحفظ عن دينار مائتين وخمسين حديثا. قلت: إن كان من هذا الضرب فيقدر أن يروي عنه عشرين ألفاً كلّها كذب".


الصفحة 89
زيد بن رفاعة أبو الخير له من الموضوعات 40 سليمان بن عيسى وضع بضعاً و 20 شيخ بن أبي خالد البصري وضع 400 صالح بن أحمد القيراطي لعلّه قلّب أكثر من 10000 عبدالرَّحمن بن داود له من الموضوعات 40 عبدالرَّحيم الفاريابي وضع أكثر من 500 عبدالعزيز موضوعاته و مقلوباته 100 عبدالكريم بن أبي العوجاء وضع 4000 عبدالله القزويني وضع على الشافعي نحو 200 عبدالله القدامي قلّب على مالك أكثر من 150(1)

عبدالله الرّوحي روى من الموضوع أكثر من 100 عبدالمنعم أخرج من الحديث الكذب نحواً من 200 عثمان بن مقسم له عند شيبان ممّا لا يسمع 25000 عمر بن شاكر له نسخةٌ غير محفوظة نحو 20 محمّد بن عبدالرَّحمن البيلماني حدَّث كذباً 200 محمّد بن يونس الكديمي وضع أكثر من 1000 محمّد بن عمر الواقدي روى ممّا لا أصل له 30000 معلّى(2) بن عبدالرَّحمن الواسطي وضع 90 ميسرة بن عبد ربّه البصري وضع 40 نوح بن أبي مريم وضع في فضل السّور 114

____________

1- اللآلئ المصنوعة 3: 336.

2- في بعض المصادر: يعلى.


الصفحة 90
هشام بن عمّار حدَّث كذباً 400 فمجموع موضوعات هؤلاء المذكورين و مقلوباتهم: (98684) أضف إليها ما تركوا من حديث عبّاد البصري من 60000 و مارُمي من حديث عمر بن هارون من 70000 و مارُمي من حديث عبدالله الرازي من 10000 و ما تُرك من حديث ابن زبالة من 100000 و مارُمي من أحاديث محمّد بن حميد من 50000 و ما أسقطوه ممّا كتبوه من حديث نصر من 40868420000(1)

فمجموع ما لا يصحُّ من أحاديث هذا الجمع القليل فحسب يقدّر بأربعمائة و ثمانية آلاف و ستمائة و أربعة و ثمانين حديثاً.

و لا يعزب عن الباحث أنّ هذا العدد إنّما هو نزرٌ يسيرٌ نظراً إلى ما اختلقته أيدي الافتعال الأثيمة المتكثِّرة، و كان لجلٌ الكذّابين الوضّاعين لولا كلّهم تآليف تحوي شتات ما لفّقوه ممّا لا يُحدُّ و لا يُقدَّر، و التاريخ لم يحفظ لنا شيئاً منها غير الإيعاز إليها في تراجم جمع من مؤلِّفيها كما مرَّ من أقوالهم:

احمد بن ابراهيم المزني، له نسخة موضوعةٌ.

أحمد بن محمّد الحِمَّاني، صنّف في مناقب أبي حنيفة نسخة كلّها موضوعةٌ.

اسحاق بن محمشاذ، له مصنف في فضائل ابن كرام كلها موضوعةٌ.

أيّوب بن مدرك الحنفي، له نسخةٌ موضوعةٌ.

بريه بن محمّد البيِّع، له كتابٌ أحاديثه موضوعةٌ.

الحسن بن علي الأهوازي، صنّف كتاباً أتى بالموضوعات.

____________

1- انظر تفصيل ما في هذه القائمة في ترجمة رجالها في سلسلة الكذابين والوضاعين. من كتاب الغدير 5: 209 ـ 275.


الصفحة 91
الحسين بن داود البلخي، له نسخةٌ أكثرها موضوع.

داود بن عفّان، له نسخةٌ موضوعةٌ على أنس.

زكريّا بن دريد، له نسخةٌ كلّها موضوعةٌ.

عبدالرَّحمن بن حمّاد، عنده نسخةٌ موضوعةٌ.

عبدالعزيز بن أبي زواد، عنده نسخةٌ موضوعةٌ.

عبدالكريم بن عبدالكريم، له كتابٌ موضوعٌ.

عبدالله بن الحارث، له نسخةٌ كلّها موضوعةٌ.

عبدالله بن عُمير القاضي، له نسخةٌ موضوعةٌ على مالك.

عبدالمغيث بن زهير الحنبلي، له جزءٌ موضوعٌ في فضائل يزيد.

عبيد بن القاسم، له نسخةٌ موضوعةٌ.

العلاء بن زيد البصري، له نسخةٌ موضوعةٌ.

لا حق بن الحسين المقدسي، كتب من حديثه الموضوع زيادة على خمسين جزءاً.

محمّد بن أحمد المصري، له نسخةٌ موضوعةٌ.

محمّد بن الحسن السَّلمي، ألَّف كتباً تبلغ مائة كتاب.

محمّد بن عبدالواحد الزّاهد، له جزءٌ في فضائل معاوية.

محمّد بن يوسف الرقِّي، وضع نحواً من ستين نسخة.

موسى بن عبدالرَّحمن الثقفي، وضع كتاباً في التفسير.

وعلى القارئ أن يتّخذ هذا مقياساً ويقدِّر به موضوعات جميع من ذكرناه من الكذّابين والوضّاعين ومقلوباتهم ومن لم نذكرهم، فلا يستكثر عندئذ قول يحيى بن معين: كتبنا عن الكذّابين وسجرنا به التنّور وأخرجنا به خبزاً نضيجاً.(1)

____________

1- تاريخ الخطيب البغدادي 14: 184.


الصفحة 92
وقول البخاري صاحب الصحيح: أحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.(1)

وقول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: إنَّه حفظ أربعة آلاف حديثاً مزوَّرة.(2)

وقول يحيى بن معين: أيّ صاحب حديث لا يكتب عن كذّاب ألف حديث؟. [طب 1، ص 43].

وقول الخطيب البغدادي: لأهل الكوفة و أهل خراسان من الأحاديث الموضوعة والأسانيد المصنوعة نسخٌ كثيرةٌ، وقلّ ما يوجد بحمدالله في محدِّثي البغداديِّين ما يوجد في غيرهم من الاشتهار بوضع الحديث والكذب في الرّواية. [طب 1، ص 44] وقول أبي بكر بن أبي سبرة الوضَّاع الكذّاب: عندي سبعون ألف حديث في الحلال والحرام. [يب 12: 27] وقد عدّ الفيروزآبادي صاحب "القاموس" في خاتمة كتابه "سفر السَّعادة" واحداً وتسعين باباً توجد فيها أحاديث كثيرة في كتبهم فقال: ليس منها شيءٌ صحيحٌ ولم يثبت منها عند جهابذة علماء الحديث.

وذكر العجلوني في خاتمة كتابه "كشف الخفاء" جملة من الموضوعات والوضّاعين والكتب المزوَّرة وعدّ في ص 419 ـ 424 مائة باب ـ أكثرها في الفقه ـ وقال بعد كلِّ باب: لم يصحّ فيه حديثٌ. أو: ليس فيه حديثٌ صحيحٌ. وما يقرب من ذلك.

وعدّ ابن الحوت البيروتي في "أسنى المطالب" ما يربو على ثلاثين مبحثاً ممّا يرى الأحاديث الواردة فيه باطلا لم يصحّ شيءٌ منها(3).

____________

1- إرشاد الساري للقسطلاني في شرح صحيح البخاري 1: 33.

2- تاريخ الخطيب البغدادي 6: 352.

3-.وقد اعترف الشربيني بوجود الكذّابين عندهم، زاعماً أنّهم قابلو بذلك كذب الشيعة، ونحن نأخذه باقراره على نفسه وأهل معتقده وننكر ما ينسبه الينا، وذلك من باب الالزام. فاقرأ كلامه. قال في1:100 "وقد ضارعهم االجهلة من أهل السنة فقابلواـ مع الاسف ـ الكذب بكذب مثله....ومن ذلك الحديث: ما في الجنّة شجرة الاّ مكتوب على ورقة منها لا اله الاّ الله...أبوبكر الصدّيق. عمر الفاروق. عثمان ذو النورين". وقال في1: 101 "فالجهلة من أهل السنّة وان قابلواـ مع الاسف ـ كذب الشيعة بكذب مثله، إلاّ أنّهم لم يحاولوا العبث والكيد للسنة المطهّرة كما فعل الشيعة". وقال في1:410 نقلاً عن محمّد أبي شهبة "انّ معنى الحسبة أن يقصد الواضع وجه الله وثوابه وخدمة الشريعة ـ على حسب زعمةـ بالترغيب في فعل الخير والفضائل، وهم قوم من جهلة الصوفيّة والكراميّة، جوّزوا الوضع في الترغيب والترهيب".

ونقل في 1: 419 عن يحيى بن سعيد القطّان قوله "لم نر الصالحين في شىء أكذب منهم في الحديث".

ونقل في 1: 420ـ 421 عن الشعراني قوله في العهود الكبرى "واعلم يا أخي أنّ أكثر من يقع في خيانة هذا العهد المتصوّفة.....وسمعت شيخنا شيخ الاسلام زكريّا يقول: انّما قال بعض المحدّثين أكذب النّاس الصالحون، لغلبة سلامة بواطنهم، فيظنّون بالناس الخير وأنّهم لا يكذّبون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

فها هو يعترف بوجود الكذابين عندهم، وانّ منهم من جوزوا الكذب حسبة وانّ الصالحين منهم كانوا أكثر من يقع في الخيانة لسلامة بواطنهم!!

فخذ كلماته هذه كلّها الدالة على أنّ عندهم الوضاعين والكذابين على النّبي (صلى الله عليه وآله) وضعه بجانب قوله في 1: 443 من كتابه "وخلاصه القول: انّ ما وقع من وضع في السنة ايام الامويين والعباسين وقع من غلاة الشيعة الرافضه والزنادقة وغيرهم ممن لا يمتون الى العلم بصلة "لتقف على مقداره حقده ونصبه وجهله.


الصفحة 93
ويُعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمَّة الحديث أخبارَ تآليفهم الصِّحاح والمسانيد من أحاديث كثيرة هائلة والصَّفح عن ذلك الهوش الهائش. قدأتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمان مائة حديثاً وقال: انتخبته من خمسمائة ألف حديث(1)، ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار ألفي حديث وسبعمائة وواحد وستِّين حديثاً اختاره من زهاء ستمائة ألف حديث(2)، وفي صحيح مسلم أربعة آلاف حديث أصول دون المكرّرات صنَّفه من ثلاثمائة ألف(3) وذكر أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثين ألف حديث وقد انتخبه من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديثاً وكان يحفظ ألف ألف

____________

1- طبقات الحفاظ للذهبي 2 ص 154، تاريخ بغداد 9 ص 57، المنتظم لابن الجوزي 5 ص 97.

2- طب 2 ص 8، ارشاد الساري 1 ص 28، صفة الصفوة 4 ص 143.

3- المنتظم لابن الجوزي 5 ص 32، طبقات الحفاظ للذهبي 2 ص 151، 157، شرح صحيح مسلم للنووي ج 1 ص 32.


الصفحة 94
حديث(1)، وكتب أحمد بن الفرات المتوفّى 258 هـ ألف ألف وخمسمائة ألف حديث فأخذ من ذلك ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد وغيرها. صه ص 9.

هذه ناحيةٌ واحدةٌ من شئون الحديث وهناك نواحي اُخرى ناشئة عن ألفاظ الجرح المتكثِّرة غير الكذب والوضع، توجد تحت كلِّ واحدة منها اُمّةٌ كبيرةٌ من رجال الحديث جاء كلّ فرد منها بأحاديث جمَّة مثل قولهم:

"لا تحلُّ الرِّواية عنه. أحاديثه كلّها موضوعةٌ". "يروي مالا أصل له". "يروي الموضوعات عن الثقات". "أحاديثه مقلوبةٌ منكرةٌ". "ليس بشيء في الحديث". "يأتي عن الثقات بالطامّات". "لا يحلُّ الاحتجاج به". "يقلِّب الأسانيد ويرفع". "يرفع الموقوف ويوصل". "يسرق الحديث ويقلِّب". "ليس بثقة في الحديث". "لا يحلُّ كتب حديثه". "لا يُتابع في جلِّ حديثه". "لم يكن ثقةً ولا مأموناً". "كلّ الأصحاب مجمعٌ على تركه". "عامَّة ما يرويه غير محفوظ". "لا يُستدلُّ به ويُعتبر به". "ليس له حديثٌ يعتمد عليه". "مضطرب الحديث ليس بشيء". "يكثر من المناكير في تآليفه". "متّفقٌ على تركه". "يأتي بالموضوعات". "يأتي بالمقلوبات". "ذاهب الحديث لا يُكتب عنه". "مدلِّسٌ عن الكذّابين. لا يسوى شيئاً". "ينفرد بالمناكير ليس بحجَّة". "واه بمرَّة". "ضعيفٌ جدّاً". "هالكٌ. ساقطٌ". "مبتدعٌ". "يُدلِّس اختلط". "متَّهمٌ بالكذب". "يُتَّهم بوضع الحديث".(2)

وبعد هذا، هل يبقى عند المنصف شكّ في أنّ كتب الإمامية وطرقهم الروائية ترجح بمراتب على غيرها من كتب العامة بما فيها البخاري ومسلم؟! وهل يبقى أدنى شك في أنّ الشربيني متحامل على الإمامية ومصادرهم الحديثية الممتدة الجذور إلى الأئمة من آل محمّد؟! وأنّ جهله بمبانيهم هو الذي دفعه إلى هذه الورطة التي لا منجى له منها؟!

____________

1- ترجمة احمد المنقولة عن طبقات ابن السبكي المطبوعة في آخر الجزء الأول من مسنده، طبقات الذهبي 2 ص 17.

2- الغدير في الكتاب و السنة 5: 288 ـ 293.


الصفحة 95
اللّهم إنّك تعلم أنّنا لم ندوّن ذلك تحاملا، ولا عداءً، ولكن لإظهار الحقيقة ناصعة في أجلى صورها، مع تقديرنا واحترامنا لكل المسلمين الذين بذلوا جهودهم في حفظ السنة النبوية، و ابتعدوا عن التعصب و الرجم بالظنون. وجدير بنا هنا ان نترحم على مشايخ الازهر الاسبقين كالشيخ محمود شلتوت وسليم البشري وغيرهما من دعاة الوحدة والوفاق والساعين لنبذ روح الفرقة والشتات، وحيّا الله ذكرى كل عالم يحترم العلم والفكر مهما كان مذهبه ومشربه، لكن المأسوف له هو أن تُخترق جامعاتنا ومدارسنا العلمية من قبل شراذم لا يمتون إلى العلم بصلة ولا يمتلكون أبسط مقومات الاستدلال والنظر وآلاته.

د: جهله بموقف الإمامية من الصحابة

كتب الشربيني تحت عنوان "موقف الشيعة من الصحابة" ناقلا ـ كما هو دأبه ـ كلام غيره، وهو الدكتور محمّد العسال، حيث يقول:

يعتقد الشيعة أنّ الصحابة كلّهم كانوا كفرة منافقين مخادعين لله ورسوله لا يستثنون إلاّ خمسة أو سبعة أو بضعة عشر، على خلاف بينهم في هذا، والمجمع على استثنائهم هم: سلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وأبوذر الغفاري، والمقداد، وجابر بن عبدالله الأنصاري.

ويرى بعض الشيعة أنّ الصحابة إنّما كفروا وارتدّوا عن الإسلام بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) لا في حياته...

كما زعموا أنّ كفر الصحابة إنّما هو بسبب إنكارهم النص على ولاية علي (عليه السلام) التي هي أساس الدين عند الشيعة، وقد تواطأ الصحابةُ على جحده وإنكاره إلاّ الخمسة الذين مرّ ذكرهم(1)...

____________

1- كتابه 1: 90، نقلا عن كتاب "الشيعة الاثنا عشرية و منهجهم في التفسير": 461. و لا حظ أسلو به التجميعي الالتقاطي الذي نبّهنا عليه أكثر من مرة.


الصفحة 96
واسترسل في دعاواه قائلا: وفي أصح الكتب عندهم بعد كتاب الله ـ وهو الكافي الذي يعد عندهم كالبخاري عند أهل السنة ـ أخرج الكليني بسنده عن ابي جعفر (عليه السلام) ، قال: كان الناس أهل ردة بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي رحمة الله وبركاته عليهم.(1)

وفي هذا الكلام مواطن من الخلط والتعتيم، وعدم الأمانة في إعطاء الصورة واضحة كاملة كما يقول بها الإمامية الاثنا عشرية.

الأوّل:

دعوى أنّ الكافي عند الإمامية أصحّ كتاب بعد كتاب الله، و هذه الدعوى من عنديّاته، وقد أوقعه فيها اعتقادهم في البخاري أنه أصح كتاب بعد كتاب الله، مع أنك عرفت بعض المؤاخذات المتوجّهة عليه، كما عرفت أنّ الشيعة الإمامية لا تقدس كتاباً سوى كتاب الله، وما عداه فهو خاضع للنقد والتمحيص السندي والمتني، الكافي وغيره في ذلك سواء، بل حتى نهج البلاغة ـ الذي قال في حقّه الإمام محمد عبده أنّه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ـ لا يستثنيه الإماميّة من هذه القاعدة ولا يقولون بصحة كل ما فيه من الجلد إلى الجلد، فدعوى أنّ الكافي أصحّ كتاب بعد كتاب الله مجازفة وافتراء واضح أوقعه فيه اعتقاده ذلك في البخاري، فأسقط خلفياته المذهبية على الآخرين، وتقوَّل عليهم ما لم يقولوه.

ومن الطرائف والنوادر في هذا المجال: أنّ مجلس "المبعوثان" في عهد الأتراك بالعراق قد قرر مبلغاً جسيماً لوزارة الحربية جعلوه لقراءة البخاري في الأسطول، فقال الشاعر جميل صدقي الزهاوي ـ وهو من أبناء العامة ـ وكان عضواً في المجلس: أنا أفهم أنّ هذا المبلغ في ميزانية الأوقاف، أما الحربية فالمفهوم هو أنّ الأسطول يمشي بالبخار لا

____________

1- كتابه 1: 91، نقلا عن الكافي 8: 168، 341.