الصفحة 132

ومن بني أسلم:

294 ـ بريد بن مالك الأسلمي.

295 ـ عبدالله بن مالك الأسلمي.

296 ـ منقذ بن مالك الأسلمي.

297 ـ عروة بن مالك الأسلمي.

298 ـ ابن حصيب الأسلمي.

299 ـ جهجاه بن سعد الغفاري.

300 ـ أبو شريح الخزاعي.

301 ـ صالح بن ناقد. بدري.

302 ـ أبو واقد الحرث بن عوف الليثي.

303 ـ عمير بن قرة الليثي.

304 ـ زيد بن خالد الجهني.

305 ـ مسعود بن أسلم.

306 ـ عامر بن ذهل العدواني.

307 ـ ربيعة بن قيس العدواني.

308 ـ عبدالسلام.

ومن التابعين الذين بشرهم رسول اللهّ (صلى الله عليه وآله) بالجنة وأوجبها لهم:

309 ـ زيد بن صوحان. قتل يوم الجمل.

310 ـ سيحان بن صوحان.

311 ـ راشد بن سمرة.

312 ـ عبدالله بن رقبة.

313 ـ أبو عبيدة. كلهم يأخذ اللواء بعد صاحبه، ثم أخذه:

314 ـ صعصعة بن صوحان. أُثبت ثم عاش بعد ذلك.

315 ـ وجندب الخير. قتل يوم صفين.

316 ـ أويس بن عامر القرني. قتل مع علي بصفين.

317 ـ علقمة بن قيس من التابعين، أصيبت رجله يوم صفين.

318 ـ هند الجملي. قتل يوم الجمل.

319 ـ عبدالله بن سلمة.

320 ـ زياد بن أبي خصفة التيمي.

321 ـ محرز بن الصحصح.(1)

فهذه كتب الشيعة الإمامية مفصحة ناطقة بمدح خيار أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكرام الذين

____________

1- انظر شرح الأخبار 2:16 ـ 36. وهذا الكتاب (من شهد مع علي حروبه) مخطوط، وقد حققه سماحة العلامة السيد محمدرضا الجلالي، ولم يطبع بعدُ.


الصفحة 133
عرفوا الحقّ واتّبعوه، وهم أعداد هائلة من الصحابة، عرفوا فضل أميرالمؤمنين (عليه السلام) فدافعوا عنه وعن مبادئه التي هي مبادئ النبي الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله) ، وهي مبادئ الإسلام الأصيل، فكيف يُفترى على الإمامية بفرية تكفيرهم لجميع الصحابة؟!

ولماذا هذا الخلط للأوراق، والتلاعب بالألفاظ والمفاهيم، وعلامَ يحمّلون كاهل الآخرين ما لم يقولوه؟! إنّ كل ما نقوله هو أنّ الصحابة كسائر البشر وسائر الأمم، منهم الصالحون ومنهم غير الصالحين، والصالحون منهم يتفاوتون في درجات إخلاصهم وقربهم من الله ورسوله، كما أنّ غيرهم أيضاً يتفاوتون في مقدار عدم تقبلهم للحقيقة، فمنهم المنافقون والمنفرون بالنبي (صلى الله عليه وآله) في العقبة، ومنهم المؤلفة قلوبهم، ومنهم من لم يدخل الإيمان في قلوبهم إلاّ بعد حين و و و... وكذلك أصحاب علي (عليه السلام) ، فإنّ منهم من أخلصوا له غاية الإخلاص وفارقوا الدنيا على العهد الذي عاهدوا الله عليه، ومنهم المنافقون كالأشعث بن قيس وأبي موسى الأشعري وغيرهما.

فمجرّد الصحبة للنبي (صلى الله عليه وآله) لا تجعل من المصاحِبِ شخصيةً كاملة لا يمكن محاكمتها أو الخدشة فيها، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) بمنزلة الشمس المشعشعة المنيرة، ومَن صاحبه بمنزلة المرايا، فما صَفَا منها عكس ضوء النبوة بمقدار صفائه، وما كدر منها لم يَزده ضوء الشمس إلاّ صدأً وتهرُّواً، فالنقص إذن في المصاحِب لا المصاحَب (صلى الله عليه وآله) .

وإذا أردت المزيد من البيان والإيضاح، فانظر إلى ما تقوله الإمامية في شرطة الخميس، فإنّ فيهم خُلَّص أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) ، وكان تعدادهم خمسة أو ستة آلاف(1) من المقاتلين المخلصين الصناديد الذين عاهدوا الله ورسوله، وبايعوا أميرالمؤمنين (عليه السلام) على النصر أو الشهادة.

قال المامقاني: وقد قيل للأصبغ بن نباتة الذي هو من شرطة الخميس: كيف سُمِّيتم شرطة الخميس يا أصبغ؟ فقال: إنّا ضمنا له ـ أي لأميرالمؤمين (عليه السلام) ـ الذبح وضمن لنا الفتح...

____________

1- انظر رجال الكشي: 6 / ذيل الحديث 10.


الصفحة 134
وقال علي بن الحكم: أصحاب أميرالمؤمنين (عليه السلام) الذين قال لهم: تشرطوا فإني أشارطكم على الجنة، ولست أشارطكم على ذهب ولا فضة، إنّ نبيّنا (صلى الله عليه وآله) قال لأصحابه: تشرّطوا فإنّي لست أشارطكم إلاّ على الجنة; سلمان الفارسي، والمقداد، وأبوذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وأبو سنان وعمرو الانصاريان، وسهل البدري وعثمان ابنا حنيف الأنصاري، وجابر بن عبدالله الأنصاري(1)...

فيتضح من كلّ هذا أنّ هؤلاء الخمسة أو الستة الآف كانوا من هذا الطراز الأوّل من الصحابة، الذين لم يشترطوا إلاّ الجنة، وكلّهم من الصحابة والتابعين، فأين تكفيرنا للصحابة أجمعين واستثناء أعداد محصورة منهم لا تتجاوز البضعة عشر؟! إنّ هذا الافتراء جناية على مذهب كامل من المذاهب الإسلامية، وتجاوز على التاريخ والحقيقة والفكر الإنساني بأجمعه.

وإذا أردت تلخيص ما مر عبر نقاط، فهي:

1 ـ إن الارتداد هنا يراد به الارتداد عن الولاية، وإلاّ لما حكمنا بإسلامهم، مع أنّ الإمامية تحكم بإسلام كل من نطق بالشهادتين إلاّ من خرج بالدليل، مثل يزيد بن معاوية.(2)

وهذا أهون بكثير من الحكم بارتداد ما نعي الزكاة عن أبي بكر لمجرّد منعهم الزكاة، وفيهم من صرّحوا بأنّهم غير منكرين لأصل وجوب الزكاة، وإنّما امتنعوا عن خُصُوص إعطائها لأبي بكر مثل حارثة بن سراقة الكندي(3) وكثير من رهطه، ومنهم من كان موكّلا من

____________

1- تنقيح المقال 1:196.

2- انظر تكفير ابن الجوزي و سبطه و الآلوسي في الرد على المتعصب العنيد:15، وتذكرة الخواص:287، وتفسير روح المعاني 26: 73. وانظر الصواعق المحرقة: 228.

3- فإنّه قال: "نحن إنّما أطعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ كان حيّاً، ولو قام رجل من أهل بيته لأطعناه، وأمّا ابن أبي قحافة فلا والله ماله في رقابنا طاعة ولا بيعة"، ودار حديث طويل حول أحقية أهل البيت بالخلافة الإلهية، ومن ثمّ فعل زياد بن لبيد البياضي أفاعيل قذرة وسفك الدماء. (انظر الفتوح 1:57 ـ 58، وفتوح البلدان: 122 ـ 123) .


الصفحة 135
رسول الله (صلى الله عليه وآله) بجمع الزكوات وصرفها في مصارفها، مثل مالك بن نويرة(1)، ومع ذلك أطلقوا عليهم اسم الردّة و قتلوهم بأبشع أنواع القتل، بخلاف الأشعث بن قيس المنافق المرتد الواقعي، فإنّ أبابكر عَفَا عنه و زوّجه أخته أمّ فروة بنت أبي قحافة(2)؟!

2 ـ إنّ الارتداد غير الكفر الصراح الذي هو إنكار الدين رأساً و عدم النطق بالشهادتين، فلذلك حكموا على من ينكر ضرورياً من ضروريات الدين بالارتداد وإن تلفظ بالشهادتين.

قال النووي: إذا تركَ الصلاةَ جاحداً لوجوبها أو جَحَد وجوبَها و لم يترك فعلها في الصورة فهو كافر مرتدّ بإجماع المسلمين... ويترتب عليه جميع أحكام المتردين سواء كان هذا الجاحد رجلا أو امرأة.(3)

ومن هذا الباب عَدَّ أميرُالمؤمنين (عليه السلام) تَرْكَ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) وإسلامَهُ للقتل بيد أعدائه رجوعاً عن الدين، فعن عمران بن حصين، أنّه قال: لمّا تفرق الناس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم أُحُد جاء علي (عليه السلام) متقلداً سيفه حتّى قام بين يديه (صلى الله عليه وآله) ، فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأسه إليه، فقال له: مالك لم تفرَّ مع الناس؟ فقال: يا رسول الله أارجع كافراً بعد إسلامي(4)...

3 ـ إنّ حديث الارتداد لا يشمل الصحابة الذين لم يكونوا في المدينة، وكانوا بمنأى عنها، بحيث لم يمكنهم منع الغاصبين عن الغصب للخلافة، مثل مالك الاشتر ـ الذي قال علي (عليه السلام) : كان لي مالك كما كنتُ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ وأضرابه، الذين لم يكونوا قريبين من مؤامرة

____________

1- انظر الاصابة 3: 357 / الترجمة 7696، وتاريخ أبي الفداء 1:158، ووفيات الاعيان 6:12 ـ 18. وكان مالك قد صرّح بأنّه مسلم، وأنّه فرق الصدقات على قومه، لكنّ خالد بن الوليد طمع في زوجته وكانت فائقة الجمال فقتله من أجلها، وعرّس بها في ليلته، ونصب رأسه أثفية للقدر. فأيّهما المرتد مالك أو خالد؟! وانظر بعض التفصيل في النص والاجتهاد: 143 ـ 161 / المورد 13، ومعالم المدرستين 1:236 ـ 241.

2- انظر تاريخ الطبري 3: 338 ـ 339.

3- المجموع 3: 14.

4- الارشاد 1: 85 / باب غزوة أحد.


الصفحة 136
السقيفة، ولم يتسنّ لهم التغيير والإنكار.

4 ـ كما انّ هذا الحديث لا يشمل المخلصين الذين كانوا في جيش أسامة و لا زموه امتثالا لأمر النبي (صلى الله عليه وآله) حيث قال: لعن الله من تخلف عن جيش أسامة، فلم يكونوا كمن ترك الجيش وتسلل إلى المدينة لأغراض لهم خلف الستار.

فقد علمت أنّ الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في مقام النبي كانوا غُيّباً عند وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فلمّا علموا بالمؤامرة أنكروا أشد الانكار، فالحديث له انصراف عن مثل هذه الشرائح الطيبة من الصحابة.

5 ـ كما أنّ الحديث منصرف عن أمثال الحسن والحسين وفاطمة (عليهم السلام) وفضّة والفضل ابن العباس وباقي المتحصنين في دار فاطمة (عليها السلام) وبني هاشم، الذين لم يرضوا بحكومة أبي بكر بن أبي قحافة.

6 ـ ومن كل ذلك يتضح لكَ أنّ المذكورين من الصحابة على الخصوص هم ذروة الذروة العليا، وخالصة الطبقة الخالصة من الصحابة، فهم "الذين دارت عليهم الرحا" و "الذين مضوا على منهاج نبيهم لم يغيروا ولم يبدلوا" و "أمثالهم"، خصوصاً إذا عرفت أنّ الأربعة الذين هم لبُّ اللباب لم تكن لهم عشائر وقوى تعاضدهم، بل كانوا ضعفاء مغلوبين على أمرهم، ومع ذلك وقفوا وقفة المؤمنين الصناد يد (كأنّهم بنيانٌ مرصوصٌ)، فسلمان رجل فارسي عاش بين ذئاب قريش وقبليتها ونزعتها للسلطة واحتقارها للأمم الأخرى، والمقداد بن عمرو الكندي كان من سكان حضر موت، فوقَعَ بينه وبين ابن شمر ابن حجر الكندي خصام، فنزح إلى مكّة، فتبنّاه الأسود بن عبد يغوث الزهري(1)، فلم يكن أهله وإخوانه وأعمامه وأبناء عمومته في المدينة، بل كان غريباً مفرداً فيها، وأبوذر الغفاري لما نفاه عثمان إلى الربذة لم يجرؤ على مشايعته الى أطراف المدينة إلاّ أميرالمؤمنين والحسنان: بعد نزاع ومشادة لهم مع مروان الممثِّل لعثمان. وأمّا عمار فلا يخفى ما حل به وبأبويه من ظلم

____________

1- طبقات ابن سعد 3: 43، سير اعلام النبلاء 1: 385.


الصفحة 137
واضطهاد قريش.

فهؤلاء المغلوبون على أمرهم، النازحون، المشردون، وقفوا بكل ثقلهم إلى جانب الحق المبين، عليّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) ، رغم كل الظروف، ورغم أنّهم كان بوسعهم أن يميلوا إلى التقية في مثل تلك الأوقات الرهيبة، والظروف العصيبة، ولذلك خُصّوا بالذكر وكانوا في طليعة رواد الحركة المحمدية العلوية. وهذا لا يعني انتقاص الآخرين، فإنّ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه.

7 ـ إن الصحابة بعد النبي كانوا ثلاث فرق، فرقة وقفت مع الحق الذي هو أميرالمؤمنين (عليه السلام) وهم القلة القليلة، وفرقة تآمرت عليه من أجل السلطة وإعادة المجد القرشي إلى ما كان عليه في الجاهلية و هم مجموعة معروفة لها أتبَاع وموالي وأهداف مرسومة سلفاً، والفرقة الثالثة التي تمثل عامة المسلمين وغالبيتهم في المدينة أخذوا جانب الحياد خوفاً من سطوة النهج المخطِّط، فقد هتفت الأنصار بأجمعها في السقيفة: لا نبايع إلاّ عليا، وعارض آخرون ـ وقفتَ على بعضهم ـ حكومة الاختطاف، لكنّهم سرعان ما قتلوا أو ضغط عليهم فسكتوا ولزموا جانب الصمت.

فالمقصود بالارتداد المستمر هم الفرقة الثانية، وأمّا الفرقة الثالثة فهم الذين عبّر عنهم بـ "بَشَر كثير" و "عرف الناس بعدَ يسير" و "ثم أناب الناس بعدُ"، فإنهم ذهلوا عن اتخاذ الموقف المناسب، وكان التردد وعدم التضحية هو انتخابهم المقطعي الذي سرعان ما تركوه والتحقوا بأميرالمؤمنين (عليه السلام) .

فهل يعدّ هذا تكفيراً لكلّ الصحابة؟! وهل يعدو هذا القولُ قولَ التفتازاني:

ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ، والمذكور على ألسنة الثقات، يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحق وبلغ حدّ الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والعناد، والحسد واللداد، وطلب الملك والرياسات والميل إلى الشهوات واللذات، إذ ليس كلّ صحابيّ معصوماً، ولا كلّ من لقي النبي (صلى الله عليه وآله) بالخير موسوماً، إلاّ أنّ العلماء ـ لحسن ظنّهم بأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)

الصفحة 138
ـ ذكروا لها محامل و تأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا يوجب التضليل والتفسيق(1)... الخ.

وهل يختلف عن قولِ الرازي في تفسير آية (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم)(2) في آخر كلامه:

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ العرب كانوا قبل مقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) طالبين للمال والجاه والمفاخرة، وكانت محبّتهم معلّلة بهذه العلة، فلا جرم كانت تلك المحبة سريعة الزوال، وكانوا بأدنى سبب يقعون في الحروب والفتن، فلما جاء الرسول (صلى الله عليه وآله) ودعاهم إلى عباده الله تعالى والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، زالت الخصومة والخشونة عنهم، وعادوا إخواناً متوافقين، ثم بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) ـ لما انفتحت عليهم أبواب الدنيا وتوجهوا إلى طلبها ـ عادوا إلى محاربة بعضهم بعضاً، ومقاتلة بعضهم مع بعض، فهذا هو السبب الحقيقي في هذا الباب.(3)

وقولِ الغزالي في كتابه "سرّ العالمين"(4):أسفرت الحجة وجهها، وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبة يوم غدير خمّ باتفاق الجميع، وهو يقول: من كنت مولاه فعليّ مولاه،

____________

1- شرح المقاصد 2: 306.

2- الانفال: 63.

3- التفسير الكبير 15: 190.

4- انظر ثبوت نسبة هذا الكتاب إليه في مجلة تراثنا: 173 ـ 182 / السنة الأولى ـ العدد 4. وقد صرّح جمع من العلماء بنسبة الكتاب إليه، منهم سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة: 36، والذهبي في سير أعلام النبلاء 19: 328، وعبد الرحمان بدوي في كتابه "مؤلفات الغزالي": 225 / رقم 67 حيث عدّه من جملة كتبه المقطوع بصحّة نسبتها اليه. فيبدو أنّ التشكيك في صحة انتساب هذا الكتاب للغزالي إنما كان بسبب ما فيه من مَطالب لا تروق العامّة. ومنه تعلم مقدار قول الشربيني في 1: 102 "و من مكايدهم [أي الشيعة] أنّهم ينسبون بعض الكتب لكبار علماء السنة مشتملة على مطاعن في الصحابة وبطلان مذهب أهل السنة، وذلك مثل كتاب سر العالمين". وقد نقل ذلك كما هو ديدنه عن غيره، أعني عن مختصر التحفة الاثني عشرية للآلوسي: 32 ـ 33.


الصفحة 139
فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فهذا تسليم ورضىً وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى ـ لحبّ الرياسة وحمل عمود الخلافة، وعقد البنود، وخفقان الهواء في قعقعة الرايات، واشتباك الخيول، وفتح الأمصار ـ فسقاهم كأس الهوى، فعادوا إلى الخلاف الأوّل، فنبذوا الحق وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون.(1)

وقد روي هذا المضمون عن حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) ، حيث نقل السيد علي بن طاووس الحسني، عن كتاب "حجة التفضيل" للأثير، بإسناده عن ربيعة السعدي، قال:

كان حذيفة والياً على المدائن، فلما صار عليٌّ أميرَالمؤمنين، كتب لحذيفة عهداً يخبره بما كان من أمره وبيعة الناس إياه، فاستوى حذيفة جالساً ـ وكان عليلا ـ فقال: قد والله وَلِيَكُمْ أميرالمؤمنين حقّاً ـ قالها ثلاثا ـفقام اليه شابّ من الفرس متقلّداً سيفاً، فقال: أيها الأمير أتاذن لي في الكلام؟ قال: نعم، قال: اليومَ صارَ أميرَالمؤمنين أو لم يزل أميرَالمؤمنين؟ فقال حذيفة: بل لم يَزَل ـ واللهِ ـ أميرَالمؤمنين، قال: وكيف لنا بما تقول؟ قال: بيني وبينك كتاب الله عزوجل، وإن شئت حدثتك ذلك لِعَهْد عليَّ بيني وبينك، فقال الشابّ: حدّثنا يا أبا عبدالرحمن [فشرح له حذيفة بعض فضائل علي (عليه السلام) ، وأنّ جبرئيل سماه بـ "أميرالمؤمنين"]، فقال الفارسي: فأين كانت أسيافكم ذلك اليوم ـ يعني يوم بيعة أبي بكر ـ؟ قال: ويحك، تلك قلوبٌ ضُرب عليها بالغفلة، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون.

قال ابن طاووس: ورأيت حديث حذيفة هذا أبسط وأكثر من هذا في "تسمية علي بأميرالمؤمنين"... [ثم ذكر إسناده عن عبيدالله بن سلمة، وفيه قول حذيفة للشاب]: أيها الفتى، إنّه أخذ والله بأسماعنا وأبصارنا، وكرهنا الموت، وزُيّنت عندنا الحياة، وسبق علم الله، ونحن نسأل الله التغمد لذنوبنا، والعصمة فيما بقي من آجالنا، فإنّه مالك ذلك.(2)

____________

1- سر العالمين: 9، وعنه في تذكرة الخواص: 36. وفي الكلام الأخير اقتباس من الآية 187 من سورة آل عمران.

2- اليقين: 384 ـ 387.


الصفحة 140
وقال أبوبكر الكاشاني الحنفي (ت 587 هـ) في بدائع الصنائع: وأما المؤلفةُ قلوبهم فقد قيل أنّهم كانوا قوماً من رؤساء قريش وصناديد العرب ـ مثل أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن الفزاري، والعباس بن مرادس السلمي، ومالك بن عوف النضري، وحكيم بن حزام، و غيرهم ـ ولهم شوكه وقوة وأتباع كثيرة، بعضهم أسلم حقيقة، وبعضهم أسلم ظاهراً لا حقيقة وكان من المنافقين(1)...

فتبين مما مضى، أنّ ارتداد جمع من الصحابة ممكن بل واقع، و قد ذهب إليه كثير من المسلمين، بل هو موافق لتصريحات القرآن والسنة بوجود منافقين، وبأنّ بعضهم ارتد أو سيرتدّ (يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبونه أذلّة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم)(2)، وقال تعالى (إنّ الذين ارتدوا على أدبارهم بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم و أملى لهم)(3)، فإنهم المنافقون كما صرّح بذلك ابن عباس والضحاك والسدّي، كانوا يؤمنون عند النبي (صلى الله عليه وآله) ثم يظهرون الكفر فيما بينهم(4).

بل هذا الأمر هو من سنن الله في أنبيائه و أممهم (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله و رفع بعضهم درجات و آتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر)(5) (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه

____________

1- بدائع الصنائع 2: 45.

2- المائدة: 54.

3- محمّد: 25.

4- انظر مجمع البيان 9: 158، وتفسير القرطبي 16: 249، وتفسير الطبري 26: 36.

5- البقرة: 253.


الصفحة 141
إلاّ الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم)(1) (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة)(2)، وقد انفضّ الناس عن هارون (عليه السلام) وتبعوا العجل بمجرد أن ذهب موسى (عليه السلام) إلى ميقات ربّه، والذين حاولوا صلب عيسى (عليه السلام) كان فيهم القريبون منه مكانيا(3) لا روحيا، و و و... فمسألة الارتداد مما لا يناقش في إمكانها ووقوعها إلاّ متعصب عنيد، لكن رَمْي الإمامية بأنهم يكفّرون كل الصحابة إلاّ عدداً يسيراً منهم هو الكذب البواح.

إن الإمامية يجلّون ويقدسون صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكن لا على الاطلاق كما يفعل العامّة، بل من ثبت منهم على الصراط المستقيم ولم يبدّل و لم ينحرف ولم يركض وراء الأهواء، وهذا كلام إمامنا زين العابدين (عليه السلام) صريح في ذلك: ففي دعائه في الصلاة على أتباع الرسل ومصدقيهم:

اللّهمّ وأصحاب محمّد خاصّة الذين أحسنوا الصحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه و أسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء(4) في تثبيت

____________

1- البقرة: 231.

2- البينة: 4.

3- انظر تفسير الاية 157 من سورة النساء. ففي تفسير الفخر الرازي 11: 100 "كان رجل يدّعي انّه من أصحاب عيسى و كان منافقاً و ذهب إلى اليهود و دلّهم على عيسى (عليه السلام) ".

و في تفسير الطبري 6: 10 "أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح، فجعلوا له ثلاثين درهماً، فأخذها و دلهم عليه". و انظر تفسير ابن كثير 1: 575.

4- اعلم أنّ أبابكر وعمر و عثمان لم يقتلوا حتى شخصاً واحداً من أبطال المشركين، فضلا عن مشركي عوائلهم، نعم طرد عثمانُ أباذر، وكسر اضلاع ابن مسعود، وداس بطن عمار حتى أصابه الفتق.


الصفحة 142
نبوّته، و انتصروا به، و من كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور(1) في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تَنْسَ لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضِهِم من رضوانك...

اللهم وأوصل الى التابعين لهم بإحسان، الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان، خيرَ جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحروا وجهتهم، ومضوا على شاكلتهم، لم يثنهم ريبٌ في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قَفْوِ آثارهم، والائتمام بهداية منارهم...

اللهم وصَلِّ على التابعين من يومنا هذا إلى يوم الدين، وعلى أزواجهم وعلى ذرياتهم وعلى من أطاعك منهم، صلاةً تعصمهم بها من معصيتك، وتفسح لهم في رياض جَنّتك، وتمنعهم بها من كيد الشيطان... وتحبب إليهم العمل للآجل، والاستعداد لما بعد الموت... وتعافيهم مما تقع به الفتنة من محذوراتها، وكَبَّةِ النار وطول الخلود فيها، وتصيّرهم إلى أمن من مقيل المتقين.(2) هذا بعض الكلام في أمّهات الإشكالات العامّة على هذا الكتاب، وأما الإشكالات الخاصة ـ وأعني بها مفردات شُبَهِهِ ومتفرقات مسائله ـ فسنتعرض هنا لبعضها ـ وإن كانت كلّها مجترّة من كلمات غيره ـ لئلاّ يُظَنّ بنا الإغفال أو الإهمال، مؤكدين على أننا هنا لا نناقشها كلّها، لأنّ الكتاب ـ علم الله ـ لا يستحق المناقشة الكاملة، بل نتناول بعضها بالنقاش والرد ليقف الأزهر على ما أصابه من نكسة في مستواه العلمي والثقافي:

____________

1- وقد علمت أنّ كثيرا من الصحابة انفضوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) و هويصلي بهم الجمعة، سعياً وراءَ التجارة، ولم يبق معه إلاّ نفر يسير.

2- الصحيفة السجادية الجامعة: 43 ـ 45. ومن كلّ ما تقدّم تقف على سقم ما قاله في 1: 87 وهو بصدد بيان خطر الشيعة: "بغضهم وتكفيرهم ولعنهم صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الاّ نفر يسير [كذا] وبغضهم وتكفيرهم لأهل السنّة.


الصفحة 143

الباب الثاني
الاشكالات الخاصة

بعد أن انتهينا من عرض الإشكالات العامة الرئيسية على الكتاب، نصلُ إلى مناقشة الإشكالات الخاصة التي تتوجّه على بعض مسائله التي طرحها الكاتب، لنقف على مقدار صحة أو سقم تلك المدعيات.

وقبل البدء بمناقشة ذلك لنا وقفة مع مدّعى كبير ذكره الكاتب في الصفحات الأولى من كتابه، ليجعله أصلا يدافع عنه ويتشبث لتثبيته بكل صغيرة وكبيرة تشبّث الغريق بالقشّ، ويخفي وراءه حقيقة اختلاف الصحابة في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعد وفاته، ووجود الكذب والافتراء في جماعة منهم ـ بل راح بعضهم يعلِنُ تحدّيه للسنة في محضر من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ وبالتالي حاول إنكار وجود نهجين عند الصحابة، نهج التعبد المحض أو مدرسة أهل البيت، ونهج الاجتهاد والرأي أو مدرسة الخلفاء، حاول إنكار ذلك جملة وتفصيلا، فلم يقرّ بوجودهما في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) ولا بعده.

قال الشربيني في هذا المجال:

وقد كانت أمّة الإسلام حتى وفاة النبي وصدر من عصر صحابته، أمَّةً على منهج واحد في التسليم لنصوص الوحيَيْن ـ الكتاب والسنة ـ وعدم التقدّم بين يديهما، ولم يعارضوا نصّاً ولم يحرفوه، ولم يقبلوا قول كائن من كان إذا خالف كتاب الله عزوجل وسنّة نبيّه.

على هذا المنهج سار الصحابة الكرام، ومَن بعدهم من التابعين لهم بإحسان، إلى أن بدأت الأقوال الشاذة والاتجاهات المنحرفة تظهر في ساحة الاسلام.... فلجأت كل فرقة إلى

الصفحة 144
القرآن الكريم لتنصر أفكارها وتعضد أقوالها، فأعجزهم القرآن... ثم انتقلوا إلى السنة ليجدوا فيها ما يتمنون فلم يفلحوا، فوضعت هنالك أحاديث، وطعُن في أخرى، وحرّف كثير منها(1)...

وقبل بياننا لبطلان الشقّ الاول من كلامه، نودّ أن نلفت الأنظار إلى أنّ الشربيني ناقَضَ نفسَهُ وكذّبَ الشق الثاني من كلامه صراحة دون شعور منه بذلك، حيث قال عند ذكره "بداية الوضع في الحديث وبراءة الصحابة منه":

اختلف العلماء في بداية ظهور الوضع في الحديث إلى قولين: القول الأول: ذهب إلى أنّ بدايته في عهد النبوة المباركة، وبه قال الدكتور صلاح الدين الأدلبي والدكتور فاروق حمادة... القول الثاني: ذهب إلى أنّ بداية الوضع في الحديث كانت باندلاع الفتنة(2) التي أشعل فتيلها أقوام من الحاقدين على الاسلام، ويعتبر الدكتور السباعي سنة أربعين من الهجرة هي الحدّ الفاصل بين صفاء السنة وخلوصها من الكذب و الوضع وبين التزايد فيها(3)...

فعلى كلا القولين يلزم أن يكون الواضعون والمتزيّدون من الصحابة والتابعين، لا من غيرهما، أمّا القول الأوّل فصريح بأنّ الوضع كان في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأمّا الثاني فلازمه أن يكون الواضع صحابيا أو تابعيّاً، لأنّ سنة 110 هـ كانت فيها وفاة آخر الصحابة(4)، فكان إذن في سنة أربعين رهط كبير من الصحابة، ومعهم التابعون، فكيف يقال بأنّ الوضعَ والتحريف والطعن بدأ بعد عصر الصحابة والتابعين؟!!

وأمّا دعوى أنّ هؤلاء الكاذبين الوضّاعين هم المنافقون، فهي تكلّف أصاره إليه تحاشيه لحقيقة وجود المذمومين من الصحابة، إذ الواقع يبين لنا وجود وضاعين وكذَبَة لم يعدّهم الشربيني ولا أسلافه من المنافقين، مثل أبي هريرة والوليد بن عقبة وغيرهما، ناهيك عن

____________

1- كتابه 1: 10 ـ 11.

2- أي الفتنة التي أدّت إلى مقتل عثمان بن عفان.

3- كتابه 1: 401 ـ 402.

4- و هو أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني.


الصفحة 145
تكذيب بعض الصحابة للبعض الآخر صراحةً كما سيأتيك ذلك، وهو يفنّد دعوى أنّ الكَذَبة والوضاعين هم خُصوص المنافقين.

(1) بعد هذا نعود إلى الشق الأول من كلامه، الذي افترض خلاله ان الأمّة في زمان الن بي وصدر من عصر صحابته كانوا على منهج واحد، ولم يتقدموا بين يدي الكتاب والسنة، ولم يعارضوا نصّاً ولم يحرفوه... الخ، فنقول:

إنّ الحوادثَ والنصوص الدالّة على عكس ما قاله هنا كثيرة جدّاً، وهي تؤكّد بأجمعها وقوع هذه الأمور التي أنكر وجودها في عصر النبوة وصدر من عصر الصحابة، وإليك بعضها:

أ ـ نزول قوله تعالى (يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)(1) في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذلك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعثه مصدّقاً إلى بني المصطلق، فلمّا أبصروه أقبلوا نحوه فهابَهُم، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبره أنّهم ارتدوا عن الإسلام...

وفي رواية: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) بعثه إلى بني المصطلق بعد إسلامهم، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم، فرجع الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره أنّ القوم قد همّوا بقتله ومنعوا صدقاتهم، فهَمَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بغزوهم، فبينما هم كذلك إذ قدم وفدهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة، فاستمرّ راجعاً، وبلغَنَا أنّه يزعم لرسول الله أنا خرجنا لنقاتله، والله ما خرجنا لذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، و سمّي الوليد فاسقاً، أي كاذباً.

قال ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبدالله: الفاسق الكذّاب.

وقال أبو الحسن الوراق: هو المعلن بالذنب.

____________

1- الحجرات: 6.


الصفحة 146
وقال ابن طاهر: الذي لا يستحي من الله.(1)

وكان فسقه معروفاً بين المسلمين، وقد حدّه أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) في زمان عثمان لشربه الخمرة أيام ولايته على الكوفة من قبل عثمان، وشهد عليه الشهود العدول بذلك وأنّه شربها حتّى قاءها في المسجد، وتندّر بها الشعراء حتّى قال الحطيئة:


شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه أنّ الوليد أحقّ بالعذر
نادى وقد تمّت صلاتهم أأزيدكم شكراً وما بدري
فأبوا أبا وهب ولو أذنوا لقرنت بين الشفع والوتر
كفّوا عنانك اذ جريت ولو تركوا عنانك لم تزل تجري(2)

ولمّا أخذ الوليد يحرّض على علي بن أبي طالب ويتهمه بقتل عثمان بشعره المعروف الّذي يقول فيه:


بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم ولا تنهبُوهُ لا تحلّ مناهبه

لما قال ذلك أجابه الفضل بن العباس في شعر طويل له يقول فيه:


وأنت امرؤٌ من أهل صفّور نازح فما لك فينا من حبيب تعاتبه
وقد أنزل الرحمان أنّك فاسق فما لك في الإسلام سهم تطالبه(3)

وقد ذكر الشربيني هذه الاية المباركة، قائلا: ثمّ إنّ الله أمرنا بالتوقف في خبر الفاسق في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ)... الآية، فإذا كان الفاسق لا تقبل روايته مع صحة اعتقاده فإن الكافر لا تقبل روايته من باب أولى لأنّ الكفر فسقٌ

____________

1- تفسير القرطبي 16: 311 ـ 312. و انظر تفسير الطبري 26: 78 ـ 79. و تفسير ابن كثير 4: 208 ـ 210 و قال: و قد ذكر كثير من المفسرين أنّ هذه الاية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على صدقات بني المصطلق، و قد روي ذلك من طرق، و من أحسنها ما رواه الامام أحمد في مسنده، و تفسير البيضاوي 2: 415.

2- فتح الباري 7: 46، تهذيب الكمال 31: 57، تاريخ المدينة 3:975 3- انظر الشعر و تجريجاته في ديوان الفضل اللهبي: 25.


الصفحة 147
وزيادة.(1) ذكر هذا ونسي أو تناسي نزولها في الوليد بن عقبة الصحابي!!!!

وأين هو عن بسر بن أرطاة مريق الدماء؟! والحكم و مروان طريدي رسول الله وكان الحكم يطّلع على عرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى وصفه (صلى الله عليه وآله) بـ "الوزغ"؟! وأبي سفيان ومعاوية ويزيد الملعونين على لسانه (صلى الله عليه وآله) ؟! وسمرة بن جندب وضّاع الأحاديث لمعاوية؟ وأبي موسى صاحب ليلة العقبة؟! والمؤلفة قلوبهم الّذين لم يحسن إسلام أكثرهم؟! و و و ب ـ اشتهار أبي هريرة الدوسي بالكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وقد نصّ على ذلك معاصروه ومَن بعدهم، وله روايات صارخة بالكذب والافتراء.

قال أبو جعفر: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية، ضربه عمر بالدرّة، وقال: قد أكثرتَ من الرواية، وأَحْرِ بك أن تكون كاذباً على رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وقد روي عن علي (عليه السلام) أنّه قال: ألا إنّ أكذبَ الناس ـ أو قال أكذب الأحياء ـ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبو هريرة الدوسي.

وروى أبو يوسف قال: قلت لأبي حنيفة: الخبريجيء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخالف قياسنا ما تصنع به؟... قال: الصحابة كلّهم عدول ماعدا رجالا، ثمّ عدّ منهم أبا هريرة و أنس بن مالك.(2)

ونقل ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث عن النظام أنّ عمر وعثمان وعلياً وعائشة أكذبوا

____________

1- كتابه 1: 417 ـ 418. و ذكر قريباً من هذا في 1: 145 من كتابه مستدلا بهذه الاية الشريفة على عدم جواز الاعتماد على خبر الفاسق، فدلالتها على رد خبر الكافر من المستشرقين أولى، و أغفل ذكر الوليد أيضاً.

2- شرح نهج البلاغة 4: 67 ـ 68. و ابن أبي الحديد ليس بشيعي باعتراف الشربيني، لأنّه يصحح خلافة الثلاثة، و الشيعي لا يصححها، قال الشربيني في 1: 90 من كتابه "إذ لوصحّح الشيعي إمامة أبي بكر وعمر وعثمان لوجب عليه أن يعترف ببطلان الولاية والإمامة لعليّ وبنيه" وقد تناقض فعدّه في 1:99 معتزليّاً شيعيّاً، على أننا لانوافقه في عدّه أنساً من غير العدول.