الصفحة 165

الخلاف السابع: في قتال مانعي الزكاة، فقال قوم: لا نقاتلهم قتال الكفرة، وقال قوم: بل نقاتلهم...

الخلاف الثامن: في تنصيص أبي بكر على عمر بالخلافة وقت الوفاة...

الخلاف التاسع: في أمر الشورى واختلاف الآراء فيها...

الخلاف العاشر: في زمان أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له(1)...

هذه الخلافات و أضعافها حملها المتعصبون على انّها اجتهادية، وحملوا الابداعات الفقهية على أنّها خلافات في الفروع، مع أنها واضحة جلية في أنّ مصدرها هو عدم الانصياع لأوامر الكتاب والسنة، و قد طالبت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بفدك. فاختلق أبوبكر مزعمة "نحن معاشر الانبياء لا نورث، وحاجج عمارٌّ عَمَر في حديث التيمم لكنّ الثاني أصرّ على أنّ فاقد الماء لايتوضّأ ولو دهراً، و أرجع عثمانُ الحكمَ بن العاص طريد رسول الله مدعيّاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان وعده بإرجاعهِ، حتّى أنّ إحداثاته جعلت مقتله بيد الصحابة، و و و و... فهل كل هذه الطامات والمخالفات الوقحِة لسنة الرسول، وإراقة كل تلك الدماء، تعدّ منهجاً واحداً؟!!!

ونظرة عابرة في أحاديث السقيفة توقفنا على غير ما يدعيه القوم، فإنّ النزاع في أمر الامامة وصل ذروته، وهدّد بعضهم بعضاً بالقتل، وشهر بعضهم سيفه، وقتل سعد بن عبادة بعد ذلك غيلة، وكان الهجوم على دار عليّ والتهديد بالحرق أو الحرق الفعلي، مع أنّ دم المسلم حرام على أخيه المسلم. فكيف يحاول بعضهم قتل البعض الآخر، وكيف قتلوا عثمان والقوه في المزبلة، ومنعوا من دفنه في مقابر المسلمين، و و و... وكلّها تخالف النصوص الصريحة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، في حفظ المال والدم والحرمات، فهل يريدون أن يقولوا أنّ تكذيب النبي ومخالفته لا تكون ـ والعياذ بالله ـ إلاّ بقولهم له "كذبتَ" و "لا نرضى بما تقوله" وما أشبهها من العبارات؟!!

____________

1- الملل و النحل 1: 27 ـ 22. و انظر قريبا من ذلك في المواقف 3: 651 ـ 649.


الصفحة 166
وإذا غضضنا النظر عن كل ذلك، فما يقول المرء في الحارث بن سويد بن الصامت الانصاري الأوسي، وهو ممن شهد أحداً، و عدوّه في الطبقة الأولى من الصحابة، مع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قتله قوداً بالمجذر بن زياد البلوي، وصرّح هو بأنّه لم يكن من المنافقين، ألم يكن مخالفاً لنصوص الوحيين من أنّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله؟!

وقد ترجم له ابن الأثير في أسد الغابة، وابن حجر في القسم الأوّل من إصابته، قال ابن الأثير: ولا خلاف بين أهل الأثر أنّ هذا قتله النبي (صلى الله عليه وآله) بالمجذر بن زياد لأنّه قَتَلَ المجذّر يوم أحد غيلة... وإنما قتل الحارثُ المجذَّرَ لأنّ المجذّرَ قتل أباه سويد بن الصامت في الجاهلية في حروب الأنصار، فهاج بسبب قتله وقعة بعاث، فلما رآه الحارث يوم أحد قتله بأبيه.(1)

وقال ابن حزم الاندلسي: و قد قيل أنّه تبرأ عند القتل من النفاق، وقال: يا رسول الله، والله ما قتلت المجذَّرَ شكّاً في ديني ولا نفاقاً، ولكني لما رأيت قاتل أبي لم أتمالك أن قتلته.(2)

وفي قتل الحارث للمجذر، ونزول جبرئيل (عليه السلام) و إخباره النبيَّ (صلى الله عليه وآله) بذلك، وقتله الحارث قصاصاً، يقول حسان بن ثابت:


يا حار في سنة من نوم أوّلكم أم كُنتَ ويحك مغترّاً بجبريلِ
أم كنت يابن زياد حين تقتله بغرة في فضاء الأرض مجهولِ(3)

فهذا صحابي ترجموا له في الصحابة، ومن المشاركين في معركة أحد، وصَرَّحَ بأنّه ليس منافقاً، وإنّما حركته غريزة الانتقام والثار الجاهلية، فكيف يدعي الشربيني وغيره أن الصحابة كلهم عدول إلاّ المنافقين وهم مفضوحون؟! وكيف يقال أنّهم كانوا على منهج واحد في التسليم؟!

(2) ومن نفس منطلق تقديس الصحابة ـ على حساب الكتاب والسنة ـ انطلق هذا الرجل

____________

1- اسد الغابة 1: 332.

2- جمهرة انساب العرب: 337.

3- الاصابة 1: 280.


الصفحة 167
ليُنكر تكذيب بعض الصحابة للبعض الآخر، فضلا عن إنكار السباب والتشاتم والتهاتر الواقع بينهم. قال:

وما يردُ من ألفاظ التكذيب على ألسنة بعضهم [أي بعض الصحابة] فإنّما هو تخطئة بعضهم لبعض، وبيان ما وقع فيه بعضهم من وَهَم الكلام...

وقد جاءت كلمة "الكذب" في أحاديث كثيرة بمعنى "أخطأ"، من ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله) : كذبَ من قال ذلك، في الردّ على من ظنّ أنّ عامر بن الأكوع قتل نفسه في غزوة خيبر...

ثم ضرب أمثلة متعدّدة حَمَلَ فيها الكذب على معنى الخطأ، ثم قال:

فهذا كُلُّهُ من الكذب الخطأ، ومعناه "أخطأ قائل ذلك"،و سُمّي كذباً لأنّه يشبهه لأنّه دّ الصواب كما أنّ الكذب ضدّ الصدق و إن افترق من حيث النية والقصد.(1)

وفي هذا الكلام مواضع من الكذب الذي إن شاء سمّاه مواضع من الخطأ:

أ ـ إنّ الكذب في لغة العرب هو نقيض الصدق، وهذا هو أصل وضعه اللغوي.

قال ابن منظور: الكذب: نقيض الصدق.(2)

وفي التاج: الكذّابان مسيلمة الحنفي والأسود العنسي.(3)

وقال ابن فارس: الكاف والذال والباء أصلٌ صحيح يدل على خلاف الصدق.(4)

وقال ابن عباد: الكذب معروف.(5)

وي الطراز الأوّل: كَذَبَ ـ كضَرَب ـ كِذْباً... أخبر بغير ما عليه الُمخْبَرُ عنه.(6)

فالكذبُ في أصلِ الوضع اللغوي معروف ولا يصارُ إلى غيره إلاّ إذا امتنع حمله على الحقيقة،

____________

1- كتابه 1: 408 ـ 406.

2- لسان العرب 1: 704.

3- تاج العروس 1: 448.

4- معجم مقاييس اللغة 5: 167.

5- المحيط في اللغة 6: 237.

6- الطراز الاول للسيد علي خان المدني / مخطوط ـ فصل الكاف من كتاب الباء.


الصفحة 168
ومن هذا الباب يحمل الكذب على الخطإ.

قال ابن منظور: وقد استعملت العربُ الكذبَ في موضع الخطإ. وأنشد بيت الأخطل:

كَذَبَتْك عينُكَ أم رأيت بواسط

وقال ذو الرمة:

وما في سَمْعِهِ كَذِبُ

وفي حديث عروة، قيل له: إنّ إبن عباس يقول: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لبث بمكة بضع عشرة سنة، فقال: كَذَبَ أي أخطأ(1)...

وقد صرّح الزمخشري والسيد علي خان المدني، بأن قوله "كذبتك عينك" بمعنى أرتك ما لا حقيقة له، أنّه من المجاز(2)، فما يجري مجراه أيضاً من المجاز الذي لا يصارُ إليه إلاّ عند تعذّر الحمل على الحقيقة.(3)

ب ـ وعلى فرض التنزل وحمل ذلك على الحقيقة، نقول: إنّ هناك نصوصاً جمّة تأبى الحمل على معنى الخطأ.

ومن تلك الموارد المورد الذي نقله عن كتاب الفكر المنهجي عند المحدثين للدكتور همام عبدالرحيم، قال: و على نحو هذا الاستعمال لكلمة "كذب" جاء استعمال الصحابة لها، كقول ابن عبّاس عن نوف البكالي: "كذب نوف" عند ما قال: صاحبُ الخضر ليس موسى بني إسرائيل، وإنّما موسى آخر، ونوف من الصالحين العباد، ومقصود ابن عباس: أخطأ نوف.(4)

مع أن الكاتب خانَ في النقل، لأنّ هذا النص رواه البخاري في صحيحه ـ الذي هو أصح

____________

1- لسان العرب 1: 709.

2- انظر الاساس: 389، و الطراز الاول ـ "و من المجاز".

3- و قد نقل في التاج 1: 451 عن التوشيح أن اهل الحجاز يقولون: كذبت، بمعنى أخطات و قد تبعهم فيه بقية الناس. و هذا النقل تكذبه لغة الحجاز و لغة القرآن. و هو نقل متأخر، انفروبه السيوطي.

4- كتابه 1: 407. نقلا عن ص 52 من كتاب الفكر المنهجي عند المحدثين.


الصفحة 169
كتاب عندهم بعد كتاب الله ـ كما رواه غيره، وفيه "كذبَ عدوُّ الله"(1)، فيكف يصح أن تؤول هذه العبارة بـ "أخطأ عدوّ الله"؟! إنّ قوله "عدوالله" يأبى حمل "كذب" على معنى "أخطأ".

  • ومن الموارد النقضية ما رواه الترمذي بسنده عن سعيد بن جهمان، قال: حدثني سفينة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم مُلكٌ بعد ذلك. ثم قال لي سفينة: أمسك عليك خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فوجدناها ثلاثين، قال سعيد: فقلت له: إنّ بني اميّة يزعمون أنّ الخلافة فيهم، قال سفينة: كذَبَ بنو الزرقاء، بل هم ملوك من شرّ الملوك(2).

  • ومن الموارد مارووه من أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث عبدالله بن أبي حدرد ليعلمه خبر المشركين من هوازن قبل معركة حنين، قالوا: فأقام معهم حتى سمع وعلم ماقد أجمعوا له من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وعلم أمر مالك بن عوف وأمر هوازن وما هم عليه.

    ثم أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره الخبر، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمرَ بن الخطاب، فأخبره خبر ابن أبي حدرد، فقال عمر: كذبَ!! فقال ابن أبي حدرد: إن تكذبني فطالما كذّبتَ بالحق يا عمر! فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله إلى ما يقول ابن أبي حدرد! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : قد كنت ضالا فهداك الله.(3)

  • ومن ذلك أن عبدالرحمن بن عديس البلوي ـ و هومن أجلة الصحابة ومن أهل بيعة الشجرة، وممن شارك في قتل عثمان ـ صعد المنبر فصلى بالناس الجمعة، وتنقّص عثمان في خطبته، قال أبو نور الفقيمي: فدخلت على عثمان فأخبرته بما قال فيه، فقال: كذبَ و الله ابن

    ____________

    1- صحيح البخاري 1: 38 / كتاب العلم. و 4: 127 / كتاب بدء الخلق، 5: 230 و 232، 5: 234. و صحيح مسلم 7: 103 / باب فضائل موسى (عليه السلام) ، 7: 105، و سنن الترمذي 4: 371.

    2- انظر سنن الترمذي 3: 341 / أبواب الفتن ـ باب ما جاء في الخلافة.

    3- تاريخ الطبري 3: 73، و سيرة ابن هشام 2: 287.


    الصفحة 170
    عديس(1)...

    وفي صحيح مسلم بسنده عن أبي موسى في حديث طويل قال فيه: فدخلت أسماء بنت عميس ـ وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر اليه ـ فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت [حفصةُ]: أسماء بنت عميس، قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم، فقال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحقّ برسول الله (صلى الله عليه وآله) منكم، فغضبت وقالت كلمةً: كذبتَ يا عمر. كلاّ والله... وأيم الله لا أطعم طعاماً ولا أشربُ شراباً حتى أذكر ما قُلتَ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ... فلما جاء النبي (صلى الله عليه وآله) قالت: يا نبي الله إنّ عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ليسَ بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحد، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان(2)...

    وقد عقد ابن عدي في كتابه الكامل في ضعفاء الرجال فصلا من الباب الثلاثين تحت عنوان "ذكر من استجاز تكذيب من تبيَّن كِذبُهُ من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين و مَن بعدهم إلى يومنا هذا رجلا رجلا" ثم قال: فمن الصحابة عمر بن الخطاب [ونقل قضية عمر وأُبيّ الآتية]، ثم قال: وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ، حدثنا سعيد بن عثمان بن سعيد الحراني... عن عبدالله بن الحارث، قال: اعتمرت مع علي بن أبي طالب في زمن عمر أو في زمن عثمان فذكره، فدخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا: يا أبا الحسن جئنا نسألك عن أمر يجب أن تجيبنا، قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنّه أحدث الناس عهداً برسول الله؟ قالوا: أجل، عن ذلك جئنا نسألك، قال: كَذِبَ، أحدث الناس عهداً برسول الله (صلى الله عليه وآله) قثم بن العباس.

    قال: و عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب [و نقل قوله في نوف: كذب عدو الله، و نقل تكذيبات أخرى منه لبعض الصحابة]، ثمّ قال: وعبدالله بن سلام... وعبادة بن الصامت...

    ____________

    1- البداية و النهاية 4: 189.

    2- شرح صحيح مسلم للنووي 15: 297 ـ 298 / كتاب فضائل الصحابة ـ باب فضائل جعفر بن أبي طالب. و من المهازل قول النووي "كذبت أي أخطات".


    الصفحة 171
    وأنس بن مالك... وعائشة أم المؤمنين... ثم قال: ومن التابعين ممن تكلّم فيهم(1)... و استرسل في كلامه دون أن يقول أنّ الكذب بمعنى الخطأ. وما تركناه من تكذيب بعضهم لبعض أضعاف ذلك، وفيه عبارات لا يمكن حملها بوجه من الوجوه على معنى أخطأ. مثل قول سعيد بن المسيب في عكرمة "كذب مخبثان، اذهب فسُبَّهُ"، وقوله لِبَرَد مولاه: "لا تكذب عَلَيَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس"(2)، وكقول ابن سيرين في عكرمة: "ما يسوءني أنّه يكون من أهل الجنة، ولكنّه كذّاب(3)"، فهل تحتمل هذه النصوص أن يراد منها التخطئة لا التكذيب؟!

    ج ـ إن الكاتب نسي نفسه ـ كما هودأ به ـ فروى من نماذج ما كان عليه سلفه من جُرأة في الحق مع خلفائهم وملوكهم وأمرائهم، ما هذا نصّه.

    وروي أنّ أبيّ بن كعب قرأ (الَّذينَ استحقَّ عليهم الأَوْلَيان)(4) فقال عمر: كذبتَ، قال: أنتَ أَكْذَب، فقال رجل: تكذِّبُ أميرالمؤمنين؟! قال: أنا أشدّ تعظيماً لحق أميرالمؤمنين منك، ولكن كذَّبتُهُ في تصديق كتاب الله، ولم أصدّق أميرالمؤمنين في تكذيب كتاب الله عزوجل، فقال عمر: صدق.(5)

    ومثل ذلك ما نقله من نماذج من جراءة الصحابة في حفظ الشريعة، حيث نقل قول الحجاج: إنّ ابن الزبير بدّل كلام الله، فقال ابن عمر: كذبت لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله ولا أنت.(6)

    وهذا الحديثان ظاهران واضحان في التكذيب بالمعنى اللغوي المفهوم لكلّ عربيّ اللسان،

    ____________

    1- الكامل في ضعفاء الرجال 1: 66 ـ 47.

    2- تهذيب الكمال 20: 280، و سير أعلام النبلاء 5: 22.

    3- تهذيب الكمال 20: 282، و سير أعلام النبلاء 5: 25.

    4- المائدة: 107.

    5- كتابه 1: 435.

    6- كتابه 1: 406، عن تذكرة الحفاظ 1: 37، 39.


    الصفحة 172
    خصوصاً مع وضع تكذيب أبيّ لعمر مقابل تصديق القرآن المجيد.

    د ـ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يحمل قول البراء بن عازب "ليس كلّنا سمع حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ كانت لنا ضيعة وأشغال ـ و لكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ"(1) على أنّه "ولكن الناس كانوا لا يخطؤون"؟!

    ويحمل على ذلك أيضاً قول أنس بن مالك "والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سمعناه منه، ولكن لم يكن يكذِّبُ بعضاً بعضاً"(2). فيكون معناه "ولكن لم يكن يخطّئ بعضنا بعضاً".

    وقياساً على هذا فلَكَ أن تحمل كل ما ورد في القرآن من مشتقات "كذب" على معنى الخطأ و تصريفاته، وهذا ما لا يقوله عاقل فضلا عن مسلم. نعم، إنّ الذي حدا به لهذا التكلّف هو محاولته تبييض صحائف كذب بعض الصحابة، وإن فارق ذلك الحقائق العلمية وجافاها، وإلاّ كيف استدل على عدم كذب الصحابة بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) "من كذب عَلَيَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، قال: وكيف يكذبون وقد اشتهر وأعلن فيهم وتواتر عنهم قوله (صلى الله عليه وآله) "من كذب عَلَيَّ"(3)... مع أنّ هذا أدلّ على وجود الكذابين عليه (صلى الله عليه وآله) ، وإلاّ لما كان لهذا التحذير والإنذار كثير فائدة.

    خصوصاً إذا لا حظت ما نقله في توجيه زيادة "متعمدا" حيث قال: والسر في ذكرها أنّ الحديث لمّا رتب وعيداً شديداً على الكاذب ـ و المخطئ والساهي والناسي لا إثم عليهم ـ كان من الدقة و الحيطة في التعبير التقييد بالعمد، وذلك لرفع توهّم الإثم على المخطئ و الغالط والناسي، وهو ما نقله الامام النووي عن مذهب السنة والمعتزلة أيضاً(4).

    ____________

    1- كتابه 1: 343.

    2- كتابه 1: 343.

    3- كتابه 1: 404.

    4- كتابه 1: 411. هذا و لا يفوتك أننا لا نوافق على هذا الكلام. لأن معنى الكذب بنفسه فيه قيد التعمّد، لكنّ القوم لمّا أدرجوا فيه الخاطئ الجأهم ذلك إلى وضع قيد التعمد، مع أنك قد عرفت أنّ الكذب لا يتناول الخطأ إلاّ بنحو عناية و مجازية.


    الصفحة 173
    وهذا ما يؤكّد أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان ناظراً إلى الكاذبين المتعمدين، المفروض وجودهم حال الخطاب أو إمكان وجودهم، اللهم إلاّ أن يدّعي أنّ هذا التحذير لا يشمل الصحابة و لا التابعين ولا تابعي التّابعين ـ بإصطلاحهم ـ ودون ذلك خرط القتاد.

  • ومن الطرائف أن يستدل الشربيني على عدم كذب الصحابة بقوله ـآخذا ذلك عن السباعي بتصرّف ـ:"يستحيل أن يكذبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتباعاً لهوى أو رغبة في دنيا، إذ لا يكذب إلاّ الجبان"(1).

    ونحن من هذا المنطلق نقول: إنّ هذا التعليل يدلّ بلا ريب على وجود الكذابين في الصحابة، لأنّ منهم الجبناء بلا ريب، مثل حسّان بن ثابت الجبان الذي عجر عن قتل رجل يهودي واحد بل عجز عن جزّ رأسه والقائه بعد أن قتلته صفية، بل جبن وعجز عن سلبه،(2)وجبن عمر بن الخطّاب يوم خيبر، فرجع يجبّن أصحابه ويجبّنونه"(3)، ومثله أبوبكر يوم خيبر أيضاً، وعثمان لما فرّ الى الاعرض يوم احد،و و و.....وقد كذب أبوبكر في قوله "نحن معاشر الانبياء" وغيره وقد كذّبته الزهراء (عليها السلام) صريحاً(4) بذلك، وكذب عمر في قوله "لا تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد"(5) وغيره، وكذب عثمان في "ادّعائه أنّ النبي كان وعده بارجاع العاص والحكم"(6)وكذب حسّان في قوله:

    ____________

    1- كتابه 1: 406.

    2- انظر المستدرك على الصحيحين 4:51: قال "هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، والسنن الكبرى للبيهقي 6: 308،ومسند أبي يعلى الموصلي2:43، والمعجم الكبيرللطبراني24:319و322، والاوسط4:116. وغيرها.

    3- المستدرك على الصحيحين 3:83 قال، "هذا الحديث صحيح على شرط مسلم وام يخرجاه"، والمصنّف لابن أبي شيبة8:521.

    4- مرّ ذلك.

    5- انظر الدرر المنصور2:173، وشرح النهج1:189.

    6- انظر الفصول في الاصول للجصاص3:103، وأسد الغابة2:34، والتراع والتخاصم:53

    الصفحة 174

    يا ليت شعري وليت الطير تخطفني ما كان شأن علي وابن عفّانا
    لتسمعنّ وشيكاً في ديارهم الله أكبر يا ثارات عثمانا(1)

    فهل ترى هذا الاستدلال ينفع في ردّ كذب الصحابة، أو أنّه يؤكّد وجود الجبناء الكذّابين فيهم؟! وهل هكذا يكون سبيل الاستدلال العلمي؟! وهل تكون امّة كاملة وجيل كامل ورهط بأجمعه، ليس فيهم جبان؟! اللهم لا يكون ذلك ولا يصدّق إلاّ عند ضعاف العقول المعتصبين.

    (3) انكار وجود مدرستين أو طائفتين وإشكالية الحديبية

    أنكر الكاتب وجود مدرستين(2) أو طائفتين (3) من الصحابة باعتبار تعاملهم مع منصوص النبويّة وعزا كلّ ما صدر عن الصّحابة من المخالفات لأقوال الرسول (صلى الله عليه وآله) وسنّته إلى الإجتهاد الجائز بعد حياته (صلى الله عليه وآله) باتّفاق أصولييهم، وفي حياته (صلى الله عليه وآله) على ما ذهب إليه أكثرهم.

    واستدل على جواز الاجتهاد ووقوعه بحديث معاذ بن جبل، الّذي ادّعي اُنّه قال للنّبيّ (صلى الله عليه وآله) : أجتهد رأيي، فأقره النّبي على ذلك.

    ثم قال: واجتهد سعد بن معاذ في بني قريظه وحكم فيهم باجتهاده، فصوّبه النّبي وقال: لقد حكمت فيهم بحكم الله.

    ثم نقل أنّ أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام) قضى في اليمن في امرأة وطئها ثلاثة نفر في طهر واحد، فرفع ذلك للنّبي فضحك حتى بدت نواجذة، وفي رواية فقال: لا أعلم إلاّ ما قال علي.

    ____________

    1- انظر أسد الغابة 3:384، وتاريخ الطبري3:449، والبداية والنهاية7:219، ومقتل الشهيد عثمان1:208.

    2- قال الكاتب في الهامش: على حدّ تعبير السيّد مرتضى العسكري في كتابه (معالم المدرستين) .

    3- قال الكاتب في الهامش: على حدّ تعبير على الشهرستاني في كتابه (منع تدوين الحديث اسباب ونتائج) مشيرين الى أنّ الشهرستاني اصطلح النهجين بدلّ الطّائفتين.


    الصفحة 175
    ثم قال: وعن البراء بن عازب قال: لما صالح رسول الله أهل الحديبية كتب علي بن أبي طالب (عليه السلام) بينهم كتاباً، فكتب "محمّد رسول الله" فقال المشركون: لا تكتب "محمّد رسول الله" لو كنت رسولا لم نقاتلك، فقال لعلي: امحه، فقال علي: ما أنا بالذي امحاهُ، فمحاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده...الحديث.

    ففي امتناعه من محو إسمه الشريف من الصحيفة أبلغ رد على ما يذهب اليه غلاة الشيعة من تقسيم الصحابة الى مدرسين أو طائفتين زاعمين أن الامام علي (كذا، والصواب: عليّاً) لم يجتهد زمن النبوة وانّه وشيعته من طائفة التعبد المحض...

    ولا يخفى ان امتناعه (عليه السلام) بعد طلب النّبي (صلى الله عليه وآله) محو ما كتب، اجتهاد منه في مقابل النص النبوي.

    وإذا كان هذا موقف اجتهادي[كذا، والصواب: موقفاً اجتهاديّاً] منه في صلح الحديبية فموقف الفاردق عمر الاجتهدي في نفس الصلح طعن به علي الشهرستاني في عقيدة عمر... استدل بذلك على أنّه شكّ في صحة قول الرسول وعدم الاطمئنان بكلامه، وأنّ هذا النّص يوضحّ أنّه [اي عمر] لم يكن من أتباع مسلك التعبد المحض.

    والحقيقة أنّه لو لم يرد عن سيدنا عمر سوى حديث تقبيله الحجر الاسود وقوله: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تننع، ولو لا أني رأيت النّبي (صلى الله عليه وآله) يقبّلك ما قبّلتك لكفي في بيان أنّه من أصل التعبد(1).

    ثم استرسل في ترّهاته وقررّ جواز اجتهاد الصحابة، وانّ ما سنه الخلفاء سنّة لا يجوز تجاوزها، ثم قال: وإذا ظهر لهم النّص مع اجتهادهم رجعوا اليه وتركوا رأيهم(2)وفي هذا الكلام من التخليط والبتر والمغالات ما سنبيّنه لك:

    ____________

    1- انظر كتابه 1: 315 - 319 2- كتابه 1: 323

    الصفحة 176

    أمّا انكار وجود مدرستين أو طائفتين

    فإنه يعدّ من أكبر الغباء، لأنّ فيه مصادرة واضحة بالمطلوب، ودوراً صريحاً، لأنّه أبطل التقسيم بناء على جواز اجتهاد الصحابي، الّذي هو بدورة مبتن على مخالفاتهم للنصوص.

    وبعبارة أخرى: إنّه صوّب اجتهاد الصحابة ـ بادّعاء اتّفاق أصوليّيهم على جوازه ـ وهو يعني وجود المجتهدين في زمانه (صلى الله عليه وآله) ، فأمّا وجودهم فمما لا ينكر، وأمّا كون ذلك الاجتهاد مسموحاً به فهو عين المتنازع فيه، إذ نحن نقول إنّه غير مسموح به ولا هو من الشرع في شىء، بل هو باطل بإجماع أصوليينا.

    وهل مدار البحث إلاّ حول جواز الاجتهاد وعدمه بمحضر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وبعدة اذ نحن نقول أنّ كل ما دار من تلك الاعتراضات والمخالفات منهم غير شرعي، ولذلك جعلناهم في مقابل "التعبد المحض" وإلاّ لو قبلنا بشرعية الاجتهاد لما قسّمنا ذلك التقسيم.

    فإذن الشربيني معنا في وجود المعترضين والمخالفين لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في حياته ـ لكنّه يدّعى تصحيح اعتراضاتهم ـ ونحن سنثبت لك أنّ عليّاً وشيعته ليسوا من المجتهدين المعترضين ـ وأنّ ما اعترض به علينا للخدش بتعبد امير المؤمين علي (عليه السلام) سقيم ـ فيثبت لا محالة التقسيم المذكور.

    هذا ناهيك عن أنّ هناك مواقف تدلّ بكل صراحة على وجود مدرستين أو الطائفتين على نحو التنافر والتضاد لا على نحو الاجتهاد، وذلك في مثل رزية الخميس وقول النّبي (صلى الله عليه وآله) : قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع(1)، ومثل غضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) واحمرار وجنتيه ومجىء الأنصار بالسلاح، وطمع عثمان وطلحة ببعض زوجات النّبي (صلى الله عليه وآله) ، و و و... مما تقدم بعضه تحت عنوان "تقدم كثير من الصحابة بين يدى الكتاب والسنة"، فهل كل هذا لا يعدّ مدرستين ولا نهجين، خصوصاً وأنّ في رزية الخميس التصريح بانقسام الصحابة إلى قسمين، بعضهم يقول بما يقول عمر من منع النّبي من الكتابه، وبعضهم يقول بتنفيذ ما أمر به

    ____________

    1- صحيح البخاري 1: 119 - 120/ كتاب العلم - باب كتابة العلم.


    الصفحة 177
    رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ونص عبارة رواية البخاري "فاختلف أهل البيت [وهم رجال من الصحابة كما تقدم قريباً] واختصموا فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدة ومنهم من يقول غير ذلك"(1)

    وانظر التقابل الصريح بين ما قاله وأنبأ به رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جملة تنبّؤاته الصادقة(2)وبين ما قاله أبوبكر بعد وفاة النّبي، حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث الاريكة:

    يوشك الرجل متكىء على أريكته يحدّث بحديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه فيه من حلال احللناه ومن حرام حرمناه(3).

    وفي بعض النصوص قول النّبي (صلى الله عليه وآله) : يأتيه الأمر ممّا أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه(4).

    وفي بعضها: "وهو متكىء على أريكته فيقول: دعونا من هذا ما وجدنا في كتاب الله اتبغاه(5)".

    وفي نص ابن حزم: "أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته، قد يظن أنّ الله تعالى لم يحرّم شيئاً إلاّ ما في القرآن، ألا وانّي والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن اشياء، انها لمثل القرآن(6).

    اقرأ هذا التنبؤ العظيم والتأنيب الشديد، وقارنه، بقول أبي بكر حين استلامه لازمّة الامور: فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستعلوا حلاله

    ____________

    1- صحيح البخاري 3: 318/ كتاب المغازي - باب مرض النّبي ووفاته.

    2- كما قاله البيهقي في دلائل النبوة 1: 24، 6: 549 حيث قال: "فكان هذا من أعظم دلائل النّبوة وأوضح أعلامها".

    3- أنظر تخريجاته في منع تدوين الحديث: 29 عن مسند أحمد 4: 132، وسنن ابن ماجة 1:6/ ح 12، وسنن أبي داؤد 4: 200/ ح 4604، وسنن البيهقي 9: 331، ودلائل النّبوة 1: 25، 6: 549، والأحكام لابن حزم 2: 161، والكفاية في علم البداية: 9 4- سنن ابن ماجة 1: 6/ ح 13، مستدرك الحاكم 1: 108، الكفاية للخطيب: 10.

    5- الكفاية: 10.

    6- الاحكام 1: 159.


    الصفحة 178
    وحرموا حرامه(1).

    ألا يعدّ هذا النهج نهجاً ومدرسة تقابل نهج ومدرسة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟!!

    وإذا كان العسكري والشهرستاني قد ذهباً إلى تقسيم المسلمين إلى طائفتين أو نهجينن فقط، فإن الشرببني ـ تبعاً للسباعي ـ ذهب إلى انهم انقسموا إلى طوائف متعدّدة، لكنه فارق السباعيّ بأنّه قرّب زمن نشوء هذه الطوائف، حيث ذهب السباعي إلى سنة أربعين كانت هي ألحدّ الفاصل بين السنة وخلوصها من الكذب والوضع، وبين التزايد فيها، لكن الشربيني رجّح بأنّ ذلك كان في زمن عثمان، قال: "ان بداية الوضع في الحديث كانت باندلاع الفتنة... وبعد أن انقسم المسلمون إلى طوائف متعددة"(2)، فإذا كان المسلمون ـ وغالبيتهم من الصحابة في المدينة ـ قد انقسموا طوائف متعددّة حتى وضع بعضهم الحديث، وذلك في زمن عثمان المقتول بيد الصحابة سنة 30 للهجرة، فما تنكر أن يقسّموا إلى قسمين متعبّد ومجتهد؟!!

    وهى سنّة الله في أرضه ورسالاته، إذ ما من نبىّ إلاّ وقد وجد له أعداء احتالوا عليه بشتى السبل والحيل، واخترقوا صفوف المؤمنين ووشوا بهم إلى الظالمين، وذلك في مثل اندساس بعض المنحرفين في صفوف الحواريين، وفي صفوف أصحاب الكهف، و و و....

    على أنّنا قدّمنا ـ وقد فصل الشهرستاني ذلك ـ أنّ السبب في ذلك لا يكاد ينحصر بالاندساس، بل ربّما له أكثر من علاقة بذكاء وفطنة الأشخاص، إذ أنّ رائد الاجتهاد عمر بن الخطاب كان ـ كما تقدم ـ قليل الذكاء والفطنة، ضعيف الحافظة، ولذلك نحر جزوراً بعد ان حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، وذلك ماحدا به إلى أن يمنع التحديث والكتابة والتدوين، وأن يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه ليسدّ به عوزه العلمي، وهذا الإشكال القاتل هو الذي فرّ منه الشربيني ولم يتعرض له بالرد لا من قريب ولا من بعيد، مع أنّه من

    ____________

    1- تذكرة الحفاظ 1: 32، وحجية السنة: 394.

    2- انظر كتابه 1: 402.


    الصفحة 179
    الاسُس الكبيرة في كتاب "منع تدوين الحديث" وهكذا كثير من المجتهدين قبال نصوص النّبي (صلى الله عليه وآله) فتحوا لأنفسهم هذا الباب لقلة بضاعتهم.

    وبهذه المناسبة أدعو الله أن لا يؤاخذ الشربيني على مبلغ علمة ومقدار عقله، وإنكاره للواضحات، ولعلّ خير ما نقرأه في هذا المجال هو ما رواه البرقي بسنده عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) ، قال:

    كان يرى موسى بن عمران (عليه السلام) رجلا من بني إسرائيل يطول سجوده، ويطول سكوته، فلا يكاد يذهب [موسى (عليه السلام) ] الى موضع إلاّ وهو معه فبينا هو يوماً من الايام في بعض حوائجه، اذ مرّ على ارض معشبة تزهو وتهتز، قال: فتأوّه الرجل، فقال له موسى (عليه السلام) : على ماذا تأوّهت؟ قال: تمنيت أن يكون لربّي حمار أرعاه هاهنا، قال: فأكبّ موسى (عليه السلام) طويلا ببصره على الأرض اغتماماً بما سمع منه، قال: فانحطّ عليه الوحي، فقال له: ما الّذي أكبرت من مقالة عبدي؟! أنا اؤاخذ عبادي على قدر ما أعطيتهم من العقل(1).

    أقول: ومن العجائب ما قاله أخيراً مما نقلناه، من أنّ الصحابة مع اجتهادهم كانوا يرجعون إلى النّص إذا ظهر لهم ويتركون اجتهادهم.

    ولا أدري كيف يوفّق بين هذه القاعدة التي قرّرها وبين إصرار عمر على عدم وجوب الصلاة على الجنب الفاقد للماء، مع تصريح القرآن المجيد والسنة النّبوية بأنّ فرضه التيمم.

    قال تعالى: (وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيّبا) (2).

    وقال تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدٌ منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيّبا) (3).

    وروى عمران بن الحصين، وعمار بن ياسر، وأبوذر الغفاري التيمّم للجنب، وروى عمّارٌ

    ____________

    1- المحاسن 1: 308/ باب العقل - الحديث 10.

    2- المائده: 6 3- النساء: 43.