قال محمد رواس قلعچي: إذا احتاج المسلم إلى الوضوء ولم يجد الماء جاز له التيمم بالإجماع، أمّا إذا كان جنباً ولم يجد الماء فهل يجوز له التيمّم؟ كان الصحابة يجيزون ذلك له الى ان يجد الماء، فإذا وجده اغتسل... ولكن ذلك خفي على عمر... وبقي عمر كذلك إلى أن ذكّره عمّار بن ياسر بحادثة معهما، فلم يذكرها عمر...
روى عبدالرحمن بن أبزى أنّ رجلا أتى عمر فقال: إنّي أجنبت ولم أجد ماءً؟ فقال: لا تُصلّ، فقال عمار: أمّا تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأصابتنا جنابة، فلم بخد الماء، فأمّا أنت فلم تصل، وأمّا أنا فتمعكت في التراب وصليت؟ فقال رسول الله: انّما يكفيك ان تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمس بهما وجهك وكفّيك، فقال عمر: اتقّ الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أحدّت به، فقال عمر: نولّيك ما تولّيت(1).
قال العيني: ان عمر لم يكن يرى للجنب اليتمم، لقول عمار له: فأمّا أنت تصلّ.
وقال: انّه جعل آية التيمّم مختصّة بالحدث الأصغر، وأدّى اجتهاده إلى أنّ الجنب لا يتيمّم(2).
قال ابن حجر: هذا مذهب مشهور عن عمر(3).
فإذا كان عمر لم يفهم آية التيمم، ولا عرف ما رواه الصحابة فيه، ولا ذكر ما ذكرّه به عمّار، وأعمل اجتهاده فرفض تيمم للجنب، فأين رجوعه عن اجتهاده بمجرد الوقوف على النص؟!
ألا يعدّ هذا ـ وعشرات امثاله ـ من عمر من جملة معالم مدرسة اجتهاد، ومن جملة الأدلّة على وجود طائفة المجتهدين مقابل مدرسة وطائفة التعبد المحض التي قادها أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وتبعه عمار ـ كما في هذا الفرع الانف ـ وجماعة من خلص الاصحاب؟!
____________
1- موسوعة عمر بن الخطاب: 228 - 229.
2- عمدة القاري 4: 19.
3- فتح الباري 1: 352.
وأمّا ما استدل به على جواز الاجتهاد:
فانّه استدل بحديث معاذ بن جبل، ولما دار في خلده أنّه حديث موضوع ولا يصحّ له اسناد، قال في الهامش:
وقال أبو عيسى [الترمذي]: هذا حديث لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل.
قال ابن قيم الجوزية: هذا الحديث وإن كان عن غير مسمّين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك... فلا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث؟...
وقال الشوكاني: هو حديث مشهور له طرق متعددة ينهض مجموعها للحجية.
هذا والحديث ممّا تلقاه الناس بالقبول وأجمعوا على معناه واشتهر عند ائمة الحديث بغير نكير منهم، وما كان كذلك يحكم له بالصحة وكان غنياً عن الاسناد.
فالحديث صحيح رغم أنف بعض غلاة الشيعة في زعمهم أنّ الحديث من وضع أهل السنة(1)...إنتهى.
أقول: إذا أردت أن تعرف مقدار خيانة هذا الرجل وتعتيمه على الحقائق فاقرأ معي سند هذا الحديث كاملا، لتعرف أنّ فيه آفة غير عدم تسمية أصحاب معاذ، خان الشربيني فلم ينقلها ولا أشار إليها، واليك السند كاملا.
قال أحمد بن حنبل: حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن أبي عون الثقفي، عن الحارث بن عمرو،
____________
1- هامش كتابه 1: 316 ـ 317.وقال عند الفقرة الأخيرة: انظر"الشيعة هم أهل السنة" للدكتور محمد التيجاني: 155.
قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : الحمد لله الذي وفق رسولُ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) (1).
هذا هو السند، وكل من رواه من أصحاب السنن والمسايند، فانما يروية عن أبي عون عن الحارث بن عمرو، عن رجال أو أناس من أصحاب معاذ.
فإذا غضضنا النظر عن غير المسمّين من أصحاب معاذ ـ الذين اقتصر الكويتب الشربيني على إشكاليّتهم ـ فإنّ الحقيقة العلمية تقتضي أن نقول أنّ الحارث بن عمرو مجهول، فهذا الأسناد ساقط من جهة الحارث كما هو ساقط من جهة جهالة أصحاب معاذ.
قال البخاري: الحارث بن عمرو عن أصحاب معاذ عن معاذ، روى عنه أبو عون، ولا يصح ولا يعرف إلاّ بهذا، مرسل(2).
وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية: هذا حديث لا يصح... لأنّ الحارث بن عمرو مجهول، وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون، وما هذا طريقه فلا وجه لثبوته(3).
وقال ابن حزم: لا يصح، لأنّ الحارث مجهول، وشيوخه لا يعرفون، فلا يحل الاحتجاج به لسقوطه، وهو باطل لا أصل له(4).
وقال المباركفوري: قال عبد الحق: لا يسند ولا يوجد من وجه صحيح(5).
وقد ذكره العلاّمة الألباني في ضعيف سنن الترمذي قائلا: إنّه لا يصح(6).
____________
1- مسند أحمد 5: 236، وسنن الترمذي 3: 616/ الحديثان 1327و1328، وسنن أبي داؤد3: 303/ الحديث 35092.
2- التاريخ الكبير 2: 277.
3- العلل المتناهية في الاحاديث الواهية 2: 758/ 1264.
4- الاحكام لابن حزم 6: 373، المحلّى 1:162.
5- تحفة الأحوذي 4: 464.
6- ضعيف سنن الترمذي 2: 254.
ومع هذه الجهالة، وتصريح الاعلام بأنّه لا يصح، كيف يكون صحيحاً رغم أنف بعض غلاة الرافضة؟! إنّ ذلك يستلزم أن يكون صحيحاً رغم أنف البخاري وابن الجوزي وابن حزم والمباركفوري والالباني و و و....واذا كان كذلك فهنيئاً للبخاري وأتباعه.
واذا أردت التأكد من عدم صحة هذا الحديث، فلاحظ تعجب العلماء من عدّ امام الحرميين الجويني لهذا الحديث في الصحيح، وأنّه العمدة في الباب، وعدّهم ذلك من هنواته وزلاته.
وأمّا ما قاله ابن قيم الجوزي، فقد علمت مقدار اعتبار بعد وقوفك على حقيقة الحال، وأنّ مثل هذا الحديث الذي صرّح بعدم صحته الائمة، لا يرفع حمل شعبة له ولا غيره، ولذلك قال المباركفوري بعد أن ماشى ابن قيم في كلامه: لكن ما قاله في تصحيح حديث الباب [أي حديث معاذ هذا] ففيه عندي كلام(2).
وأمّا ما نقله من قول الشوكاني أنّه حديث مشهور له طرق متعدّدة ينهض مجموعها للحجيّة. فيكذّبه الاستقراء والتتبّع، كما يكذّبه ما قاله ابن طاهر في تصنيف له مفرد في الكلام على هذا الحديث، حيث قال:
اعلم أنّي فحصت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار، وسألت عنه من لقية من أهل العلم بالنقل، فلم أجد له غير طريقين، أحدهما طريق شعبة، والاخرى عن محمد بن جابر عن أشعث بن أبى الشعثاء عن رجل من ثقيف عن معاذ، وكلاهما لا يصح(3). فأين الطرق المتعددة التي ينهض مجموعها للحجيّة؟!
أهي طريق الحارث بن عمرو المجهول، وطريق "رجال من أصحاب معاذ" أم طريق أشعث بن أبي الشعثاء عن "رجل من ثقيف" والتي لم نجدها في أمهات المصادر والسنن اليوم؟! وهل هذه هي طرقك التي تتحد بها طرق الشيعة الامامية الضاربة الجذور في عمق الاسلام
____________
1- تهذيب التهذيب 2: 152.
2- تحفة الاحوذي 4: 466 3- تحفة الأحوذي 4: 466، تلخيص الحبير 4: 183.
إنّ هذا خلاف الدين والعقل والإنصاف.
على أنّ رواية معاذ الانفة الذكر معارضة برواية أخرى احسن منها سنداً، وهى:
قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن الشيباني، عن محمد بن عبدالله الثقفي، قال: لما بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) معاذاً إلى اليمن قال له: يا معاذ بم تقضي؟
قال معاذ: أقضي بكتاب الله، قال: فإن جاءك أمرٌ ليس في كتاب الله ولم يقض فيه نبيه ولم يقض به الصالحون؟
قال معاذ: أؤمّ الحق جهدي(1).
وهذه الرواية أرجح بمرّات من رواية الحارث، وليس فيها ذكر للاجتهاد بالرّاي أصلا(2).
وروى ابن ماجة قائلا: حدثنا الحسن بن حمّاد - سجّادة - حدثنا يحيى بن سعيد الاموي، عن محمد بن سعيد بن حسان، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرّحمن بن غنم، عن معاذ، قال: لما بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن قال: لا تقضينّ ولا تفصلنّ إلاّ بما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تتبيّنه أو تكتب إليّ فيه(3).
وهذه الرواية وان كان سندها ربّما يعدّ ضعيفاً، لكنها معتضدة بالرواية التي قبلها، وليس فيهما ذكر الاجتهاد بالراي، وقد قال ابن قيم الجوزية في حاشيته على سنن أبي داؤد: وهذا أجود إسناداً من الأول [اي حديث الحارث بن عمرو] ولا ذكر فيه للرأي(4).
وفوق كل ذلك، فإنّ السيرة العملية لمعاذ تكذّب إلصاق هذه التهمة به لأننا لم نجد ولا مفردة
____________
1- مصنف ابن أبي شيبة 5: 358.
2- انظر كتاب الرسول المصطفى ومقولة الرأي: 37 - 38، لفضيلة الشيخ باسم الحلي.
3- سنن ابن ماجة.
4- حاشية ابن قيم 9: 368.
روى الإمام مالك في موطّئه: عن حميد بن فيس المكي، عن طاؤوس اليماني، أنّ معاذ بن جبل الأنصاري أخذ من ثلاثين بقرة تبيعاً، ومن أربعين بقرة مسنة، وأتي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئاً وقال: لم اسمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه شيئاً، حتّى ألقاه فأسأله(1).
هذا، مع أنّ دأب عمال النّبي (صلى الله عليه وآله) المخلصين أنّهم كانوا يتوقّفون فيما لا يعلمون حتى يكتبوا للرسول أو يقدموا المدينة فيسألوه(2).
نعم يبقي له مدعى واحد وهو "تلقاه الناس بالقبول" فيكون حسب زعمه "غنيا عن الاسناد" وهذا عين ما قلناه من وجود نهجين، فإن هذه المزعمة امتداد لمقولة نهج الاجتهاد بالرأي، التي لم يقبلها المتعبدون المتمحضون في التعبد، إذ كيف تلقي الناس هذا الحديث الضعيف الساقط الذي لا يحتج به بالقبول لو لا فتح باب الاجتهاد؟!
وهل ان البخاري وابن الجوزي وابن حزم و و و... ليسوا من الناس؟! فانهم لم يتلقوا هذا الحديث بالقبول، بل جابهوه بالتضعيف والإنكار.
وما شأن هذا الحديث والحارث بن عمرو، إلاّ شأن حمران بن ابان طويداً اليهودي وشأن عمران بن حطان الخارجي، وشأن الوليد الفاسق، وشأن عمر بن سعد قاتل الحسين الثقة
____________
1- الموطأ 1: 260/ باب ما جاء في صدقة البقر.
2- انظر مكاتبة أنس بن حذيفة صاحب البحرين لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمر الأشربة، في كنز العمال 5: 524، وأسد الغابة: 1: 123. أخرجه ابن منده وأبو نعيم. وهو وإن كان مرسلا لكنه أحسن حالا من رواية الحارث بن عمرو. وانظر كتابة خالد بن الوليد للنّبي في أمر اصطفاء علي (عليه السلام) صفيّة من السبي في فتح الباري 8: 53، وخصائص النسائي: 103، والسنن الكبرى 5: 135، وفيض القدير 4: 471.
وانظر كتابة عتاب بن أسيد إلى النّبي في أمر الربا الّذي كان بينهم في الجاهلية فكيف حكمة بعد ما أسلموا. الاصابة 6: 81/ ترجمة مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي، و6: 432 ترجمة هلال الثقفي.
وهذا الحديث ظاهر جدّاً في أنّ ما حكم به سعد هو حكم الله من فوق سبع سماوات أو أرفعة(1)، إذ أنّ حكم المحاربين - خصوصاً بني قريظة من اليهود - كان معروفاً معلوماً عند المخلصين من الاصحاب، خصوصاً وأن غزوة بني قريظة كانت مسبوقة بغيرها من الغزوات التي علم حكمها، وانّ الإمام لا بدّ أن يحكم بما فيه المصلحة للمسلمين والمقاتلين، فالحكم هو أن يقتل المقاتلون.
ويسترق الذرية ومن لم يبلغ، ولذلك نرى أنّ اليهود من بني قريظة لما اشتد عليهم الحصار، قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فأشار أبو لبابة بن عبد المنذر إنّه الذبح(2)، فكان حكمهم معروفاً سلفاً.
لكنهم نزلوا على حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خلال حكم سعد بن معاذ، فقد روى مسلم في صحيحه أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) قاتل بني قريظة حتى نزلوا على حكمة، فردّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ(3).
فقد كان الحكم الواقعي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، لكن اليهود طلبوا من النّبي أن يحكّم فيهم سعد بن معاذ، لأنّهم ظنوا أنّه سيحابيهم، لأنّه من الاوس وهم مواليهم.
____________
1- انظر المجموع للنووي 13: 363، 19: 323، وبدائع الصنائع 7: 108، والمغني لابن قدامة 10: 546.
2- تاريخ الطبري 2: 583، زاد المسير 3: 233 قال: "ان النّبي (صلى الله عليه وآله) لما حاصر قريظة سألوه أن يصالحهم على ما صالح عليه بني النضير، على أن يسيروا إلى أرض الشام، فأبى أن يعطيهم ذلك إلاّ أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا، وقالوا: إرسل إلينا أبالبابة، وكان مناصحاً لهم، لأنّ ولده وأهله كانوا عندهم، فبعثه إليهم، فقالوا: ما ترى؟ اننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبولبابة بيده إلى حلقه: انّه الذبح فلا تفعلوا".
3- صحيح مسلم 5:161/ باب جواز قتال من نقض العهد.
وقال السيد المرتضى علم الهدى: لأنّ بني قريظة لما حاصرهم النّبي (صلى الله عليه وآله) في حصنهم... وضاق ذرعهم، وعرض عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ينزلوا على حكمه فيهم، فأبوا ذلك ورضوا على حكم سعد بن معاذ، لأنّه كان جاراً لهم، لأنّهم ظنوا أنّه يحكم بما يوافقهم فحكّموه، فحكم عليهم أن يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم وان يقسم أموالهم، فقال له النّبي (صلى الله عليه وآله) : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرفعة(2)...
هذا، وقد اختار أبو الخطاب أنّ حكم من حكّموه لا يلزم إذا لم يكن للمسلمين فيه حظ، وهذا يعني أن للامام أن لا يقر حكمه إذا حكم بالمن والفداء دون القتل والأسر وتقسيم الأموال(3).
وقال الامام الباقر (عليه السلام) في ردّ فكرة الخوارج المعترضة على أمير المؤمنين (عليه السلام) في أمر الحكمين: وحكّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم فيهم بما امضاه الله، أوَ ما علمتم أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) إنّما أمر الحاكمين أن يحكما بالقران ولا يتعدياه، واشترط ردّ ما خالف القرآن من أحكام الرجال(4)...
وروى عبد الرزاق في مصنفه رواية طويلة فيها قول الراوي: فاخذت قريظة تذكّره[أي تذكّر سعدا] بحلفهم، وطفق سعد بن معاذ ينفلت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مستأمراً، ينتظره فيما يريد أن يحكم به فيجيب به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، يريد أن يقول: انظر بما انا حاكم، وطفق رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: نعم، قال سعد: فانّي أحكم بأن تقتل مقاتلتهم وتقسم أموالهم وتسبى
____________
1- مواهب الجليل 4: 558.
2- رسائل المرتضى 4: 129.
3- انظر الشرح الكبير 10: 424، والمغني 10: 547.
4- الارشاد للمفيد 2: 165
فقضية حكم سعد بن معاذ أجنبية عن الاجتهاد المدّعى شرعيته، إذ الحكم الأصلي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وسعد كان يعرف الحكم سلفاً كما يعرفه أبو لبابة وغيره، لكنّ اليهود حاولوا استعطاف سعد لكنّه حكم بحكم الله ولم يرجّح الحلف على الحقّ المبين.
وكيف يكون هذا مساوقاً لاجتهاد زعماء قريش المتسلطين الجاهلين، مع أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا لعلي ومسح صدره فلم يشك في حكمه بين اثنين.
روى ابن ماجة في سننه بسنده عن أبي البختري، عن علي (عليه السلام) ، قال: بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله! تبعثني وأنا شابٌّ أقضي بينهم، ولا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب بيده في صدري، ثم قال: الّلهم اهد قلبه وثبّت لسانه، قال: فما شككت بعد في قضاء بين اثنين(3).
فأين هذا من الاجتهاد؟! وكيف يقاس من لم يفهم آية التيمم ورواياته ولم يذكر ما ذكّره به
____________
1- المصنف لعبد الرزاق 5: 371 من حديث الزهري عن ابن المسيّب.
2- انظر نظم در السمطين: 113، وكنز العمال 13: 114، فتح الملل العلي: 48، قال: أخرجه أبو نعيم وأخرجه الاسماعيلي في معجمه من حديث ابن عباس، واسناده على شرط الحسن. وتاريخ دمشق 42: 385. ولم يعبه القوم إلاّ بأنّه منكر لأنّه لا يروق لهم.
3- سنن ابن ماجة 2: 774/ الحديث 231. ورواه الحاكم في مستدركه 3: 135 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في السنن الكبرى 10: 86، ومسند أحمد 1: 83، وابن أبي شيبة في مصنفه 7: 13و 495، وأبو داؤد الطياسي في مسنده: 16.
وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : أنا من رسول الله كالضوء من الضوء(1).
قال المجلسي: أي كالضوء الحاصل أو المنعكس من الضوء، لكون علمه وكمالاته من النّبي (صلى الله عليه وآله) (2)، كنور القمر المستفاد من ضوء الشمس(3).
وإذا خفيت على الغبىّ فعاذرٌ | أن لا تراني مقلة عمياءُ |
وأمّا اشكالية الحديبية
فقبل بيان ردّ الإشكال، نقول: إنّ الشربيني خان ـ كما خان قبله شيخه البخاري ـ فلم ينقلا تتمة هذه القضية وبترا الرواية وإخبار النّبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) بأنّه سيدعى إلى مثل ذلك، وهو ما وقع في صفين، حيث أبي ابن النابغة ومن ورائه ابن هند، أن يكتب في الكتاب "علي أمير المؤمينين"، إذ قال له القاسطون "لو علمنا انك أمير المؤمنين ما قاتلناك" كما قال المشركون للنّبي (صلى الله عليه وآله) : "لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولا لم نقاتلك".
قال ابن خلدون في تاريخه: وحضر عمرو بن العاص عند علي (عليه السلام) لتكتب القضية بحضوره، فكتبوا بعد البسملة "هذا ما تقاضي عليه أمير المؤمنين"، فقال عمرو: ليس هو بأميرنا، فقال له الأحنف: لا تمحها فإني أتطيّر بمحوها، فمكث (عليه السلام) مليّاً، ثم قال الاشعث: امحها، قال علي: الله أكبر وذكر قصة الحديبية وفيها "انك ستدعى إلى مثلها فتجيبها"، فقال عمرو: سبحان الله!! نشبّه بالكفار ونحن مؤمنون؟! فقال علي (عليه السلام) : يابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليّاً وللمؤمنين عدوّاً، فقال عمرو: والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم، فقال علي (عليه السلام) : أرجو أن يطهّر الله مجلس منك ومن أشباهك، وكتب الكتاب "هذا ما تقاضى
____________
1- شرح نهج البلاغة 16: 289، عيون الحكم والمواعظ لليثي: 167، الجوهرة في نسب الامام علي: 82 2البحار 33: 480.
3- البحار 40: 344.
وقال ابن حجر في فتح الباري عند شرحه لحديث صلح الحديبية الّذي نقله البخاري مبتوراً: وفي حديث النسائي، وزاد: وقال (عليه السلام) : "أمّا إنّ لك مثلها وستأتيها وأنت مضطر" يشير إلى ما وقع لعلي يوم الحكمين، فكان كذلك(2).
وبعد غضّ النظر عن هذا الحذف المتعمّد ـ لئلاّ يظهر عوار معاوية والقاسطين ـ نقول:
أ: إنّ الاشكال برمّته لا يتوجّه علينا، وذلك لأننا نقول بعصمة أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ونثبت ذلك بطرقنا الصحيحة وأدلّتنا الدامغة، بل هو من ضروريات مذهب الإمامية، ومع هذا الحال يكون كل ما يصنعه علي (عليه السلام) ويقوله فإنّما هو مقتبس من تعليم الله ورسوله إياه وبأمرهما، وموافق للمصالح والحكم المحفوظة في اللوح المحفوظ، فالإشكال مرتفع من أسامه.
ويكون حال قضية الحديبية ـ على فرض التنزل لإنك ستقف على حقيقة الأمر من أنّ عليّاً لم يرادّ النّبي فيها ابداً ـ حال قضية داؤد وسليمان (عليهما السلام) ، حيث قال تعالى(وداؤد وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنّا لحكمهم شاهدين ففهّمناها سليمان وكلاًّ آتينا حكماً وعلماً)(3)، وكانت القضية مرفوعة الى داؤد (عليه السلام) لأنه هو الملك الحاكم في بني اسرائيل... وإنّما كان سليمان يداخل في حكم الواقعة عن إذن من داؤد ولحكمة هي إظهار أهليته للخلافة بعد داؤد(4).
وقال: إن قوله تعالى (وكنّا لحكمهم شاهدين) لا يخلو من إشعار بل دلالة على أنّ الحكم كان واحداً ومصوناً عن الخطاء، وكان حكمهما واحداً في نفسه مختلفاً من حيث كيفية
____________
1- تاريخ ابن خلدون 2: 175.
2- فتح الباري 7: 386. وانظر أنباء النّبي (صلى الله عليه وآله) بذلك في تاريخ الخميس 2: 21، والكامل في التاريخ 2: 204، والخصائص للنسائي: 50 (طبع التقدم بمصر) ، وشرح النهج 1: 190، 2: 588، والمغني للقاضي عبد الجبّار 16: 422، وصبح الأعشى 14: 92.
3- الأنبياء: 78 - 79.
4- انظر تفسير الميزان 14: 310 - 311.
وعين هذا الكلام متأتّ في ما نحن فيه، إذ الحكم المطلق لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وإنّما أشرك علياً (عليه السلام) فيه ليبيّن أهليته للخلافة من بعده، خصوصاً مع إخباره بما سيحدث له من إجبار عمرو بن العاص والأشعث والمنافقون له (عليه السلام) على محو "أمير المؤمنين" كما أجبر سهيل بن عمرو والمشركون رسول الله (صلى الله عليه وآله) على محو "رسول الله"، وكذلك الحكم هنا كان واحداً، لكنّ حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان أرفق.
وعلى كل حال، فالقضية ـ على فرض تسليمها بالشكل الذي رواه البخاري ـ تدور بين خاتم الانبياء المعصوم وبين سيّد الاوصياء المعصوم ولا علاقة لها بالاجتهاد بالرأي أساساً لا من قريب ولا بعيد.
ب ـ بعد رفع اليد عن قضية العصمة، نقول:
إن روايات الحديبية لا تقتصر على ما رواه البخاري، بل هي وفق الاستقراء يمكن تقسيمها إلى طوائف متعددة:
أوّلها: الروايات الّتي فيها امتثال أمير المؤمنين (عليه السلام) دون تلكّوء أو بعده وبعد إخبار، النّبيّ (صلى الله عليه وآله) له بأنّه سيدعى إلى مثلها مثل رواية ابن حبان في ثقاته، حيث قال في روايته:
ثم دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب فقال: اكتب "بسم الله الرحمن الرّحيم" فقال سهيل: لا اعرف هذا، ولكن اكتب "باسمك اللهم" فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : اكتب "باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو" فقال: لو شهدت انك رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم اقاتلك، ولكن اكتب "محمد بن عبدالله" اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : "اكتب محمد بن عبدالله وسهيل بن عمرو"، فكتب "محمد بن عبدالله"، "هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب"(2)...الى آخره.
____________
1- الميزان 14:312.
2- الثقات لابن حبان 1: 300 - 301.
وروى الكليني في الكافي بسنده عن الصادق (عليه السلام) ذلك، قال: فقال (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) : اكتب "بسم الله الرحمن الرحيم"، قال (صلى الله عليه وآله) : واكتب "هذا ما قاضي رسول الله سهيل بن عمرو" فقال سهيل: فعلي ما نقا تلك يا محمّد؟ فقال: انا رسول الله وانا محمد بن عبدالله، فقال الناس: أنت رسول الله، قال: اكتب، فكتب "هذا ما قاضي عليه محمد بن عبدالله(2)...
وروى اليعقوبي في تاريخة أنّ أصحاب علي (عليه السلام) لما اختلفوا في حذف امرة المؤمنين عنه (عليه السلام) ، قال: الله اكبر، قد كتب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الحديبيته لسهيل بن عمرو: "هذا ما صالح رسول الله" فقال سهيل: لو علمنا أنّك رسول الله ما قاتلنان، فمحا رسول الله اسمه بيده، وأمرني فكتبت: "من محمد بن عبدالله"(3)...الى آخره.
ثانيها: الروايات التي فيها اعتراض المسلمين، ومنهم عمر.
ففي مجمع الزوائد، قال الهيثمي: وعن عمر انّه قال: اتّهموا الرأي على الدين، فذكر حديث الحديبية، الى أن قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يكتب بينه وبين أهل مكة، فقال: اكتب "بسم الله الرحمن الرّحيم"، فقالوا: ما نرى ذلك صدقنا، ولكن اكتب كما كنت تكتب "باسمك
____________
1- مجمع البيان 9: 199، ومناقب الخوارزمي: 193/ الحديث 231.
2- الكافي 8: 269.
3- تاريخ اليعقوبي 2: 189. وانظر كتابة علي (عليه السلام) دون امتناع في البداية والنهاية4: 168، وأنساب الاشراق 1: 349 - 350، وسيرة ابن هشام 3: 331 - 332، وسيرة ابن كثير 3: 320 - 321، ومسند أحمد1: 86، ومستدرك الحاكم 3: 153، وتاريخ الطبري 5: 634، وشرح النهج 2: 232، وفيه "اما إنّ لك مثلها ستعطيها وأنت مضطهد".
ولا يخفي عليك أنّ هذا ثاني اعتراض لعمر في الحديبية، إذ الأول كان على أصل الصلح، وهذا الثاني كما تراه.
وفي رواية الواقدي: فضجّ المسلمون منها...حتى ارتفعت الاصوات، وقام من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقولون: لا نكتب إلاّ "محمد رسول الله" فحدثني ابن أبي سبرة، عن اسحاق بن عبدالله، عن أبي فروة، عن واقد بن عمرو، قال: حدثني من نظر إلى اسيد بن حضير وسعد بن عبادة أخذاً بيد الكاتب [وهو أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ] فأمسكاها، وقالا: لا نكتب إلاّ محمد رسول الله، وإلاّ فالسيف بيننا، علام نعطي الدنية في ديننا؟! فجعل رسول اللهّ (صلى الله عليه وآله) يخفضهم ويومىء اليهم: اسكتوا(2)...
ثالثها: الروايات الناصّة على أنّ عليّاً (عليه السلام) امتنع على سهيل بن عمرو لا على النّبي (صلى الله عليه وآله) .
فقد روى النسائي بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: قالوا: لو نعلم انّه رسول الله ما قاتلناه، امحها، قلت: هو والله رسول الله وإن رغم انفك، ولا والله لا أمحوها، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أرينه، فأريته، فمحاها وقال: أما إنّ لك مثلها، وستأتيها وأنت مضطر(3).
وروى ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلا: فغضبت، فقلت: بلى والله إنّه لرسول الله وإن رغم انفك [والكلام موجّه لسهيل]، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : اكتب ما يأمرن، إن لك مثلها ستعطيها وأنت
____________
1- مجمع الزوائد 6: 145 - 146. وانظره في كتاب الشربيني 1: 321 منقولا عن صحيح البخاري/ كتاب المغازي ـ باب غزوة الحديبية.
2- المغازي للواقدي 2: 610 - 611. وانظر سبل الهدى والرشاد 5: 54، وإمتاع الاسماع 1: 296، والسيرة النبوية لزيني دحلان 2: 43.
3- خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) للنسائي: 149.
وروى الطوسي في اماليه ذلك، وفيه: فقال سهيل بن عمرو: امسح رسول الله فإنا لا نقرّ لك بذلك، ولا نشهد لك به، اكتب اسمك واسم أبيك، فإمتنعت من محوه، فقال النّبي (صلى الله عليه وآله) : امح يا على وستدعى لمثلها فتجيب وأنت على مضض(2).
وفي نص الراوندي: قال علي (عليه السلام) : فغضبت فقلت: بلى والله انّه لرسول الله وإن رغم انفك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : اكتب ما يأمرك، إنّ لك مثلها ستعطيها وأنت مضطهد(3).
ومن مجموع الروايات يظهر للمنصف أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يعترض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، بل كان اعتراضه على سهيل بن عمرو، وعناده معه، لكنّه لمّا أمره رسول الله بالكتابة امتثل (عليه السلام) لأمره (صلى الله عليه وآله) ، أو لعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) محا بيده الشريفة "رسول الله" من الكتاب لكي لا يحصل سهيل بن عمرو على امتياز ظاهرىّ على أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك النزاع المحتدم، ولكي يرضي المسلمين الذين أمسكوا يد علي (عليه السلام) عن المحو والكتابة باسم النّبيّ (صلى الله عليه وآله) واسم والده عبدالله(4).
هذا، مع أنّ مقايسة هذا الموقف من أمير المؤمنين بموقف عمر، ومحاولة قولبته بقالب الاجتهاد، غلطٌ فاضح، لأنّ النّبي جزى موقف أمير المؤمنين بالبشارة والإنباء بانّه الخليفة الحق الذي سيضطهد، وان معاوية وعمرو بن العاص والاشعث لهم موقف مثل موقف سهيل والمشركين، وجازى عمر بن الحطاب بالتأنيب والتقبيح لفعله، وكان عمر قد صرّح بانّه شكّ شكّاً عظيما(5) ذلك اليوم، وكان يعمل الأعمال(6)، لمعرفته بذنبه وجرأته وتطاوله
____________
1- وقعة صفين: 509.
2- أمالي الطوسي 1: 190 - 191.
3- الخرائج والجرائح 1: 116.
4- انظر رسالة "موقف علي في الحديبية" للعلامة السيد جعفر مرتضى العاملي.
5- انظر صحيح ابن حبان 11: 224، ومصنف عبد الرزاق 5: 339، وتفسير الطبري 26: 129، وقد مرّ.
6- لا تنس قول ابن حبان "فعملت لذلك أعمالا، يعني في نقض الصحيفة".