ولمّا بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفتح خيبر ـ بعد رجوع الشيخين كلّ منهما يجبّن اصحابه ويجبنونه ـ قال له: "اذهب ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك.
فمشى (عليه السلام) هنيهة ثم قال ولم يلتفت للعزمة ثم قال: علام أقاتل الناس؟
قال النّبي (صلى الله عليه وآله) : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله(2)...
فها هو أمير المؤمنين لم يسوّغ لنفسه أن يلتفق فيسأل، لئلا يخالف ظاهر العزيمة من امر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وها ذاك عمر يجتهد ويخالف ويعارض ـ بمحضر من الرسول وبعده ـ في كل صغيرة وكبيرة، حتى كان هو الفاتح الأكبر لباب الاجتهاد بالرأي على مصراعيه، فكيف يقاس هذا بذاك، والثريا بالثرى؟! وكيف يقال بعدم وجود مدرستين أو طائفتين عند الصحابة؟!
وأمّا تقبيل عمر للحجر الأسود:
الذي نقل الكاتب نصه عن صحيح البخاري، وفيه قول عمر: "انّي أعلم أنّك حجر لا تضر ولا تنفع، ولو لا أني رأيت النّبي يقبّلك ما قبّلتك"(3) فإنّ هذا النّص أدل على جهل عمر
____________
1- نهج البلاغة: 1: 39/ ضمن الخطبة 4، والارشاد للمفيد 1: 254.
وقول الشربيني تعليقاً على ما قاله الشهرستاني من شك عمر في الحديبية:" فان أراد علي شهرستاني بذلك الشك في الدين فمردود....وان أراد علي شهزستاني الشك في المصلحة وعدمها فمردود أيضاً".
أقول: كان على الشربيني أن يوجّه سؤاله الى عمر ليبين هو مراده من الشك الذي صرّح بوقوعه منه، أمّا نحن فلا نشك في أنّ شك عمر كان في أصل الدين ولذلك عمل أعمالاً يكفّر بها عن هذا الشك المميت.
2- الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 15: 380 واسناده صحيح، ومسند أحمد 2: 384 - 385، وصحيح مسلم 17: 121 بشرح النووي، وسنن سعيد بن منصور 2: 179، وخصائص النسائي: 58.
3- كتابه 1: 319، عن صحيح البخاري بشرح فتح الباري 3: 540/ رقم 1597. ومسلم بشرح النووي 5: 20/ رقم 1270.
وقد روى السرخسي هذه القضية فقال في تتمة الحديث: فبلغت مقالته عليّاً (عليه السلام) فقال: أما إنّ الحجر ينفع، فقال له عمر: وما منفعته يا ختن رسول الله؟ فقال (عليه السلام) : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنّ الله لما أخذ الذرية من ظهر آدم (عليه السلام) وقررهم بقوله: (ألست بربكم قالوا بلى) أودع إقرارهم الحجر، فمن يستلم الحجر فهو يجددّ العهد بذلك الإقرار، والحجر يشهد له يوم القيامة، استلام الحجر للطواف بمنزلة التكبير للصلوات، فيبدأ به طوافه(1).
وقال العيني في عمدة القاري عند شرحه لقول عمر "لا تضر ولا تنفع": وروى الحاكم من حديث أبي سعيد "حججنا مع عمر، فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال: اني اعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع" ولو لا أني رايت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبّلك ما قبّلتك ثم قبّله فقال علي (عليه السلام) : إنّه يضرّ وينفع، قال: بم؟ قال: بكتاب الله تعالى; قال عزّ وجلّ (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهرهم على أنفسهم الست بربكم قالوا: بلي)، وذلك أنّ الله لمّا خلق آدم مسح يده على ظهره فقررهم بأنّه الرب، وأنّهم العبيد، وأخذ عهودهم ومواثيقهم، وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال: افتح، ففتح فاه، فألقمه ذلك الرق، فقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإني أشهد لسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يؤتي يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق يشهد لمن يستلمه بالتوحيد، فهو ـ يا أمير المؤمنين ـ يضرّ وينفع.
فقال عمر: أعوذ بالله من قوم لست فيهم يا أبا الحسن. وفي سنده ابو هارون عمارة بن جوين ضعيف(2).
____________
1- المبسوط 4: 9.
2لم يضعفوه إلاّ لتشيعه، قال بشار عواد في تحرير التقريب 3: 62 "متروك ومنهم من كذّبه شيعي". وفي تهذيب التهذيب 7: 412 - 413 "وكانت عنده صحيفة يقول: هذه صحيفة الوصي". وكان فيه تشيّع وأهل البصرة يفرّطون فيمن تشيع بين أظهرهم لأنّهم عثمانيون". واقرأ تعليقة ابن حجر واضحك قال "قلت: كيف لا ينسبونه إلى الكذب وقد روى ابن عدي في الكامل عن الحسن بن سفيان عن عبد العزيز بن سلام، عن علي بن مهران، عن بهز بن أسد، قال: أتيت إلى أبي هارون العبدي فقلت: أخرج إلىّ ما سمعت من أبي سعيد[الخدري]، فاخرج لي كتاباً فإذا فيه: حدثنا أبو سعيد أنّ عثمان أدخل حضرته وإنّه لكافر بالله، قال: قلت: تقرّ بهذا؟ قال: هو كما ترى، قال: فدفعت الكتاب في يده وقمت. فهذا كذب ظاهر على أبي سعيد" إنتهى كلام ابن حجر. فسبب تضعيفه كما ترى تشيعه وقرأته ما في صحيفة علي (عليه السلام) ، ولأنّه يقول ـ كما تقدم أم المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة ـ بكفر عثمان بن عفان.
هذا ناهيك عن أنّ أصحابنا رووا جهل عمر في قضية الحجر الاسود وجواب أمير المؤمنين بأسانيد متعددة ومعتبرة. انظر أمالي الطوسي: 476، وتفسير العياشي 2: 38، ومختصر بصائر الدرجات: 226، وعوالي اللالى 4:10، وجواهر الكلام 19: 342، وعلل الشرائع 2: 426، والمسائل العكبرية: 105، ومناقب ابن شهر آشوب 2: 185 عن الغزالي في أحياء علوم الدين.
ومن حكمة تقبيل الحجر الأسود ـ غير ما ذكر عن علي (عليه السلام) ـ أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) أخبر أنّه من أحجار الجنّة. فإذا كان كذلك فالتقبيل ارتياح إلى الجنة وآثارها.
ومنها أن النّبي (صلى الله عليه وآله) أخبر انّه يمين الله في الأرض، رواه أبو عبيد في غريب الحديث، وفي فضائل مكة للجندي من حديث ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عباس "إنّ هذا الركن الأسود هو يمين الله في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه".
ومن حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة، عنه زيادة "فمن لم يدرك بيعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم استلم الحجر فقد بايع الله ورسوله".
وفي سنن ابن ماجة من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : "من فاوض الحجر الأسود فكانما يفاوض يد الرحمن".
وقال المحبّ الطبري: والمعني في كونه يمين الله ـ والله اعلم ـ أنّ كلّ ملك إذا قدم عليه قبّلت يمينه، ولها كان الحاج والمعتمر اول ما يقدمان يسنّ لهما تقبيله، ينزل منزلة يمين الملك ويده،
ترى هل يختلج عند المنصف شك في أنّ عمر كان جاهلا جهلا مطبقاً، بحيث أنّه لم يفهم حكمة تقبيل الحجر الأسود، مع ما قرأت من جواب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ، وما رواه الصحابة من انّه من أحجار الجنة وانّه يمين الله وان استلامه بمنزلة بمبايعة الله ورسوله؟!
إنّ كتاب الشهرستاني "منع تدوين الحديث" يرتكز بشكل كبير على إثبات أن جهل عمر ـ مع حرصه على اخفاء ما يمسّ حكومته ـ كان هو الدافع القوي لمنعه التدوين والتحديث والكتابة وفتحه باب الاجتهاد، مقابل أصحاب التعبد المحض السباقين الى التدوين وزعيمهم علي بن أبي طالب، وما مفردة تقبيل الحجر إلاّ نموذجاً لجهل عمر وشكر بأحكام الإسلام، بل هذه المفردة أيضاً هي من اجتهاداته، لأنّه اجتهد فأطلق الحكم بعدم نفع وضرر الحجر الأسود، مع وجود اجماع الروايات الدالة على أنّه يضر وينفع، فلذلك وقف في وجهه إمام المتعبدين علي بن أبي طالب وبيّن جهله وخطأه. فهل كل هذا لا يعدّ جهلا ولا اجتهاداً، ولا يدلّ على وجود مدرستين وطائفتين ونهجين.
قال الامام أحمد: روى أبو عثمان النهدي، قال: سأل رجل ـ من بني يربوع أو من بني تميم ـ عمر بن الخطاب عن الذاريات والمرسلات والنازعات أو عن بعضهن، فقال له عمر: ضع عن رأسك، فإذا له وفرة، فقال عمر: أما والله لو رايتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك، ثم كتب إلى أهل البصرة ـ أو قال: إلينا ـ أن لا تجالسوه، فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا. اسم هذا الرجل صبيغ بن عسل ـ وقيل ابن عليم، وقيل ابن شريك ـ التميمي(2).
____________
1- عمدة القاري 9: 240. وانظر ارشاد الساري 3: 190، وسيرة عمر لابن الجوزي: 106، ونصب الراية 3:116، وكنز العمال 5: 177، وسبل الهدى والرشاد 1: 176.
2مسائل الامام أحمد 1: 478/ الحديث 81.
صبيغ بن عسل بن سهل الحنظلي، له إدراك، وقصته مع عمر مشهورة روى الدارمي من طريق سليمان بن يسار، قال: قدم المدينة رجل يقال له صبيغ بن عسل، فجعل يسأله عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر، فأعدّله عراجين النخل، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبدالله صبيغ، قال: وأنا عبدالله عمر، فضربه حتى أدمي رأسه...وأخرجه من طريق نافع أتم منه، قال: ثمّ نفاه إلى البصرة.
واخرجه الخطيب وابن عساكر من طريق أنس والسائب بن زيد وأبي عثمان النهدي مطولا ومختصراً.
وفي رواية أبي عثمان: وكتب إلينا عمر: لا تجالسوه، قال: فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا.
وروى إسماعيل القاضي في الأحكام من طريق هشام عن محمد بن سيرين، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى: لا تجالس صبيغا، واحرمه عطاءه... (صلى الله عليه وآله) وقال الدار قطني في الأفراد ـ بعد رواية سعيد بن سلامة العطار، عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب ـ قال: جاء صبيغ التميمي الى عمر فسأله عن الذاريات الحديث، وفيه: فأمر به عمر فضرب مائة سوط، فلما برىء دعاه فضربه مائة أخرى ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى: حرّم على الناس مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى [صبيغٌ] أبا موسى فحلف له أنّه لا يجد في نفسه شيئاً...اخرجه ابن الابناري من وجه آخر عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عن عمر بسند صحيح، وفيه: فلم يزل صبيغ وضيعاً في قومه بعد ان كان سيداً فيهم...
قال: أبو أحمد العسكري: اتهمه عمر برأي الخوارج(1).
فهذه الأسانيد الصحيحة عندكم كلّها تنصّ على انّ صبيغاً الصحابي ضرب حتى أدمي
____________
1- الاصابة 2: 198 ـ 199. وانظر سنن الدارمي 1: 54و55، ونصب الراية 4:118، وكنز العمال 2: 334 "عن الدارمي ونصر والاصبهاني معاً في الحجة وابن الانباري واللالكائي"، وتفسير القرطبي 4:14، والدر المنثور 2: 7 وفتح القدير 1: 319، وتاريخ دمشق 23: 411.
وأمّا أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فإنه أجاب عبدالله بن الكواء الخارجي المسلّم الخارجيّة، عن نفس المسائل التي رفض عمر السؤال عنها، حيث أجابه بكل رحابة صدر عن كلّ ما يدور في خلده من القرآن.
روى الحاكم النيسابوري بسنده عن أبي الطفيل، قال: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، قام على المنبر، فقال: سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي، قال: فقام ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين ما (الذاريات ذرواً)؟ قال: الرياح.
قال: فما (الحاملات وقرا)؟ قال: السحاب.
قال: فما (الجاريات يسرا)؟ قال: السفن.
قال: فما (المقسمات امراً)؟ قال: الملائكة.
قال: فمن (الذي بدلوا نعمة الله كفراً واحلوا قومهم دار البوار جهنم)؟ قال: منافقوا قريشي قال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه(1)
____________
1- المستدرك على الصحيحين 2: 506/ الحديث 3736. وانظره وطرقه في عمدة القاري 10: 190، وتغليق التعليق: 318 - 319، وكنز العمال 13: 159 - 162، ومسند الشاشي: 96/ الحديث 620، وتاريخ دمشق 27: 99.
والاحاديث المختارة للضياء المقدسي 2: 126/ الحديث 494، و176/ الحديث 556، و298/ الحديث 678. وصرّح فى المواطن الثلاثة بقوله: اسناده صحيح. وهذا الكتاب هو الذي صرّح الشربيني بأنّ كلّ ما فيه صحيح، فلاحظ وأعجب.
وانظره أيضاً في المعيار والموازنه: 298، ونظم درر السمطين: 126، والاحتجاج: 259 - 261، وجواهر المطالب 1: 300، ونهج السعادة 2:631.
وفي بعض هذه المصادر ذكر الحديث مطولا جدّاً، وفيه أسئلة كثيرة أجاب عنها أمير المؤمنين علي فراجع أن أحببت.
(4) تفريقه بين التدوين والكتابة
حاول الكاتب وتحت عنوان "شبهة التأخر في تدوين السنة النبوية والرد عليها" أن يدفع الإشكال المحكم الذي يتوجه على مدوّنات أبناء العامة من وجود فاصلة زمينة كبيرة بين عصرة النّبوة وبين عصر التدوين، حاول أن يرد ذلك عبر التفريق الدقّي بين التدوين والكتابة، مدّعياً أن الكتابة والمكتوبات كانت موجودة منذ عصر النّبي (صلى الله عليه وآله) حتى زمن عمر بن عبد العزيز الذي كان التدوين بأمر منه.
قال وهو بصد ذلك: ان الكثيرين خلطوا بين النهي عن كتابة السنة وبين تدوينها حيث فهموا خطأ أنّ التدوين هو الكتابة، وعليه فإنّ السنة النبوية ظلت محفوظة في الصدور لم تكتب إلاّ في نهاية القرن الأول الهجري في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز.
ولو أنّ المعاصرين فهموا حقيقة الكتابة وحقيقة التدوين، وأدركوا الفرق بينهما لما تعارضت النصوص في فهمهم، ولما صح تشكيك أعداء الاسلام في السنة النبوية بدعوى تأخّر تدوينها، مدعين أنّه دخلها الزيف، لأنّ العلم الذي يظل قرنا دون تسجيل لابد وان يعتريه تغيير ويدخله التحريف، فان الذهن يغفل والذاكرة تنس، أمّا القلم فهو حصن أمان لما يدون به(1)... ثم نقل عن معاجم اللغة ان الكتابة مأخوذة من كَتَبَ بمعنى خطّ، وأن التدوين
____________
1- كتابه1: 350 ناقلا ـ كما هو دأبه ـ ذلك عن "السنة النبوية، مكانتها، عوامل بقائها، تدوينها" لفضيلة الاستاذ الدكتور عبد المهدي عبد القادر: 94 - 96.
وعلى ذلك فقول الأئمة أنّ السنة دونت في نهاية القرن الأوّل لا يفيد أنّها لم تكتب طيلة هذا القرن، بل يفيد أنها كانت مكتوبة لكنّها لم تصل لدرجة التدوين، وهو جمع الصحف في دفتر.
وما فهمه المعاصرون من أنّ التدوين هو الكتابة فهو خطأ منشؤه عدم التمييز بين الكتابة والتدوين(1).
وبالتالي فالمقولة "أوّل من دوّن العلم ابن شهاب الزهري" ثم ترجمتها خطأ بمعنى "اول من كتب العلم (الحديث) كان ابن شهاب الزهري"(2)...
والمتتبع لكلام الأئمة السابقين يتضح له انّه كان معلوماً لديهم الفرق بين الكتابة والتدوين(3)...إنتهى مورد الحاجة من كلامه.
ونحن أمام هذا التطويل ـ بلا طائل ـ نقول:
أوّلا: إنّ الفرق الدقّيق بين الكتابة والتدوين صحيح لغةً، لكنّ الاستعمالات التي وردت في ما نحن فيه تكذّب استعمالهم هاتين العبارتين بهذا الفرق الدقيق.
فإنّ أوّل من أخطأ في هذا المجال هو الإمام البخاري، حيث روى في صحيحة تعليقاً، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم(4): "انظر ما كان من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)
____________
1- كتابه 1: 351، ناقلا ذلك كما هو ديدنه عن "السنة النبوية ومكانتها. للاستاذ الدكتور عبد المهدي عبد القادر: 97.
2- كتابه 1: 351 نقلا عن "دلائل التوثيق المبكر للسنة" للدكتور امتياز احمد: 281.
3- كتابه 1: 352 ثم استدل على ذلك بنقل كلامين لابن حجر في ذلك. وهو متأخر جدّاً عن دعواه لأن الكلام إنما هو في القرن الاول والثاني، لا في زمان ابن حجر.
4- المتوفى سنة 120 هجري.
وهذا الحديث نقله الشربيني(1)، قائلا بهذه الرواية تعلق أعداء الاسلام من الرافضة...فقالوا إن السنة لم تدون إلاّ في مطلع القرن الثاني الهجري(2)...ثمّ قال: نحن نجزم بصحة هذه الرواية...ونجزم بصحتها لانّها وردت في أوثق مصادرنا وأصحّها بعد كتابه تعالى، ألا وهو صحيح البخاري(3)...
وهذه الرواية كما تراها فيها الأمر بكتابة الحديث لا تدوينه، فعمر بن عبد العزيز والبخاري وابن حزم لم يفهموا هذا التفريق، بل استعملوا الكتابة بمعني التدوين.
ومن العجائب أنّه في ص 368 ـ 369 من المجلد الأوّل من كتابه نقل ان النّبي (صلى الله عليه وآله) تنبأ وبشّر بتدوين السنة المطهرة، لكنّه ذكر حديثاً فيه لفظ الصحف، قال:
وعلى تلك الكتابات(4)بجوار المحفوظ في الصدور اعتمد عمر بن عبد العزيز في التدوين الرسمي للسنة المطهّرة، فكان له الفضل كلّ الفضل رغم أنف أعداء السنة المطّهرة(5)، ولمَ لا يكون له الفضل وقد تحقق على يده ما تنبأ به النّبي من تدوين سنته المطهرة في قوله (صلى الله عليه وآله) : "أي الخلق أعجب إليكم ايماناً؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ وذكروا الأنبياء، قال: وكيف لا يؤمنون والوحى ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن؟ قال: وكيف لا تؤمنون
____________
1- كتابه1: 346، عن البخاري بشرح فتح الباري 1:234 /كتاب العلم ـ باب كيف يقبض العلم.
2- كتابه1: 346.
3- كتابه 1: 349 ـ 350.
4- وهي التي قال عنها في 1: 352 "إنّ عمر بن عبد العزيز لم يبدأ ذلك من فراغ، ولكنه اعتمد على اصول مكتوبة كانت تملأ أرجاء العالم الاسلامي".
5- وكتب في اللامش "كاسماعيل منصور الذي وصف تدوين الخليفة عمر بن عبد العزيز بانّه "كان مخالفاً للمنهاج الامثل ولمنهاج الصحابة الأفاضل كل المخالفة، وبذلك فقد وقعت به أكبر كارثة في تاريخ المسلمين"...والرافضي على الشهرستاني يصفه بعدم خلوص النيّة في التدوين.
استدل بهذا الحديث على الوجادة، وهو علم من اعلام النبوة من إخباره عما سيقع وهو تدوين القرآن وكتبه في صحفه وكتابة الحديث(2).
وهذا كما تراه فيه استعمال "الصحف"(3) لا "التدوين" إذ لم يقل النّبي (صلى الله عليه وآله) "يجدون مدونات يؤمنون بها" ولا قال "صحفاً يدونونها". فكيف فهم الشربيني من الصحف أنّها مدوّنات؟! إنّ هذا يعني عدم استعمالهم عبارات "كتب" و"دون" بالدقة اللغوية، بل استعملوا إحداها بدل الأخرى، وخصوصاً كلام السخاوي ففيه صراحة ذلك "تدوين القرآن وكتبه في صحفه وكتابة الحديث" حيث عبّر في مجال القرآن التدوين والكتب، وعبر عما صنعه ابن عبد العزيز ب"كتابة الحديث"، فأين مصداقية هذا الفرق في مجال الاستعمالات يا شربيني؟!
ثانياً: إنّ نهي عمر كان نهياً عامّاً عن التحديث والكتابة والتدوين.
لا عن خصوص التدوين لتصح له المعاذير، ويستقيم له المخرج من هذا المأزق.
فعن عروة بن الزبير: إنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا
____________
1- نقله عن الحاكم في المستدرك 4: 96/ رقم 6993.
2- نقله عن فتح المغيث 2:144.
3- الصحف، جمع صحيفة، وهي في الأصل الورقة الواحدة... ومنها الصحيفة التي كانت معلقة في جوف الكعبة في الجاهلية". انظر معرفة النسخ والصحف الحديثية لبكر بن عبدالله أبي زيد: 22 - 23. وقال في ص 18 "وجود مجموعة من الصحف والنسخ الحديثية في أيدي بعض الصحابة، يرويها عنهم تلامذتهم من التابعين، وهكذا حتى استقرت بين دفّتي دواوين السنة الجامعة". فالصحف إذن لا يقال لها مدونات بناء على هذا التفريق فكيف استدل لعمر بن عبد العزيز بهذه البشارة؟!!
وروي عن يحيى بن جعدة: إنّ عمر أراد ان يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: "من كان عنده منها شىء فليمحه"(2).
وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر: إنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّه قد ظهرت في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيها الناس، إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب فأحبها إلى الله أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاباً إلاّ أتاني به، فأرى فيه رأيي، قال: فظنوا أنّه يريد أحد عنده كتاباً إلاّ أتاني به، فأرى فيه رأيي، قال: فظنوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار(3)...
وهذه الأحاديث كلّها جاءت بلفظ "كتب" و"أراد أن يكتب"، لكن الشربيني حمل هذه الألفاظ على التدوين، فلم يفرق هو نفسه بين الكتابة والتدوين، فأقرأ معي قوله:
فعمر عندما هَمَّ بكتابة السنة ـ ليس مجرّد الكتابة، فهي كانت مكتوبة ـ وإنما المراد بالكتابة تدوينها تدويناً عامّاً في مكان واحد(4).
وقوله: فكان [عمر] أوّل مقترح بتدوينها[كذا، والصواب: لتدوينها]حفاظاً لها، كما كان أول مقترح بتدوين [كذا، والصواب: لتدوين] القرآن الكريم تدوينا عاماً في مكان واحد حفاظاً لكتاب الله عز وجل زمن أبو [كذا، والصواب: أبي] بكر الصديق.
ففي همّه بكتابة السنة ـ ليس مجرد الكتابة، فهي كانت مكتوبة ـ وإنما المراد بالكتابة تدوينها تدويناً عامّاً في مكان واحد، وهذا الهمّ بالتدوين فيه أبلغ حجة وأبلغ ردّ على غلاة الشيعة الزاعمين أن أهل السنة أو في مقدمتهم أبي بكر [كذا، الصواب: أبوبكر] وعمر كانوا من
____________
1- تقييد العلم: 49، حجية السنة: 395 عن البيهقي، وابن عبدالبر.
2- تقييد العلم: 53، حجية السنة: 395.
3- الطبقات الكبرى 1: 140.
4- هذا نصّ كلامه. فأقرأه في 1: 305. وما عشت أراك الدهر عجباً!!!
فإذن يكون عمر بن عبد العزيز، وابن حزم والبخاري، وحديث التبنؤ المحمول على عمر بن عبد العزيز، وكلام السخاوي ورواة همّ عمر، يكون كل ذلك غير مفرّق بين الكَتْب والتدوين، فإمّا أن يكونوا جميعاً لا يفهمون هذا الفرق، وإمّا أن يكون الشربيني لا يفهم الاستعمالات وحكّم جهله على اولئك السلف المتقدمين؟! إنّ الحقيقة تقول: انّه هو الجاهل، وانّ الاعلام استعملوا الكتابة والتدوين، كلاً في مقام الآخر ولم يلتفتوا إلى الفرق المذكور.
والفائدة الاخرى التي لابدّ من التنبيه عليها، هي أنّه ذَكَرَ هَمّ عمر بالكتابة، وأغفل نهيه عن الكتابة وأمره بالمحو وإحراقه المكتوبات بالنار، وكل ذلك مكتوب في نفس روايات الهَمَّ المدّعى.
ناهيك عن سيرة عمر برمّتها الكاشفة عن حبسه المحدثين، وحجره عليهم، وضربه المسائلين له، واجتهاداته المتكثرة المخالفة للقرآن والسنة المروية عن الصحابة الاخرين، فإنّ الكاتب أخفى كل ذلك ليتمسّك بخصوص الهَمَّ بالكتابة، ليجعله همّاً بالتدوين، ثم ليمدح عمر بناءً على ذلك، ناسياً أو متناسياً كل الحقائق الحاكية عن عمر جهلة الثقافي الذي حدا به إلى فتح باب الاجتهاد وسدّ باب التحديث والكتابة والتدوين.
فأين فضل سبق التدوين الذي يزعمونه كذباً(3).
ونقول: إنّ إشكاله غير وارد ـ حتى بناء على تفريقه بين التدوين والكتابة ـ لأنّ التدوين
____________
1- كتابه1: 354.
2- سبق بيان زيف هذه المقارنة.
3- كتابه 1: 369.
وأمّا بناء على الحق من أنّ التدوين يطلق على الكتابة وبالعكس، فإن الأمر يتضح جدّاً، لأنّ الكتب التي كانت عند أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وصلنا إلى اليوم منها الكثير الكثير من المطالب(1)، بخلاف أبي بكر وعمر اللذين لم يعرف لهما ولا مكتوبة ولا نسخة ولا صحيفة ولا مدونة، اللهم إلاّ الاحاديث الخمسمائة التي كانت عند الأول فأحرقها، والشربيني ذكر هَمَّ عمر بالكتابة، ولم يذكر صحيفة علي ولا كتاب علي، ولا القرآن المفسّر بالتفسير السياقي الّذي كان عند علي، فرفضه الشيخان لأنّ فيه ما يظهر عوارهما وعوار النهج الاجتهادي الحاكم.
وفعن أبي رافع أنّه روى عن علىّ كتاباً(2).
____________
1- وقد جمع الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب ما حصل عليه من صحيفة الامام علي، وطبعه في حلب. و"كتاب علي" المفقود يقوم به اليوم جماعة من العلماء في قم بجمع ما وصل منه عبر الكتب، وسيظهر إلى عالم النور.
2- رجال النجاشي:6، تاريخ بغداد 8: 449.
وكان عند محمد بن قيس البجلي قسم من قضايا علي (عليه السلام) ، وقد عرضه على الباقر (عليه السلام) فصدّقه فيه(2).
وقد روى جمع كثير من الأئمة عن كتاب علي (عليه السلام) ، ذلك الكتاب الجامع لكثير من المسائل، بل لمعظم الأبواب، وقد وصلنا منه ما سنذكر لك قسماً ونماذجاً منه وأمثلة، منها في سؤر الهرة، والوضوء من غسل الجنابة، وأحكام الجنائز، ووقت فضيلة الظهر والعصر، والتشهد في الصلاة، وحكم المحرم يموت كيف يصنع به، والصلاة في وبر كل شىء حرام لحمه، والتشهد في الصلاة وان الله يؤجر على كثرة الصلاة والصوم، وعدالة امام الجماعة، وأدب الدعاء، ومنع الزكاة، ومسائل الأمر بالمعروف، وظهور الزنا، وقطيعة الرحم، والصوم للرؤية، ولبس الطيلسان للمحرم، وصيد المحرم، والشك في أشواط الطواف، وأعطاء الامان لمن لحق بالمسلمين، ومال الابن ومعنى الشىء في الوصية، وعدة مسائل في النكاح والايمان وأكل البازي والصقر، ومسائل في الصيد والذكاة، وما يقطع من اليات الضأن، وتحريم أكل الجرّىّ، والمار ماهي والطافي، والزمير، والطحال، وما ألقاه البحر، والجريث، ولحم الحمر الأهليّة، وحكم الاراضي، والفرائض والمواريث، والقضاء، والحدود والديات، والزنا، والكبائر، وأكل مال اليتيم، وعقاب المعاصي، والجدّ في العبادة، وابتلاء المؤمن، ومثل الدنيا، وحسن الظن بالله، وحرمة الجار، والخلق، وأصحاب السبت، وطلب العلم، ودية الأسنان، وغيرها(3).
وتدلّ على سعة كتاب علي بعض العبارات الواردة في حقه ـ ناصيك عمّا وصل من مضامينه
____________
1- رجال النجاشي: 7، الفهرست للطوسي: 62.
2- رجال النجاشي: 333.
3- أنظر تخريجات ذلك في كتاب منع تدوين الحديث للعلامة الشّهرستاني:461 ـ 464، والدراسات في الحديث النبوي للاعظمي 1:130ـ131. ولا يفوتنا التنبيه على احتمال اتحاد كتاب علي وصحيفته، وإن كان الرّاجح عندنا أنّهما إثنان.
وعن عائشة، قالت: دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) بأديم ودواة، فأملى عليه وكتب حتّى ملاء أديم(2).
وقد وصف كتاب علي بأنّه "كتاب غليظ"(3)، "مدروج عظيم"(4)، "طوله سبعون ذراعاً"(5)،وغيرها من العبارات الدالة على أنّ كتاب علي أو الجامعة أو صحيفة علي، كلّها أو كلّ منها تعدّ مدوّنة عظمى. بخطّ علي عن فمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) .
نعم لم يشر الشربيني الى كتاب علي ولا الى الجامعة، ولا الى الصحيفة، كما أنّه لم يشر أبداً الى القرآن الكريم الذي جمعه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكان فيه كلّ الايات مرتبة حسب نزولها، وشأن النزول، والناسخ والمنسوخ، وكل شىء من علوم القرآن، وكان فيه تفسير الايات، وهو أوّل تفسير كتب في الاسلام(6).
فقد اتفقت الامة على أنّ عليّاً (عليه السلام) تخلّف عن بيعة أبي بكر، وكان في مدة امتناعه مشغولاً تجمع القرآن، وقد روت الاماميّة أنّ القوم رفضوا هذا القرآن لما وجدوا فيه من التفسير
____________
1- أدب الاملاء والاستملاء: 12ـ13، المحدث الفاضل:601.
2- محاسن الاصطلاح للبلقيني:300.
3- الكافي 7:94، التهذيب 9:271.
4- رجال النجاشي:360. وانظر معالم المدرستين2:348، عن رجال الكشّي:279.
5- بصائر الدرجات:162، الكافي1:239. وفي بعض المصادر "طوله سبعون ذراعاً بذراع النبي (صلى الله عليه وآله) .
بل كانت صحيفة الفرائض وحدها صحيفة مثل فخذ البعير (الكافي7:94، تاريخ آل زرارة:42) . وقد حرّف أتباع مدرسة الاجتهاد في كتبهم هذه الصحيفة الضخمة الى صحيفة صغيرة جدّاً ادعوا أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يضعها في قراب سيفه. (انظر دراسات في الحديث النبوي للاعظمي:128ـ129) .
6- يبدو أنّ فيه آيات كثيرة مفسّرة بالتفسير السياقي. وسيأتيك أنّ عمر كان يخاف من هذا النوع من التفسير.
قال سلمان: فلمّا رأى [علي (عليه السلام) ] غدرهم وقلّة وفائهم له لزم بيته، وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج من بيته حتّى جمعه وكان في الصحف والشظاظ والاسيار والرقاع، فلمّا جمعه كلّه وكتبه بيده على تنزيله وتأويله والناسخ منه والمنسوخ و....جمعه في ثوب واحد وختمه، ثمّ خرج الى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنادى على (عليه السلام) بأعلى صوته:
يا أيها الناس، انّي لم أزل منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) مشغولا بغسله، ثم بالقرآن حتى جمعته كلّه في هذا الثوب الواحد، فلم ينزل الله تعالى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) آية إلاّ وقد جمعتها، وليست منه أية إلاّ وقد أقرأنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلمني تأويلها...ثم قال لهم علي (عليه السلام) : لئلا تقولوا يوم القيامة انّي لم أدعكم إلى نصرتي ولم اذكركم حقي، ولم أدعكم إلى كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته.
فقال عمر: ما أغنانا بما معنا من القرآن عما تدعونا إليه(1)...
وفي الاحتجاج: فلمّا فتحه أبوبكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علي أردده فلا حاجة لنا فيه(2)...
وهناك عشرات النصوص الأخرى التي تدل على أن الشيخين منعا انتشار المكتوبات والمدونات، كتماناً لحق أهل البيت في الخلافة، وتغطية على عجزهم العلمي وجهلهم الثقافي.
لقد حمل الشربيني منع الشيخين عن كتابة السنة على أنّ المنع كان عن كتابة الحديث والتفسير بجنب القرآن في صحيفة واحدة، لخطورة هذا الأمر(3).
ثم خلص إلى النتيجة قائلا:
ومن هنا ندرك صحة علة النهي عن كتابة شىء ـ في أوّل الأمر ـ سوى القرآن الكريم صيانة
____________
1- كتاب سليم 2: 581 - 582.
2- الاحتجاج: 107.
3- انظر كتابه: 107.
وهنا نقول: أنّ علياً (عليه السلام) كان أول المسلمين ومن المأمورين من قبل النّبي (صلى الله عليه وآله) بالكتابة والتقييد، ومن دعاة التدوين، وقد استقى علومه القرآنية من النّبي (صلى الله عليه وآله) ، وكان ابن مسعود من المسلمين الأوائل وممن حث رسول الله (صلى الله عليه وآله) على اتباع قراءته للقرآن فقال: من سرّه أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل فليقراه على قراءة ابن أم عبد(2). وقال له النّبي (صلى الله عليه وآله) : إنك لغلام معلم(3).
وبالإجماع فإن عليّاً وابن مسعود كانا من الشباب المسلمين الاوائل، ومن العارفين الفاهمين بالقرآن وأسلوبه، وكلام العرب واساليبها، فهما على ادعاء الشربيني لا يتناولهما النهى عن الكتابة والتحديث، لكنا مع ذلك رأينا الشيخين يتركان القرآن الذي جمعه علي (عليه السلام) . وعمر حبس ابن مسعود ومنعه من التحديث، وعثمان أحرق مصحف عبدالله بن مسعود حتى وقع بينها ما وقع من نزاع طويل وخطب جليل.
فمن هذا يتبين أنّ المنع كان لما في قراءتهما من أشياء تضرّ حكومة الشيخين وعثمان، وتظهر جهلهم الذي أرادوا إخفاءه، لا لخوف الالتباس، إذ أنّ ائمة التفسير السياقي هم علي بن أبي طالب، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن مسعود، وقد منع عمر من القرآن الذي جمعه وفسّره علي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما تقدم قبل قليل، ومنع عبدالله بن عباس من التحديث بأحقيّة علي بالخلافة(4)، وحبس ابن مسعود ومنعه من التحديث، وأحرق عثمان مصحفه من
____________
1- كتابه: 1: 290.
2- سنن ابن ماجة 1: 49، المستدرك على الصحيحين 2: 227.
3- الاصابة 2: 369، أسد الغابة 3: 256، سير اعلام النبلاء 1: 465.
4- نظم درر السمطين: 133. وانظر شرح النهج 12: 20 وفي شرح النهج 12:54 بعد مناقشة بين عمر وابن عباس حول خلافة علي وأحقيّته، قال عمر لابن عباس: "أمّا أنت يابن عباس فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي".