الصفحة 212
بعد.

وذلك لما في مصاحفهم من فضائل آل البيت ـ وعلى رأسهم علي ـ المثبتة لخلافتهم الربانية، وما فيها من فضائح القوم وجهلهم وما فيها من علوم لا يعرفها القوم.

فعن ابن عباس، قال: ما في القرآن آية (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) إلاّ وعلي أميرها وشريفها، وما من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) رجل إلاّ وقد عاتبه الله، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير(1).

وعن ابن عباس في قول الله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم)، قال يقول: قولوا معاشر العباد: اهدنا إلى حبّ النّبي وأهل بيته(2).

وعن ابن عباس في قوله (فإمّا نذهبنّ بك فإنّا منهم منتقمون) قال: بعلىّ(3).

وعن ابن عبّاس في قوله تعالى (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)قال: نحن الناس المحسودون، و"فضله" النّبوة(4).

وكان ابن عباس يكشف مثالب القوم وفضائحهم المذكورة في القرآن على نحو إلاشارة والكناية، فقد ثبت عن ابن عباس انّه قال: حول قوله تعالى (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما). قال: لم أزل حريصاً أن أسأل عمر عن المرأتين من ازواج النّبي (صلى الله عليه وآله) اللتين قال الله تعالى (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) حتى حجّ عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالاداوة، فتبرز ثم أتى فصببت على يديه فتوضأ،

____________

1- شواهد التنزيل 1: 30. وقال ابن عباس: علمي بالقرآن في علم علي كالقرارة في المثعنجر. انظر النهاية الاثيرية 1: 206، ولسان العرب 4: 103.

2- شواهد التنزيل 1: 75.

3- شواهد التنزيل 2: 219.

4- شواهد التنزيل 2: 183. وفي شرح النهج 12: 54 قول عمر لابن عباس بعد محاججة في شأن خلافة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : "بلغني انك لا تزال تقول: أخذ هذا الأمر منكم حسداً وظلماً، فقال ابن عباس: أمّا قولك ـ يا أمير المؤمنين ـ "حسداً" فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنة، فنحن بنو آدم المحسود"، وأمّا قولك "ظلماً" فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو".


الصفحة 213
فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من ازواج النّبي (صلى الله عليه وآله) اللتان قال الله (إن تتوبا)...؟ فقال: واعجباً لك يابن عباس، هما عائشة وحفصة(1).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حق عبدالله بن مسعود: رضيت لكم ما رضي لكم ابن أمّ عبد(2)، وفي ذات هذا الشخص نرى عمر يقول له: ألم أُنبا ـ أو أُنبئت ـ انّك تفتي ولست بأمير؟! ولّ حارّها من تولّى قارّها(3).

فهذا المنع من عمر لم يكن لشخص جاهل حديث الاسلام ليصح تعليل الشربيني العليل، بل كان لإخفاء جهلهم، وما يمس خلافتهم.

فعن عبدالله بن مسعود، قال: وقعت الخلافة من الله عزّ وجلّ لثلاثة نفر: لادم (عليه السلام) لقول الله عزّ وجلّ (وإذ قال ربك للملائكة انّي جاعل في الأرض خليفة) يعني آدم... والخليفة الثاني داؤد صلوات الله عليه. لقوله تعالى(يا داؤد إنا جعلناك خليفة في الأرض)...والخليفة الثالث علي بن أبي طالب، لقول الله تعالى (ليستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم) يعني آدم وداؤد(4).

وعن شقيق، قال: قرأت في مصحف عبدالله ابن مسعود (ان الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران) وآل محمد (على العالمين).(5)

وعن زياد بن مطرف، قال: كان عبدالله بن مسعود يقرأ (وكفى الله المؤمنين القتال)بعلي (وكان الله قويّاً عزيزاً)(6).

والأمثلة على التفسير السياقي عن علي وابن عباس وابن مسعود كثيرة جداً جدّاً، وهى

____________

1- الدرّ المنثور 6: 242، "اخرجه عبد الرزاق وابن سعد واحمد والعدني وعبد ابن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن حبان وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس"..

2- المستدرك على الصحيحين 3: 319.

3- مسند الدارمي 1: 61.

4- شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني 1: 97 - 98.

5- شواهد التنزيل 1: 152. وقرأ بمثلها ابن عباس كما في شواهد التنزيل 1: 153.

6- شواهد التنزيل 2: 9. ومثله عن ابن عباس كما في شواهد التنزيل 2: 10.


الصفحة 214
تضرّ بهم ـ كما اعترف الشربيني ـ ولذلك كان المنع عنها مقصوداً بشكل مخطط له، لا أنّ المنع كان متوجّهاً لخصوص الذين لم يكونوا فقهوا في الدين.

وخلاصة القول: هو انّ الشيعة ـ وعلى رأسهم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ـ كانوا السباقين للتحديث والكتابة والتدوين، وأنّ مدرسة ونهج الاجتهاد منعت كل ذلك لإخفاء أحقيّة أهل البيت بالخلافة ـ والتي كان من أبرز مظاهرها تفسير القرآن الكريم وخصوصاً التفسير السياقي ـ والتغطية على عجز الخلفاء العلمي وجهلهم الثقافي المقيت.

فإن ما قاله الشهرستاني سليم جدّاً، حيث قال في خلاصة رؤيته: "...ونخرج من كل ما مر بان السبب الحقيقي الكامن وراء منع التدوين لم يكن لطمس فضائل أهل البيت حسب، بل هو خلق جو فقهي جديد يستطيع الخليفة من خلاله أن يتكيف لسد العجز الفقهي الذي يجده".

ثم ختم كلامه بالقول: "...فالمنع من نقل فضائل أهل البيت وادلّة الامامة مع المنع عن نقل الفقة والاحاديث النّبوية بل كل ما يوثق مدرسة أهل البيت كانت ضمن المخطط الكلي للخلفاء".

اذاً المنع كان منبعثاً عن جهل الشيخين ونهج الاجتهاد بأحكام الدين الاسلامي، مضافاً إلى أنّهم راموا من وراء المنع إخفاء فضائل أهل البيت التي تمسّ خلافتهم ومحاولة الحدّ من انتشارها.

ونحن نضيف إلى كلامه: أنّ أوّل المستهدفين بذلك المنع العام ـ للتحديث والكتابة والتدوين ـ هو القرآن المجيد، وخصوصاً التفسير السياقي، بزعامة الامام علي (عليه السلام) وابن عباس وابن مسعود، وهو ـ مضافاً إلى شيوع مخالفة فقه وفكر الصحابة وخصوصاً هؤلاء الثلاثة لعمرـ يجسّد بشكل واضح جدّاً وجود مدرستين ونهجين واتجاهين وخطين في كيفية التعامل مع كتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

(5) من دعا عليه المعصوم


الصفحة 215
قال الكويتب الناصبي تحت عنوان "أثر موقف الشيعة من الصحابة على السنة النبوية": ولذا تراهم [أي الشيعة الرافضة حسب تعبيره] يصححون أحاديث من دعا عليه المعصوم بقوله "أخزاه الله" و"قاتله الله" أو لعنه أو حكم بفساد عقيدته أو أظهر البراءة منه(1).

ولا أدري من أين أطلق سهمه العائر هذا؟ ولماذا أغرق في النزع بلا هدف؟ وكيف اختلق هذه المخترعة ورماها على عاتق الشيعة الرافضة؟! إذ هذا الكلام لم ولن يجده جنّي في كتبنا فضلا على الإنس إن كان الكاتب منهم، لأنّ الإمامية ينبذون ويلعنون كلّ من لعنه المعصوم ويدعون على كل من دعا عليه المعصوم، ويتبرؤون من كل من تبرأ منه المعصوم.

وواضح لكل ذي عينين أن الكاتب أحق ما يقال فيه هنا "رمتنى بدائها وانسلت".

لأنّ فكرة تصحيح اعتقاد وأحاديث من دعا عليه النّبي (صلى الله عليه وآله) ، هي فكرة عاميّة سنّية، سنّها معاوية لأتباعه، ليدفع عن نفسه وعن كل هولاء وأضرابهم مفاد لعن النّبي (صلى الله عليه وآله) لهم.

فقد روى أبوهريرة، أنّه سمع النّبي (صلى الله عليه وآله) يقول: اللهم فأيّما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة(2).

وروى أيضاً: أن النّبي (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم اني أتّخذ عندك عهداً لن تخلفنيه فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقرّ به بها إليك يوم القيامة(3).

وروى مسلم بسنده عن أبي هريرة أيضاً، أنّه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: اللهم إنّما محمّد بشر يغضب كما يغضب البشر...فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها اليك يوم القيامة(4).

____________

1- كتابه 1: 95.

2- صحيح البخاري 7: 157.

3- صحيح المسلم 8: 26، مسند أحمد 2: 316 ـ 317، 449.

4- صحيح مسلم 8: 26.


الصفحة 216
وعن عائشة قالت: دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلان(1) فكلّماه بشىء لا أدري ما هو فأغضباه، فلعنهما وسبّهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هذان، قال: وما ذاك؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما، قال: أو ما علمت ما شارطت عليه ربّي، قلت: اللهم إنّما أنا بشر فاىّ المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة واجراً(2).

وقد ذكر مسلم هذا الحديث في باب "من لعنه النّبي أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجراً"!!!

ومن هذا المنطلق عندكم تكون الزكاة والقربة والأجر كلّها منصبّة على أبي سفيان وأضرابه، لقول النّبي (صلى الله عليه وآله) : اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن امية(3).

وعلى أبي سفيان وابنيه معاوية ويزيد، لقول النّبي (صلى الله عليه وآله) : اللهم العن القائد والسائق والراكب(4).

وعلى الحكم ومروان طريدي رسول الله، لقوله (صلى الله عليه وآله) : اللهم العن الوزع بن الوزغ(5).

ومن هذا المنطلق جاء الشربيني ليحمل قول النّبي (صلى الله عليه وآله) في حق معاوية "لا أشبع الله بطنه" على انّه دعاءٌ غير مقصود من النّبي، أو انه كان بباعث البشرية، فاللعن له إذن زكاة وأجر. قال:

فالظاهر أنّ هذا الدعاء منه (صلى الله عليه وآله) غير مقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نيّة، كقوله: تربت يمينك، ويمكن أن يكون ذلك بباعث البشرية التي أفصح عنها

____________

1- انظر عدم ذكرها اسميهما.

2- صحيح مسلم 8: 24.

3- الاصابة 2: 93، الفردوس 1: 503 / ح 2060.

4- وقعة صفين: 220.

5- المستدرك على الصحيحين 4: 479.


الصفحة 217
هو نفسه في أحاديث كثيرة متواترة منها حديث عائشة(1)...

ومن نفس هذا المنطلق ـ بل المنحدر ـ راح ابن كثير يسجل فضيلة لمعاوية من خلال قول النبي (صلى الله عليه وآله) في حقّه "لا أشبع الله بطنه"، فقال: وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أمّا في دنياه فإنّه لمّا صار إلى الشام أميراً كان يأكل في اليوم سبع مرات، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً ويقول: والله ما أشبع وإنّما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك.

وأمّا في الاخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم إنّما أنا بشر... فركبّ مسلم من الحديث الأول [لا أشبع الله بطنه] ومن هذا الحديث [إنّما أنا بشر] فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك(2).

وهكذا انجرّ الأمر إلى أن يكون الملعونون مرحومين مزكّين مقربين، ويكون النّبي (صلى الله عليه وآله) ـ الذي قال في حقّه الباري تبارك وتعالى (وانك لعلى خلق عظيم) ـ لعّاناً على غير مقصود، أو هو لعّان كسائر البشر لا يستطيع ضبط نفسه ـ والعياذ بالله ـ ولذلك شارط ربّه على أن يكون لعنه رحمة وزكاة وأجراً!! هكذا انقلبت الموازين، ودارت المقاييس بناء على مقولة تزكية من لعنه النّبي (صلى الله عليه وآله) ، هي عند العامّة لا عند الشيعة الامامية كما زعم المفتري.

وامتداداً لهذه المقولة المشؤومة نقل الشربيني رواية عن عبادة بن الصامت: انّ النّبيّ (صلى الله عليه وآله) نهى عن درهمين بدرهم(3)، فقال فلان: ما أرى بهذا بأساً يداً بيد، فقال عبادة: اقول: قال النّبي،

____________

1- كتابه 1: 428.

2- البداية والنهاية 8: 122 - 123. ولاحظ انّه لم يذكر لمعاوية فضيلة غير هذه الفضيلة المركبّة. ولما طلب من الامام النسائي أن يخرّج فضائل معاوية قال: اىّ شىء أخرج؟! حديث اللهم لا تشبع بطنه؟! فسكت السائل، تذكرة الحفاظ 1: 699/ ترجمة 719. ومع ذلك ملأ الشربيني.

3- لأنّه عين الربا.


الصفحة 218
وتقول: لا أرى به باساً؟! والله لا يظلني واياك سقف أبداً(1).

نقل الشربيني ذلك وهو في معرض القول بأنّ الصحابة أناس أشربت قلوبهم بحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنته المطهرة، وعمّي على القرّاء حقيقة أنّ "فلانا" هو معاوية بن أبي سفيان، الذي كان يشجع الربا ونبتت أعضائه على ربا أبي سفيان.

فقد أخرج ابن عساكر من طريق الحسن، قال: كان عبادة بن الصامت بالشام، فرأى آنية من فضة، يباع الإناء بمثله مع ما فيه، أو نحو ذلك، فمشى اليهم عبادة فقال: ايها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فانا عبادة بن الصامت، ألا وإني سمعت رسول الله في مجلس من مجالس الانصار، ليلة الخميس في رمضان ـ ولم يصم رمضان بعدهـ يقول: الذهب بالذهب مثلا بمثل، سواء بسواء، وزناً بوزن، يداً بيد، فما زاد فهو ربا.

قال: فتفرق الناس عنه، فأتى معاوية فأخبر بذلك، فأرسل إلى عبادة فأتاه، فقال له معاوية: لئن كنت صحبت النّبي (صلى الله عليه وآله) وسمعت منه، لقد صحبناه وسمعنا منه، فقال له عبادة: لقد صحبته وسمعت منه، فقال له معاوية: اسكت عن هذا الحديث ولا تذكره(2)...

وفي رواية البيهقي: فبلغ ذلك معاوية فقام خطيباً، فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحاديث كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه؟! فقام عبادة بن الصامت فأعاد الرواية، ثم قال: لنحدّثنّ بما سمعنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم، ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء(3).

فهذا معاوية المجتهد!!! أمام صريح سنة النّبي (صلى الله عليه وآله) لا يرى بأساً بالربا، ويدعى أنه لم يسمع ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، مع أنّ النّبي حارب الربا وحرّمه منذ بدايات دعوته ورسالته المباركة، وفصّل شرائطه بما فيه الكفاية، فهو معارض بكل وقاحة لصريح السنة النّبوية، ومع ذلك يصفه الشربيني الوهابي بأنّه الخليفة الصالح، وأن دولته ـ كما قال ابن خلدون ـ

____________

1- كتابه 1: 312. نقلا عن الدارمي في سننه 1: 129/ ح 443.

2- تاريخ دمشق 26: 199.

3- السنن الكبرى 5: 277. وانظر تفسير القرطبي 3: 35.


الصفحة 219
كان ينبغي ان تلحق بدول الخلفاء الراشدين وأخبارهم.

ضارباً قول النّبي (صلى الله عليه وآله) : "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً عضوضاً"(1)، عرض الجدار، بل كان معاوية نفسه يقول: أنا أوّل الملوك(2)، فالشربيني تبعاً لابن خلدون أقرّ بأنّ معاوية سفيه لا يفهم، لأنّه يستحق الخلافة ويقرّ على نفسه بالملك، أو أن نقول أنّ معاوية عرف موقعه الغصبي "الملك" وان الشربيني وابن خلدون سفيهان لا يفهمان.

وعلى كل حال فمقولة "تزكية الملعون" جرّت هذه الويلات على الاسلام والأمة الاسلامية، حتى صار رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُنتَقَصُ على حساب تزكية ابن هند وأضرابه، والحكم ومروان، وأبا سفيان وابنه يزيد، وصار عبدالملك بن مروان ناسكاً متّقياً، ومروان قاضياً مفتياً، والوليد بن عبد الملك منشئاً للمساجد، ويزيد بن معاوية نزيها اتهم كذباً وزوراً بأكاذيب من صنع الرافضة(3)، وكأنّه لم يقتل الامام الحسين ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ولا هتك المدينة المنورة واباحها لجنده ثلاثة أيام حتى هتكت الأعراض، وافترعت البواكر، ولا هدم الكعبة، و و و....

هكذا فعلت مقولة "تزكية الملعون" عندكم يا حضرة الماجستير، فهنيئاً لك وللأزهر هذه العبقريات الفذّة.

وأظنك ستحمل لعن النّبي (صلى الله عليه وآله) ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان قبل ولادته ونبوئته بأنّه سيقتل الامام الحسين (عليه السلام) ، أظنك ستحمل هذا اللعن على أنّه تزكية ليزيد وزيادة في اجره وكفارة لذنوبه، فاقرأ معي قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما رواه معاذ بن جبل: يزيد لا يبارك الله في يزيد، ثم ذرفت عيناه (صلى الله عليه وآله) ، وقال: نُعِي إلىّ حسين، وأتيت بتربته، وأخبرت بقاتله، والذي

____________

1- قال ابن كثير في البداية والنهاية 8: 137 ـ 138 "والسنّة أن يقال لمعاوية: ملك، ولا يقال له خليفة، لحديث سفينة "الخلافة بعدي"... فالشربيني أيضاً ضرب سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عرض الجدار لتصحيح مواقف معاوية!!!

2- البداية والنهاية 8:137.

3- انظر هذه الترهات في كتابه 1: 439 ـ 440.


الصفحة 220
نفسي بيده لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلاّ خالف الله بين صدورهم وقلوبهم... ثم قال (صلى الله عليه وآله) : واهاً لفراخ آل محمد من خليفة مستخلف مترف يقتل خلفي وخلف الخلف(1)...

وفي كنز العمال عن ابن عساكر عن عبدالله بن عمرو: يزيد لا بارك الله في يزيد الطّعان اللعان، أمّا أنه نعي إلىّ حبيبي وسخلي حسين، حتى أتيت بتربته وأريت قاتله(2)...

وقال ان أول من يبدل سنتي رجل من بني امية(3)وقال (صلى الله عليه وآله) : لا يزال امر أمتي قائماً بالقسط حتى يكون اول من يثلمه رجل من بني امية يقال له يزيد(4).

وخلاصة القول: إنّ ما رمي به الشيعة الامامية من تصحيحهم أحاديث من دعا عليه المعصوم أو لعنه، كذب محض، وافتراء فاضح، وانّما هذا المبني عنده وعند أسلافه، وعلى أساسه نزّهوا المدنّسين، وحاولوا التقليل من شأن الرسول الكريم، صاحب الخلق العظيم، الذي لا ينطق عن الهوى، كل ذلك فعلوه من أجل تقديسهم للملعونين والمذمومين الذين اتخذوهم آلهة من دون الله (وانظر إلى الهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرّقنّه ثم لننسفنّه في اليمّ نسفاً)(5).

وهنا نقول: نحن ذكرنا أجوبة خمسة من الإشكالات الخاصة مكتفين بها عن البوافي، وذلك تبرّكاً منّا بالخمسة أصحاب الكساء: رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء، والحسن المجتبى، والحسين الشهيد عليهم السلام، ولو أردنا استقصاء كل ما سوّد به الصفحات البيضاء، ربّما وصلنا بتناقضاته وجهالاته إلى عدد أنبياء الله الكرام على مّر العصور، وهم (.../124) نبّي(6)، لأنّ له بكل غلطة وزلّة كفراً وإغاظة لنبي من الأنبياء

____________

1- المعجم الكبير للطبراني 3: 121، 20: 38. وانظر مقتل الحسين للخوارزمي.

2- كنز العمال 12: 128.

3- انظره في كنز العمال 11: 167/ الحديثان 31062 و31063.

4- سبل الهدى والرشاد10:89.

5- طه:97 6- مسند أحمد 5: 266، وفتح الباري 6: 257.


الصفحة 221
ووصي من الأوصياء ولكنّنا أعرضنا عنه، مذكّرين بقول الشاعر:


لو كلّ كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالا بدينار


الصفحة 222

الخاتمة

وقبل إنهاء عتابنا على الأزهر الشريف، وعلى المشرفين على رسالة الماجستير الممتازة هذه!!! سنذكر بعض الردود السريعة ليقفوا وقبلهم القارىء المنصف على مقدار تهافتات الكاتب وتفاهاته، ولتكون هذه الردود خاتمة ملاحظاتنا:

1 - ذكر الكاتب في ص 53 من المجلّد الأوّل وص 69 من نفس المجلد حديثاً فيه قول

الصفحة 223
النّبي (صلى الله عليه وآله) : إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا ابداً، كتاب الله وسنة نبيّه(1).

لكنّه في هامش ص 96 لمّا اضطرّ للتعرض لحديث الغدير المتواتر، نقل رواية فيه عن صحيح مسلم وفيها قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ألا أيها الناس، فإنما انا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فاجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أوّلها كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به...ثم قال: وأهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي، واذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي. وسند مسلم أصح بكثير من سند الحاكم المذكور.

وقد صححّ الالباني حديث الكتاب والعترة وذكر بعض طرقه(2)، وهل يعرف كتاب الله على وجهه الصحيح، أو تصل السنة النبوية الشريفة مضبوطة خالصة إلاّ عن طريق عترة محمد (صلى الله عليه وآله) ؟! فلاحظ تطرّفه في نقل رواية "وسنة نبيه" المرجوحة، وتخفيفه الظلال على الرواية الصحيحة الراحجة المتكثرة الطرق "كتاب الله وعترتي أهل بيتي" وذكر لها في الهامش وعدم اعتماده على العترة لشدة نصبه.

2 ـ قال الشربيني: أمّا حبس عمر لبعض الصحابة فعلي فرض صحة الأثر فليس المراد بالحبس انّه زج بهم في السجن...وانّما المراد أنه "استبقاؤهم في المدينة حتى يتثبت من لفظهم"(3).

ولا أدري هل هناك فرق كبير بين الحبس بمعنى الزج في السجن وبين ما يسمي اليوم بالإقامة الجبريّة؟!

هذا إذا صرفنا النظر عن أنّ حمل الحبس على هذا المعنى خلاف ظاهر اللغة وتكلّف محض لا تساعد عليه القرآن.

____________

1- نقله ثم كتب في الهامش "اخرجه الحاكم في المستدرك كتاب العلم، باب خطبته (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع من حديث ابن عباس، وقال: في إسناده عكرمة واحتج به البخاري، وابن أبي اويس واحتج به مسلم وسائر رواته متفق عليهم...

2- انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 355 ـ 360.

3- كتابه 1: 339 ـ 340.


الصفحة 224
ثم قال الشربيني: ومما يؤكد أنّه لم يزج بأحد في السجن ما جاء في رواية الرامهرمزي من قول شيخه أبي عبدالله البري، قال: يعني منعهم الحديث ولم يكن لعمر حبس(1) إنتهى مورد الحاجة.

قال ابن العربي في العواصم من القواصم وهو يدافع عن عثمان في ما نسبوه إليه من المظالم والمناكير: ومن العجيب أن يؤخذ عليه في أمر فعله عمر، فقد روي ان عمر بن الخطاب سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة، حتى أصيب، فأطلقهم عثمان، وكان سجنهم لأن القوم أكثروا الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وقال النووي في المجموع: ويستحب أن يكون له [للقاضي] حبس لأنّ عمر اشترى داراً بمكة بأربعة الاف درهم وجعلها سجناً... وحبس عمر الحطيئة الشاعر...وحبس عمر آخر(2)...

وقال ابن عابدين: لم يكن في عهد النّبي (صلى الله عليه وآله) وأبي بكر سجن، إنّما كان يحبس في المسجد أو الدهليز، حتّى اشترى عمر داراً بمكة بأربعة الاف درهم واتّخذه محبساً(3).

وفي تفسير القرطبي: حكي مكحول انّ عمر بن الخطاب أوّل من حبس في السجون(4).

وفيه: وروي عن عمر انّه اشترى دار صفوان بن أمية باربعة الاف وجعلها سجناً، وهو أوّل من حبس في السجن في الاسلام(5).

فكيف يقال بأنّه عمر لم يكن له حبس؟!

3 ـ قال الشربيني وهو يدافع عن الملوك والأمراء الأمويين والعباسيين: يحرض اعداء

____________

1- كتابه 1: 340.

2- المجموع 20: 133/ كتاب الاقضية ـ باب ولاية القضاء وادب القاضي وانظر حبس عمر للحطيئة في تاريخ المدينة لابن شبه 3: 780.

3- حاشية رد المختار 5: 517.

4- تفسير القرطبي 6: 153.

5- تفسير القرطبي 12: 33.


الصفحة 225
الاسلام والسنة المطهرة ان يصوّروا لنا الأمويين والعباسيين جماعة دنيويين ليس لهم همّ إلا الفتح والإستعمار والحقد على آل البيت... وهذا افتراء...فهولاء الرافضة هم الذين ناصبهم الأمويون والعباسيون العداء(1)...

وكان هو قد ذكر قبل صفحات من كلامه هذا أنّ سفيان الثوري مات مختبئاً من المهدي العباسي، وأنّ احمد بن حنبل امتنع على الأمراء العباسيين في محنة خلق القرآن(2)، وأنّ بعضهم حرم على نفسه مخالطة السلاطين الظلمة، وذكر ضربهم أبا حنيفة وحبسهم إياه لرفضة تولي القضاء... ذكر كل هذه المفردات وهو في معرض بيان نماذج لجرأة سلفه الصالح(3)، ثم قال: ولو لا أنّ المقام لا يحتمل المزيد لنقلت لك اخباراً مشرقة عن هولاء الأفذاذ(4)، فانظر كيف ينسي هذا الرجل نفسه، ويحفر بيديه رمسه.

فبناء على كلامه، يكون سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة ومن حرموا على أنفسهم مخالطة السلاطين الظلمة يكون كل هولاء ومن ترك ذكرهم من الرافضة ـ الذين ناصبهم الأمويون والعباسيون العداءـ!!!

4 ـ قال الشربيني: وبالجملة فما سنه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز العدول عنها...وقد تواتر من شيمهم [أي الصجابة].

انهم كانوا يطلبون حكم الواقعة في كتاب الله، فإن لم يصادفوه فتشوا في سنن رسول اللهّ (صلى الله عليه وآله) فان لم يجدوها تشاوروا ورجعوا إلى الرأي عند الاضطرار حيث لا يوجد منه بد، ولم يلزموا أحداً العمل به، ولم يحرموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفاً للدّين، بل غايته أنّهم خيّروا بين

____________

1- كتابه: 1: 439.

2- كتابه 1: 436. وفي تاريخ دمشق 5: 278 وتهذيب الكمال 1: 452 وغيرهما أنّ أحمد حبس وضرب.

3- انظر كتابه 1: 436 ـ 438.

4- كتابه 1: 436 ثم كتب في الهامش "انظر للمزيد كتاب الاسلام بين العلماء والحكام للاستاذ عبد العزيز البدري".