و ـ سعيد بن جبير، قتله الحجّاج سنة 90 أو 94 أو 95، وعمره تسع وأربعون سنة. ز ـ ضحّاك بن مزاحم (ت: 105 أو 106 هـ) ويعدّ من الطبقة الخامسة من الرّواة. ح ـ محمّد بن قيس (ت: 126 هـ). ط ـ أبي محمّد اسماعيل بن عبد الرحمن السدّي (ت: 127 هـ) ويعدّ من الطبقة الرابعة من الرواة(1). وهؤلاء ليس فيهم من شهد الواقعة المفتراة ليخبرنا عنها وأقدمهم ولادة ابن عباس الذي ولد لثلاث سنين قبل هجرة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأنّى له أن يشهد الواقعة ليخبرنا عنها؟ نقول هذا ونحن نعلم أنّ القصة مفتراة من أساسها وافتري على الصحابة روايتها، وقد اختلقت في عصر نشاط الزّنادقة في أواخر القرن الأوّل وأوائل القرن الثّاني الهجري..."(2).
|
وحول القسم الرابع من الأقسام الأربعة المتقدمة (أي ما افتري بها على كتاب الله وعلى أحد ولاة الجور) يقول:
"وذلك ما رووا أن الحجّاج بدّل من مصحف عثمان اثني عشر حرفاً فنقول بالاضافة إلى ما ذكرناه آنفاً: مرّ بنا في ذكر تاريخ الحجّاج: انه |
____________
1 ـ قال: "ذكرنا مصادر التحقيق لأسانيد هؤلاء الرواة في الجزء الرابع من قيام الأئمة باحياء السنة: ص 409، 416.
2 ـ القرآن الكريم وروايات المدرستين: ج 2، ص 630 ـ 631، ثم قال: "نظير هذه الاسطورة المفتراة على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلى الوحي والقرآن، الخبر المفترى على رسول الله صلّى الله عليه وآله في كيفية تلقّيه اول وحي نزل عليه بغار حراء وقد كشفنا عن زيف الخبرين في الجزء الثاني من أحاديث ام المؤمنين عائشة".
رمى الكعبة بالمنجنيق واحرقها وقتل ابن الزبير ومن معه وبعث برؤوسهم إلى الشام واستخف ببقايا الصحابة في المدينة وختم ايديهم واعناقهم وأساء السيرة في ولايته على الكوفة... وقد قال سعيد بن جبير فى حق الحجّاج: والله ما خرجت عليه حتى كفر وقالوا في حقه: أ ـ كان الحجّاج ينقض عرى الإسلام. ب ـ لم يبق حرمة إلاّ ارتكبها. ج ـ الشيخ الكافر. أمثل هذا الخبيث اللحنة يقبل منه المسلمون تبديل كلمات من القرآن في مصحف انتشر إلى أقاصي أفريقيا وبلاد الهند وجميع بلدان العالم... ان كل ما أشرنا إليه من الامور المستحيلة عادة. اذاً فمن اين انتشرت تلك الرّوايات المختلقة في كتب الحديث والسيرة والتفسير في مدرسة الخلفاء؟
|
ثم بيّن أصل وجود تلك الرّوايات قائلاً:
يتضح لنا بجلاء ووضوح أمرها ومصادرها بالتدبّر في ما مرّ بنا من قيام الزنادقة بوضع الحديث، ودسّها في كتب الحديث...
|
ثمّ ذكر ـ مستدلاً بالشواهد والقرائن المتعددة ـ محنة الزنادقة وآثارهم التخريبية في كتب الحديث وغيرها، واستمر قائلاً:
"وقد كشفنا في المجلدات الأربعة من كتاب (عبد الله بن سبأ والاُسطورة السبئية) وكتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) عن آلاف المختلقات التي اختلقها الزنديق سيف بن عمر تحت غطاء نشر فضائل ذوي السلطة من الصّحابة والدفاع عنهم..." |
ونورد هنا من باب المثال نصّ كلامه فيما افترى الزنادقة على ابن مسعود
"افتري على ابن مسعود لتحقيق ثلاث غايات للزنادقة: 1 ـ تهديم شخصية صحابي من خواص أصحاب الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم. 2 ـ الدفاع عن ولاة من أمثال الوليد الفاسق السكّير. 3 ـ والأهم من كلّ ذلك نشر التشكيك بثبوت النصِّ القرآني. واتقنوا عملهم التخريبي بنشر نسخ باسم مصحف ابن مسعود كما أخبر عن ذلك ابن النديم في فهرسته فقال: قال محمّد بن اسحاق (ت: 385 هـ) رأيت عدة مصاحف ذكر نُسّاخها انها مصحف ابن مسعود، ليس فيها مصحفان متفقان وأكثرها في رقّ كثير النسخ، وقد رأيت مصحفاً قد كتب منذ مائتي سنة فيه فاتحة الكتاب(1). ترى من نسخ تلك المصاحف المختلقة ونسبها إلى ابن مسعود غير الزنادقة الذين كانوا يحاربون الإسلام ويشكّكون المسلمين في عقايدهم ولم يقتصر عملهم في التهديم بما افتروا به على الصحابة بل افتروا على وال جائر مثل الحجّاج وقالوا انّه بدّل اثنى عشر حرفاً من مصحف عثمان..."(2).
|
ولننتقل الآن إلى بيان ما خطته أنامل الاستاذ محمّد هادي معرفة في كتابه الموسوم بـ "صيانة القرآن عن التّحريف" حيث خصص أحد فصوله وهو بعنوان "التّحريف عند حشوية العامّة" وبحث تلك الرّوايات التي لا تعتمد على أساس، ثمّ
____________
1 ـ الفهرست: ص 29.
2 ـ القرآن وروايات المدرستين: ج 2، ص 670 ـ 699.
"... قام أهل الحشو بشحن حقائبهم من شواذ الأخبار وغرائب الآثار... وهكذا نجد في بضائعهم حشداً من أخبار التّحريف سجّلتها المجاميع الحديثية الكبرى أمثال الصحاح الستّة وغيرها من المدوَّنات المعروفة عند أهل السنة وقد اغتّر بها جماعات، كانوا حسبوا من تلك الرّوايات حقائق مرهونة، فلابد من تأويلها أو علاج آخر، ممّا ابتدعه أهل الاصول باسم "نسخ التلاوة" فغيّروا من عنوان "التّحريف" إلى عنوان آخر تمويهاً لواقع الأمر. وقد بحثنا فيما سلف أن تغيير العبارة لا يحلّ مشكلة الواقع وإنّما يزيد في صلب الاشكال، لا سيما وأنّ بعض تلك الرّوايات تنّص على أن الآية (المزعومة) كانت مما تتلى حتّى بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله. نعم، كانت المشكلة محلولة عند أصحابنا الإماميين، بسبب رفضهم الباتّ لتلكم الأَراجيف السخيفة..."(1).
|
ويقول حول إبطال الآيات المزعومة: "الرجم" "الرغبة" "الجهاد" "الفراش" ـ التي تقدم ذكرها ـ:
"تلك آيات أربع زعمهنّ عمر بن الخطاب محذوفات من القرآن، ولم يتوافق مع زعمه أحد من الأصحاب لا زيد ولا أُبيّ ولا غيرهما، وإلاّ لسجلوها في مصاحفهم... وهذا الاتفاق على رفض مزعومة ابن الخطاب جعله أيضاً يشكّ في نفسه، ومن ثم لم يجرأ على الأمر بثبتها في |
____________
1 ـ صيانة القرآن عن التّحريف: ص 158.
المصحف حتى في أيّام سلطته على الحكم... ولو كان قاطعاً بالأمر لم يكن يمنعه شيء... وللإمام بدر الدين الزركشي هنا كلام طويل في توجيه ما صدر عن ابن الخطاب بما لا يغني ولا يسمن من جوع...(1)"(2).
|
وقال حول الآيتين من سورة البيّنة:
"نسب إلى اُبيّ بن كعب أنه كانت آيتان من سورة البيِّنة فأسقطتا من المصحف... والحديث مكذوب على اُبيّ قطعاً، إذ لو كان كما زعم لوجد في مصحفه وقد كان هو المملي للقرآن على عهد عثمان في لجنة توحيد المصاحف ـ على ما أسلفنا في الجزء الأوّل من التمهيد ـ... والغريب أنهم ذكروا حديث عدم ملء جوف ابن آدم على أشكال وتعابير، ونسبوه (تارة) إلى كلام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كما في الرواية عن أنس(3) وقد أخرجه أبو نعيم الاصبهاني من حديث ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنـّه سمع النبىّ صلّى الله عليه وآله هكذا: "لو أن لابن آدم..." قال أبو نعيم: هذا حديث صحيح متفق عليه(4). و (اُخرى) إلى كونه من القرآن كما في رواية عن أبي موسى وابن كعب و(ثالثة) إلى الحديث القدسي ـ ولعلّه الأصح ـ كما في الرواية عن أبي واقد الليثي..."(5).
|
____________
1 ـ نفس المصدر: ص 162.
2 ـ البرهان في علوم القرآن: ج 2، ص 36 ـ 37.
3 ـ صحيح مسلم: ج 3، ص 99 ـ 100.
4 ـ حلية الاولياء: ج 3، ص 316 في ترجمة عطاء برقم 244.
5 ـ مسند الإمام أحمد: ج 5، ص 219.
____________
1 ـ صيانة القرآن عن التّحريف: ص 159 ـ 187.
المقام الثاني:
تفنيد الإفتراءات على الشيعة الإمامية
دراسة ونقد آراء الدكتور ناصر بن علي القفاري
نظرة اجمالية لكتاب أصول مذهب الشيعة للدكتور القفاري
وقفة قصيرة مع الدكتور القفاري
دعاوى الدكتور القفاري في ميزان النقد
تذييل: دراسة ادعائي الدكتور القفاري الآخرين
نظرة إجمالية إلى كتاب
"اُصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية"
كتاب اُصول مذهب الشيعة الاثني عشرية ـ الذي سميناه اختصاراً بـ "اصول مذهب الشيعة" ـ من تأليف الدكتور ناصر بن عبد الله بن علي القفاري، وهو في الأصل رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة "الدكتوراه" من قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمّد بن سعود الاسلامية بإشراف الدكتور محمّد رشاد سالم(1) وقد اجيزت هذه الرسالة بمرتبة الشرف الاُولى مع التوصية بطبعها وتبادلها بين الجامعات(2). وقد طبعت مرّتين كانت ثانيتهما عام 1415 هـ. في ثلاثة أجزاء وقد بلغ مجموع صفحاتها: 1380 صفحة.
اشتمل الكتاب على تمهيد وخمسة أبواب:
____________
1 ـ هو شيخ القفاري واستاذه الذي غمر الدكتور القفاري بفضله وخلقه. حصل على شهادة الدكتوراه على كتابه الموسوم بـ "موافقة العقل للشرع عند ابن تيمية". ويعتبر رشاد سالم من نوّاب ابن تيمية في عصرنا الحاضر، وقد اهتمّ بنشر تراثه، وكرّس عمره لدراسة آرائه، وتحقيق كتبه كـ "درء تعارض العقل والنقل" و"منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية" و"الصفدين" وغيرها، وابتلي بالسجن مرّتين في حياته، وتوفي في القاهرة عام 1407 هـ. انظر: اصول مذهب الشيعة: ص 26 ـ 27.
2 ـ اصول مذهب الشيعة: ص 4.
الباب الثاني: اعتقاد الشيعة في اصول الدين من التوحيد والأسماء والصفات، واعتقاد الشيعة في الإيمان وأركانه.
الباب الثالث: يتعلق بعقائد الشيعة واصولها التي تفردوا بها ـ بزعم المؤلف ـ وهي الإمامة، العصمة، التقية، المهدوية والغيبة، الرجعة، الظهور، البداء والطينة.
الباب الرابع: يتصل بالشيعة المعاصرين وصلتهم بأسلافهم الباب الخامس: يتعلق بالحكم عليهم واثرهم في العالم الإسلامي ومن ثم الخاتمة: وفيها عرض لأهم النتائج التي توصل إليها البحث(1).
ومن أبرز ظواهر كتاب الدكتور القفاري هو تتبعه الشاسع والاعتماد على كثير من مصادر الشيعة وأهل السنّة، فهو يريد أن يثبت للقارئ أنّه توصّل إلى نتائجه بعد مطالعة المصادر ودراستها وبحثها، وأنه ليس أمثال الآخرين الذين يحكمون على غيرهم دون الرجوع إلى مصادرهم(2). ولعله لهذه الميزة إضافة إلى المميزات الأخرى التي ادعاها الدكتور القفاري في بداية تأليفه وهي:
الموضوعية الصادقة. أن ننقل من كتبهم بأمانة! أن نختار المصادر المعتمدة عندهم!
|
____________
1 ـ يتّضح جليّاً من أبواب هذا الكتاب أن مراد الدكتور القفاري من "اُصول مذهب الشيعة" ليس الاُصول فحسب بل ما يعم الفروع والمسائل السياسية والاجتماعية وغيرهما.
2 ـ كشمس الدين الذهبي الّذي عرّف الشيخ المفيد بأنه صاحب فنون وكلام واعتزال وادب، ثم اتهمه بأنه رافضي يُضّل الناس، مع ذلك كلّه يقول عنه: بلغت تآليفه مئتين; لم أقف على شيء منها وللّه الحمد!!! فإذا كان الذهبي غير مطّلع على أيّ من كتب المفيد فكيف ساغ له اتهامه بما ذكر؟
انظر سير أعلام النبلاء: ج 17، ص 344، رقم الترجمة 213.
أن نعدل في الحكم! أن نحرص على الرّوايات الموثقة عندهم أو المستفيضة في مصادرهم ـ مهما أمكن ـ كما أنني أحياناً أناقشهم على وفق منطقهم وبمتقضى مقرراتهم وقواعدهم وعلى ضوء رواياتهم"(1).
|
تلك المميزات التي طالما كررها الدكتور القفاري في كتابه(2)، وتعهد لنا بالالتزام بها ليوحي للقارئ بأن كتابه يكون بمثابة مصدر له قيمة علمية في بيان آراء الشيعة، كما أن المؤلف ـ كما يدّعي ـ نأى بنفسه عن التعصّب والحقد المرير وتحرّى الأمانة والدقّة والعدالة ومراعاة أُصول التحقيق والنقد عند دراسة آراء الشيعة، ويتراءى من قوله أنه كشف في رسالته تلك القناع عن كثير من الحقائق الخافية لدى الشيعة وابرزها بحيث صارت رسالته صالحة للتداول بين المجامع العلمية والتحقيقية ولذا يطالعك في أول رسالته بالقول:
"وقد أجيزت هذه الرسالة بمرتبة الشرف الأولى، مع التوصية بطبعها وتبادلها بين الجامعات"(3).
|
فهل يصمد هذا المدّعى أو لا؟
إنّ من يمتلك أدنى علم بهذا الكتاب يتّضح له جليّاً عدم صحّة هذا المدّعى
____________
1 ـ أصول مذهب الشيعة: ص 15 ـ 16.
2 ـ قال في آخر مقدمة الكتاب:
"والخلاصة أنني لم أعمد إلاّ إلى كتبهم المعتمدة عندهم في النقل والاقتباس لتصوير المذهب، ولم أذكر من عقائدهم في هذه الرسالة إلاّ ما استفاضت أخبارهم به وأقرّه شيوخهم... وأذكر ما أجد لهم من تصحيحات وحكم على الرّوايات بمقتضى مقاييسهم... واهتممت بالنقل "الحرفي" في الغالب رعاية للموضوعية وضرورة الدقة في النقل والعزو..." |
المصدر نفسه: ص 23 ـ 24، وانظر أيضاً: ص 133، 280، 508، 550، 558، 653 وغيرها كثير.
3 ـ أصول مذهب الشيعة: ص 4.
وأمّا العدالة في الحكم، فقد حاد الدكتور القفاري عنها كثيراً وجار، وهو ما لا يليق برجل يدّعي العلم والمعرفة.
وأمّا اختياره المصادر المعتمدة والرّوايات المستفيضة والموثقة عندنا فهذا أيضاً ممّا لم يفِ به الدكتور القفاري في كثير من الأحيان كما ستراها، ووقع الدكتور في كثير من الأحيان تحت تأثير الأفكار السلفيّة ومبانيها، التي هي في الغالب كانت محلّ كلام ونقاش بين أهل السنّة أنفسهم(1)، كما رأينا بأنّ مقاييسه في صحّة آراء الشيعة وسقمها لا تخرج عن التعصّب، والحكم اعتماداً على الآراء المسبقة عند مذهبه.
ولإثبات صحّة ما ذكرناه مما تقدّم، نقدّم لك هذا المبحث "مبحث هل الشيعة تقول بأنّ في كتاب الله نقصاً أو تغييراً" الذي كتبه الدكتور القفاري مع دراسته ونقده وهو في الحقيقة غيض من فيض، ونترك الحكم لك أيها القارئ على سائر مباحث كتاب الدكتور القفاري.
____________
1 ـ كآرائهم في توحيد الالوهية والربوبية، مسألة الزيارة والشفاعة والتوسل والتبرك و... انظر: الردودعلى آراء ابن تيمية ومحمّد بن عبد الوهاب ككتاب "شفاء السقام" للسبكي; "الصواعق الإلهية في الردّ على الوهابية" للشيخ سليمان بن عبد الوهاب; و"أوضح الإشارة في الردّ على من أجاز الممنوع من الزيارة"، أحمد بن يحيى النجمي; و"الأجوبة النعمانية عن الأسئلة الهندية" لنعمان بن محمود الشهير بابن الآلوسي البغدادي الحنفي; "اعتراضات على ابن تيمية في علم الكلام"، أحمد بن إبراهيم السروطي الحنفي و... وبعض الباحثين قد عمل فهرساً لهذه الكتب في آخر كتاب "نقض الفتاوى الوهابية" لكاشف الغطاء.
مؤلف الكتاب وغرضه من التأليف:
إنّ الدكتور القفاري يعتبر من متعصّبي الوهابيّة(1)، وله إيمان كبير بآراء ابن تيمية، ويمكننا القول بجرأة إنّ رسالته في الواقع ما هي إلاّ شرح لدعاوى ابن تيمية في كتابه "منهاج السنّة"، فالدكتور القفاري في أكثر فصول الكتاب حينما يصل إلى المقاطع الحسّاسة من بحثه أو ما يسمى ببيت القصيد أو صلب البحث; تراه يأتي برأي ابن تيمية ويحاول جاهداً باذلا أقصى طاقته لإثبات صحَّته ولكن في بعض الأحيان ـ مع الأسف ـ عن طريق اعتماده على تقطيع وتحريف العبارات وصرفها عن وجهها الحقيقي ليصل إلى غايته.
ألّف الدكتور القفاري ـ اضافة إلى اصول مذهب الشيعة ـ كتابه الموسوم بـ "مسألة التقريب بين أهل السنّة والشيعة" وهي في الواقع رسالته في الماجستير، والتي يعتبرها الدكتور القفاري البذرة الأولى في معرفته بالشيعة حيث يقول:
"ولقد كانت صلتي بقضية الشيعة تعود إلى مرحلة "الماجستير" حيث كان موضوعها "فكرة التقريب بين أهل السنة والشيعة"(2).
|
والحقيقة أنّ الدكتور القفاري في كتابيه هذين ـ وخصوصاً في كتابه أُصول مذهب الشيعة ـ قد بزّ غيره ممن سبقه في الاتهام والافتراء والسبّ والشتم مستعملاً أقبح الألفاظ وأكثرها فحشاً، بحيث لا تخلو صفحة من كتابه من هذه الألفاظ المبتذلة.
ومثل هذا النوع من الحديث المبتذل والكلام الفاحش يجعل القارئ الذي لا يعرف مصدر علوم الدكتور القفاري يعجب من أمره لأنّه قلّ وجود مثل هذا النمط من الكلام في الأبحاث العلمية، إلاّ انّ الشخص العارف بمسلك الدكتور القفاري
____________
1 ـ انظر على سبيل المثال: اصول مذهب الشيعة: ص 478 ـ 479.
2 ـ أصول مذهب الشيعة: ص 8.
فانّ كتاب منهاج السنّة لابن تيمية الذي كتبه ردّاً على الشيعة مملوء بهذه الألفاظ البذيئة، بل إنّ ساحة أمير المؤمنين المقدّسة لم تسلم من لسان ابن تيمية الفاحش، وهو ما حدا بابن حجر لأن يقول:
"... وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدّته أحياناً إلى تنقيص علي رضي الله عنه"(1).
|
ويمكننا القول بكلّ جرأة إننا لو جمعنا شتائم الدكتور القفاري في هذا الكتاب فقط لبلغت الخمس من حجمه، بل إنّ مجرّد عمل فهرس لهذا الموضوع يحتاج إلى بضع الصفحات، وهذا ممّا يزيد من عجب القارئ، ذلك لأنّ الدكتور القفاري ادّعى الدفاع عن الدّين، وإحياء سنّة السلف باعتباره فرداً من المسلمين وقد اعتبر مسلكه مسلك السنة والجماعة!! فقال في طليعة كتابه في معرض بيان غرضه من التأليف:
"ولا شكّ بأنّ بيان حال الفرق الخارجة عن الجماعة والمجانبة للسنّة ضروريّ لدفع الالتباس وبيان الحقّ للناس ونشر دين الله سبحانه، وإقامة الحجّة على تلك الطوائف; ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة. فإنّ الحقّ لا يكاد يخفى عن أحد، وإنّما يضلّل هؤلاء أتباعهم بالشبهات والأقوال الموهمة، ولذلك فانّ اتباع تلك الطوائف |
____________
1 ـ لسان الميزان: ج 7، ص 530، رقم الترجمة 9465، وفي سنن ابن أبي عاصم بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... فلو أنّ رجلا صف بين الركن والمقام فصلى وقام ثمّ لقى الله عزّ وجلّ وهو ينقص أهل بيت محمّد دخل النار" كتاب السنة: ص 628، رقم الحديث 1546.
هم ما بين زنديق أو جاهل، ومن الضروري تعليم الجاهل وكشف حال الزنديق ليعرف ويحذر"(1).
|
فهل إن بيان الحقّ للناس ونشر دين الله وإقامة الحجّة تقتضى اعتماد الألفاظ الفاحشة والأقوال السخيفة؟
ولعلّ الدكتور القفاري سلك هذا المسلك ـ أي مسلك السبّ والشتم ـ لاعتقاده بأنه نوع من وجوب إنكار المنكر وتبيينه دون غموض، ولذا يقول:
"وأمّا إنكار ما أقف عليه من منكر وبيان فساده فهذا ليس خروجاً عن الموضوعية بل هو جزء من واجب كلِّ مسلم، فمن يتعرّض لكتاب الله سبحانه ويدّعي فيه نقصاً وتحريفاً أو يقول بأن علياً هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وأمثال هذه الكفريات الظاهرة لا تملك إلاّ أن تصمه بما يستحقّه، وأن تظهر فداحة جرمه وشناعة معتقده، وإلاّ كان في الأمر خداع وتغرير بالقارئ المسلم"(2).
|
فلو سلّمنا أنّ الشيعة متلبّسة بالمنكرات والفساد والصدّ عن دين الله(3)، كما
____________
1 ـ أصول مذهب الشيعة: ص 6.
2 ـ أصول مذهب الشيعة: ص 15.
سترى في دراستنا هذه ان قول الدكتور القفاري بان الشيعة تتعرض لكتاب الله وتدّعي فيه نقصاً وتحريفاً، كذب أو سوء فهم وقوله بان الشيعة تقول ان عليّاً هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن. خيانة الدكتور القفاري العُظمى وبلوغ امانته العلمية أوجاً حيث قطّع الرواية التي وردت في هذا المجال ولم يوردها كاملة كي يتضح معناها الواقعي، انظر: مبحث: "بداية الافتراء كما يؤخذ من كتب الشيعة، بحث أخطر آراء السبئية في كتاب سليم بن قيس".
3 ـ أصول مذهب الشيعة: ص 1190. ولا بد ـ في نظر الدكتور القفاري ـ ان يكون أحد المصاديق البارزة لهذا الصدّ الحكم المشهور للامام الخميني رحمه الله تعالى بقتل المرتد سلمان رشدي والذي أصدره دفاعاً عن الحريم القدسي للنبي الاكرم محمّد صلّى الله عليه وآله، ودينه المقدس، واعتبره حكماً أبديّاً غير قابل للنقض.
فهل وجب على أنفسهم تلويث ألسنتهم بالكلمات البذيئة لأجل انكار المنكر(1).
أخرج الكليني بسنده عن أمير المؤمنين علىّ عليه السلام قال:
"قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن الله حرّم الجنّة على كلّ فحّاش بذيٍّ قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له..."(2).
|
وعلى هذا فكتاب الدكتور القفاري الذي يحمل تلك الصفات المشينة لا يستحق النشر في المجامع العلمية فكيف يكون محلاً للدراسة والنقد؟ ولكننا انما تعرضنا لنقد بعض دعاويه كي لا يترك أثراً سلبياً على عقول بعض الناس.
ودعاوى الدكتور القفاري هذه التي ذكرها لتوجيه عدم عفّته وبُعده عن الخلق العلمي، يمكن ان يخدع بها كثيراً من المسلمين فيتصوّرون أن الشيعة تتعرّض لكتاب الله وتدّعي ـ والعياذ بالله ـ أن فيه نقصاً أو تحريفاً، أو تقول بأنّ علياً هو الأوّل والآخر و... وهذا مما يؤدّي إلى إثارة مشاعر المسلمين ضدَّ الشيعة ويجعل قلوبهم تمتلي غيظاً وحنقاً على الشيعة، وبالنهاية يؤدي إلى حصول التفرقة بين
____________
1 ـ لم يكن رسول الله صلّى الله عليه وآله فاحشاً ولا متفحشاً. انظر: صحيح البخاري، كتاب المناقب، ص 23، كتاب الادب، ص 38 ـ 39، وصحيح مسلم: كتاب الفضائل: ص 68، وكتب سيرة الرسول صلّى الله عليه وآله كجوامع السيرة النبوية لابن حزم باب اخلاقه صلّى الله عليه وآله: ص 32، وغاية السؤول في سيرة الرسول لعبد الباسط الحنفي، ذكر أخلاقه عليه السلام: ص 38، والسيرة النبويّة لمحمد بن حبّان البسّي: ذكر وصف رسول الله صلّى الله عليه وآله: ص 410 وغيرها من المصادر.
2 ـ الكافي: ج 2، ص 322، الرقم 3.
نعم فالدكتور القفاري طفق ينقل كلمات متناثرة من هنا وهناك ويتفوّه بألفاظ بذيئة يصم بها علماء الشيعة فهو يصفهم بـ "شرذمة الكذّابين، مصدّقي الخرافات معقودين بالهوى والغرض(1)، يشايعون الشيطان(2)".
ولكن الدكتور القفاري لا يعلم ـ أو يتجاهل بأنّ تلك الألفاظ طبقاً لمعاييره تنطبق على علماء وكبار وحفاظ أهل السنة بلا شك أمثال: محمّد بن سعد، ابن أبي داود، محمّد بن أيوب بن الضريس، ابن المنادي، أبو نعيم الاصبهاني، ابن عبد البر، عبد الكريم الشهرستاني و...(3).
وإذا كان الدكتور القفاري قد اتّهم الشيخ الصدوق وغيره من الشيعة بأنّهم لم تسلم كتبهم من "الإلحاد"، فإنّنا لو اعتمدنا على مقياسه لحكمنا بعدم سلامة كتب أحمد بن حنبل، وسعيد بن منصور والطبراني والديلمي من الإلحاد(4).
وإذا كان الدكتور القفاري قد اتّهم جمعاً من علماء الشيعة الذين أتوا بأدلّة قويّة على إبطال نظرية نسخ التلاوة فاتهمهم بأنّهم مكذّبون لربّ العالمين قائلاً: "ما أعظم جرمهم!!" هذا الحكم نفسه منطبق على مجموعة كبيرة من علماء أهل السنة قديماً وحديثاً الذين أنكروا نسخ التلاوة بأدلّتهم ورأيتم نص آرائهم كأبي جعفر النحّاس وشمس الدين السرخسي وأبي عبد الله ظفر والقطّان وصبحي الصالح
____________
1 ـ اصول مذهب الشيعة: ص 226.
2 ـ نفس المصدر: ص 1010.
3 ـ انظر: "مبحث مصحف علىّ عليه السلام" في هذا المقام.
4 ـ انظر بحث: "ابن بابويه وإنكاره لما ينسب لطائفته" من هذا الكتاب، وأصول مذهب الشيعة: ص 287.
وإذا كان الرافضة بزعم الدكتور القفاري لغرض إشباع أهوائهم وميولهم يلجأون إلى جعل القراءات بما يطيب لأنفسهم فابن جرير الطبري وغيره أولى بذلك(2).
وإن كان الرافضة وارثين للتأويلات المنحرفة فالقرطبي والسيوطي والآلوسي بل عائشة وغيرهم هم أيضاً ممّن ورث ذلك بلا شك(3).
وإن كان...
وإن كان...
____________
1 ـ انظر مبحث "دراسة في نسخ التلاوة" في المقام الأول واصول مذهب الشيعة: ص 1044.
2 ـ انظر: مبحث "مضامين روايات التحريف في كتب الشيعة": في هذا المقام واصول مذهب الشيعة: ص 1011.
3 ـ انظر: مبحث "شيوع هذه المقالة في كتب الشيعة": في هذا المقام.
وقفة قصيرة مع الدكتور القفاري
قال الدكتور القفاري في مدخل مبحثه "هل الشيعة تقول بأنّ في كتاب الله نقصاً أو تغييراً":
"... ومن قال بأن في القرآن نقصاً وتحريفاً فليس من أهل القبلة وليس من الإسلام في شيء... فإن الباحث المسلم يعاني بلا شك من قراءة تلك السوداء ومن الاستماع لاُولئك الأقزام الذين يتطاولون على كلام الله سبحانه ويعاني من ذلك أبلغ المعاناة... ثم ما أسهل الادعاء الكاذب على حاقد موتور ومن ثم فليس علينا ان نتتبع كل دعوى كاذبة لنردها.
كما ان إهمال القول الكاذب قد يكون أحرى لأماتته وانصراف الانظار عنه ما لم يتفش هذا القول ويشتهر وتحمله طائفة وتسير به |
____________
1 - كذا جاء في كتاب الدكتور القفاري ولعلّ صحيحه:
لو كل كلب عوى ألقمته حجَراً | لأصبح الصخر مثقالاً بدينار |