3 ـ إنّ عمدة هذا البحث من الدكتور القفاري تختصُّ برواية: "إنّ القرآن الذي جاء به جبرئيل إلى محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم سبعة عشر ألف آية" وقد بحثناها سنداً ومدلولاً فيما تقدم فلا نعيد. وبعد ذكره هذه الرّواية قال الدكتور:
"فهذا يقتضي سقوط ما يقارب ثلثي القرآن فما أعظم هذا الافتراء!"(7).
|
ثمّ بين رأي الإمامية في سند تلك الرواية وخلط تلك الاقوال بالتقية!! وبتقطيعه لعبارة المجلسي عاد مرة أخرى إلى مقولة علماء العصر الصفوي، ثمّ استمر بمزاعمه بالمقايسة بين رأى ابن بابويه ورواية الكليني حتى وصل إلى بيت القصيد قائلاً:
____________
1 ـ جامع البيان في تأويل آي القرآن: ج 6، ص 174، والآية 1 من سورة الأنفال (8).
2 ـ صحيح البخاري مع فتح الباري: ج 7، ص 51. وقال ابن حجر: "اسناده صحيح" والموطأ، كتاب الصلاة، باب صلوة الوسطى: ج 1، ص 157 و158، سنن النسائي، كتاب الصلاة، باب المحافظة على صلاة العصر: ج 1، ص 82 ـ 83، الدرّ المنثور: ج 6، ص 65، والآية 52 من سورة الحج (22).
3 ـ الدرّ المنثور: ج 5، ص 57 والآية 60 من سورة النور (24).
4 ـ فضائل القرآن: ص 165 والآية 238 من سورة البقرة (2).
5 ـ المصدر السابق: ص 169 والآية 79 من سورة الكهف (18) والدرّ المنثور: ج 4، ص 247.
6 ـ المصدر الاسبق: ص 162 وما بعدها.
7 ـ اصول مذهب الشيعة: ص 244.
"وأقول هل لرواية الكليني وجه يمكن قبوله خلافاً لما يراه ويفتريه المجلسي والمازندراني وأضرابهما؟ لعله من الممكن لو كان لهؤلاء أرادة خير لمذهبهم وأتباعهم أن يحملوا ما زاد على عدد آيات القرآن على منسوخ التلاوة إذا لم يكن لديهم الشجاعة على ردّ هذه الرواية وأمثالها... ولكن شيخ الشيعة اليوم "الخوئي" ومرجعها الأكبر ـ وهو يتظاهر بالدفاع عن القرآن يرى أنّ القول بنسخ التلاوة هو قول بالتحريف وكأنه أراد أن يوصد هذا الباب ويردّ هذه القاعدة الثابتة ليثبت بطريق ملتو عقيدة في نفسه يكاد يخفيها... والفرق واضح... فالتحريف من صنع البشر وقد ذمّ فاعله الله والنسخ من الله قال تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)(1) وهو لا يستلزم مسّ كتاب الله سبحانه بأي حال"(2).
|
وقد ناقشنا فيما تقدم هذه الرواية سنداً ومتناً، وبينّا آراء علماء العهد الصفوي في مسألة التّحريف وبحثنا أيضاً في الموازنة بين كلام ابن بابويه ورواية الكليني وهنا نقول:
عجباً! كيف يقول الدكتور القفاري: "لم يكن لدى الشيعة الشجاعة على ردّ هذه الرواية وأمثالها" والحال إنّ أول من ردّ تلك الرواية بشجاعة هو الشيخ أبو جعفر الكليني رحمه الله الذي جاء بالرواية فهو ـ كما لاحظت ـ ذكر في مقدمة كتابه معيار قبول وردّ الرّوايات المتعارضة; وهو عرضها على كتاب الله، وطرح ما يخالفه(3)،
____________
1 - البقرة (2): الآية 106.
2 ـ اصول مذهب الشيعة: ص 247 ـ 248.
3 ـ انظر مقدمة الكافي: ص 8 وقد ذكرنا نص كلامه فيما تقدم.
"إذا لم تتم هذه المحامل في تلكم الرّوايات فلابدّ من طرحها لأنـّها مخالفة للكتاب والسنة"(2).
|
وكلام السيد الخوئي ـ كماترى ـ ينطوي على شجاعة فائقة.
والآن تعال معي لنناقش الدكتور القفاري ونرى شجاعته العلمية، فهو لم يذكر مناقشات أهل السنة أنفسهم لنظرية نسخ التلاوة ـ التي أراد لنا أن نتقبلها ـ بل إنه لم تكن لديه الشجاعة ليورد أدلّة السيد الخوئي لردّ تلك النظرية أوّلاً ومن ثم يقوم بردّها، بل ادّعى أنّ نسخ التلاوة ثابت بين الفريقين، وأقصى ما فعله هو ايهام القارئ بأنّ السيد الخوئي رحمه الله يقول بأنّ نسخ التلاوة هو عين القول بالتحريف وإنّه ـ أي الخوئي ـ لم يأت بدليل لاثبات مدّعاه. ولكننا ننقل لك الآن نصّ دليل السيد الخوئي ومناقشته لنظرية نسخ التلاوة لتحكم أنت بنفسك فيما إذا كانت عين القول بالتحريف أم لا، قال السيد الخوئي:
"إن نسخ التلاوة إما أن يكون قد وقع من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وإما أن يكون ممّن تصدّى للزعامة من بعده، فإن أراد القائلون بالنسخ وقوعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فهو |
____________
1 ـ لأنا قلنا مسبقاً: جاءت الرواية في بعض نسخ الكافي سبعة آلاف وتكون الرواية حينئذ في مقام بيان الكثرة والتقريب لا تحقيق العدد. انظر: المقام الأول، "دراسة روايات التحريف في كتب الشيعة"، الطائفة السادسة.
2 ـ البيان: ص 231 ـ 233.
أمر يحتاج إلى الاثبات وقد اتفق العلماء أجمع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد وقد صرّح بذلك جماعة فى كتب الاصول وغيرها(1) بل قطع الشافعي وأكثر أصحابه وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه بل إن جماعة ممّن قال بامكان نسخ الكتاب بالسنة المتواترة منع وقوعه(2) وعلى ذلك كيف تصح نسبة النسخ إلى النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بأخبار هؤلاء الرواة [وأخبارهم آحاد]؟ مع إن نسبة النسخ إلى النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم تنافي جملة من الرّوايات التي تضمنت أن الإسقاط قد وقع بعده. وإن أرادوا إن النسخ قد وقع من الذين تصدّوا للزعامة بعد النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فهو عين القول بالتحريف... نعم ذهبت طائفة من المعتزلة إلى عدم جواز نسخ التلاوة(3)"(4).
|
فالدكتور القفاري والآخرون من أمثاله(5) بعد أن رأوا عجزهم عن الاستدلال لم يوردوا أدلّة السيد الخوئي في ردّ نظريتهم بل إنّه بدل ذلك قام باتّهام السيد الخوئي بالنفاق وقال:
"كأنه أراد أن يوصد هذا الباب ويردّ هذه القاعدة الثابتة ليثبت بطريق ملتو عقيدة في نفسه يكاد يخفيها..."(6).
|
____________
1 ـ الموافقات لابي اسحاق الشاطبي: ج 3، ص 106، ط. مصر (منه رحمه الله).
2 ـ الإحكام في اصول الأحكام للآمدي: ج 3، ص 217. (منه رحمه الله) 3 ـ المصدر السابق: ج 3، ص 201 ـ 203 (منه رحمه الله).
4 ـ البيان في تفسير القرآن: ص 206.
5 ـ كمحمد عبد الرحمن السيف! في كتابه "الشيعة الاثنا عشرية وتحريف القرآن": ص 95.
6 ـ اصول مذهب الشيعة: ص 247.
هل لدى الشيعة مصحف سري يتداولونه؟
أحسب لا حاجة بنا في هذا الفصل إلى بحث الاقوال للدكتور القفاري وافتراءاته وأوهامه، فهو نوع من اللّهو، ذلك لأن مسألة "المصحف السري" كان قد طرحها الأجانب وأعداء الإسلام، والآخرون لعبة ـ من حيث لا يشعرون ـ في أيدي أعداء الدين فإنهم ذكروا هذه المسائل كالمصحف السري وغيره على لسانهم حتى يلهو المسلمون بها عن مسائلهم الأساسية ويفسح المجال لأعداء الدين لبثِّ روح العداء والتفرقة بين المسلمين.
فقد اعتمد بعض الناس على المكر والحيلة ليوحي للقارئ بأنّ الشيعة بعيدون عن هذا القرآن الموجود، وأنّ لهم مصحفاً سرّياً خاصاً بهم يتداولونه بينهم، لتحصل التفرقة بين المسلمين وليحقق أعداء الإسلام غرضهم. وعلى هذا آثرت هنا مضطراً ـ رغم عدم رغبتي في ذلك ـ أن أناقش ادّعاءات الدكتور القفاري تلك وأبين خطأها وفسادها.
قبل كلّ شيء ينبغي الالتفات إلى حقيقة غير قابلة للانكار، حتى يتّضح كلّ شيء وهي:
إن كان للشيعة مصحف سرّي متداول بينهم، فكيف ألّفوا عبر القرون مؤلفات كثيرة في تفسير هذا القرآن وعلومه؟ ونكتفي هنا بما قال الشيخ علي الكوراني:
"إذا لاحظنا إن نسبة عدد الشيعة عبر العصور المختلفة كانت خُمس عدد الأمّة الإسلامية وبقية المذاهب السنية أربعة أخماس... فالوضع الطبيعي أن تكون نسبة مؤلفاتهم في تفسير القرآن ومواضيعه الاُخرى خمس مجموع مؤلفات إخوانهم السنة... وإذا لاحظنا ظروف الاضطهاد التي عاشها الشيعة عبر القرون، نكون منصفين إذا توقعنا من علمائهم عُشر ما ألّفه إخوانهم السنة |
حول القرآن بل نصف العشر... بينما نجد أنّ مؤلفات الشيعة حول القرآن قد تزيد على الثلث. وقد أحصت دار القرآن الكريم في قم التي أسسها مرجع الشيعة الراحل السيد الكلبايكاني رحمه الله، مؤلفات الشيعة في التفسير فقط في القرون المختلفة، فزادت على خمسة آلاف مؤلّف... فكيف يصح أن نعمد إلى طائفة أسهموا على مدى التاريخ الاسلامي أكثر من غيرهم في التأليف في تفسير القرآن وعلومه... ونتهمهم بعدم الإيمان بالقرآن أو بأنّ عندهم قرآناً آخر!!"(1).
|
إننا لو سألنا الدكتور القفاري; إذا كان للشيعة مصحف سريّ يعملون به، فماذا تقول في كلّ هذه الرّوايات المذكورة في كتب الشيعة حول فضيلة القرآن وقراءته وحفظه وتعليمه...؟ وعندها سيبقى الدكتور القفاري حائراً، وهذا هو سبب لجوئه إلى طريقته في تزوير الحقائق فقال مشيراً إلى بعض تلك الرّوايات من الكافي(2):
____________
1 ـ تدوين القرآن: ص 39 ـ 40.
بل كيف يصح ذاك الاتهام وقد وردت في كتب الشيعة اُلوف الرّوايات في أبواب متعددة في شأن هذا القرآن وتعليمه وقراءته وحفظه و... فعلى سبيل المثال انظر بحار الأنوار: كتاب القرآن: ج 92 و93. وعلى الأقل انظر إلى كتاب: "تذكرة الحفاظ من الشيعة" في جزأين فقد جمع السيد علي النقي النقوي اللكهنوي فيه من حفاظ القرآن من الشيعة. الذريعة: ج 26، ص 179 وفاته خلق كثير، أشار إلى بعضهم العلامة آغا بزرك الطهراني. المصدر نفسه.
2 ـ قال الدكتور القفاري: "وقد جاءت نصوص أخرى عندهم تدعو لتعلم هذا القرآن وحفظه وتذكر ثواب من فعل ذلك كقول أبي جعفر [عليه السلام] لاحد اصحابه ويدعى سعد الخفاف: "يا سعد تعلموا القرآن" (اصول الكافي: ج 2، ص 596) وعقد صاحب الكافي أبواباً بهذه العناوين:
"باب من حفظ القرآن ثم نسيه" وذكر فيه ست روايات... (اصول الكافي: ج 2، ص 607 ـ 609)
"باب في قراءته" (اصول الكافي: ج 2، ص 609)
"باب البيوت التي يقرأ فيها القرآن" (المصدر السابق: ج 2، ص 610)
"باب ثواب قراءة القرآن" وجاء فيه سبع روايات تتحدث عن عظيم ثواب من قرأ القرآن وتعلمه (المصدر السابق: ج 2، ص 611 ـ 612)
"باب قراءة القرآن في المصحف" وذكر فيه خمس روايات تبين ثواب القراءة في المصحف (المصدر السابق: ج 2، ص 613 ـ 614)
وأبواب أخرى في هذا الموضوع"
أقول: وقد ذكرنا في المقام الأوّل بعض هذه الأبواب وقلنا إن عدد هذه الرّوايات قد ينوف على المئات من الأحاديث المعتبرة، فقد أورد بعض منها في "بحار الأنوار" كتاب القرآن: ج 92، ص 13 ـ 43 وص 175 ـ 372 وأيضاً: ج 93 كتاب القرآن: ص 2 ـ 193 وبعض آخر في كتاب "الحياة": ج 2، الباب السادس، ص 40 ـ 147.
"وهذه تنقض تلك الرّوايات بل تثبت من كتبهم زيف وكذب ما يفترونه على آل البيت من تلك "الأكاذيب" إذ كيف يأمرون بقراءة القرآن ويذكرون الثواب العظيم لمن قرأه، وإنّه ينبغي للمسلم أن يقرأه في كلّ يوم وأن ينوّر بيته به. وهم يقولون إنّه مغيّر مبدل؟ أليس هذا يدلّ على عظيم التناقض في هذا المذهب؟"(1).
|
ما أبعد هذا الكلام عن الانصاف!
اين التناقض العظيم؟
من هم الذين يقولون بأنّ القرآن مغيّر مبدّل؟
وهل أن موضوع الكلام هو في التغيير والتبديل في القرآن الموجود بين ايدينا أيُّها الدكتور القفاري؟! أم الكلام في المصحف السرّي؟ وهل إنّ كلّ تلك الرّوايات لا تعتبر حجّة لكلّ محقق حتّى يحسم القول باُسطورة المصحف السرّي ـ التي وضعها في الأصل أعداء الدين ـ وكذلك القول بتحريف وتبديل القرآن؟
ولكنَّ الدكتور القفاري ـ وبهدف حرف الافكار عن الموضوع ـ عدل إلى
____________
1 ـ اصول مذهب الشيعة: ص 259 ـ 260.
من هنا فإنّ الإنسان يقطع بأنّ الدكتور القفاري ـ من حيث يشعر أو لا يشعر ـ يسهل السبيل لأعداء الإسلام ليزرعوا بذور التفرقة والاختلاف بين المسلمين وليستمر أعداء الإسلام في سرقة وسلب ثروات المسلمين أكثر فأكثر.
وإلاّ فإنّ علماء أهل السنة في علوم القرآن يعلمون يقيناً أنّ أحكام الدكتور القفاري هذه لو كانت صادقة لكان الحكم على روايات أهل السنّة أشد وأمرَّ وأدهى، ذلك لأننا لو قارنا بين روايات الإمامية الواردة حول تلاوة القرآن وحفظه وقراءته و... لوجدناها أكثر بكثير من روايات أهل السنة في هذا الباب من حيث العدد، وأقوى من حيث الدلالة وفيما يرتبط بروايات التّحريف والتبديل سيّان على الأقل.
وعلى كلّ حال، فالدكتور القفاري أورد في هذا الفصل عدة مسائل بعضها أجنبي عن بعض ـ لكنّه وانسجاماً مع طريقته في تقطيع وتحريف العبارات ـ لفّقها ليمرّر مؤامرته وإلاّ المحور الأصلي لكلامه في هذا الفصل فهو اُسطورة "سورة الولاية" لا غير وسيأتيك بحثها عن قريب، وأمّا المسائل الأخرى التي طرحها في هذا الفصل فهي عبارة عن:
1 ـ وجود مصحف عند الإمام المهدي عجَّل الله تعالى فرجه الشَّريف، وهو مصحف الإمام علي عليه السلام كما في الرّوايات(1) وصرّح به أعلام الإمامية وستأتي في الفصل القادم دراسة حول مصحف الإمام علي عليه السلام، ولا ندري إن كان هذا المصحف عند الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف، كيف صار مصحفاً سريّاً عند الشيعة يتداولونه على وجه خفي؟!
____________
1 ـ الكافي: ج 2، ص 631، الرقم 15.
فهذا الحديث ونظائره صريح في وجه الاختلاف في المصحف الذي يكون عند المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ وهو مصحف الإمام علي عليه السلام ـ والمصحف الموجود لا يختلف عنه إلاّ في النظم والتأليف لا شيء غيره فقد ألِف الجمهور هذا النسج الحاضر، واعتادوا عليه خلفاً عن سلف طيلة عشرات القرون فيصعب عليهم التعوّد على خلافه كما أشار إليه الحديث: ومما يدّل على أن القرآن الذي يأتي به صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف ليست فيه زيادة على هذا الموجود ما روي عن أبي جعفر عليه السلام، قال: "ولو قد قام قائمنا ـ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ فنطق صدّقه القرآن"(2). ولو كان ما دلّ على صدقه هي زيادات في المصحف الذي لديه عجل الله تعالى فرجه الشريف ممّا لم يعهدها المسلمون من ذي قبل لكان ذلك من الدور الباطل إذ لا يعرف الشيء من قبل نفسه.
هذا وقد صرّح جملة من أعلام أهل السنة بأن مصحف الإمام علي رتب على وفق النزول وهذا يعني مخالفته في تأليف القرآن الموجود وسيأتي نصّ كلامهم. لكنّ الدكتور القفاري حرّف الكلام وجاء باتّهام قبيح وقال:
"وهذه النصوص... تدعو باسلوب "مقنَّع" وغير صريح إلى إهمال |
____________
1 ـ الارشاد: ج 2، ص 386.
2 ـ تفسير العياشي: ج 1، ص 13، الرقم 6.
حفظ القرآن لأنـّه مغيّر بزعم الشيعة ومن حفظه على تحريفه يصعب عليه حفظه إذا جاء به منتظرهم"(1).
|
فحرّف الدكتور نصّ الرّواية وكلام الفريقين وقال: "... لأنّه مغيّر... ومن حفظه على تحريفه..." بدل "يخالف فيه التأليف" والاختلاف في التأليف لا مساس له بمسألة التّحريف إطلاقاً، كما أنّ ذكر التنزيل بعنوان شرح المراد والتأويل وما يؤول إليه الكلام ـ وإن كان من الوحي اِلاّ أنـّه غير قرآني ـ في مصحف الإمام علي عليه السلام لا علقة له بمسألة التّحريف وسيأتي نص كلام الفريقين في فصل "مصحف الإمام علي عليه السلام" حول ذاك، بحول الله تعالى وقوته.
إلى هنا ثبت أنّ البحث لا علاقة له بمسألة المصحف السري، وقد انتبه الدكتور القفاري نفسه إلى هذا الأمر، ولذا تراه غيّر شكل البحث قائلاً:
"فهل يقوم الشيعة بجمع أساطيرهم في مصحف ليسهل حفظ المصحف الموعود حين ظهوره؟ يقول المجلسي نقلاً عن المفيد: "نهونا عليهم السلام عن قراءة ما وردت به الأخبار من أحرف تزيد على الثابت في المصحف لأنـّها لم تأت على التواتر وإنّما جاءت بالآحاد، وقد يغلط الواحد فيما ينقله ولأنـّه متى قرأ الإنسان بما يخالف ما بين الدفتين غرر بنفسه مع أهل الخلاف... فهذا يعني أن الآيات المفتراة والمتفرقة في كتبهم والمخالفة لكتاب الله لم تصل عندهم إلى وضعها في مصحف متداول بينهم لسببين، أحدهما: الخوف [من أهل الخلاف] من المسلمين. والآخر: اِنّ الطريق لثبوتها عندهم طريق آحاد..."(2).
|
____________
1 ـ اصول مذهب الشيعة: ص 257.
2 ـ اصول مذهب الشيعة: ص 258.
"ولا ينكر أن تأتي القراءة على وجهين منزلين أحدهما ما تضمنه المصحف والثاني ما جاء به الخبر كما يعترف مخالفونا به من نزول القرآن على وجوه شتّى فمن ذلك قوله تعالى: (ما هو على الغيب بضنين) يريد به ببخيل وبالقراءة الاخرى "بظنين" يريد بمتّهم... و(يسألونك الأنفال)و..."(1).
|
وعلى هذا فإنّه إذا كان بزعم الدكتور القفاري:
أولاً: إن هذه القراءات هي آيات مفتراة.
ثانياً: إنّ الشيعة جعلوا هذه الآيات المفتراة في مصحف مع أنـّها خبر الواحد ليسهل حفظ المصحف الموعود.
ثالثاً: ان الإخباريين من الشيعة يعتبرون جميع أخبار الآحاد من قسم الصحيح(2).
فتكون النتيجة كما زعم الدكتور:
____________
1 ـ المسائل السروية: ص 83 نقل عنه "بحار الأنوار": ج 92، ص 75.
2 ـ نسب الدكتور القفاري ذلك إلى الشيخ الحر العاملي صاحب كتاب "وسائل الشيعة" ولكننا بمراجعة هذا الكتاب اتضح لنا ان مراد صاحب "وسائل الشيعة" ليس كما ادعى الدكتور القفاري حيث قال:
"اما الأخباريون من الشيعة فانهم يرون صحة ما رواه شيوخهم عن الأئمة في العشرات من الكتب التي صنفوها وتواترها وثبوتها عن مؤلفيها وثبوت احاديثها عن أهل العصمة". (اصول مذهب الشيعة: ص 259) بل ان مراد صاحب "وسائل الشيعة" هو ان الكتب التي اعتمدها في تأليف "وسائل الشيعة" فقط. انظر: وسائل الشيعة: ج 20، ص 61.
|
"إنّ مسألة التداول السرّي لمصحف مفترىً من الإخباريين أمر وارد"(1).
|
فلو فرضنا ـ جدلاً ـ أنّ الدكتور القفاري توصّل إلى هذه النتيجة بعد بحث وتحقيق علمي صحيح، فإننا نطبق تلك المزاعم على روايات أهل السنة لتكون النتيجة أشدّ وقعاً واكثر وخامة، وذلك بأن نقول:
أولاً: ان القراءات المتعددة في كتب أهل السنة التي تبلغ العشرات تكون من سنخ الآيات المفتراة والأساطير.
ثانياً: أكثر أهل السنة يحكمون بصحّة روايات التّحريف في القرآن مع أنها أخبار آحاد عندهم وهم يزعمون أنها من آيات القرآن ـ وإن كانت منسوخة التلاوة عند بعضهم ـ بل تردّد الاُصوليّون منهم في جواز مس المحدث تلك المزعومات(2) ـ مع ان اضطراب متونها خير شاهد على اجنبيّتها عن آيات القرآن الكريم ـ وعلى هذا يحق لنا الحكم بهذه النتيجة وهي: إنّهم جعلوا هذه الآيات المفتراة وتلك القراءات المتعددة في مصحف و"إنّ مسألة التداول السري لمصحف من قِبَلِ أكثر أهل السنة أمر وارد!!" بل إنّ الدكتور القفاري يعترف أكثر من ذلك فيقول:
"وقد وصلني مصحف من باكستان طبعه الشيعة وقد حشّاه طابعه بتلك المفتريات ولكن لم تمتد أيديهم إلى الأصل فقد طبع كطبعة تفسير الجلالين حيث وضع نص القرآن في الوسط والتفسير في الحواشي"(3).
|
____________
1 ـ اصول مذهب الشيعة: ص 260.
2 - الإحكام في اصول الأحكام للآمدي: ج 3، ص 201 - 203.
3 ـ اصول مذهب الشيعة: ص 260.
فهل يجوز اقتفاء أثر بعض الرّوايات التي هي من نوع خبر الواحد، والتي يمكن احتمال تعرضها للوضع والخطأ والنسيان والتغيير، ولا يلتفت إلى قول المحققين من الفريقين حتى نصل إلى تلك النتائج المشؤومة والبعيدة عن الانصاف، ونشغل المسلمين بهذه الألاعيب الخطيرة السخيفة؟
جواب ذلك يقع على عاتق الدكتور القفاري ومن لفّ لفّه!
مصحف سري أم اسطورة سورة الولاية (والنورين)؟!
والآن نرجع إلى صلب البحث:
إنّ أصل هذا البحث من رأسه إلى قدميه يدور حول مسألة "سورة الولاية" المزعومة، فالدكتور القفاري بدأ بحثه بذكر هذه السورة، ونقل ذلك عن محبّ الدين الخطيب، وقال:
"للشيعة مصاحف خاصة تختلف عن المصحف المتداول وقد نشر الخطيب صورة "لسورة مفتراة" يسمونها سورة "الولاية" وقال بأنـّها مصورة من مصحف إيراني مخطوط عند المستشرق مستر براين وقبل ذلك أثبتها شيخ الرافضة في كتابه "فصل الخطاب" ومن قبل قال صاحب [كتاب] تكفير الشيعة أنهم أحدثوا مصحفاً..."(2).
|
____________
1 ـ انظر: مبحث "دراسة أحاديث التحريف في مصادر أهل السنة" في المقام الأول.
2 ـ اصول مذهب الشيعة: ص 255.
"إنّ مسألة التداول السرّي لمصحف مفترى من الإخباريين أمر وارد ولعلّ هذا يفسر ما نشره محبّ الدين الخطيب وأحمد الكسروي (الشيعي الأصل) من صورة "لسورة" تسمى "الولاية" مأخوذة من مصحف ايراني"(1).
|
وينبغي هنا القول:
إذا كان الدكتور القفاري يمتلك الإنصاف فيتحتَّم عليه أن لا يعتمد على قول أمثال محب الدين الخطيب في الخطوة الاولى من بحثه، إذ كيف يقول الخطيب "مصاحف خاصّة" بصيغة الجمع ـ لا "مصحف خاص" ـ "ومصحف إيراني!!" متداول عند الشيعة بدون ذكر أي دليل ولا مستمسك لهذه المصاحف، وكذلك صاحب تكفير الشيعة فهو لم يأت بشيء من المصحف الجديد عدا سورة باسم "سورة الولاية"!
أفلا يكفي تسمية سورة واحدة بـ "مصحف أو مصاحف خاصّة" لاثبات زلّة هؤلاء؟ ثمّ إنّه لو كان ثمّة شيء آخر غير سورة الولاية عند "مستر براين" لذكره وأشاعه وطبّل له وزمّرَ لكي يحطّ من قدر وقيمة القرآن وكذا الحال في "الكسروي" الملحد الذي أنكر البعثة والرّسالة والخالقية(2) ـ ومع الأسف تعتبر
____________
1 ـ المصدر السابق: ص 260.
2 ـ قال الكسروي ما ترجمته:
"زعم المسلمون أن الله قد بعث بشراً وأوحى إليه بواسطة جبرائيل والناس يطلبون منه المعجزة فان أتى بها قبلت دعواه وإلاّ فلا، فهذا الزعم باطل من الأساس لأنّه نشأ من الحمق" در پيرامون اسلام (أي حول الإسلام): ص 9 و82 و83.
|
وقال أيضاً:
"إن المسلمين ادّعوا ان النبوة قد ختمت برسالة محمّد [صلّى الله عليه وآله ]وهو جهل فاضح وفي الواقع انهم أنكروا قدرة الله على ارسال رسول بعده"!! المصدر نفسه: ص 11.
|
ثم قال:
"هذه ضلالات تتراءى بعضها أقبح وأخسر من بعض" المصدر السابق: ص 12.
|
وقال في موضع آخر:
"نعلم كلّنا ان المسلمين اليوم من الشيعة وأهل السنة هم أرذل الناس وأذلّهم" المصدر السابق نفسه: 63.
|
هذه بعض دعاويه في أحد كتبه ولا نحتاج إلى كتبه الاخرى، ولا غرو، فانه نشأ في أحضان الاستعمار الغربي وترعرع على أفكارهم وجاهد لاطفاء نور الله وتشتيت صفوف المسلمين.
هذا وقد تورّط الدكتور القفاري في خلط واضح بين سورة النورين وسورة الولاية، فما نشره محبّ الدين الخطيب وأعمل معول النقد فيه الدكتور القفاري، إنّما هو سورة الولاية المزعومة من سبع (آيات)، فيما كانت تلك السورة الأخرى التي أوردها المحدث النوري في كتابه فصل الخطاب نقلا عن كتاب "دبستان مذاهب"، سورةَ النورين المكوّنة من 41 (آية).
وبدورنا سوف نقوم ـ بغية استيفاء البحث كاملا ـ بدراسة هاتين السورتين، وتسجيل ما عندنا من نقد متعلق بهما.
نظرة إلى بنية السورتين (الولاية والنورين):
إنّ البنية الداخلية واللّحن العام الذي يحكم هاتين السورتين هو إمامة ووصاية أهل البيت عليهم السلام لا سيما الإمام علىّ عليه السلام، وكذلك ما يتعلق بانحراف المخالفين لهم، وما ينتظرهم من عذاب وعقاب إلهيين.
____________
1 ـ فقد أورد الدكتور القفاري آراءه مرّة بعد أخرى وقال ـ زوراً وبهتاناً ـ وشهد شاهد من أهلها!! انظر: اصول مذهب الشيعة: ص 479 و508 و515 و752 و855 و1094 وغيرها.
أ ـ وكنموذج، المقطع الأول من سورة النورين حيث نقرأ "يا أيّها الذين آمنوا آمنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب..."، ففي هذا المقطع يتم أمر المؤمنين بالإيمان بالنورين اللذين أنزلا ليتلوا آيات الكتاب و...، من هو المراد بالنورين المنزلين لتلاوة كتاب الله وتحذير الناس من العذاب والعقاب؟ هل يمكن استنتاج معنى معقول ومحصل من وراء هذه الجمل؟!
ب ـ وكذلك نقرأ في مقطع آخر من السورة نفسها: "واصطفى من الملائكة وجعل من المؤمنين أولئك في خلقه..." فلماذا اصطفى من الملائكة وجعل المؤمنين، وما معنى أنهم في خلقه؟
ج ـ وهكذا في مقطع ثالث نجد: "ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا هارون فصبر جميل" فما معنى هذه العبارة التي لا أول لها ولا آخر؟!
د ـ وفي موضع آخر جاء: "ولقد آتينا بك الحكم كالذين من قبلك من المرسلين وجعلنا لك منهم وصياً لعلهم يرجعون"، ما معنى أننا آتيناك كلمات لعلهم يرجعون؟ وما هو مرجع الضمير في لعلهم يرجعون؟
____________
1 ـ مثل العلامة السيد محمد حسين الشهرستاني (ت 1315 هـ) في رسالة أسماها "حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف"، والشيخ محمود الشهير بالمعرب الطهراني (ت 1312 هـ) في رسالة "كشف الارتياب في عدم تحريف الكتاب" والمحقق الميرزا محمد حسن الآشتياني (ت 1319 هـ) في كتاب "بحر الفوائد في شرح الفرائد"، ص 101، وعبد الرحمن المحمدي الهيدجي في كتابه "الحجة على فصل الخطاب في إبطال القول بتحريف الكتاب" (ألّفه سنة 1372 هـ)، ص 144، والعلاّمة الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدمة تفسيره القيّم "آلاء الرحمن" ص 24، و...
لعل هذه العبارة مستقاة ـ عن تقليد ـ من الآية الشريفة 144 من سورة الأعراف، وأُريد لها أن تجعل على نسقها، فقد ورد في هذه الآية ضمن خطاب موجّه إلى موسى عليه السلام: (يا موسى إنّي اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين * وكتبنا له في الألواح من كلّ شيء)، وهذه الآيات تشير إلى أن الله سبحانه يطلب من موسى أخذ الألواح، والشكر على إعطائه التوراة، وهو أمرٌ يمكن فهمه وتعقله.
و ـ وفي موضع آخر أيضاً: "إنّ عليّاً قانت في الليل ساجد يحذر الآخرة ويرجو ثواب ربّه قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون"، ما هو معنى جملة "قل هل يستوي الذين ظلموا" في هذا النصّ؟ وما هي المناسبة الموجودة بين هذه الجملة وما بعدها؟
لعلّ من اختلق هذه الآية حاول محاكاة الآية 11 و12 من سورة الزمر التي كانت آنذاك في ذهنه، والتي جاء في نهايتها: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، فأراد استخلاص أنموذج من هذه الآية دونما معرفة بسياقها ونسقها، غافلا عن كونها في مقام الاستفهام الإنكاري، فالقرآن الكريم يقوم هنا بمقايسة ما بين أولئك الذين اتخذوا ـ جهلا وعناداً ـ شريكاً لله تعالى، وذلك لإضلال الناس عن الطريق السوي، وأولئك العاكفين في محاريب الليل في محضر الله تعالى خاضعين له وخاشعين، يرجون رحمته ويخافون عذابه، (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، لكن هل للاستفهام الإنكاري في تلك العبارة المجعولة السخيفة من معنى؟!
ففي هذه السورة المختلقة، ثمّة أغلاط فاحشة وجمل لا معنى لها، من قبيل كلمة "ولىّ" التي جاءت في المقطع الأول، ومسألة عدم خلق المرسلين إلاّ بالحق، وعدم إعطاء الله سبحانه المهلة لهم إلى أجل قريب، وتوجيه أمر مركّب من تسبيح الله تعالى وشهادة علىّ عليه السلام في المقطع الأخير و... كلّ ذلك شاهد جلىّ على جعل هذه السورة واختلاقها من جانب مجموعة من الأفراد الجاهلين بالمحتوى والنسيج القرآنيين.
وعلى أية حال، فكلّ شخص يدرك ويعرف أدلة سلامة القرآن من التحريف، وينظر ويجول في تلك العبارات التي لا أول لها ولا آخر من هاتين السورتين، يحكم ـ بوضوح ـ بكونهما مجعولتين، ولا يجد نفسه مضطراً للولوج في بحث آخر، وهذه القضية لا تختص بهاتين السورتين المختلفتين، بل المسألة أوسع من ذلك وأشمل; فبعد نزول القرآن الكريم كل شخص يسعى جاهداً للإتيان بمثله وعلى شاكلته ويعمل على تكوين سورة على نسق سور القرآن الكريم فإن مآل جهده هذا لن يكون سوى الاستهزاء والسخرية، وليس ذلك إلاّ لأنّ القرآن الكريم غير قابل للإتيان بمثله، ومن ثم لا يمكن قياس مضامينه السامية وبنيته الرائعة الجمال مع أىّ نصّ آخر على الإطلاق.
دراسة مستندات أسطورة سورتي النورين والولاية:
ما نلحظه ونركز نظرنا عليه هنا هو دراسة المستندات التاريخية لهاتين السورتين، وذلك ليقف الباحثون القرآنيون ـ كل في دائرة اختصاصه ـ على مبدأ ظهورهما، ولتتبدّى لهم سخافة ادعائهم أننا بهاتين السورتين يمكننا اتهام الشيعة بالقول بالتحريف، أو ادعاء أنهما جزء من مصحف الإمام علىّ بن أبي طالب عليه السلام، ومن ثَمّ لندلل لهم على أن هاتين السورتين لم يكن لهما عين ولا أثر قبل القرن الحادي عشر الهجري في كافة المصادر الشيعية وغير الشيعية أيضاً، ولتظهر أمام الجميع كذلك ركاكة ذاك التوهم الذي عاشه جماعةٌ مالوا إلى القول بتحريف القرآن.
سورتي النورين والولاية في قراءات وتقارير المستشرقين:
لقد اهتم المستشرقون ـ بغية إيجاد التفرقة بين المسلمين ـ بهاتين السورتين، وقاموا بنشرهما في كتبهم ومجلاتهم، وقد كانت نتائج دراساتهم وتقاريرهم حولهما على الشكل التالي:
1 ـ Noldeke، نولدكه (1836 ـ 1931 م) (1): يذكر سورة النورين في كتاب تاريخ القرآن نقلا عن كتاب "دبستان مذاهب"(2).
2 ـ Ignas Goldziher، غولدتسيهر (1850 ـ 1920 م): إنه يقرأ هذا الموضوع بمزيد من التفصيل فيقول:
____________
1 ـ يعد نولدكه ـ على حد تعبير عبد الرحمن بدوي ـ شيخ المستشرقين الألمان، (المصاحف للسجستاني، المقدمة، ص 4، طبعة مصر) وكذلك يعبر عنه غولدتسيهر بـ "الرائد الكبير" (انظر مذاهب التفسير الاسلامي: ص 40) ولمزيد من التعرف على شخصية نولدكه العلمية وآثاره يمكن الرجوع إلى موسوعة المستشرقين، ص 595، وآراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره: ج 2، ص 496 وما بعدها.
2 ـ تاريخ القرآن: ص 144.
"وهم في الحق لا يأتون بالأجزاء الناقصة من النص، وبدلا من ذلك جاءوا بسور ناقصة بالكلية من القرآن العثماني، أخفتها الجماعة التي كلّفها عثمان بكتابته، عن سوء نية، في زعمهم، إذ هي تشتمل على تمجيد لعلىّ، وقد نشر جارسان دي تاسي Garcin de Tassy ومرزا كاظم بك، لأول مرّة، في المجلة الآسيوية (Journal Asiatique) (1842)، سورة من هذه السور المتداولة في دوائر الشيعة. وحديثاً وجدت في مكتبة بانكيبور (بالهند) نسخة من القرآن تشتمل، فضلا عن هذه السورة، على سورة "النورين" (41 آية)، وسورة أخرى شيعية أيضاً (ذات سبع آيات)، وهي سورة الولاية، أي الموالاة لعلىّ والأئمة، كما تشتمل على تفسيرات مذهبية كثيرة في بقية السور المشتركة. وكل هذه الزيادات الشيعية نشرها كلير تسدال W. st. Clair Tisdall باللغة الإنجليزية. وكل ذلك يدل على استمرار افتراض الشيعة حصول نقص غير قليل في نص القرآن العثماني بالنسبة إلى المصحف الأصلي الصحيح"(1).
|
هذا هو ما استنتجه وتخرج به غولدتسيهر، وهو أن تلك السورة التي نشرها كل من "دي تاسي" و"كاظم بيك" كانت متداولة في الأوساط الشيعية، وهاتين السورتين غير تلك السورتين الموجودتين في تلك النسخة من القرآن التي عثر عليها في بلاد الهند، ويردف غولدتسيهر ادعاءاته هذه ـ ودونما دليل ـ معتبراً أن أولئك الذين عنوا بتدوين المصحف العثماني بأمر من عثمان بن عفان قاموا ـ وفقاً لمنطق التفكير الشيعي ـ بإلقاء هاتين السورتين من القرآن، نظراً لاشتمالهما على
____________
1 ـ مذاهب التفسير الإسلامي: ص 294 ـ 295.