(لماذا نحن نريد نكتب هذه الحقائق)
نحن معشر المسلمين في مصر العزيزة ـ، قد بُلينا بجماعة من جالية النزلاء والأجانب الذين قطنوا أوطاننا المحبوبة، ونزلوا علينا فأحسنّا نُزلهم، وأكرمنا جوارهم، وارفقنا صحابتهم، والطفنا مجاملتهم، فكان جزاؤنا منهم على حسن الجوار، جزاء سنمَّار(1)، أو مجير أمّ عامر(2).
ومن يصنعِ المعروفَ مع غير أهله | يُلاقي الذي لاقى مجير أمِ عامر |
حتى فشا طغيانهُم، واشتّد عدوانهم، فعادوا في هذه السنين يسبُّون ديننا جهرة، ويشتمون نبينا علانيه، وقد فتحوا مدارس التعليم، ونوادي التبشير، ومحافل الدعوة، ومحاضر المستشفيات، يستميلون صبياننا، ويستغوون ولداننا، ويحاربوننا في بلادنا، ويختلسون ذرارينا نصب عيوننا من ايدينا، وما من يوم وليلة إلاّ ويقوم خطباؤهم في نوادي تبشيرهم يسبون دين الإسلام، ويطعنون في القرآن الكريم، ويشتمون النبي العربي، بكل شتيمه، ويهضمون الحق بكل هضيمه، يقولون والقائل أحقُّ بما يقول انه (حاشا كرامته المقدّسة) غدر وفجر وكفر وسكر وزنى وظلم وهضم إلى آخر ما هم أولى به واحرى.
وما من يوم إلاّ ولهم في ذلك نشرات ومؤلفات توزع في الأسواق والشوارع والترامويات والسكك، والحكومة المصرية لا تمنع ولا تدفع، أو لا تقدر على المنع والدفع، والحكومة المحتلة ترقص لذلك طرباً، وتلقي على النار حطباً،
____________
1- سنمَّار: مهندس بنى الخورنق وحينما تم رماه الملك من فوق القصر.
2- أم عامر: اسم للضبع جاءت ليلا ودخلت في خيمة اعرابي من رجال يريدون قتلها، فجارها الرجل ومنع من قتلها، وحينما اصبح الصباح اكلت ابنه وقتلته وهربت، لمعرفة التفاصيل راجع المنجد قسم الامثال.
وكان علماء المسلمين على مرور الدهور والأعصار يجاملونهم ولا يناضلونهم، ويحاسنونهم ولا يخاشنونهم، ويعترفون لهم ان المسيح الذي يعبدونه هو الذي مجَّده القرآن الكريم، وعظَّمه النبي العظيم، وقدسه كتاب الوحي العربي، وعرف مقامه الى الشرقي والغربي، وهذا هو الذي أَمدّهم في طغيانهم يعمهون، واطغاهم فصاروا يشتمون ويسبون، على حدّ قوله:
إذا انت أكرمت الكريم ملكته | وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا |
وكنت في ربيع العمر ومقتبل الشباب قد ولعتُ بالنظر في الأديان وكتب الوحي وحصلت على حقيقة تدعمها الأدلة عندي والبراهين.
ولم اجد أحداً من علماء المسلمين قد التفت إليها أو حام حولها أو أومى عليها على كثرة ما كتبوا من الجدل والمناظرات وإقامة الحجج والبينات، وتعداد مساوي ما سوى الاسلام من السيئات، والأكاذيب والمطاعن والخرافات، ولكنني كنت سحابة ما تصرَّم من عمري اتحايد عن نشر هذه الحقيقة واحرص على كتمانها مجاملةً مع القوم واخلاداً إلى المسالمة، واللين والمناعمة، ورغبة عن الشذوذ عما جرى عليه عامة المسلمين من أول الإسلام إلى اليوم.
ثم لما رأيت ان الشر قد استشرى والخطب قد استفحل، والداء قد اعضل، انتبهتُ الى حكمة القائل (ولكنَّ دفع الشر بالشر احزم) وعرفت صواب نظرية ذلك الهزبر الباسل(1) (وحلم الفتى في غير موضعه جهل).
نعم، وهي لا تعدم شاهداً لها من الكتاب والسنة (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(2) وقوله سلام الله عليه (ردّ الحجر من حيث جاء فان الشر لا يدفعه إلاّ الشر).
____________
1- وهو اسم من اسماء الاسد.
2- البقرة: 194.
واني لعلى علم من أنّ ما ابديه وامليه سوف يسوء عقلاء المسيحيين ولا سيما ان أكثر تلك الحملات الفظيعة، والترهات الشنيعة، أكثرها من فرقة (البروتستانت) ولكن اولئك الآخرين والعاقلين قد سكتوا عنهم، والسكوت رضا، والراضي بعمل قوم شريك لهم، ولعمري انهم ما تركوا للسكوت موضعاً، ولا أبقوا في قوس التصبر منزعاً، وانا انبّه عامة المسلمين قبل غيرهم على موضع غفلتهم، ومكان جهلهم بهذه الحقيقة التي سوف أُبديها ساطعة المنار، سطوع رائعة النهار.
وأقدّم أمام المقصود، مناظرة جرت في الاعصر الغابرة بين إمام من أئمة الإسلام واحد زعماء القوم في ذلك العصر (ودونكها بنصها).
روى الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه أحد علماء الفرقة الشيعية من فرق الإسلام من أهل القرن الثالث في كتابه الموسوم (بالعيون) وما أدري ان كان قد طبع عندهم أم لا بسنده إلى الحسن بن محمد النوفلي الهاشمي قال: لما قدم عليّ بن موسى الرضا على المأمون أمر الفضل بن سهل ان يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق ورأس الجالوت ورؤساء الصابئين والهربذ الاكبر وأصحاب زرداشت ونسطاس الرومي والمتكلمين ليسمع كلامه وكلامهم، فجمعهم الفضل بن سهل، ثم اعلم المأمون فقال: ادخلهم علي ففعل، فقال لهم انما جمعتكم
____________
1- براقش: اسم كلبة نبحت فدلت الاعداء على أهلها فهجموا عليهم وقتلوهم (المنجد ـ قسم الامثال).
فقال له الرضا: يا نصراني فان احتججت عليك بانجيلك أتقرّ به؟
فقال: وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل؟ فقال الرضا: سل عمّا بدا لك واسمع الجواب.
فقال الجاثليق: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه؟ هل تنكر منهما شيئاً؟ فقال الرضا: أنا مقرّ بنبوة عيسى وكتابه وما بشّر به أمّته وأقرّت به الحواريون وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد وكتابه ولم يبشر به امته، قال الجاثليق: أليس انما نقطع الأحكام بشاهدي عدل؟
قال الرضا: بلى.
قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوة محمد ممن لا تنكره النصرانية وسل منا مثل ذلك من غير أهل ملتنا، قال الرضا: الآن جئت بالنصفة يا نصراني، ألا تقبل مني العدل المقدّم عند عيسى بن مريم، قال الجاثليق: ومن هو؟ قال: ما تقول في يوحنا الديلمي؟ قال: بخ بخ ذكرت أحب الناس إلى المسيح، قال: فاقسمت عليك هل نطق الانجيل أن يوحنا قال: انما المسيح اخبرني بدين محمد
فانقطع، قال الرضا: يا نصراني أسألك عن مسألة قال: سل فان كان عندي
وقد اجتمعت قريش على رسول الله(صلى الله عليه وآله) فسألوا ان يحيي لهم بعض موتاهم فوجه معهم علي بن أبي طالب فقال: اذهب معهم إلى الجبانة فنادِ: باسماء هؤلاء
فان كان كل من احيى الموتى يتخّذ رباً من دون الله فاتخذوا هؤلاء كلهم أرباباً، ثم قال: يا يهودي أسألك بالآيات العشر التي نزلت على موسى هل تجد في التوراة إذ جاءت الأمة الأخيرة اتباع راكب البعير يسبحون الرب جداً جداً تسبيحاً جديداً في الكنائس الجدد؟ فليفزع بنو اسرائيل إليهم وإلى ملكهم لتطمئن قلوبهم فان بأيديهم سيوفاً ينتقمون بها من الأمم الكافرة ثم قال: أليس في كتاب اشعيا: يا قوم اني رأيت صورة راكب حمار لابساً جلابيب النور ورأيت راكب البعير ضوءه مثل ضوء البدر ثم قال: يا نصراني هل تعرف في الإنجيل قول عيسى إني ذاهب إلى ربكم وربي والبار قلطيا بعدي جاء هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت له وهو الذي يفسّر كل شيء وهو الذي يبدي فضائح الأمم ويكسر عمود الكفر؟ قال: نعم قال: فاخبرني عن الانجيل الأول حين افتقدتموه عند من وجدتموه ومن وضع لكم هذه الأناجيل؟، فقال: ما افتقدنا الانجيل إلاّ يوماً واحداً حتى وجدناه غضاً طرياً فاخرجه إلينا يوحنا ومتى، فقال له الرضا: ما أقل معرفتك بسنن الانجيل وعلمائه، فان كان هذا كما تزعم فلم اختلفتم في الانجيل الذي في أيديكم اليوم؟ ولماذا صرتم تعقدون السندوسات والمجتمعات وتغيرون فيه وتبدّلون كل برهة؟ ولكني مفيدك من علم ذلك، إعلم انه لما افتقد الانجيل اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا قُتل عيسى وافتقدنا الانجيل وانتم العلماء فما عندكم؟
فقال ألوقا ومرقايوس: ان الانجيل في صدورنا نحن نخرجه إليكم سفراً سفراً في كل أحد فلا تحزنوا ولا تخلو الكنائس فاننا سنتلوه عليكم، فقعد الوقا ومرقايوس ويوحنا ومتى ووضعوا لكم هذه الأناجيل، وانما كانوا هؤلاء الأربعة
والتدبّر في هذه المحاورة يفيد أمرين (الأول): إنّ الأناجيل الصحيحة المنزلة بالوحي كانت قد فقدت بعد المسيح، وهذه الأناجيل من موضوعات تلامذة التلاميذ كما يعضده النظر في تاريخ اولئك الأربعة وتعاليق الأناجيل المتداولة.
(الثاني) انّ هناك شخصين يسمّيان بالمسيح أو بعيسى.
(أحدهما) بشر بمحمد وامته (والثاني) لم يُعرف منه ذلك.
ثم إذ نظرنا في هذه الأناجيل الدارجة، والصحف التي هي عند أهلها مقبولة رائجة، وجدناها تنص صريحاً على تعدد المسحاء، ففي الاصحاح الثالث عشر من مرقس: لانه سيقوم مسحاء كذبة وانبياء كذبة ويعطون آيات وعجائب لكي يضلوا، وفي الرابع والعشرين من متى: إنّ كثيرين سيأتون باسمي قائلين أنا هو المسيح ويضلون كثيرين إلى قوله: ويقوم انبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين. من (5 ـ 12).
ثم نظرنا نعِمَّا، وتدبّرنا تدبراً مهماً. وتوغّلنا في سير النعوت التي ذكرها القرآن للمسيح، والنعوت الموسوم بها في هذه الأناجيل، فوجدناها على طرفي نقيض بحيث لا يكاد يتفق القرآن مع تلك الصحف في صفة واحدة من صفاته، ولا علامة فذة من علاماته.
المسيح في القرآن ـ:
(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَاني الْكِتَابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيّاً)(1)، ويقول: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)(2)، وقال المسيح: (يَا بَنِي إِسْرَائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ)(3)، (لَّقَدْ كَفَرَ
____________
1- مريم: 30.
2- المائدة: 117.
3- المائدة: 72.
وأنت تجد ان المسيح بلسان هذه الآيات الكريمة عبد خاضع وضيع موحّد لله مُتفان في توحيد الله. ليس عنده شائبة شرك، ولا إلحاد حلول ولا اتحاد.
أما المسيح في هذه الأناجيل الشائعة، فهو رجل مخلط فتارة يعترف لله جل شأنه بأن: الحياة الحقيقة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي ارسلته(4) وبينا هو يعلّم: ان أول كل الوصايا هي اسمع يا اسرائيل الرب إلاّ هنا رب واحد، إلى أن قال له الكاتب: جيداً يا معلم بالحق قلت: لانه إله واحد وليس آخر سواه(5)، ويقول: لماذا تدعوني صالحاً ليس صالحاً إلاّ الله كما في متي، وليس صالحاً الا واحد وهو الله كما في (10) مرقس، بينا هو يقرر هذه الحقائق التي تشهد بها ضرورة العقول وتدعمها الحجة والبرهان، وإذا به يقول في ضد ذلك: الاب فيّ وانا فيه كما في (10) يوحنا (38) و: اني أنا في الاب والاب فيَّ(6) ثم صرّح على تلوه بهذا الزعم البديهي الاستحالة فقال: الكلام الذي أكلمكم به لست اتكلم به من نفسي لكن الاب الحال فيَّ هو يعمل الاعمال، وهذا الحلول هو الأمر الذي يمتنع تصوره على العقول بل تحكم بتاً بامتناعه.
ثم نجد المسيح في القرآن المحمدي يقول: (وَ جَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَ أَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) ثم يقول: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً)(7).
____________
1- المائدة: 72.
2- المائدة: 73.
3- النساء: 172.
4- الاصحاح 17 من يوحنا ـ فقرة 3.
5- الاصحاح 12 من مرقس ـ 29.
6- 14 يوحنا فقرة 10.
7- مريم: 31 ـ 33.
بل جعل التلميذ الذي كان يحبه ويصبو إليه يجلسه احياناً في حضنه(3) هو الابن لامه، فقال لها كما في (19) يوحنا (26): يا امرأة هو ذا ابنك، مشيراً إلى التلميذ الغرير ابن زبدي.
ثم وجدنا المسيح في القرآن يقول: (وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً)(4).
ووجدناه في هذه الأناجيل يعمل عمل الأشقياء ويفعل فعل الجبابرة، أيُّ ملك جبار من الغابرين أو الحاضرين، تسكب النساء على قدميه منّا من طيب ناردين كثير الثمن ويمسحن اقدامه بشعورهن حتى يقوم أحد تلاميذه الاثني عشر هو يهوذا الاسخريوطي الذي اسلم يسوع لليهود فيقول له: لماذا لم يَبِع هذا الطيب بثلاثمائة دينار ويعط للفقراء فانتهره يسوع وقال اتركوها، انظر تفاصيل هذه الشؤون والقصة بهذه النصوص وبما هو الفحش في الحادي عشر والثاني عشر من يوحنا.
وافتكر هل سمعت بملك جبار مهما كان من الشقاء والجبروتية يسكب على قدميه ثلاثمائة دينار من الطيب دفعة واحدة والنساء يمرغن خدودهن وشعورهن على قدميه وهو مع لعازر من المتكئين إلى آخر ما هناك، انظر واعجب، واضحك
____________
1- مريم.
2- 12 متى ـ 59.
3- في 13 يوحنا ـ 23.
4- مريم: 32.