الصفحة 365

قال الشيخ الحمّصى الرازي (المتوفى أوائل القرن الرابع) ـ بعد ذكر التهديد والإشارة إلى بعض القضايا ـ:.. رواياتها أكثر من أن تحصى(1).

وقريب منه كلام الشريف المرتضى (المتوفى 436)، والشيخ الطوسي (المتوفى 460)(2).

وقال ابن شهرآشوب (المتوفى 588):.. ان ما جرى عليه معروف(3).

وقريب منه كلام ابن ميثم البحراني (المتوفى 679)(4)، واللمعاني المعتزلي (القرن السابع)(5).

ونقل ابن ميثم اجماع الشيعة على إكراهه (عليه السلام) على البيعة(6).

وقال ابن أبي الحديد (المتوفى 656) ـ عند ذكر إجباره على البيعة وتظلّمه في ذلك الوقت ـ:.. رواها كثير من المحدّثين(7).

وأشار إلى كيفيّة إخراجه في موضع آخر، وقال: وقد ذكر غيره (أي غير الجوهري) من هذا النحو ما لا يُحصى كثرة(8).

واما ما ورد فيها ما جرى على السيدة فاطمة (عليها السلام)

فقد ذكر الشيخ المفيد (المتوفى 413) شهرة حديث الهجوم، وإرسال قنفذ، والأمر بجمع الحطب والتهديد بإحراق البيت عليهم(9).

____________

1. المنقذ من التقليد: 2/359.

2. الشافي: 3/245 ; تلخيص الشافي: 3/79.

3. المناقب: 2/115.

4. شرح نهج البلاغة، لابن ميثم: 1/252.

5. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: 9/198.

6. شرح نهج البلاغة، لابن ميثم: 2/26 ـ 27.

7. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: 11/111.

8. المصدر: 2/59 ـ 60.

9. الجمل: 117 ـ 118.


الصفحة 366
وقال الشريف المرتضى (المتوفى 436)، والشيخ الطوسي (المتوفى 460) ـ بعد ذكر اتيان عمر بالنار لإحراق الباب ـ: روته الشيعة من طرق كثيرة(1).

ونقل الشيخ الطوسي: استفاضة روايات الشيعة في إرادة إحراق البيت عليها(2).

وأسند ابن شهر أشوب المازندراني (المتوفّب 588) إلى الشيعة (أي بأجمعهم) وكثير من أهل السنّة أنّ عمر صار بقبس من النار إلى بيت فاطمة (عليها السلام)قاصداً إحراق الدار عليهم، وأنّهم أكرهوا أمير المؤمنين (عليه السلام) على البيعة(3).

وقال الإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين الحسيني الزيدي (المتوفى 670) ـ عند ذكر اعتراف أبي بكر بالهجوم ـ: والحديث معروف(4). وقال: روى المخالف والمؤالف الوعيد بإحراق البيت أو هدمه(5).

وقال المحقّق الأردبيلي (المتوفى 993) ـ بعد ذكر الإحراق ودفع الباب على بطنها، وإسقاط المحسن (عليه السلام) ـ: أكثر هذه القضايا ظاهرة بحيث لا تقبل الإنكار لوجودها في كتب أهل السنة(6).

وقال ابن أبي جمهور الاحسائي (القرن العاشر) ـ عند ذكر ضربها وضغطها بالباب وإسقاط المحسن (عليه السلام) ـ: رواها الثقات في سيرهم(7).

ونص الشرفي الأهنومي الزيدي (المتوفى 1055) بقوله: حديث الإحراق مشهور مستفيض رواه المخالف والمؤالف(8).

وصرح الشيخ محمد تقي المجلسي (المتوفى 1070) في روضته: قضايا

____________

1. الشافي: 3/241 ; تلخيص الشافي: 3/76.

2. تلخيص الشافي: 3/156.

3. مثالب النواصب: 141.

4. أنوار اليقين: 9.

5. المصدر: 378 ـ 379.

6. رسالة أُصول الدين، هفده رساله: 306 (فارسي).

7. المجلّى: 434.

8. شفاء صدور الناس: 479 (بالهامش).


الصفحة 367
شهادتها بسبب ضرب عمر الباب على بطنها وضرب قنفذ بالسوط عليها، مشهورة عند العامة والخاصة(1).

وقال العلامة المجلسي: وردت روايات مستفيضة في ضربها بالسياط وبغمد السيف بحيث صارت مجروحة(2).

وقال في المرآة: شهادتها من المتواترات(3).

وذكر سراب التنكابني (المتوفى 1124) شهرة قضيّة الهجوم(4).

وصرح السيّد محمد باقر الموسوي (المتوفى 1240) عند ذكر الهجوم وإحراق الباب بان: اشتهر عند الشيعة.. بل لم يقصر في الشهرة عن قتل عثمان وواقعة كربلاء(5).

وقال الشريف أبو الحسن النباطي العاملي (المتوفى 1138) عند الإشارة إلى الهجوم والضرب وجمع الحطب لإحراق البيت: لا شك فيها عندنا، بحسب الأخبار المتواترة(6).

وقال القاضي التستري (المستشهد 1019):.. اشتهر كالشمس في رائعة النهار(7).

وقال العلامة الموسوي الهندي (المتوفى 1268): التهديد بإحراق البيت والاتيان بالنار والحطب... رواها أعاظم محدّثي العامة وثقاتهم(8).

وقال الشيخ محمد تقي المعروف بـ: آغا نجفي (المتوفى 1332): تواتر شهادتها وإسقاط المحسن (عليه السلام)(9).

____________

1. روضة المتقين: 5/342.

2. حق اليقين: 189.

3. مرآة العقول: 5/318.

4. سفينة النجاة: 191.

5. بحر الجواهر: 231.

6. ضياء العالمين: 1/557.

7. إحقاق الحق: 1/366.

8. تشييد المطاعن: 1/434.

9. أسرار الزيارة بهامش حقائق الأسرار: زيارة فاطمة الزهراء (عليها السلام).


الصفحة 368
وذكر العلاّمة الشيخ المظفّر: تواتر روايات قصد الإحراق عند الشيعة(1).

وقال العلامة الطبرسي النوري: تفصيل ما جرى على السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ثابت عند الشيعة بالأخبار المتواترة القطعية(2).

وقال العلامة شرف الدين: التهديد بالإحراق ثابت بالتواتر القطعي(3).

وذكر الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء: اتفاق كتب الشيعة على مصائبها ; من ضربها، ولطم خدّها، وكسر ضلعها، وعصرها بالباب و..(4).

وقال السيد الطباطبائي: أطبقت كلمة الشيعة على أنّها ضربت بعد أبيها حتّى كسر ضلعها، وأسقطت جنينها، وماتت وفي عضدها كالدملج(5).

وقال في موضع آخر: هذه الفاجعة تعدّ عند الشيعة من المسلّمات التاريخيّة، ومن الضروريّات، ذكرها الجميع من الصدر الأوّل وكان ورداً على ألسنتهم وهكذا يكون أبداً(6).

واعترف محمد حسين هيكل بشهرة الهجوم على البيت وإيذاء فاطمة (عليها السلام)بذلك(7).

وذكر السيد النجفي المرعشي (المتوفى 1411): تواتر الروايات واتّفاق العلماء السادة على تلك المصائب(8).

ويظهر من ابن أبي الحديد (المتوفى 656) اتّفاق الشيعة على تحقّق

____________

1. دلائل الصدق: 3/53.

2. كفاية الموحّدين: 2/128.

3. المراجعات: 266.

4. جنّة المأوى: 133.

5. المصدر: 133 (بالهامش).

6. أنيس الموحّدين: 229 ـ 232 (بالهامش).

7. الصديق أبو بكر: 63.

8. إحقاق الحق: 2/368 (بالهامش).


الصفحة 369
الإحراق وما جرى مجراه(1)، وضربها وبقاء أثره في عضدها كالدملج، وجعل الحبل في عنقه (عليه السلام) وتهديده (عليه السلام) بالقتل(2).. ونقل أنّ رجال الشيعة ومحدّثيهم رووا: إهانتها والغلظة في الكلام معها، ودفع عمر بيده في صدرها(3).

اما حديث إسقاط المحسن (عليه السلام)

فهو أمر مسلّم متفق عليه، كما يظهر من القاضي النعمان المغربي (المتوفى 363) حيث قال: ان المشهور بين الناس كون شهادتها (عليها السلام) بسبب الاسقاط(4).

قال العلامة المجلسي (المتوفى 1111) ـ عند ذكر الاسقاط ـ: استفاض في رواياتنا بل في رواياتهم(5).

وقال السيد ناصر حسين (المتوفى 1361): بلغ حدّ التواتر واليقين(6).

ونص العلامة البياضي (المتوفى 877) بقوله: اشتهر بين الشيعة(7).

ويظهر من المقدسي (المتوفى 355)(8)، والعمري النسّابة (المتوفى 490)(9)، وابن أبي الحديد (المتوفى 656)(10)، وابن الصباغ المالكي (المتوفى 855)(11).. وغيرهم اجماع الشيعة على إسقاطه (عليه السلام)(12).

بل صرح بالاجماع في ذلك الشيخ الطوسي (المتوفى 460)(13)،

____________

1. شرح نهج البلاغة: 2/21.

2. شرح نهج البلاغة: 2/60.

3. شرح نهج البلاغة: 16/234.

4. الارجوزة المختارة: 89 ـ 90.

5. بحار الأنوار: 28/409 ; حق اليقين: 189.

6. إفحام الأعداء والخصوم: 1/93.

7. الصراط المستقيم: 3/12.

8. البدء والتاريخ: 5/20.

9. المجدي في أنساب الطالبيّين: 19.

10. شرح نهج البلاغة: 2/60.

11. الفصول المهمّة: 126.

12. لإسنادهم هذا القول إلى الشيعة.

13. تلخيص الشافي: 3/156.


الصفحة 370
وعماد الدين القرشي (المتوفى 872)(1)، والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء(2).. وغيرهم.

وذكر الشيخ عبد الجليل القزويني (المتوفى 560): اتّفاق كتب الفريقين على نقله(3).

وقال الشيخ عبد الواحد المظفّر: المشهور أنّه مات سقطاً وهو المعتمد.. وقد أكثر الشعراء من ذكر هذا السقط(4).

____________

1. عيون الأخبار: 6.

2. جنّة المأوى: 133.

3. كتاب النقض: 317.

4. بطل العلقمي: 3/476.


الصفحة 371

تظلّم أهل البيت عليهم السلام


الصفحة 372

الصفحة 373
ولا نرى ثمة ضرورة لإثبات ما لأهل البيت (عليهم السلام) من المظلومية وما جرى عليهم مع ما تواتر عن أمير المومنين وفاطمة الزهراء (عليهما السلام) من الشكوى، والتظلّم، والغضب على القوم، ووصية فاطمة (عليها السلام) بدفنها سرّاً.. فبذلك نقضوا ما نسجه هؤلاء وادعوه من موافقة أهل البيت (عليهم السلام) للخلفاء وإصرارهم على إنكار وقوع قضايا الهجوم والإحراق.. ونحو ذلك، بل يقولون: لو كان أمير المؤمنين (عليه السلام)منصوصاً عليه من قبل الله عزّ وجلّ والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلماذا لم يُنكر على من تقدّم عليه؟! ولماذا لم يحتج عليهم بالنص(1)؟!

ثم إنهم ادّعوا أن أبا بكر لما ذهب لعيادة فاطمة (عليها السلام) جعل يترضّاها.. فرضيت عنه..!! في رواية مجعولة عن الشعبي ـ المنحرف عن أهل البيت (عليهم السلام)الوضاع ـ مع أن الترضي لا يكون إلاّ عن ظلم تقدم عليه.. كما هو واضح.

فإذا رضيت عنهم.. ـ والعياذ بالله ـ فلماذا دفنها أمير المؤمنين (عليه السلام) سرّاً وباليل؟!

لماذا لم يصلّوا عليها؟ لماذا خفي قبرها إلى الآن؟

هذه الروية الفاطمية أبقت فضائح القوم على مدّ التاريخ، وبذلك أظهرت

____________

1. أقول: وقع الاحتجاج بالنص في كلامه (عليه السلام) وفي كلمات الأصحاب كثيراً، فإنّه وان لم يحضر السقيفة ليحتجّ عليهم حينذاك، ولكن لما أحضروه المسجد وطلبوا منه البيعة احتجّ عليهم بالنصّ كما ذكرناه في الفصل الثالث، والأيدي المحرّفة و إن حذفت كثيراً من ذلك، ولكنه بقي من النصوص ما يكفي للاستناد.


الصفحة 374
غضبها على القوم، وكذلك صنع أمير المؤمنين (عليه السلام) في كثير من خطبه وكلماته الخالدة.

ولا ريب أن غضبهما لا يقاس بغضب ساير الناس.. اذ هي ليست كهم، وان الغضب قد يكون شخصياً ولدوافع فرديه محقة أو مبطلة، وقد يكون إلهياً فهو من الله والى الله، بل ربّما يكون فوق مستوى أفكارنا، ولذا يستتبع غضب الله تعالى، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لابنته فاطمة (عليها السلام): " إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك "(1).

وفي رواية البخاري: " فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني "(2).. الى غير ذلك، من عشرات الروايات في مئات المصادر..

فبعد ذلك هل ترى من الإنصاف ما صدر عن ابن كثير في قوله: إن فاطمة (عليها السلام) حصل لها ـ وهي إمرأة من البشر ليست براجية العصمة ـ عتب وتغضب.. ولم تكلّم الصديق حتى ماتت(3)!!

كيف يسمح ابن كثير لنفسه أن يتفوه بمثل هذا الكلام ويقابل قول أبيها فيها: " فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها..؟! "(4) نعم لا تقاس فاطمة (عليها السلام) بالناس.. وغضبها بغضبهم.. وإيذاؤها بإيذائهم..

____________

1. المستدرك: 3/154، وحكم بصحته ; مجمع الزوائد: 9/203 عن الطبراني بإسناد حسن، كنز العمال: 12/111 و 13/674 عن غير واحد من المصادر. راجع أيضاً الغدير: 3/181 وإحقاق الحقّ: 10/116، 122، 187، 228.

2. البخاري: 4/210، 219.

3. البداية والنهاية: 5/270، السيرة النبوية: 4/495، وراجع أيضاً ; شرح نهج البلاغة: 6/49.

4. مسند أحمد: 4/5 ; صحيح مسلم: 7/141، السنن الكبرى للبيهقي: 10/201 ـ 202 ; كنز العمال: 2/111 ـ 112.


الصفحة 375
كيف ; وإيذاؤه إيذاء النبي (صلى الله عليه وآله)؟! ـ كما مرّ ـ وقد قال الله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً مُهِيْناً )(1).

كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " من آذى علياً فقد آذاني.. "(2) بل قال لفاطمة ولأمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام): " أنا سلمٌ لمن سالمكم وحربٌ لمن حاربكم "(3).

فويل للذين حاربوهم وجاؤوا إلى بيتهم بشعل النار ليأخذوهم للبيعة..! أفكان هذا البيت الذي استخفّ به الخليفة وأعوانه لأحد من الترك والديلم؟!

وقد روى في شأنه ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هذه الآية: ( فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرُ فِيْهَا اسْمُهُ )(4) فقام إليه رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: " بيوت الأنبياء"، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله! هذا البيت منها.. البيت(5) علي وفاطمة؟

قال: " نعم، من أفاضلها "(6).

بعض ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

____________

1. الاحزاب (33): 57.

2. المستدرك: 3/123 ; مجمع الزوائد: 9/129 عن غير واحد من المصادر، كنز العمال: 11/601 و 13/142 عن غير واحد من المصادر ; البداية والنهاية: 5/121 و 7/383.

3. وفي بعض الروايات: " سلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم ". راجع مسند أحمد: 2/442 ; المستدرك: 3/149 ; سنن ابن ماجه: 1/52 ; سنن الترمذي: 5/360 ; البداية والنهاية: 8/40، 223، كنز العمال: 12/96 ـ 97 و 13/640 ; مجمع الزوائد: 9/169. وراجع أيضاً إحقاق الحقّ: 9/161 ـ 164، 166 ـ 173 و 18/411 ـ 415.

4. النور (24): 36.

5. كذا ولعلّه وأشار إلى بيت.

6. الدرّ المنثور للسيوطي: 6/203.


الصفحة 376
قال أبو بكر الجوهري: أخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو قبيصة محمّد بن حرب، قال: لما توفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجرى في السقيفة ما جرى تمثل علي (عليه السلام):

" وأصبح أقوام يقولون ما اشتهوا ويطغون لمّا غال زيداً غوائله(1)
وقال المسعودي: واتصل الخبر بأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد فراغه من تجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ودفنه، فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحق قريش بها، وإن لاتكن في قريش فالأنصار على دعواهم.. " ثم اعتزلهم ودخل بيته(2).

وقال ابن أبي الحديد: لمّا قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واشتغل علي (عليه السلام) بغسله ودفنه وبويع أبو بكر، خلا الزبير وأبو سفيان وجماعة من المهاجرين بعباس وعلي (عليه السلام) لإجالة الرأي، وتكلّموا بكلام يقتضي الاستنهاض والتهييج، فقال العباس:.. أمهلونا نراجع الفكر... فحلّ علي (عليه السلام) حبوته وقال: " الصبر حلم، والتقوى دين، والحجّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والطريق الصراط، أيها الناس! شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرِّجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح، ماء آجن، ولقمة يغصّ بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه، فإن أقل يقولوا: حرص على الملك..! وإن أسكت يقولوا: جزع من الموت..! هيهات بعد اللتيا والتي، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه، بل اندمجت على مكنون علم

____________

1. شرح نهج البلاغة: 6/14.

2. اثبات الوصية: 145، عنه بحار الأنوار: 28/308. وراجع نهج البلاغة: 24، الخطبة: 67.


الصفحة 377
لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة "(1).

وأوردها الشيخ الطبرسي بزيادات كثيرة في قضية فدك، فإنه قال: رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أبي بكر ـ لما بلغه عنه كلام بعد منع الزهراء (عليها السلام) فدك ـ: " شقّوا متلاطمات أمواج الفتن بحيازيم سفن النجاة، وحطّوا تيجان أهل الفخر بجميع أهل الغدر، واستضاؤوا بنور الأنوار، واقتسموا مواريث الطاهرات الأبرار، واحتقبوا ثقل الأوزار بغصبهم نحلة النبي المختار، فكأني بكم تتردّدون في العمى كما يتردّد البعير في الطاحونة، أما والله لو أذن لي بما ليس لكم به علم لحصدت رؤوسكم عن أجسادكم كحبّ الحصيد بقواضب من حديد، ولقلعت من جماجم شجعانكم ما أقرح به آماقكم وأوحش به محالكم، فإنّي مذ عرفت مردي العساكر، ومفني الجحافل، ومبيد خضرائكم، ومخمد ضوضائكم، وجرار الدوارين، إذ أنتم في بيوتكم معتكفون، وإني لصاحبكم بالأمس، لعمر أبي وأمّي لن تحبوا أن يكون فينا الخلافة والنبوة، وأنتم تذكرون أحقاد بدر وثارات أُحد، أما والله لو قلت ما سبق من الله فيكم لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كتداخل أسنان دوارة الرحى، فإن نطقت يقولون: حسداً..! وإن سكتّ فيقال: ابن أبي طالب جزع من الموت..! هيهات.. هيهات! الساعة يقال لي هذا وأنا المميت المائت، وخوّاض المنايا في جوف ليل حالك، حامل السيفين الثقيلين، والرمحين الطويلين، ومنكّس الرايات في غطامط الغمرات، ومفرّج الكربات عن وجه خير البريّات..؟!

ايهنوا! فوالله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل إلى محالب أُمّه، هبلتكم الهوابل، لو بحت بما أنزل الله سبحانه في كتابه فيكم لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة، ولخرجتم من بيوتكم هاربين، وعلى وجوهكم هائمين ولكنّي

____________

1. شرح نهج البلاغة: 1/213، 218 ـ 219. وراجع نهج البلاغة: 6، الخطبة: 5.


الصفحة 378
أهوّن وجدي حتّى ألقى ربّى بيد جذّاء صفراء من لذّاتكم، خلو من طحناتكم، فما مثل دنياكم عندي إلاّ كمثل غيم علا فاستعلى ثم استغلظ فاستوى ثم تمزّق فانجلى، رويداً فعن قليل ينجلي لكم القسطل، وتجنون ثمر فعلكم مرّاً، وتحصدون غرس أيديكم ذعافاً ممقراً، وسمّاً قاتلاً، وكفى بالله حكيماً وبرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خصيماً، وبالقيامة موقفاً، فلا أبعد الله فيها سواكم، ولا أقعس فيها غيركم، والسلام على من اتبع الهدى(1).

وعن أبي الحسن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: لمّا أتى أبو بكر وعمر إلى منزل أمير المؤمنين (عليه السلام) وخطباه في أمر البيعة، خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى المسجد فحمد الله وأثنى عليه بما اصطنع عندهم أهل البيت إذ بعث فيهم رسولاً منهم.. وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.. ثم قال: " إنّ فلاناً وفلاناً أتياني وطالباني بالبيعة لمن سبيله أن يبايعني، أنا ابن عم النبي، وأبو بنيه، والصديق الأكبر، وأخو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا يقولها أحد غيري إلاّ كاذب، وأسلمت وصلّيت قبل كل أحد، وأنا وصيه وزوج ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)وأبو حسن وحسين سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحن أهل بيت الرحمة، بنا هداكم الله، وبنا استنقذكم من الضلالة، وأنا صاحب يوم الدوح(2)، وفيَّ نزلت سورة من القرآن، وأنا الوصيّ على الأموات من أهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنا بقيته على الأحياء من أُمّته، فاتقوا الله يثّبت أقدامكم ويتمّ نعمته عليكم ". ثمّ رجع إلى بيته(3).

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد والناس مجتمعون بصوت عال ـ: ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ )(4) فقال له ابن عباس: يا أبا الحسن! لم قلت ما قلت؟!

____________

1. الاحتجاج: 95.

2. أي: يوم غدير خم.

3. امالي الطوسي، عنه بحار الأنوار: 28/248.

4. محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) (47): 1.


الصفحة 379
قال: " قرأت شيئاً من القرآن "، قال لقد قلته لأمر، قال: " نعم، إن الله يقول في كتابه ( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) أفتشهد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه استخلف فلاناً؟! " قال: ما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى إلا إليك، قال: " فهلا بايعتني "؟! قال: اجتمع الناس عليه فكنت منهم، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " كما اجتمع أهل العجل على العجل.. هاهنا فتنتم، ومثلكم كـ ( مَثَل الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمات لا يُبْصِرُون * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ )(1)(2).

وقال (عليه السلام) في ضمن الخطبة الطالوتية: " أيّها الأُمّة التي خدعت فانخدعت..! وعرفت خديعة من خدعها، فأصرّت على ما عرفت واتبعت أهواءها، وضربت في عشواء غوايتها، وقد استبان لها الحق فصدّت عنه، والطريق الواضح فتنكبته.

أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة! لو اقتبستم العلم من معدنه، وشربتم الماء بعذوبته، وادّخرتم من موضعه، وأخذتم الطريق من واضحه، وسلكتم من الحقّ نهجه.. لنهجت بكم السبل، وبدت لكم الأعلام، وأضاء لكم الإسلام، فأكلتم رغداً، وما عال فيكم عائل، ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد، ولكن سلكتم سبيل الظلام فأُظلمت عليكم دنياكم برحبها، وسدّت عليكم أبواب العلم فقلتم بأهوائكم، واختلفتم في دينكم، فأفتيتم في دين الله بغير علم، واتّبعتم الغواة فأغوتكم، وتركتم الأئمّة فتركوكم، فأصبحتم تحكمون بأهوائكم، إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذكر، فإذا أفتوكم قلتم: هو العلم بعينه، فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه..؟! رويداً عمّا قليل تحصدون جميع ما زرعتم، وتجدون وخيم ما اجترمتم وما

____________

1. البقرة (2): 17 ـ 18.

2. تفسير القمي: 2 / 301، بحار الأنوار: 29 / 19.


الصفحة 380
اجتلبتم.

والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة! لقد علمتم أنّي صاحبكم والذي به أُمرتم، وأنّي عالمكم والذي بعلمه نجاتكم، ووصييّ نبيّكم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخيرة ربّكم، ولسان نوركم، والعالم بما يصلحكم، فعن قليل رويداً ينزل بكم ما وُعدتم، وما نزل بالأُمم قبلكم، وسيسألكم الله عزّ وجلّ عن أئمّتكم، معهم تحشرون وإلى الله عزّ وجلّ غداً تصيرون.

أما والله! لو كان لي عدّة أصحاب طالوت أو عدّة أهل بدر ـ وهم أعداؤكم ـ لضربتكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحقّ وتنيبوا للصدق، فكان أرتق للفتق، وآخذ بالرفق، اللّهمّ فاحكم بيننا بالحقّ وأنت خير الحاكمين ".

ثم خرج من المسجد فمرّ بصيرة(1) فيها نحو من ثلاثين شاة فقال: " والله لو أنّ لي رجالاً ينصحون لله عزّ وجلّ ولرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدد هذه الشياه، لأزلتُ ابن آكلة الذبان [الذباب] عن ملكه.

قال: فلمّا أمسى بايعه ثلاثمائة وستّون رجلاً على الموت، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " اغدوا بنا إلى أحجار الزيت محلّقين ".

وحلق أمير المؤمنين (عليه السلام) فما وافى من القوم محلّقاً إلا أبو ذر والمقداد وحذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر، وجاء سلمان في آخر القوم.

فرفع يديه إلى السماء فقال: " اللّهم إنّ القوم استضعفوني كما استضعف بنو اسرائيل هارون، اللّهمّ فإنّك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى عليك شيء في الأرض ولا في السماء، توفنّي مسلماً وألحقني بالصالحين، أما والبيت والمفضي إلى البيت لولا عهد عهده إليّ النبيّ الأُمّي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأوردت المخالفين خليج المنية،

____________

1. الصيرة: حظيرة تتحذ من الحجارة وتتخذ من أغصان الشجر انظر مجمع البحرين: 3/370.


الصفحة 381
ولأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت، وعن قليل سيعلمون "(1).

وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الناس بالمدينة ـ بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك حين فرغ من جمع القرآن وتأليفه ـ وجاء فيها: ".. فإن الله ـ تبارك اسمه ـ امتحن بي عباده، وقتل بيدى أضداده، وأفنى بسيفي جحاده، وجعلني زلفة للمؤمنين، وحياض موت على الجبارين، وسيفه على المجرمين، وشدّ بي أزر رسوله، وأكرمني بنصره، وشرّفني بعلمه، وحباني بأحكامه، واختصني بوصيته، واصطفاني بخلافته في أُمّته، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ وقد حشده المهاجرون والأنصار، وانغصت بهم المحافل ـ: أيها الناس! إن علياً منّي كهارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي... استخلافاً لي كما استخلف موسى هارون... وقوله:.. من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، فكانت على ولايتي ولاية الله، وعلى عدواتي عداوة الله، وأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك اليوم: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيْناً )(2) فكانت ولايتي كمال الدين ورضا الربّ جلّ ذكره، وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصاً لي وتكرّماً نحلنيه وإعظاماً وتفضيلاً من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)منحنيه، وهو قوله تعالى: ( ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِيْنَ )(3)، فيّ مناقبٌ، لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع فطال لها الاستماع، ولئن تقمصها دوني الأشقيان، ونازعاني فيما ليس لهما بحق وركباها ضلالة، واعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا ولبئس ما لأنفسهما مهّدا... إن القوم لم يزالوا عباد أصنام وسدنة أوثان فأخرجنا الله إليهم رحمة... وأضاءت بنا مفاخر معدّ بن عدنان، وأولجناهم باب الهدى وأدخلناهم دار السلام، وأشملناهم

____________

1. الكافي: 8/32. عنه بحار الأنوار: 28/240 ـ 241.

2. المائدة (5): 3.

3. الأنعام (6): 62.


الصفحة 382
ثوب الإيمان، وفلجوا بنا في العالمين، وأبدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين من حام مجاهد، ومصلٍّ قانت، ومعتكف زاهد.. يظهرون الأمانة، ويأتون المثابة، حتى إذا دعا الله عزّ وجلّ نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ورفعه إليه لم يك ذلك بعده إلاّ كلمحة من خفقة، أو وميض من برقة إلى أن رجعوا على الأعقاب، وانتكصوا على الأدبار، وطلبوا بالأوتار، وأظهروا الكتائب، وردموا الباب، وفلّوا الديار، وغيّروا آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورغبوا عن أحكامه، وبعدوا من أنواره، واستبدلوا بمستخلفه بديلاً اتخذوه، وكانوا ظالمين، وزعموا أنّ من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ممن اختار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمقامه، وأنّ مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجريّ الأنصاريّ الربانيّ ناموس هاشم بن عبد مناف... وعن قليل يجدون غبّ ما أسّسه الأوّلون..

ألا وإنّي ـ فيكم أيها الناس! ـ كهارون في آل فرعون، وكباب حطّة في بني إسرائيل، وكسفينة نوح في قوم نوح، إنّي النبأ العظيم، والصدّيق الأكبر.. وعن قليل ستعلمون ما توعدون.. وهل هي إلاّ كلعقة الآكل، ومذقة الشارب، وخفقة الوسنان، ثم تلزمهم المعرات خزياً في الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب وما الله بغافل عمّا يعملون..(1).

التظلم من قريش(2)

قال ابن أبي الحديد: واعلم أنه قد تواترت الأخبار عنه (عليه السلام) بنحو من هذا القول، نحو قوله: " مازلت مظلوماً منذ قبض الله رسوله حتّى يوم الناس هذا ".

____________

1. الكافي: 8/22 ـ 30.

2. وقد عقد لذكر تظلماته فصلاً مستقلاً في تقريب المعارف: 237 ; الصراط المستقيم: 2/41 ; بحار الأنوار: 29/497.


الصفحة 383
وقوله: " اللّهم اخز قريشاً فإنها منعتني حقّي، وغصبتني أمري ".

وقوله: " فجزى قريشاً عنّي الجوازي ; فإنهم ظلموني حقي، واغتصبوني سلطان ابن أُمّي ".

وقوله ـ وقد سمع صارخاً ينادي: أنا مظلوم ـ فقال: " هلمّ فلنصرخ معاً، فإنّي مازلت مظلوماً ".

وقوله: ".. وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى.. " وقوله: " أرى تراثي نهباً ".

وقوله: " أصغيا بإنائنا وحملا الناس على رقابنا ".

وقوله: " إنّ لنا حقّاً إنْ نُعْطَهُ نأخذه وإن نُمْنَعْهُ نركب أعجاز الإبل(1) وإن طال السرى ".

وقوله: " مازلت مستأثراً عليّ ; مدفوعاً عمّا أستحقه وأستوجبه "(2).

وقال (عليه السلام): " اللّهم إنّي أستعديك(3) على قريش ومن أعانهم، فإنهم قد قطعوا رحمي، وأكفؤوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به من غيري.. وقالوا: ألا إنّ في الحق أن تأخذه(4) وفي الحق أن تُمْنَعَه، فاصبر مغموماً أو مت متأسّفاً.

____________

1. أي ركبنا مركب الضيم والذلّ، لأن راكب عجز البعير يجد مشقّة. أو المعنى: نصبر أن نكون أتباعاً لغيرنا، لأنّ راكب عجز البعير ردف لغيره. سيفنة بحار الأنوار: 1/6 ـ ابل ـ.

2. شرح نهج البلاغة: 9/306. وقد ذكر بعض هذه الموارد ـ مختصراً ـ الشيخ المفيد في كتاب الجمل ص 170 والحلبي في تقريب المعارف: 243 ـ 237 و 330 ـ 329.

3. أي: أستعينك لتنقم لي.

4. قال ابن أبي الحديد: قد اختلفت الرواية في قوله: " ألا ان في الحق أن تأخذه " فرواها قوم بالنون وقوم بالتاء. وقال الرواندي: انها في خط الرضي بالتاء ومعنى ذلك: إنك إن ولّيت أنت، كانت ولايتك حقاً، وإن ولّى غيرك كانت ولايته حقاً ـ على مذهب أهل الاجتهاد ـ ومن رواها بالنون فالمعنى ظاهر. انظر شرح نهج البلاغة: 11/110.


الصفحة 384
فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذابّ ولا مساعد إلا أهل بيتي.. فضننت بهم عن المنية، فأغضيت(1) على القذى، وجرعت ريقي على الشجى وصبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم وآلم للقلب من وخز الشفار "(2).

وروى الشعبي عن شريح بن هانئ قال: قال علي (عليه السلام): " اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش فإنّهم قطعوا رحمي، وأصغوا إنائي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي "(3).

وروى جابر عن أبي الطفيل قال: سمعت علياً (عليه السلام) يقول: " اللّهم انّي أستعديك على قريش ; فإنّهم قطعوا رحمي، وغصبوني حقّي، وأجمعوا على منازعتي أمراً كنت أولى به، ثم قالوا: إنّ من الحقّ أن نأخذه ومن الحقّ أن تتركه "(4).

وقال (عليه السلام): " اللّهم إني أستعديك على قريش، فإنهم أضمروا لرسولك (صلى الله عليه وآله وسلم)ضروباً من الشرّ والغدر، فعجزوا عنها وحلت بينهم وبينها، فكانت الوجبة بي، والدائرة عليّ، اللّهمّ احفظ حسناً وحسيناً ولا تمكنّ فجرة قريش منهما ما دمت حيّاً، فإذا توفّيتني فأنت الرقيب عليهم، وأنت على كلّ شيء شهيد "(5).

____________

1. خ. ل: فأغضيت عيني.

2. شرح نهج البلاغة: 11/109 ; راجع أيضاً المصدر 6/96 و 9/305 ; كشف المحجّة: 180 ; بحار الأنوار: 30/15 ; نوادر الأخبار للفيض: 198 ـ 199 ; نهج البلاغة الخطبة 217: 106 ; وبعضه في الخطبة 26: 12 ; وبعضه في الخطبة 172: 77 وذكر في تعاليقها المصادر التالية: الإمامة والسياسة: 1/154 ـ 130 ; المسترشد: 95 و 80 ; العقد الفريد: 2/135، 227 ; التاريخ للطبري: 6/48 ; النهاية لابن الأثير (باب الباء) ; المحاسن للبيقهي: 41 ; غرر الحكم: 329 ; معدن الجواهر للكراجكي: 226 ; الرسائل للكليني ; الغارات للثقفى ; جمهرة رسائل العرب، الأمالي للصدوق.

3. شرح نهج البلاغة: 4/103.

4. شرح نهج البلاغة: 4/104.

5. شرح نهج البلاغة: 20/298. قال ابن أبي الحديد عند ذكر بعض ما جرى في السقيفة: قال أبو جعفر النقيب: ومن هذا خاف أيضاً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذرّيته وأهله، فإنه كان (صلى الله عليه وآله وسلم)قد وتر الناس وعلم انه إن مات وترك ابنته وولدها سوقة ورعية تحت أيدي الولاة كانوا بعرض خطر عظيم، فمازال يقرّر لابن عمه قاعدة الأمر بعده حفظاً لدمه ودماء أهل بيته، فإنهم إذا كانوا ولاة الأمر كانت دماؤهم أقرب إلى الصيانة والعصمة، مما إذا كانوا سوقة تحت يد وال من غيرهم، فلم يساعده القضاء والقدر وكان من الأمر ما كان، ثم أفضى أمر ذرّيته فيما بعد إلى ما قد علمت. لاحظ: شرح نهج البلاغة: 2/53. وله كلام آخر يناسب المقام، راجع المصدر: 9/250 ـ 248.