مناظرة السيد علي البطحائي مع بعضهم في حكم التوسّل بالأولياء عليهم السلام والجلوس حول القبور

قال بعض الآمرين بالمعروف : لاَي علة تجيئون عند القبور ، وتطلبون الحاجة من أهل القبور ؟
قلت : أخي ،إنا لا نطلب الحاجة من أهل القبور ، بل نطلب الحاجة من الله عند قبور أهل البيت عليهم السلام اَنهم أقرب الخلق إلى الله عزوجل ، وعندهم ميراث النبوة ، فنجعلهم شفعاء لقضاء حوائجنا.
قال : طلب الحاجة من جهة جعلهم شفعاء إلى الله لا يجوز أيضاً.
قلت : يجوز ، لاَن القرآن في سورة يوسف يقول ـ بالنسبة إلى أبناء يعقوب لما ألقوا أخاهم يوسف في البئر وفعلوا ما فعلوا وندموا من فعلهم ـ : ( يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا )(1)لاَن أباهم يعقوب كان مقرباً عند الله وما فعل ذنباً قط ، ولكنهم كانوا مذنبين ، فجعلوا أباهم شفيعاً لحط ذنوبهم ، ويقول القرآن أيضاً : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً )(2).
إن قلت : إن هذا الخصوصية كانت في زمن حياة الرسول صلى الله عليه وآله دون زمن الممات.
قلنا : لا فرق بين زمن الحياة والممات بالنسبة إلى كونهم شفعاء الخلائق ، بعد ما يقول القرآن : ( فلا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون )(3).
قال الشيخ حسين ـ أحد أعضاء هيئة الآمرين بالمعروف في المدينة المنورة عند قبور الاَئمة في البقيع ـ : لاَي علة تقعدون عند المقابر ، والقعود عند المقابر حرام ؟
قلت : أخي ، القعود في المسجد الحرام في حجر إسماعيل على رأيكم أيضاًحرام ، لاَن في حجر إسماعيل مقبرة إسماعيل ومقبرة أم إسماعيل هاجر ،ومشحون من قبور الاَنبياء على ما ذكرتم في مناسككم ، وعلة حرمة الطواف في حجر إسماعيل من جهة أن الطواف يوجب أن توطأ قبور الاَنبياء ، فعلى رأيكم جميع أرباب المذاهب يفعلون المحرم ، لاَنهم يقعدون في حجر إسماعيل.
وورد في صحيح البخاري ـ الذي هو في الاِتقان عندكم مثل القرآن ـ رواية عن أبي عبدالرحمن عن علي عليه السلام قال : كنا في جنازة في بقيع الفرقد فأتانا النبي صلى الله عليه وآله فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فجعل ينكت بمخصرته ثم قال : ما منكم من أحد ، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار(4).
قلت : رسول الله صلى الله عليه وآله يقعد في البقيع ، لكن أنتم تمنعون عن القعود ، فعلى رأيكم رسول الله صلى الله عليه وآله فعل محرماً.
قال بعض أعضاء هيئة الآمرين بالمعروف : لاَي علة تصلون عند المقابر ، والصلاة عند المقابر حرام ؟ ومكتوب على لوحة من حديد في البقيع : إن الصلاة عند المقابر لا تجيزها الشريعة الاِسلامية ؟
قلت : إذا كانت الصلاة عند المقابر حراماً ، فالصلاة في حجر إسماعيل أيضاًحرام ، لاَن في حجر إسماعيل مقبرة إسماعيل واُمه هاجر وهو مشحون من قبور الاَنبياء ، مع أن جميع أرباب المذاهب يصلون في حجر إسماعيل بل يتبركون بها.
وفي صحيح البخاري في المجلد الاَول في أبواب الدفن والمقابر أن عمر بن الخطاب رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر ، فقال عمر : القبر ، القبر ، ولم يأمره بالاَعادة ؟(5) فعلى رأي الخليفة عمر بن الخطاب تكون الصلاة عند المقابر صحيحة ، لكن أنتم تمنعون الصلاة عند المقابر ، وذلك لاَن عمر بن الخطاب لم يأمر أنس بإعادة الصلاة.
وورد في المجلد الثاني من صحيح البخاري(6)أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى في البقيع في يوم عيد الاَضحى ركعتين ، فقال بعدما صلى : إنَّ أول نسكنا في يومناهذا أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع فننحر ، فمن فعل ذلك فقد وافق سـنتنا.
فرسول الله صلى الله عليه وآله يصلي في البقيع لكن أنتم تمنعون الصلاة وتقولون : إن الصلاة عند المقابر لا تجيزه الشريعة ، إن كان المراد بالشريعة الاِسلامية الشريعة المحمدية فصاحب الرسالة هو صلى في البقيع صلاة عيد الاَضحى ، والبقيع كان مقبرة عند وروده بالمدينة المنورة ، وإلى الآن فعند الرسول ومن يتابعه الصلاة عند المقابر لا بأس بها ، لكن أنتم تمنعون عن الصلاة على خلاف رأي الرسول صلى الله عليه وآله والصحابة(7) .
____________
(1) سورة يوسف : الآية 97.
(2) سورة النساء : الآية 64.
(3) سورة آل عمران : الآية 169 .
(4) صحيح البخاري : ج 2 ص 120 (ك الجنائز ب موعظة المحدث) .
(5) صحيح البخاري : ج 1 ص 116 (ك الصلاة ب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية) .
(6) صحيح البخاري : ج 2 ص 26 (ك العيدين ، ب استقبال الاِمام الناس في خطبة العيد).
(7) مناظرات في الحرمين الشريفين للبطحائي : ص 17 ـ 21 .

العودة