مناظرة يوحنّا (1) مع علمأ المذاهب الاربعة في بغداد

يقول يوحنّا بن إسرائيل الذمّي : إنّي كنت رجلاً ذميّا (2) ، متقنا للفنون العقليّة ، ممتعاً من العلوم النقليّة ، لا يحيدني عن الحقّ مموّهات الدلائل ، ولا يلقيني في الباطل مزخرفات العبارات ، ومنمّقات الرسائل ، أنجر ينابيع التحقيق من أطواد الحلوم ، وأستخرج بالفكر الدقيق المجهول من العلوم ، أتصفّح بنظر الاعتبار ومعتقد فريق فريق ، وأُميّز بين ذلك سواء الطريق ، والناس إذ ذاك قد مزّقوا دينهم وكانوا شيعا وتمزّقوا كلّ ممزّق وتبروا قطعا ، فلهم قلوب لا يفقهون ، بها ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها ، يخبطون خبط عشواء فهم لا يبصرون ؛ ويتعسّفون مهامة الضلالة فهم في ريبهم يتردّدون ؛ فبعضهم دينه صابئي ، وغيرهم مجوسي ، وهذا يهودي ، وهذا نصراني ، وآخر محمدي ، وبعض عبدوا الكواكب ، وبعض عبدوا الشمس ، وطائفة عبدوا النار ، وقوم عبدوا العجل ، وكلّ فرقة من هؤلاء صاروا فرقا لا تحصى.
فلمّا رأيت تشعّب القول ، وشاهدت تناقض النقول ، طابقت المعقول بالمنقول ، وميّزت الصحيح من المعلول ، وأقمت الدليل على وجوب اتّباع ملّة الاسلام ، والاقتداء بها إلى يوم الحساب والقيام ، فأظهرت كلمة الشهادة ، وألزمت نفسي بما فيه من العبادة ، وجمعت الكتب الاسلامية من التفاسير والاحاديث والاُصول والفروع من جميع الفرق المختلفة ، وجعلت أُطالعها ليلاً ونهارا وأتفكّر في المناقضات التي وقعت في دين الاسلام.
فقال بعضهم : إنّ صفات الله تعالى عين ذاته ، وبعض قال : لا عين ذاته ولا زائدة ، وبعض قال : إنّ الله عزّ وجلّ أراد الشرّ وخلقه ، وبعض نزّهه عن ذلك ، وبعض جوّز على الانبياء الصغائر ، وبعض جوّز الكبائر ، وبعض جوّز الكفر (3) ، وبعض أوجب عصمتهم ، وبعض أوجب النصّ بالامامة (4) ، وبعض أنكره ، وبعض قال: بإمامة أبي بكر وأنّه أفضل ، وبعض كفّره ، وبعض قال: بإمامة علي ، وبعض قال: بإلهيّته ، وبعض ساق الامامة في أولاد الحسن ، وبعض ساقها في أولاد الحسين ، وبعض وقف على موسى الكاظم (5) ، وبعضهم قال: باثنى عشر إماما ، إلى غير ذلك من الاقوال التي لا تحصى.
وكلّ هذه الاختلافات إنّما نشأت من استبدادهم بالرأي في مقابلة النصّ ، واختيارهم الهوى في معارضة النفس وتحكيم العقل على من لا يحكم عليه العقل وكان الاصل فيما اختلف فيه جميع الامم السالفة واللاحقة من الاُصول شبهة إبليس ، وكان الاصل في جميع ما اختلف فيه المسلمون من الفروع مخالفة وقعت من عمر بن الخطّاب لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ واستبداده برأي منه في مقابلة الامر النبويّ ، فصارت تلك الشبهة والمخالفة مبدأ كلّ بدعة ، ومنبع كلّ ضلالة.
أمّا شبهة إبليس فتشعّبت منها سبع شبه ، فصارت في الخلائق ، وفتنت العقلاء ، وتلك الشبهات السبع مسطورة في شرح الاناجيل ، مذكورة في التوارة ، متفرّقة على شكل مناظرة بين إبليس وبين الملائكة بعد الامر بالسجود والامتناع منه.
فقال إبليس للملائكة : إنّي سلّمت أنّ الباري تعالى إلهي وإله الخلق ، عالم قادر ، ولا يسأل عن قدرته ومشيئته ، وإنّه مهما أراد شيئا قال له: كن فيكون ، وهو حكيم إلاّ أنّه يتوجّه على مساق حكمته أسئلة.
قالت الملائكة : وما هي ؟ وكم هي ؟
قال إبليس : سبع.
الاوّل : أنّه قد علم قبل خلقي أيّ شيؤ يصدر عنّي ، ويحصل منّي ، فلم خلقني أوّلاً ؟ وما الحكمة في خلقه إيّاي ؟
الثاني : إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فلم كلّفني بطاعته وأماط الحكمة في التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعته ، ولا يتضرّر بمعصيته ؟
الثالث : إذ خلقني وكلّفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة ، فعرفت وأطعت ، فلم كلّفني بطاعة آدم والسجود له ؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في طاعتي ومعرفتي ؟
الرابع : إذ خلقني وكلّفني بهذا التكليف على الخصوص فإذ لم أسجد لعنني وأخرجني من الجنّة ، ما الحكمة في ذلك بعد إذ لم أرتكب قبيحا إلاّ قولي لا أسجد إلاّ لك ؟
الخامس : إذ خلقني وكلّفني مطلقا وخصوصا ، فلمّا لم أطع في السجود فلعنني وطردني ، فلم طرقني إلى آدم حتى دخلت الجنّة وغررته بوسوستي ، فأكل من الشجرة المنهيّ عنها ؟ ولم أخرجه معي ؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنّة امتنع استخراجي لادم وبقي في الجنّة ؟
السادس : إذ خلقني وكلّفني عموما وخصوصا ولعنني ثمّ طرقني إلى الجنّة وكانت الخصومة بيني وبين آدم ، فلم سلّطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يروني ، وتؤثّر فيهم وسوستي ، ولا يؤثّر فيَّ حولهم ولا قوّتهم ولا استطاعتهم ؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلاّهم على الفطرة دون من يغتالهم عنها فيعيشون طاهرين سالمين مطيعين كان أليق وأحرى بالحكمة ؟
السابع : سلّمت لهذا كلّه خلقني وكلّفني مطلقا ومقيّدا وإذ لم أطع طردني ولعنني وإذا أردت دخول الجنّة مكّنني وطرقني وإذ عملت عملي أخرجني ثمّ سلّطني على بني آدم ، فلم إذ استمهلته أمهلني ، فقلت : ( فَأَنْظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) (6) ؟ وما الحكمة في ذلك بعد إذ لو أهلكني في الحال استراح الخلق منّي ، وما بقي شرُّ في العالم ، أليس ببقاء العالم على نظام الخير خير من امتزاجه بالشرّ ؟
قال : فهذه الحجّة حجّتي على ما ادّعيته من كلّ مسألة. قال شارح الانجيل : فأوحى الله تعالى إلى الملائكة قولوا له : أما تسليمك الاُولى أنّي إلهك وإله الخلق فإنّك غير صادق فيه ولا مخلص ، إذ لو صدقت أنّي إله العالمين لما احتكمت عليَّ بلم وأنا الله الذي لا إله إلاّ هو لا أُسأل عمّا أفعل والخلق يسألون.
قال يوحنّا : وهذا الذي ذكرته من التوراة في الانجيل مسطور على الوجه الذي ذكرته (7).
وأمّا المخالفة التي وقعت من عمر بن الخطّاب : أنّه لمّا مرض رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مرضه الذي توفّي فيه دخل عليه جماعة من الصحابة ، وفيهم : عمر بن الخطّاب ، وعرف رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ رحلته من الدنيا واختلاف أُمّته بعده ، وضلال كثير منهم ، فقال للحاضرين : ائتوني بدواة وبيضاء لاكتب لكم كتابا لن تضّلوا بعدي.
قال عمر بن الخطّاب : إنّ النبي قد غلب عليه الوجع ، وإنّ الرجل ليهجر ، وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله (8).
فلو أنّ عمر لم يحل بينه وبين الكتاب لكتب الكتاب ، ولو كتبه لارتفع الضلال عن الاُمّة ، لكن عمر منعه من الكتابة ، فكان هو السبب في وقوع الضلال ، وأنا والله لا أقول هذا تعصّبا للرافضة ولكنّي أقول ما وجدته في كتب أهل السنّة الصحيحة ، وهو مصرّح في صحيح مسلم الذي يعتمدون عليه.
ومن الخلاف الذي جرى بين عمر وبعض الصحابة : أنّه لمّا مرض رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مرضه الذي توفّي فيه جهّز جيشا إلى الروم إلى موضع يقال له: مؤتة ، وبعث فيه وجوه الصحابة مثل أبي بكر وعمر وغيرهما ، فأمّر عليهم أُسامة بن زيد فوّلاه وبرزوا عن المدينة ، فلّما ثقل المرض برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ تثاقل الصحابة عن السير وتسلّلوا ، وبقي أبو بكر وعمر يجيئان ويتجسّسان أحوال صحّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ومرضه ليلاً ويذهبان إلى المعسكر نهارا ، ورسول الله يصيح بهم : جهّزوا جيش أُسامة ، لعن الله المتخلّف عنه حتى قالها ثلاثا.
فقال قوم : يجب علينا امتثال أمره ، وقال قوم : لا تسع قلوبنا المفارقة (9).
ولا يخفى على العاقل قصد النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ في بعث أبي بكر وعمر تحت ولاية أُسامة في مرضه وحثّهم على المسير ، ولا يخفى أيضا مخالفتهم ورجوعهم من غير إذنه لما كان ذلك ، ولا يخفى لعن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ المتخلّف عن جيش أُسامة فلماذا كان ؟ ( فإنّها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) (10).
ومن الخلاف : أنّه لما مات النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال عمر : والله ما مات محمد ، ولن يموت ، ومن قال إنّ محمدا مات قتلته بسيفي هذا ، وإنّما رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم ، فلمّا تلا عليه أبو بكر : ( إنّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (11) رجع عمر وقال : كأنّي لم أسمع بهذه حتى قرأها أبو بكر (12).
ومن الخلاف الواقع في الامامة : أنّه ما سلّ سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثلما سلّ على الامامة ، وهو أنّه لما مات النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ اشتغل علي ـ عليه السلام ـ بتجهيزه ودفنه وملازمته ذلك ومضى أبو بكر وعمر إلى سقيفة بني ساعدة ، فمدّ عمر يده فبايع أبا بكر وبايعه الناس ، وتخلّف علي ـ عليه السلام ـ عن البيعة وعمّه العبّاس والزبير وبنو هاشم وسعد بن عبادة الانصاري ، ووقع الخلاف الذي سفك فيه الدماء ، ولو ترك عمر بن الخطّاب الاستعجال وصبر حتى يجتمع أهل الحلّ والعقد ويبايعوا الاوّل لكان أولى ولم يحصل الخلاف لمن بعدهم في الاستخلاف (13).
ومن الخلاف : أنّه لما مات النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ وفي يد فاطمة ـ عليها السلام ـ فدك متصرّفة فيها من عند أبيها (14) فرفع أبو بكر يدها عنها وعزل وكلاءها ، فأتت إلى أبي بكر وطلبت ميراثها من أبيها ، فمنعها واحتجّ بأنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال : ما تركناه يكون صدقة (15) ، واحتجّت فاطمة فلم يجبها ، فولّت غضبانة عليه (16) ، وهجرته فلم تكلّمه حتى ماتت (17) ، وفي أثناء المحاجّة أذعن أبو بكر لقولها ، فكتب لها بفدك كتابا ، فلمّا رآه عمر مزّق الكتاب (18) وكان هذا هو السبب الاعظم في الاعتراض على الصحابة والتشنيع عليهم بإيذاء فاطمة ـ عليها السلام ـ مع روايتهم أنّ من آذاها فقد آذى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ (19) ، وفي الحقيقة ما كان لائقا من الصحابة أن يعطي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ‍ ابنته ممّا أفاء الله عليه فينزعه أبو بكر وعمر منها مع علمهم أنّها كانت تطحن الشعير بيدها ، وإنّما كانت تريد بالذي ادّعته من فدك صرفه للحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ فيحرمونها ذلك ويتركونها محتاجة كئيبة حزينة ، وعثمان بن عفّان يعطي مروان بن الحكم (20) طريد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مائتي مثقال من الذهب من بيت مال المسلمين ولا ينكرون عليه ولا على أبي بكر ، ولو أنّ عمر لم يمزّق الكتاب أو انّه ساعد فاطمة في دعواها ، لكان لهم أحمد عاقبة ولم تبلغ الشنيعة ما بلغت.
قال يوحنّا : ومن الخلاف الذي وقع وكان سببه عمر : الشورى (21) ، فإنّه جعلها في ستّة وقال : إذا افترقوا فريقين فالذي فيهم عبد الرحمن بن عوف فهم على الحقّ ، وعبد الرحمن لا يترك جانب عثمان كما هو معلوم حتى قال علي ـ عليه السلام ـ للعبّاس : يا عمّ عدل بها عنّي فياليته تركها هملاً كما يزعم أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ تركها ، أو كان ينصّ بها كما نصّ أبو بكر فخالف الامرين حتى أفضت الخلافة إلى عثمان ، فطرد من آواه (22) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، وآوى من طرده (23) رسول الله ـ‍ صلّى الله عليه وآله ـ وأحدث أُمورا قتل بها وفتح بها باب القتال إلى يوم القيامة ، وأفضت الخلافة إلى معاوية الذي ألَّب عائشة وطلحة والزبير على حرب علي ـ عليه السلام ـ حتى قُتل يوم الجمل ستّون ألفا ، ثمّ حارب عليّا ـ عليه السلام ـ ثمانية عشر شهرا وقتل في حربه مائة وخمسون ألفا ، وأفضت الخلافة إلى ولده يزيد فقتل الحسين ـ عليه السلام ـ بتلك الشناعة ، وحاصر عبد الله بن الزبير في مكّة فلجأ إلى الكعبة فنصب بمكّة المنجنيق ، وهدم الكعبة ، ونهب المدينة ، وأباحها لعسكره ثلاثة أيّام (24).
وقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال : المدينة حرم ما بين عاير إلى وعير ، من أحدث فيه حدثا فعليه لعنة الله (25) ، فما ظنّك بمن يقتل أولاده ، ويرفع رؤوسهم على الرماح ، ويطوف بها في البلاد جهرا ، وأفضى الامر الى أنّهم أمروا بسبّ عليّ على المنابر ألف شهر ، وطلبوا العلوّيين فقتلوهم وشرّدوهم (26) ، وأفضى الامر إلى الوليد بن عبد الملك الذي تفأّل يوما بالمصحف فظهر له قوله تعالى : ( واستفتحوا وخاب كلّ جبّار عنيد ) (27) فنصب المصحف يوما فرماه بالنشاب وأنشد شعرا :

تهـددني بجبّــار عنيــد *** فها أنا ذاك جبّــار عنيــد
إذا مـا جئت ربّك يوم حشر *** فقل يا ربّ مزّقني ‌الوليد (28)

فإذا نظر العاقل إلى هذه المفاسد كلّها لرأى أنّ أصلها منع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن كتابة الكتاب، وجعل الخلافة باختيار الناس من غير نصّ ممّن له النصّ فكلّ السبب من عمر بن الخطّاب.
ولا يظنّ أحد أنّي أقول هذا بغضا لعمر لا والله وإنّما هو مسطور في كتبهم والحال كذلك فما يسعني أن أنكر شيئا ممّا وقع ومضى.
قال يوحنّا : فلمّا رأيت هذه الاختلافات من كبار الصحابة الذين يُذكرون مع رسول الله صلّى الله عليه وآله ـ فوق المنابر عظم عليَّ الامر وغمَّ عليَّ الحال وكدت أفتتن في ديني ، فقصدت بغداد وهي قُبّةُ الاسلام لاُفاوض فيما رأيت من اختلاف علماء المسلمين لانظر الحقّ وأتّبعه ، فلمّا اجتمعت بعلماء المذاهب الاربعة ، قلت لهم : إنّي رجل ذمّي ، وقد هداني الله إلى الاسلام فأسلمت وقد أتيت إليكم لانقل عنكم معالم الدين ، وشرائع الاسلام ، والحديث ، لازداد بصيرة في ديني.
فقال كبيرهم وكان حنفيّا : يا يوحنّا ، مذاهب الاسلام أربعة فاختر واحدا منهما ، ثمّ اشرع في قراءة ما تريد.
فقلت له : إنّي رأيت تخالفاً وعلمت أنّ الحقّ منها واحدٌ فاختاروا لي ما تعلمون أنّه الحقّ الذي كان عليه نبيّكم.
قال الحنفي : إنّا لا نعلم يقينا ما كان عليه نبيّنا بل نعلم أنّ طريقته ليست خارجة من الفرق الاسلاميّة وكلّ من أربعتنا يقول إنّه محقّ ، لكن يمكن أن يكون مبطلاً ، ويقول: إنّ غيره مبطل لكن يمكن أن يكون محقّا ، وبالجملة إنّ مذهب أبي حنيفة أنسب المذاهب ، وأطبقها للسنّة ، وأوفقها بالعقل ، وأرفعها عند الناس ، إنّ مذهبه مختار أكثر الاُمّة بل مختار سلاطينها ، فعليك به تنجى.
قال يوحنّا : فصاح به إمام الشافعيّة وأظنّ أنّه كان بين الشافعي والحنفي منازعات.
فقال له : اسكت لا نطقت ، والله لقد كذبت وتقوّلت ، ومن أين أنت والتمييز بين المذاهب ، وترجيح المجتهدين ؟ ويلك ثكلتك أُمّك وأين لك وقوفا على ما قاله أبو حنيفة ، وما قاسه برأيه ، فإنّه المسمّى بصاحب الرأي يجتهد في مقالة النصّ ، ويستحسن في دين الله ويعمل به حتى أوقعه رأيه الواهي في أن قال : لو عقد رجل في بلاد الهند على امرأة كانت في الروم عقدا شرعيّا ، ثمّ أتاها بعد سنين فوجدها حاملة وبين يديها صبيان يمشون ويقول لها : ما هؤلاء ؟ وتقول له : أولادك فيرافعها في ذلك إلى القاضي الحنفي فيحكم أنّ الاولاد من صلبه ، ويلحقونه ظاهرا وباطنا ، يرثهم ويرثونه ، فيقول ذلك الرجل : وكيف هذا ولم أقربها قطّ ؟ فيقول القاضي : يحتمل أنّك أجنبت أو أن تكون أمنيت فطار منيك في قطعة فوقعت في فرج هذه المرأة (29) ، هل هذا يا حنفي مطابق للكتاب والسنّة ؟
قال الحنفي : نعم إنّما يلحق به لانّها فراشه والفراش يلحق ويلتحق بالعقد ولا يشترط فيه الوطي ، وقال النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : الولد للفراش وللعاهر الحجر (30) فمنع الشافعي أن يصير فراشا بدون الوطي ، وغلب الشافعي الحنفي بالحجّة.
ثمّ قال الشافعي : وقال أبو حنيفة : لو أنّ امرأة زُفّت إلى زوجها فعشقها رجل فادّعى عند قاضي الحنفيّة أنّه عقد عليها قبل الرجل الذي زُفّت إليه ، وأرشى المدّعي فاسقين حتى شهدا له كذبا بدعواه ، فحكم القاضي له تحرم على زوجها الاوّل ظاهرا وباطنا وثبتت زوجيّة تلك المرأة للثاني وأنّها تحلّ عليه ظاهرا وباطنا ، وتحلّ منها على الشهود الذين تعمّدوا الكذب في الشهادة (31) ! فانظروا أيّها الناس هل هذا مذهب من عرف قواعد الاسلام ؟
قال الحنفي : لا اعتراض لك عندنا إنّ حكم القاضي ينفذ ظاهرا وباطنا وهذا متفرّع عليه فخصمه الشافعي ومنع أن ينفذ حكم القاضي ظاهرا وباطنا بقوله تعالى : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) (32) ولم ينزل الله ذلك.
ثمّ قال الشافعي : وقال أبو حنيفة : لو أنّ امرأة غاب عنها زوجها فانقطع خبره ، فجاء رجل فقال لها : إنّ زوجك قد مات فاعتدي ، فاعتدت ، ثمّ بعد العدّة عقد عليها آخر ودخل عليها ، وجاءت منه بالاولاد ، ثمّ غاب الرجل الثاني وظهر حياة الرجل الاوّل وحضر عندها فإنّ جميع أولاد الرجل الثاني أولاد للرجل الاوّل يرثهم ويرثونه (33).
____________
(1) وقد وجدنا مناظرة يوحنا مخطوطةً ( بالفارسي ) في مكتبة آية العظمى المرعشي النجفي ( قدّس سرّه ) ضمن مجموعة تحت رقم : 6154 ، وذكرت في فهرس المكتبة ( الخطّي ) ج16 ص153.
وقد ذكر هذه المناظرة آغا بزرك الطهراني في الذريعة ج23 ص176 ـ 177 باسم : منهاج المناهج تحت رقم: 8547 ، وقال عنها رحمه الله تعالى : منهاج المناهج في تحقيق المذاهب الاربعة واثبات الامامة على اسلوب اصحابنا ، ليوحنا بن اسرائيل المصري المستبصر ، وكان عند شيخنا النوري هذه النسخة بخط جده الميرزا علي محمد النوري، وهو المعروف بـ‍ ( رسالة يوحناي اسرائيلي ) أو ( كتاب يوحنا ) أو ( إمامت ) أو ( رسالة كلامي ) ولم أدر الى من انتقلت النسخة بعد شيخنا وبما ان وفاة والده كانت في سنة 1264 ، فيكون تاريخ خط جده حدود سنة 1200 ، وذُكر في ص890 و 950 و 997 من ( فهرست نسخه‌هاي خطي فارسي ) 12 نسخة منها ، أقدمها كتابة في مكتبة اميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ ( 770 بالنجف ) ضمن المجموعة المؤرخة ( 17 رجب 1078 ) وأُخرى في ( الملك 2 | 5216 ) كتبت بقلم النستعليق في سنة 1089 ، ونسخة منه مع الترجمة الانجليزية، توجد في المتحف البريطاني (1193 or ) كتبت في القرن الثالث عشر.
(2) بما أن هذه المناظرة ترتبط ببعض هذه المقدّمات التي ذكرها صاحبها لذا نذكرها بمقدّماتها. (3) تقدمت تخريجاته في ما سبق.
(4) انظر : الملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 131.
(5) انظر : فرق الشيعة للنوبختي ص 80.
(6) سورة الحجر : الاية 37 و 38.
(7) أورد هذه المناظرة الشهرستاني في الملل والنحل : ج 1 ص 24 ، الالوسي في تفسير روح المعاني ج 8 ص 92.
(8) تقدمت تخريجاته.
(9) ورد الحديث بألفاظ متفاوتة ، انظر :
طبقات ابن سعد : ج2 ص1 ح37 وج 2 ص2 ح41 وج4 ص1 ح 47 ، فتح الباري للعسقلاني : ج7 ص87 وج8 ص152 ، كنز العمّال : ج10 ص572 ح30266 ، تهذيب تاريخ ابن عساكر : ج1 ص117 و122 ، دلائل الصدق : ج 3 ص 4 و5 ، الملل والنحل : ج 1 ص29 ، شرح نهج البلاغة : ج 6 ص 52 ، أصول الاخيار : ص 68.
وأخرجه في البحار : ج 22 ص 466 عن إرشاد المفيد : ص 98 وإعلام الورى : ص 140.
(10) سورة الحج : الاية : 46.
(11) سورة الزمر : الاية 30.
(12) روى نحوه البخاري في صحيحه : ج 5 ص 8 ، وابن الاثير في جامع الاصول : ج 4 ص 470 ح 2075 ، وانظر : فتح الباري فـي شـرح صحيح البخاري : ج 7 ص 21 ، تاريخ ابن الاثير : ج 2 ص 323 ، الملل والنحل : ج 1 ص 29 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج 1 ص 178.
(13) انظر: ابن‌ الاثير في الكامل في التاريخ : ج2 ص325 ، الشهرستاني‌ في الملل والنحل : ج1 ص30.
(14) تقدمت تخريجاته.
(15) روي هذا الحديث في : طبقات ابن سعد : ج 8 ص 28 ، وصحيح البخاري : ج 4 ، ص 96 ـ 98 وج5 ، ص 25 وص 114 ـ 115 وص 177 وج 7 ، ص 82 وج 8 ، ص 185 وج 9 ، ص 122 بألفاظ متفاوتة ، وصحيح مسلم : ج 3، ص 1380، ح 1759 وانظر : الملل والنحل: ج1 ، ص 31.
(16) وممن روى ذلك ابن قتيبة في الامامة والسياسة ج 1 ص 19 تحت عنوان كيف كانت بيعة علي ـ عليه السلام ـ .
وفيه أنّها ـ عليها السلام ـ قالت لابي بكر وعمر : إنّي أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيتُ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ لاشكونّكما إليه . وفيه أيضا : والله ، لادعونّ عليك في كلِّ صلاةٍ أُصلّيها .
ومما لا يخفى على كل مسلم منصف بالنظر الى هذه الاخبار وغيرها أن الزهراء ـ عليها السلام ـ ماتت وهي غضبى عليهم ومن اللازم أن يغضب لها كل مسلم لغضب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أيضاً فإذا كان كذلك فبالاحرى أن يغضب لها أولادها وشيعتها ومحبوها.
قال ابن ابي الحديد في شرح النهج ج 6 ص 49 : قال أبو بكر ( بسنده ) عن داود : قال : أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ونحن راجعون من الحج في جماعة ، فسألناه عن مسائل ، وكنت أحد من سأله ، فسألته عن أبي بكر وعمر ، فقال : أجيبك بما أجاب به جدي عبد الله بن الحسن ، فإنه سئل عنهما ، فقال : كانت أمنا صِدّيقة ابنة نبيّ مرسل ، وماتت وهي غضبى على قوم ، فنحن غضاب لغضبها.
قلت : قد أخذ هذا المعنى بعض شعراء الطالبيّين من أهل الحجاز ، أنشدنيه النقيب جلال الدين عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد العلويّ ، قال : أنشدني هذا الشاعر لنفسه ـ وذهب عني أنا اسمه ـ قال :

يا أبا الحفص الهويْنَى وما كنت‌ *** مليــاً بـذاك لولا الحمــامُ
أتموتُ البتول غَضْبَى ونَرضى *** ‌ما كذا يصنع البنـون الكـرامُ

(17) وممن روى ذلك البخاري في صحيحه ج5 ص177 ، كتاب المغازي باب في غزوة خيبر ، بإسناده إلى عائشة قالت : إن فاطمة ـ عليها السلام ـ بنت النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ ارسلت إلى أبي بكر تسألُهُ ميراثها من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك ومابقى من خُمس خيبر ، فقال ابو بكر : إن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال وإنّى والله لا اغير شيئا من صدقة رسول الله ـ‍ صلّى الله عليه وآله ـ عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ولا عملن فيها بما عمل به رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي ـ‍ صلّى الله عليه وآله ـ ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها ... الحديث.
(18) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج16 ص274.
(19) انظر : صحيح مسلم : ج4 ص1903 ح94 ، مسند أحمد ج4 ص332، سنن الترمذي ج5 ص656 ، ح3869 ، المصنّف لابن‌ أبي شيبة ج12 ص126 ، ح12319 ، حلية الاولياء ج2 ص40.
(20) تقدمت تخريجاته.
(21) انظر : تاريخ الطبري ج4 ص227 ـ 241 ، تاريخ ابن كثير ج7 ص144 ـ 146 ، وقد تقدمت تخريجاته بالاضافة الى ماهنا.
(22) وهو ابوذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ من شيعة أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ، وسبب نفيه هو إنكاره على عثمان هباته الاموال لاقربائه وقصة نفيه الى الربذة مشهورة ، راجع : شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج3 ص52 وج 8 ص 252 ـ 262، أنساب الاشراف للبلاذري ج5 ص52 ـ 54 ، الطبقات لابن سعد ج4 ص232 ، مروج الذهب للمسعودي ج2 ص350 ، تاريخ اليعقوبي ج2 ص172 ، فتح الباري ج3 ص213 ، عمدة القاري ج4 ص291 ، مسند أحمد بن حنبل ج5 ص197 ، الغدير للاميني ج8 ص292 ـ 386.
(23) وهو : الحكم بن العاص الاموي ، وقد رويت أحاديث كثيرة في لعنه وذريته فمنها ما روى عن عمرو بن مرّة ، قال : استأذن الحكم على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فعرف صوته فقال : ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلاّ المؤمنين وقليل ما هم ، ذو مكر وخديعة يعطون الدنيا وما لهم في الاخرة من خلاق.
راجع : مستدرك الحاكم ج4 ص481 وصححه ، والواقدي كما في السيرة الحلبية ج1 ص337 ، البلاذري في أنساب الاشراف ج5 ص126.
وكان الحكم يحكي مشية رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وحركاته فنفاه وطرده ، فلما ولي عثمان أعاده وأعطاه مائة ألف درهم وأقطع ولده مروان فدك وقد كانت فاطمة ـ عليها السلام ـ‍ طلبتها بعد وفاة أبيها تارة بالميراث ، وتارة بالنحلة فدفعت عنها.
راجع : الملل والنحل ج1 ص19 ، مجمع الزوائد ج5 ص240 ، اُسد الغابة ج2 ص33 ، شرح النهج ج1 ص198 ، فتح الباري ج13 ص9 ، سير اعلام النبلاء ج2 ص107، شيخ المضيره أبو هريرة ص168 ، الغدير ج8 ص241 ـ 267.
(24) تقدمت تخريجاته.
(25) صحيح البخاري ج3 ص25 ـ 26 ، صحيح مسلم ج2 ص994 ح467 وص999 ح469 وص1147 ح1370.
(26) انظر : صحيح مسلم ج4 ص1871 ح32 ، سنن الترمذي ج5 ص596 ح3724.
(27) سورة إبراهيم : الاية 15.
(28) شذرات الذهب ج1 ص168 ـ 169 ، البدء والتاريخ للمقدسي ج6 ص53 ، تاريخ الخميس ج2 ص220 ، تاريخ ابن الاثير ج5 ص137 ، الحور العين لابن نشوان ص190 ، وغيرها. (29) انظر : الفقه على المذاهب الاربعة ج4 ص14 ـ 15.
(30) تقدمت تخريجاته.
(31) أنظر: الاُمّ للشافعي ج5 ص22 ـ 25.
(32) سورة المائدة : الاية 49.
(33) الفقه على المذاهب الاربعة ج5 ص119.
فيا اُولي العقول ، فهل يذهب إلى هذا القول من له دراية وفطنة ؟
فقال الحنفي : إنّما أخذ أبو حنيفة هذا من قول النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : الولد للفراش وللعاهر الحجر فاحتجّ عليه الشافعي بكون الفراش مشروطا بالدخول ، فغلبه.
ثمّ قال الشافعي : وإمامك أبو حنيفة قال : أيّما رجل رأى امرأة مسلمة فادّعى عند القاضي بأنّ زوجها طلّقها ، وجاء بشاهدين ، شهدا له كذبا ، فحكم القاضي بطلاقها ، حرمت على زوجها ، وجاز للمدّعي نكاحها ، وللشهود أيضا (34) ، وزعم أنّ حكم القاضي ينفذ ظاهرا وباطنا .
ثمّ قال الشافعي : وقال إمامك أبو حنيفة : إذا شهد أربعة رجال على رجل بالزنا ، فإن صدقهم سقط عنه الحدّ ، وإن كذبهم لزمه ، وثبت الحدّ (35) فاعتبروا يا اُولي الابصار.
ثمّ قال الشافعي : وقال أبو حنيفة : لو لاط رجل بصبي وأوقبه فلا حدّ عليه بل يعزّر (36).
وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من عمل عمل قوم لوط‍ فاقتلوا الفاعل والمفعول (37). وقال أبو حنيفة : لو غصب أحد حنطة فطحنها ملكها بطحنها ، فلو أراد أن يأخذ صاحب الحنطة طحينها ويعطي الغاصب الاُجرة لم يجب على الغاصب إجابته وله منعه ، فإن قتل صاحب الحنطة كان دمه هدرا ، ولو قَتَل الغاصب قُتل صاحب الحنطة به (38).
وقال أبو حنيفة : لو سرق سارق ألف دينار وسرق آخر ألفا آخر من آخر ومزجها ملك الجميع ولزمه البدل.
وقال أبو حنيفة : لو قتل المسلم والتقي العالم كافرا جاهلاً قُتل المسلم به والله يقول : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ) (39).
وقال أبو حنيفة : لو اشترى أحد أمّه أو أخته ونكحهما لم يكن عليه حدّ وإن علم وتعمّد (40).
قال أبو حنيفة : لو عقد أحد على أمّه أو أخته عالما بها أنّها اُمّه أو أخته ودخل بها لم يكن عليه حدّ لانّ العقد شبهة (41).
وقال أبو حنيفة : لو نام جنب على طرف حوض من نبيذ فانقلب في نومه ، ووقع في الحوض ارتفعت جنابته وطهر.
وقال أبو حنيفة : لا تجب النيّة في الوضوء (42) ، ولا في الغسل (43) ، وفي الصحيح : إنّما الاعمال بالنيّات (44).
وقال أبو حنيفة : لا تجب البسملة في الفاتحة (45) وأخرجها منها مع أنّ الخلفاء كتبوها في المصاحف بعد تحرير القرآن.
وقال أبو حنيفة : لو سلخ جلد الكلب الميّت ودُبغ طهر وإن له الشراب فيه ولبسه في الصلاة (46) ، وهذا مخالف للنصّ بتنجيس العين المقتضي لتحريم الانتفاع به.
ثم قال : يا حنفي ، يجوز في مذهبك للمسلم إذا أراد الصلاة أن يتوضّأ بنبيذ ، ويبدأ بغسل رجليه ، ويختم بيديه (47) ، ويلبس جلد كلب ميّت مدبوغ (48) ، ويسجد على عذرة يابسة ، ويكبّر بالهنديّة ، ويقرأ فاتحة الكتاب بالعبرانيّة (49) ، ويقول بعد الفاتحة : دو برگ سبز ـ يعني مدهامّتان ـ ثمّ يركع ولا يرفع رأسه ، ثمّ يسجد ويفصل بين السجدتين بمثل حدّ السيف وقبل السلام يتعمّد خروج الريح ، فإنّ صلاته صحيحة ، وإن أخرج الريح ناسيا بطلت صلاته (50).
ثمّ قال : نعم يجوز هذا ، فاعتبروا يا اُولي الابصار ، هل يجوز التعبّد بمثل هذه العبادة ؟ أم يجوز لنبيّ أن يأمر اُمّته بمثل هذه العبادة افتراء على الله ورسوله ؟!
فأفحم الحنفي وامتلاء غيظا وقال : يا شافعي اقصر فض الله فاك ، وأين أنت عن الاخذ على أبي حنيفة وأين مذهبك من مذهبه ؟ فإنّما مذهبك بمذهب المجوس أليق لانّ في مذهبك يجوز للرجل أن ينكح ابنته من الزنا واُخته ، ويجوز أن يجمع بين الاُختين من الزنا ، ويجوز أن ينكح اُمّه من الزنا ، وكذا عمّته وخالته من الزنا (51) ، والله يقول : ( حرّمت عليكم اُمّهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ) (52) وهذه صفات حقيقية لا تتغيّر بتغيّر الشرائع والاديان ، ولا تظنّ يا شافعي ياأحمق أنّ منعهم من التوريث يخرجهم من هذه الصفات الذاتية الحقيقية ولذا تضاف إليه ، فيقال : بنته واُخته من الزنا ، وليس هذا التقييد موجبا لمجازيته كما في قولنا اُخته من النسب بل لتفصيله ، وإنّما التحريم شامل للّذي يصدق عليه الالفاظ حقيقة ومجازا اجتماعا ، فإنّ الجدّة داخلة تحت الاُمّ إجماعا ، وكذا بنت البنت ، ولا خلاف في تحريمها بهذه الاية ، فانظروا يا اُولي الالباب هل هذا إلاّ مذهب المجوس ، يا خارجي.
وأما يا شافعي ، إمامك أباح للناس لعب الشطرنج (53) مع أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال : لا يحبّ الشطرنج إلاّ عابد وثن .
وأما يا شافعي ، إمامك أباح للناس الرقصّ والدف والقصب (54) ، فقبّح الله مذهبك مذهبا ينكح فيه الرجل اُمّه واُخته ويلعب بالشطرنج ، ويرقص ، ويدفّ ، فهل هذا الظاهر الافتراء على الله ورسوله ، وهل يلزم بهذا المذهب إلاّ أعمى القلب وأعمى عن الحقّ.
قال يوحنّا : وطال بينهما الجدال واحتمى الحنبلي للشافعي ، واحتمى المالكي للحنفي ، ووقع النزاع بين المالكي والحنبلي ، وكان فيما وقع بينهم أنّ الحنبلي قال : إنّ مالكا أبدع في الدين بدعا أهلك الله عليها اُمما وهو أباحها ، وهو لواط الغلام ، وأباح لواط المملوك وقد صحّ أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال : من لاط بغلام فاقتلوا الفاعل والمفعول (55).
وأنا رأيت مالكيّا ادّعى عند القاضي على آخر أنّه باعه مملوكا والمملوك لا يمكنّه من وطئه ، فأثبت القاضي أنه عيب في المملوك ويجوز له ردّه ، أفلا تستحي من الله يا مالكي يكون لك مذهب مثل هذا وأنت تقول مذهبي خير من مذهبك ؟ ! وإمامك أباح لحم الكلاب فقبّح الله مذهبك واعتقادك.
فرجع المالكي عليه وصاح به : اسكت يا مجسّم يا حلولي ، يا حولي ، يا فاسق ، بل مذهبك أولى بالقبح ، وأحرى بالتعيير ، إذ عند إمامك أحمد بن حنبل أنّ الله جسم يجلس على العرش ، ويفضل عن العرش بأربع اصابع ، وأنّه ينزل كلّ ليلة جمعة من سماء الدنيا على سطوح المساجد في صورة أمرد ، قطط الشعر ، له نعلان شراكهما من اللؤلؤ الرطب ، راكبا على حمار له ذوائب (56).
قال يوحنّا : فوقع بين الحنبلي والمالكي والشافعي والحنفي النزاع ، فعلت أصواتهم وأظهروا قبائحهم ومعايبهم حتى ساء كلّ من حضر كلامهم الذي بدا منهم ، وعاب العامّة عليهم.
فقلت لهم : على رسلكم ، فو الله قسما إنّي نفرت من اعتقاداتكم ، فإن كان الاسلام هذا فياويلاه ، واسوأتاه ، لكنّي اُقسم عليكم بالله الذي لا إله إلاّ هو أن تقطعوا هذا البحث وتذهبوا فإنّ العوامّ قد أنكروا عليكم.
قال يوحنّا : فقاموا وتفرّقوا وسكتوا اُسبوعا لا يخرجون من بيوتهم ، فإذا خرجوا أنكر الناس عليهم ، ثمّ بعد أيّام اصطلحوا واجتمعوا في المستنصرية فجلست غدا إليهم وفاوضتهم فكان فيما جرى أن قلت لهم : كنت اُريد عالما من علماء الرافضة نناظره في مذهبه ، فهل عليكم أن تأتونا بواحد منهم فنبحث معه ؟
فقال العلماء : يا يوحنّا ، الرافضة فرقة قليلة لا يستطيعون أن يتظاهروا بين المسلمين لقلّتهم ، وكثرة مخالفيهم ، ولا يتظاهرون فضلاً أن يستطيعوا المحاجّة عندنا على مذهبهم ، فهم الارذلون الاقلّون ، ومخالفوهم الاكثرون ، فهذا مدح لهم لانّ الله سبحانه وتعالى مدح القليل ، وذمّ الكثير بقوله : ( وقليل من عبادي الشكور ) (57) ، ( وما آمن معه إلاّ قليل ) (58) ، ( وإن تطع أكثر من فى الارض يضلّوك عن سبيل الله ) (59) ، ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) (60) ، ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) (61) ، ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) (62) ، ( ولكن أكثرالناس لا يؤمنون ) (63) إلى غير ذلك من الايات.
قالت العلماء : يا يوحنّا حالهم أعظم من أن يوصف لانّهم لو علمنا بأحد منهم فلا نزال نتربّص به الدوائر حتى نقتله لانّهم عندنا كفرة تحلّ علينا دماؤهم ، وفي علمائنا من يفتي بحلّ أموالهم ونسائهم. قال يوحنّا : الله أكبر هذا أمر عظيم ، أتراهم بما استحقّوا هذا فهم ينكرون الشهادتين ؟
قالوا : لا.
قال : أفهم لا يتوجّهون إلى قبلة الاسلام ؟
قالوا : لا.
قال : إنّهم ينكرون الصلاة أم الصيام أم الحجّ أم الزكاة أم الجهاد ؟
قالوا : لا ، بل هم يصلّون ويصومون ويزكّون ويحجّون ويجاهدون.
قال : إنّهم ينكرون الحشر والنشر والصراط والميزان والشفاعة ؟
قالوا : لا ، بل مقرّون بذلك بأبلغ وجه.
قال : أفهم يبيحون الزنا واللواط وشرب الخمر والربا والمزامر وأنواع الملاهي ؟
قالوا : بل يجتنبون عنها ويحرّمونها.
قال يوحنّا : فيالله والعجب قوم يشهدون الشهادتين ، ويصلّون إلى القبلة ، ويصومون شهر رمضان ، ويحجّون البيت الحرام ، ويقولون بالحشر والنشر وتفاصيل الحساب ، كيف تباح أموالهم ودماؤهم ونساؤهم ونبيّكم يقول : اُمرت أن اُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّدا رسول الله ، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم ونساءهم إلاّ بحقّ وحسابهم على الله (64).
قال العلماء : يا يوحنّا إنّهم أبدعوا في الدين بدعا فمنها: أنّهم يدّعون أنّ عليّا ـ عليه السلام ـ أفضل الناس بعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ويفضّلونه على الخلفاء الثلاثة (65) ، والصدر الاوّل أجمعوا على أنّ أفضل الخلفاء كبير تيم (66) قال يوحنّا : أفترى إذا قال أحد: إنّ عليّا يكون خيرا من أبي بكر وأفضل منه تكفّرونه ؟
قالوا : نعم لانّه خالف الاجماع.
قال يوحنّا : فما تقولون في محدّثكم الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه ؟
قال العلماء : هو ثقة مقبول الرواية صحيح المثل.
قال يوحنّا : هذا كتابه المسمّى بكتاب المناقب روى فيه أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قال : علي خير البشر ، ومن أبى فقد كفر (67).
وفي كتابه أيضا يسأل حذيفة عن علي ـ عليه السلام ـ قال : أنا خير هذه الاُمّة بعد نبيّها ، ولا يشكّ في ذلك إلاّ منافق (68).
وفي كتابه أيضا عن سلمان ، عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال : علي ابن أبي طالب خير من اُخلّفه بعدي (69).
وفي كتابه أيضا عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال : أخي ووزيري وخير من اُخلّفه بعدي علي بن أبي طالب (70).
وعن إمامكم أحمد بن حنبل روى في مسنده أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال لفاطمة : أما ترضين أنّي زوّجتك أقدم اُمّتي سلما ، وأكثرهم علما ، وأعظمهم حلماً (71).
وروي في مسند أحمد بن حنبل أيضا أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال : اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك (72) فجاء علي بن أبي طالب في حديث الطائر ، وذكر هذا الحديث النسائي والترمذي في صحيحهما (73) وهما من علمائكم.
وروى أخطب خوارزم في كتاب المناقب وهو من علمائكم عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ : يا علي أخصمك بالنبوّة ولا نبوّة بعدي ، وتخصم الناس بسبع فلا يحاجّك أحد من قريش : أنت أوّلهم إيمانا بالله وأوفاهم بأمر الله وبعهده ، وأقسمهم بالسوّية ، وأعدلهم بالرعيّة ، وأبصرهم بالقضيّة ، وأعظمهم يوم القيامة عند الله عزّ وجلّ في المزيّة (74).
وقال صاحب كفاية الطالب من علمائكم : هذا حديث حسن عال رواه الحافظ أبو نعيم في حلية الاولياء (75).
قال يوحنّا : فيا أئمّة الاسلام فهذه أحاديث صحاح روتها أئمّتكم وهي مصرّحة بأفضليّة علي وخيرته على جميع الناس ، فما ذنب الرافضة ؟ وإنّما الذنب لعلمائكم والذين يروون ما ليس بحقّ ، ويفترون الكذب على الله ورسوله.
قالوا : يا يوحنّا ، إنّهم لم يرووا غير الحقّ ، ولم يفتروا بل الاحاديث لها تأويلات ومعارضات.
قال يوحنّا : فأيّ تأويل تقبل هذه الاحاديث بالتخصيص على البشر ، فإنّه نصّ في أنّه خير من أبي بكر إلاّ أن تخرجوا أبا بكر من البشر.
سلّمنا أنّ الاحاديث لا تدلّ ذلك فأخبروني أيّهم أكثر جهادا ؟
فقالوا : علي.
قال يوحنّا : قال الله تعالى : ( وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيماً ) (76) وهذا نصّ صريح.
قالوا : أبو بكر أيضا مجاهد فلا يلزم تفضيله عليه.
قال يوحنّا : الجهاد الاقلّ إذا نسب إلى الجهاد الاكثر بالنسبة إليه قعود ، وهب أنّه كذلك فما مرادكم بالافضل ؟
قالوا : الذي تجتمع فيه الكمالات والفضائل الجبلّيّة والكسبية كشرف الاصل والعلم والزهد والشجاعة والكرم وما يتفرّع عليها.
قال يوحنّا : فهذه الفضائل كلّها لعلي ـ عليه السلام ـ بوجه هو أبلغ من حصولها لغيره.
قال يوحنّا : أمّا شرف الاصل فهو ابن عمّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، وزوج ابنته ، وأبو سبطيه.
وأمّا العلم فقال النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : أنا مدينة العلم وعلي بابها (77) وقد تقرّر في العقل أن أحدا لا يستفيد من المدينة شيئا إلاّ إذا أخذ من الباب ، فانحصر طريق الاستفادة من النبيّ ـ صلّى الله وآله ـ في علي ـ عليه السلام ـ ، وهذه مرتبة عالية ، وقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ أقضاكم عليّ (78) وإليه تُعزى كلّ قضيّة ، وتنتهي كلّ فرقة ، وتنحاد إليه كلّ طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلّي حلبتها ، كلّ من برع فيها فمنه أخذ ، وبه اقتفى ، وعلى مثاله احتذى ، وقد عرفتم أنّ أشرف العلوم العلم الالهي ، ومن كلامه اقتبس ، وعنه نقل ، ومنه ابتدأ.
____________
(34) ومثله أيضا ، كما في ج13 من تاريخ بغداد ص370 ، قال الحارث بن عمير : وسمعته يقول ( يعنى أبا حنيفة ) : لو أنّ شاهدين شهدا عند قاض ، أنَّ فلان بن فلان طلق امرأته ، وعلما جميعا أنَّهما شهدا بالزور ففرق القاضي بينهما ، ثم لقيها أحد الشاهدين فله أن يتزوج بها.
(35) الفقه على المذاهب الاربعة ج5 ص129.
(36) الفقه على المذاهب الاربعة ج5 ص141.
(37) المستدرك للحاكم ج4 ص355 ، كنز العمال ج5 ص340 ح13129.
(38) الفتاوى الخيريّة ج2 ص150.
(39) سورة النساء : الاية 141.
(40) الفقه على المذاهب الاربعة ج5 ص123.
(41) الفقه على المذاهب الاربعة ج5 ص124.
(42) الفقه على المذاهب الاربعة ج1 ص63.
(43) الفقه على المذاهب الاربعة ج1 ص117.
(44) مسند أحمد ج1 ص25 ، حلية الاولياء ج6 ص342 ، السنن الكبرى للبيهقي ج1 ص41.
(45) الفقه على المذاهب الاربعة ج1 ص242.
(46) الفقه على المذاهب الاربعة ج1 ص26.
(47) الفقه على المذاهب الاربعة ج1 ص68 ، الفقه على المذاهب الخمسة ص37.
(48) الفقه على المذاهب الاربعة : ج1 ص26.
(49) الفقه على المذاهب الاربعة ج1 ص230.
(50) الفقه على المذاهب الاربعة ج1 ص307.
ذكر ابن خلكان في وفيات الاعيان ج2 ، ص86 في ترجمة محمد بن سبكتكين عن إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني في كتابه الذي سماه : مغيث الخلق في اختيار الاحق قال : إنّ السلطان محمود المذكور كان على مذهب أبي حنيفة وكان مولعا بعلم الحديث ، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع وكان يستفسر الاحاديث فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي فوقع في خلده حكمه ، فجمع العلماء من الفريقين في مرو ، والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الاخر فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الشافعي وعلى مذهب أبي حنيفة... فصلى القفال المروزي... إلى أن قال : ثم صلّى ركعتين على ما يُجوّز أبو حنيفة فلبس جلد كلب مدبوغا ثم لطّخ ربعه بالنجاسة وتوضأ بنبيذ التمر وكان في صميم الصيف في المفازة واجتمع عليه الذباب والبعوض وكان وضوؤه منكسا منعكسا ثم استقبل القبلة وأحرم بالصلاة من غير نية في الوضؤ ، وكبر بالفارسية ، ثم قرأ آية بالفارسية دو برگ سبز ثم نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع وتشهد ، وضرط في آخره من غير نية السلام ، وقال : أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة فقال السلطان : ولو لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك ، فأنكرت الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة وأمر السلطان نصرانيا كاتبا يقرأ المذهبين فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال ، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة.
(51) انظر الفقه على المذاهب الاربعة ج5 ص134.
(52) سورة النساء : الاية 23.
(53) أنظر : الامّ للشافعي ج6 ص208 ، الفقه الاسلامي وأدلّته ج5 ص566 ، وقد ذُكر في ( مختصر العلم والعمل ) لابن عبد البر بهامش ( مبيد النقم ومعيد النعم ) للتاج السبيكي الشافعي الابيات التالية : في اختلاف أئمة المذاهب الاربعة وهي :

الشافعـي مــن الائمة قائــل *** ‌اللعب بالشطرنج غيـر حــرام
وأبو حنيفــة قال وهو مصـدق‌ *** في كل ما يروي من الاحكــام
شرب المثلث والمربع جائـــز *** فاشرب على منّ مـن الاثــام
والحبر أحمد حلّ جلد عميــرة‌ *** وبذاك يُستغنـى عن الارحــام
وأباح مالك الفقــاع تكرمــا *** في بطن جارية وظهر غــلام
فاشرب ولط وازنِ وقامر واحتج *** ‌في كلّ مسألـة بقــول إمـام

عن كتاب من فقه الجنس للدكتور الشيخ أحمد الوائلي ص212.
وقال الزمخشري أيضا في هذا المعنى :

إذا سألوا عن مذهبي لم أبـح بـه *** ‌واكتمـه كتمانــه لـي أسلــم
فإن حنفيا قلت قالــوا بأننــي‌ *** أبيح الطّلا وهو الشـراب المحرّم
وإن مالكيا قلت قالــوا بأننـي‌ *** أبيح لهم لحم الكـلاب وهم هـم
وإن شافعيا قلت قالــوا بأننـي *** أبيح نكاح البنت والبنـت تحـرم
وإن حنبليا قلت قالــوا بأننـي *** ‌ثقيل حلولـي بغيـض مجســم
وإن قلت من أهل ‌الحديث وحزبه *** ‌يقولون تيس ليس يـدري ويفهـم
تعجبت من هذا الزمان وأهلــه *** ‌فما أحد من ألسن النـاس يسلـم
وأخرني دهري وقدّم معشــرا *** على أنهم لا يعلمـون وأعلــم
ومذ أفلح الجهـال أيقنـت أنني‌ *** أنا الميم والايـام أفلـح أعلــم

الكشاف للزمخشري ج4 ص310 ( في ترجمة المؤلف ).
(54) الفقه الاسلامي وأدلّته ج7 ص128.
(55) الفقه على المذاهب الاربعة ج5 ص140.
(56) الامام الصادق والمذاهب الاربعة ج2 ص509 ، وممن روى أنه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا ( تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) البخاري في التهجد بالليل ، مسند أحمد بن حنبل ج 1 ، ص120 وص446 ، الترمذي ج1 ص143.
(57) سورة سبأ : الاية 13.
(58) سورة هود : الاية 40.
(59) سورة الانعام : الاية 16.
(60) سورة الاعراف : الاية 17.
(61) سورة البقرة : الاية 243.
(62) سورة الانعام : الاية 37.
(63) سورة الرعد : الاية 1.
(64) صحيح مسلم ج1 ، ص51 ـ 53 ، ح32 ـ 36 ، سنن النسائي ج7 ص77 ـ 79 ، سنن الترمذي ج5 ، ص5 و6 ، ح2606 و2607 ، مسند أحمد ج1 ص11 ـ 19 ، المصنّف لعبد الرزّاق ج4 ص43 ـ 44 ح6916.
(65) انظر : عقائد الامامية الاثني عشرية للسيّد إبراهيم الزنجاني ج1 ص80 ، قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 20 ص221 :
والقول بالتفضيل ( أي تفضيل امير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ على جميع الصحابة ) قول قديم قد قال به كثير من الصحابة والتابعين ، فمن الصحابة عمّار ، والمقداد ، وأبوذر ، وسلمان ، وجابر بن عبد الله ، وأبي بن كعب ، وحذيفة ، وبُريدة ، وأبو أيوّب ، وسهل بن حنيف ، وعثمان بن حنيف ، وأبو الهيثم بن التيّهان ، وخزيمة بن ثابت ، وأبو الطفيل عامر بن واثلة ، والعباس بن عبد المطلب وبنوه ، وبنو هاشم كافة وبنو المطلب كافة.
وكان من بني أمية قوم يقولون بذلك منهم خالد بن سعيد بن العاص ، ومنهم عمر بن عبد العزيز.
وقال في ص226 : فأما من قال بتفضيله على الناس كافة من التابعين فخلق كثير ، كأويس القرني ، وزيد بن صوحان ، وصعصعة أخيه ، وجندب ، وعبيدة السلماني ، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة ، ولم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر ، إلا لمن قال بتفضيله ، ولم تكن مقالة الامامية ومن نحا نحوها من الطاعنين في إمامة السلف مشهورة حينئذٍ على هذا النحو من الاشتهار ، فكان القائلون بالتفضيل هم المسمون الشيعة ، وجميع ما ورد من الاثـار والاخبار في فضل الشيعة وأنهم موعودون بالجنة فهؤلاء هم المعنيون به دون غيرهم...
(66) الرياض النضرة لمحبّ الدين الطبري ج1 ص136.
(67) إحقاق الحقّ ج4 ص254 ، تاريخ بغداد ج7 ص421 ، تهذيب التهذيب ج9 ص 419 ، وقد تقدمت بعض المصادر بالاضافة إلى ماهنا.
(68) إحقاق الحقّ ج4 ص49 ـ 50.
(69) إحقاق الحقّ ج4 ص54 ، مواقف الايجي ج3 ص276 ، مجمع الزوائد ج9 ص113 ، الغدير للاميني ج3 ص22.
(70) إحقاق الحقّ ج4 ص76 ، وفي هذا المعنى يقول الازري عليه الرحمة :

حسبك الله في مآثــر شتى‌ *** هي مثل الاعـداد لا تتنـاهى
ليت عيناً بغير روضك ترعى *** ‌قذيت واستمر فيهـا قذاهــا
أنت بعد النبي خير البرايــا *** والسما خير ما بهـا قمراهـا
لك ذات كذاته حيث لــولا *** أنها مثلـهـا لمــا آخاهـا
قد تراضعتما بثدي وصـال‌ *** كان من جوهر التجلي غذاها

(71) مسند أحمد ج5 ص25 ، المعجم الكبير للطبراني ج20 ص229 ـ 230 ح538 ، مجمع الزوائد ج9 ص102 ، كنز العمّال ج11 ص605 ح32924.
(72) المعجم الكبير للطبراني ج1 ص226 ح730 ، تاريخ بغداد ج9 ص369 ، كنز العمّال ج13 ص167 ح36507 ، وقد أُفردت لهذا الحديث كتابٌ مستقلّة ، مثل : قصّة الطير للحاكم النيسابوري المتوفّى سنة 405 ه‍‍ ، وقد تقدم بعض المصادر لهذا الحديث فراجع.
(73) صحيح الترمذي : ج5 ص595 ح3721 ، مجمع الزوائد ج9 ص126 ، المستدرك ج3 ، ص130 ـ 131 ، مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي ج3 ص1721 ح6085 ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص34 ح12.
(74) مناقب الخوارزمي : ص110 ح118 ، فرائد السمطين ج1 ص223 ح174.
(75) كفاية الطالب : ص270 ، حلية الاولياء ج1 ص65 ـ 66.
(76) سورة النساء : الاية 95.
(77) راجع : ابن جرير الطبري في مسند علي من تهذيب الاثار ص105 ح173 ، المستدرك ج3 ص126 ، مجمع الزوائد ج9 ص114 ، المعجم الكبير للطبراني ج11 ص65 ـ 66 ح11061 ، تـاريخ بغـداد ج4 ص348 ، كنز العمّال ج11 ص614 ، ح32977 و32978 ، ذخائر العقبى ص83 ، وقد أفردت لهذا الحديث كتب مستقلة ، مثل فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي ، للمغربي.
(78) طبقات ابن سعد ج2 ص135 ، ذخائر العقبى ص83 ، مناقب الخوارزمي ص81 ح 66 ، مسند أحمد ج5 ص113.
فإنّ المعتزلة الذين هم أهل النظر ومنهم تعلّم الناس هذا الفنّ هم تلامذته ، فإنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفيّة (79) ، وأبو هاشم عبد الله تلميذ أبيه ، وأبوه تلميذ علي بن أبى طالب ـ عليه السلام ـ.
وأمّا الاشعريوّن فإنّهم ينتهون إلى أبي الحسن الاشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي ، وهو تلميذ واصل بن عطاء (80).
وأمّا الامامية والزيدية فانتهاؤهم إليه ظاهر.
وأمّاعلم‌الفقه فهو أصله‌ وأساسه ، وكل‌ّ فقيه‌ في‌ الاسلام ‌فإليه ‌يعزي‌ نفسه.
أمّا مالك فأخذ الفقه عن ربيعة الرأي ، وهو أخذ عن عكرمة ، وهو أخذ عن عبد الله ، وهو أخذ عن علي.
وأمّا أبو حنيفة فعن الصادق ـ عليه السلام ـ.
وأمّا الشافعي فهو تلميذ مالك ، والحنبلي تلميذ الشافعي (81) ، وأمّا فقهاء الشيعة فرجوعهم إليه ظاهر ، وأمّا فقهاء الصحابة فرجوعهم إليه ظاهر كابن عبّاس وغيره ، وناهيكم قول عمر غير مرّة : لا يفتين أحد في المسجد وعلي حاضر وقوله : لا بقيـت لمعضلـة ليس لهـا أبو الحسن (82) ، وقوله : لو لا علي لهلك عمر (83).
وقال الترمذي في صحيحه والبغوي عن أبي بكر قال : قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى يحيى بن زكريّا في زهده ، وإلى موسى بن عمران في بطشه فلينظر إلى علي بن أبى طالب (84).
وقال البيهقي بإسناده إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في تقواه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في عبادته ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب (85) وهو الذي بيّن حدّ الشرب (86) ، وهو الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستّة أشهر (87) ، وبقسمة الدراهم على صاحب الارغفة (88) والامر بشقّ الولد نصفى (89) ، والامر بضرب عنق العبد ، والحاكم في ذي الرأسين (90) مبين أحكام البغاة (91) ، وهو الذي أفتـى في الحامل الزانية (92).
ومن العلوم علم التفسير ، وقد علم الناس حال ابن عبّاس فيه وكان تلميذ علي ـ عليه السلام ـ. وسئل فقيل له : أين علمك من علم ابن عمّك ؟
فقال : كبشة مطرفي البحر المحيط (93).
ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة ، وعلم التصوّف ، وقد علمتم أنّ أرباب هذا الفنّ في جميع بلاد الاسلام إليه ينتهون ، وعنده يقفون ، وقد صرّح بذلك الشبلي والحنبلي وسرى السقطي وأبو زيد البسطامي وأبو محفوظ معروف الكرخي وغيرهم ، ويكفيكم دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم وكونهم يسندونها بإسناد معنعن إليه أنّه واضعها (94).
ومن العلوم علم النحو والعربية ، وقد علم الناس كافّة أنّه هو الذي ابتدعه وأنشأه ، وأملى على أبي الاسود الدؤلي جوامع تكاد تلحق بالمعجزات ، لانّ القوّة البشريّة لا تفي بمثل هذا الاستنباط.
فأين من هو بهذه الصفة من رجل يسألونه ما معنا ( أبّا ) فيقول : لا أقول في كتاب الله برأيي ، ويقضي في ميراث الجدّ بمائة قضية يغاير بعضها بعضا ، ويقول : إن زغت فقوّموني وإن استقمت فاتّبعوني (95).
وهل يقيس عاقل مثل هذا إلى من قال : سلوني قبل أن تفقدوني (96) ، سلوني عن طرق السماء فوالله اني لاعلم بها منكم من طرق الارض ؟ وقال : إنّ هاهنا لعلما جما ، وضرب بيده على صدره ، وقال : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا فقد ظهر أنّه أعلم (97).
وأمّا الزهد فإنّه سيّد الزهّاد ، وبدل الابدال ، وإليه تُشدّ الرحال ، وتنقص الاحلاس ، وما شبع من طعام قطّ ، وكان أخشن الناس لبسا ومأكلاً.
قال عبد الله بن أبي رافع : دخلت على علي ـ عليه السلام ـ يوم عيد فقدم جرابا مختوما فوجد فيه خبزا شعيرا يابسا مرضوضا فتقدّم فأكل.
فقلت : يا أمير المؤمنين فكيف تختمه وإنّما هو خبز شعير ؟
فقال : خفت هذين الولدين يلتانه بزيت أو سمن (98). وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة وبليف أُخرى ، ونعلاه من ليف ، وكان يلبس الكرباس الغليظ فإن وجد كمه طويلاً قطعه بشفرة ولم يخيطه ، وكان لا يزال ساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى بلا لحمة ، وكان يأتدم إذا ائتدم بالخلّ والملح فإن ترقّى عن ذلك فبعض نبات الارض ، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الابل ، ولا يأكل اللحم إلاّ قليلاً ويقول : لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوانات ، وكان مع ذلك أشدّ الناس قوّة ، وأعظمهم يدا (99).
وأمّا العبادة فمنه تعلّم الناس صلاة الليل ، وملازمة الاوراد ، وقيام النافلة ، وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير ، ومن محافظته على ورده أن بسط له نطع بين الصفّين ليلة الهـرير فيصلّي عليه والسهام تقع عليه وتمرّ على صماخيه يمينا وشمالاً فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته.
فأنت إذا تأمّلت دعواته ومناجاته ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وتعالى وإجلاله وما تضمّنته من الخضوع لهيبته والخشوع لعزّته عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص.
وكان زين العابدين ـ عليه السلام ـ يصلّي في كلّ ليلة ألف ركعة ويقول : أنّى لي بعبادة علي ـ عليه السلام ـ (100).
وأمّا الشجاعة فهو ابن جلاها وطلاّع ثناياها ، نسى الناس فيها ذكر من قبله ، ومحى اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحروب مشهورة تُضرب بها الامثال إلى يوم القيامة ، وهو الشجاع الذي ما فرقط ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز أحدا إلاّ قتله ، ولا ضرب ضربة قطّ فاحتاجت إلى ثانية.
وجاء في الحديث إذا ضرب واعتلا قدّ ، وإذا ضرب واعترض قطّ ، وفي الحديث : كانت ضرباته وترا (101) ، وكان المشركون إذا أبصروه في الحرب عهد بعضهم إلى بعض ، وبسيفه شيّدت مباني الدين ، وثبتت دعائمه ، وتعجّبت الملائكة من شدّة ضرباته وحملاته.
وفي غزوة بدر الداهية العظمى على المسلمين قتل فيها صناديد قريش كالوليد بن عتبة والعاص بن سعيد ونوفل بن خويلد الذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة وعذّبهما ، وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ : الحمد للّه الذي أجاب دعوتي فيه (102) ولم يزل في ذلك يصرع صنديدا بعد صنديد حتى قتل نصف المقتولين فكان سبعين ، وقتل المسلمون كافّة مع ثلاثة الاف من الملائكة مسوّمين النصف الاخر (103) ، وفيه نادى جبرئيل :

لا سيف إلاّ ذوالفقار *** ولا فتى إلاّ علـي (104)

ويوم أُحد لما انهزم المسلمون عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ‍ ورُمي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى الارض وضربه المشركون بالسيوف والرماح وعلي ـ عليه السلام ـ مصلت سيفه قدّامه ، ونظر النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعد إفاقته من غشوته فقال : يا علي ما فعل المسلمون ؟
فقال : نقضوا العهود وولّوا الدبر.
فقال : اكفني هؤلاء ، فكشفهم عنه ولم يزل يصادم كتيبة بعد كتيبة وهو ينادي المسلمين حتى تجمّعوا وقال جبرئيل ـ عليه السلام ـ : إنّ هذه لهي المواساة ، لقد عجبت الملائكة من حسن موالاة علي لك بنفسه.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ : وما يمنعه من ذلك وهو منّي وأنا منه (105). ولثبات علي ـ عليه السلام ـ رجع بعض المسلمين ورجع عثمان بعد ثلاثة أيّام ، فقال له النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : فقد ذهبت بها عريضة (106).
وفي غزاة الخندق إذ أحدق المشركون بالمدينة كما قال الله تعالى : ( إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر ) (107) ، ودخل عمرو بن عبدودّ الخندق على المسلمين ونادى بالبراز فأحجم عنه المسلمون وبرز علي ـ عليه السلام ـ متعمّما بعمامة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وبيده سيف فضربه ضربة كانت توازن عمل الثقلين إلى يوم القيامة (108) ، وأين هناك أبو بكر وعمر وعثمان.
ومن نظر غزوات الواقدي وتاريخ البلاذري علم محلّه من رسول الله من الجهاد وبلاءه يوم الاحزاب ، وهو يوم بني المصطلق ، ويوم قلع باب خيبر ، وفي غزاة خيبر ، وهذا باب لا يغني الاطناب فيه لشهرته.
وروى أبو بكر الانباري في أماليه أنّ عليا ـ عليه السلام ـ جلس إلى عمر في المسجد وعنده أُناس ، فلمّا قام عرّض واحد بذكره ونسبه إلى التيه والعجب.
فقال عمر : لمثله أن يتيه والله لولا سيفه لما قام عمود الدين ، وهو بعد أقضى الاُمّة وذو سابقتها ، وذو شأنها.
فقال له ذلك القائل : فما منعكم يا أمير المؤمنين منه ؟
فقال : ما كرهناه إلاّ على حداثة سنّه ، وحبّه لبني عبد المطّلب ، وحمله سورة براءة إلى مكّة.
ولما دعا معاوية إلى البراز لتسريح الناس من الحرب بقتل أحدهما فقال له عمرو : قد أنصفك الرجل.
فقال له معاوية : ما غششتني كلّما نصحتني إلاّ اليوم ، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنّه الشجاع المطوق ؟ أراك طمعت في إمارة الشام بعدي (109).
وكانت العرب تفتخر لوقوعها في الحرب في مقابلته ، فأمّا قتلاه فافتخر رهطهم لانّه ـ عليه السلام ـ قتلهم وأظهر وأكثر من أن يحصى وقالت (110) في عمرو بن عبدود ترثيه :

لو كان قاتل عمـرو غير قاتلـه‌ *** بكيته أبدا ما عشـت في الابـــد
لكن قاتلـه من لا نظيــر لـه *** ‌قد كان يدعى أبوه بيضة البلد (111)

وجملة الامر أنّ كلّ شجاع في الدنيا إليه ينتمي ، وباسمه من مشارق الارض ومغاربها.
وأمّا كرمه وسخاؤه فهو الذي كان يطوي في صيامه حتى صام طاويا ثلاثة أيام يؤثر السّؤال كلّ ليلة بطعامه حتى أنزل الله فيه : ( هل أتى على الانسان ) (112) وتصدّق بخاتمه في الركوع فنزلت الاية : ( إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (113) ، وتصدّق بأربعة دراهم فأنزل الله فيه الاية : ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّا وعلانية ) (114) وتصدّق بعشرة دراهم يوم النجوى (115) فخفّف الله سبحانه عن سائر الاُمّة بها ، وهو الذي كان يستسقي للنخل بيده ويتصدّق بأجرته ، وفيه قال معاوية بن أبي سفيان الذي كان عدوّه لمحفن الضبي لما قال له : جئتك من عند أبخل الناس ، فقال : ويحك كيف قلت ؟ تقول له أبخل الناس ولو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن لانفق تبره قبل تبنه (116) ، وهو الذي يقول : يا صفراء ويا بيضاء غرّي غيري ، بي تعرّضت أم لي تشوّقت ، هيهات هيهات قد طلّقتك ثلاثا لا رجعة فيها (117) ، وهو الذي جاد بنفسه ليلة الفراش وفدى النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ حتى نزل في حقّه : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) (118).
قال يوحنّا : فلمّا سمعوا هذا الكلام لم ينكره أحد منهم ، وقالوا : صدقت إنّ هذا الذي قلت قرأناه من كتبنا ونقلناه عن أئمتنا لكن محبّة الله ورسوله وعنايتهما أمر وراء هذا كلّه ، فعسى الله أن يكون له عناية بأبي بكر أكثر من علي فيفضّله عليه.
قال يوحنّا : إنّا لا نعلم الغيب ، ولا يعلم الغيب إلاّ الله تعالى ، وهذا الذي قلتموه تخرص ، وقال الله تعالى : ( قتل الخرّاصون ) (119) ونحن إنّما نحكم بالشواهد التي لعلي ـ عليه السلام ـ على أفضليته فذكرناها.
وأمّا عناية الله به فتحصل من هذه الكمالات دليل قاطع عليها ، فأيّ عناية خير من أن يجعل بعد نبيّه أشرف الناس نسبا ، وأعظمهم حلما ، وأشجعهم قلبا ، وأكثرهم جهادا وزهدا وعبادة وكرما وورعا ، وغير ذلك من الكمالات القديمة ، هذا هو العناية.
وأمّا محبّة الله ورسوله فقد شهد بها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في مواضع ؛ منها: الموقف الذي لم ينكر وهو يوم خيبر ، إذ قال النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : لاعطينّ الراية غدا رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله (120) فأعطاها عليا.
____________
(79) هو عبد الله بن محمد بن الحنفية الملقب بالاكبر ، والمكنى بأبي هاشم ، إمام الكيسانية مات سنة 98 أو 99. تنقيح المقال للمامقاني ج2 ص212.
(80) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص17.
(81) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص17 ـ 18.
(82) مناقب‌ الخوارزمي ‌ص96 ـ 97 ، ح97 و98 ، فرائد السمطين ‌ج1 ، ص344 ـ 345 ، ح266 و267.
(83) فيض القدير ج4 ، ص357 ، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة ج2 ، ص309 ، علي إمام المتّقين لعبد الرحمن الشرقاوي ج1 ، ص100 ـ 101 ، مناقب ابن شهر آشوب ج2 ، ص361.
(84) البداية والنهاية ج7 ، ص356 ، كفاية الطالب ص121.
(85) كنز العمال ‌ص226 ، الرياض‌ النضرة ج2 ص218 ، كفاية ‌الطالب ص122، الغدير ج3 ص353.
(86) الموطأ لمالك ج2 ص842 ح2 ، المستدرك ج4 ص375 ، فضائل الخمسة ج2 ص 310.
(87) الاستيعاب ج3 ، ص1103 ، شرح البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص19 ، وذكر القرطبي في تفسيره ج16 ص390 ، عند الكلام على تفسير قوله تعالى : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ) سورة الاحقاف : الاية 15 ، ان عثمان قد أوتي بامرأة ولدت لستة اشهر ، فأراد أن يقضي عليها الحق فقال له علي ـ عليه السلام ـ ليس ذلك عليها ، قال الله تعالى ( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ).
(88) الاستيعاب ج3 ، ص1105 ـ 1106 ، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة ج2 ص 302 ، ذخائر العقبى ص84 ، الصواعق المحرقة ص77.
(89) مناقب ابن شهر اشوب ج2 ص367 ، الفصول المائة ج5 ص336 ح15 ، كنز العمال ج3 ص379 ، بحار الانوار ج40 ص252 ، الغدير ج6 ص174.
(90) كنز العمال ج3 ص179 ، بحار الانوار ج40 ص257.
(91) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج9 ص231 ، كتاب الام ج4 ص233 ، باب الخلاف في قتال أهل البغي ، وقد قال الشافعي : عرفنا حكم البغاة من علي ـ عليه السلام ـ‍ .
(92) فقد روي أنه أُتي عمر بن الخطاب بامرأة حامل قد اعترفت بالفجور فأمر برجمها فلقاها علي فقال : ما بال هذه فقالوا : أمر عمر برجمها ، فردها علي ـ عليه السلام ـ وقال : هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها ولعلك انتهرتها ، أو أخفتها ، قال : قد كان ذلك ، قال : أو ما سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قال : لاحدّ على معترف بعد بلاء أنه من قيد أو حبس أو تهدد فلا إقرار له ، فخلى سبيلها ثم قال : عجزت النساء أن تلد مثل علي بن ابي طالب، لولا علي لهلك عمر. راجع : الرياض النضرة ج3 ص163 ، ذخائر العقبى ص81 ، مطالب السؤول ص13 ، مناقـب الخـوارزمي ص48 ، الاربعين للفخرالرازي ص466 ، الغدير ج6 ص110.
(93) نهج الحق وكشف الصدق ص238 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص19.
(94) نهج الحق وكشف الصدق ص228 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص19.
(95) تقدمت تخريجاته.
(96) تقدمت تخريجاته.
(97) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج7 ص253 ، وقد تقدمت تخريجاته فيما سبق.
(98) فرائد السمطين ج1 ص352 ح277 ، مناقب الخوارزمي ص118 ح130.
(99) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص26.
(100) الارشاد للمفيد ص256 ، إعلام الورى ص255 ، بحار الانوار ج46 ص74 ح62.
(101) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص20.
(102) المغازي للواقدي ج1 ص92.
(103) المغازي ج1 ص147 ـ 152 ، الارشاد للشيخ المفيد ص41 ـ 43 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص24.
(104) مناقب الخوارزمي ص167 ح200 ، مناقب ابن المغازلي ص198 ـ 199 ، ح235 ، كفاية الطالب ص277 ، الطبري ج2 ص197 ، ابن هشام في السيرة ج3 ص52 ، سنن البيهقي ج3 ص276 ، المستدرك ج2 ص385 ، الرياض النضرة ج3 ص155 ، ذخائر العقبى ص74 ، ميزان الاعتدال ج2 ص317 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص29.
(105) ذخائر العقبى ص68 ، فضائل الصحابة لاحمد ج2 ص594 ح1010 ، مجمع الزوائد ج6 ص114 ، نهج الحق وكشف الصدق ص249.
(106) تاريخ الطبري ج2 ص203 ، الكامل لابن الاثير ج2 ، ص110 ، السيرة الحلبية ج2 ص227 ، البداية والنهاية ج4 ص28 ، السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص55 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج15 ص21 ، الدر المنثور ج2 ص89.
(107) سورة الاحزاب : الاية 10.
(108) المغازي للواقدي ج2 ص470 ـ 471 ، وقد تقدم حديث قتل عمر بن ود.
(109) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص20 وج8 ص53.
(110) وهي أخته عمرة وكنيتها أم كلثوم.
(111) المستدرك على الصحيحين ج3 ص33 ، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص62 ، الارشاد للمفيد ج1 ص108 ، لسان العرب لابن منظور ج7 ص127.
(112) سورة الانسان : الاية 1 ، تقدمت تخريجاتها.
(113) سورة المائدة : الاية 55.
نزول هذه الاية في امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ مما اتفق عليه المفسرون والمحدثون راجع : شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج1 ص161 ـ 184 ح216 ـ 241 ، ترجمة الامام علي بن ابي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ج2 ص409 ح908 و909 ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص228 و 250 و 251 ، ط الحيدرية وص106 و 122 و 123 ، ط الغربي ، ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري الشافعي ص88 و102 ، المناقب للخوارزمي الحنفي ص187 ، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص123 و108 ، الدر المنثور للسيوطي ج2، ص293 ، فتح القدير للشوكاني ج2 ص53 ، الكشاف للزمخشري ج1 ص649 ، تفسير الطبري ج6 ص288 ، تفسير القرطبي ج6 ص219 ، أسباب النزول للواحدي ص148 ط الهندية وص113 ط الحلبي بمصر ، نور الابصار للشبلنجي ص71 ، ص العثمانية وص70 ط السعيدية بمصر ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص115 ط اسلامبول وص135 ط الحيدرية ، تفسير الفخر الرازي ج12 ص26 و 20 ط البهية بمصر وج3 ص431 ط الدار العامرة بمصر ، تفسير ابن كثير ج2 ص26 و 20 ، ط البهية بمصر وج3 ص431 ، ط الدار العامرة بمصر ، تفسير ابن كثير ج2 ص71 ط دار إحياء الكتب ، أحكام القرآن للجصاص ج4 ص102 ط عبد الرحمن محمد ، مجمع الزوائد ج7 ص17 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج13 ص277 ط مصر بتحقيق محمد ابو الفضل وج3 ص275 ط 1 بمصر ، الصواعق المحرقة لابن حجر ص24 ط‍ الميمنية وص39 المحمدية ، جامع الاصول ج9 ص478 ، احقاق الحق ج4 ص399 ، الغذير للاميني ج2 ص52 وج3 ص156.
(114) سورة البقرة الاية 274.
فقد روى الجمهور أن هذه الاية نزلت في أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ كانت معه أربعة دراهم ، أنفق في الليل درهما ، وفي النهار درهماً ، وفي السر درهما ، وفي العلانية درهما.
راجع : شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج1 ، ص109 ، ح155 ـ 163 ، مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص280 ، ح 325 ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص232 ، ط الحيدرية وص108 ، ط الغري ، أسباب النزول للواحدي ص50 ، ط‍ الحلبي وص64 ، ط الهندية بمصر ، الكشاف للزمخشري ج1 ، ص319 ، ط بيروت وج1 ، ص164 ط مصر ، ذخائر العقبى للطبري الشافعي ص88 ، تذكرة الخواص للسبط‍ بن الجوزي الحنفي ص14 ، نور الابصار للشبلنجي ص71 ، ط العثمانية وص71 ، ط‍ السعيدية ، تفسير الفخر الرازي ج7 ، ص89 ، ط البهية بمصر ، تفسير القرطبي ج3 ، ص347 ، تفسير ابن كثير ج1 ، ص326 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ، ص 21 وج13 ، ص276 ، مجمع الزوائد ج6 ، ص324 ، الدر المنشور للسيوطي الشافعي ج1 ، ص363 ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص92 و212 ، ط اسلامبول وص106 و250 ، ط الحيدريه ، المناقب للخوارزمي الحنفي ص198. ترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ج2 ، ص413 ، ح911 و912 ، اُسد الغابة ج4 ، ص25 ، معالم التنزيل للبغوي الشافعي بهامش تفسير الخازن ج1 ، ص249 ، احقاق الحق للتستري ج3 ، ص246 ، فرائد السمطين ج1 ، ص356.
(115) تقدمت تخريجاته.
(116) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص22.
(117) نهج البلاغة صبحي الصالح ص480 ـ 481 ، قصار الحكم 77.
(118) سورة البقرة : الاية 207 ، تقدمت تخريجات نزولها.
(119) سورة الذاريات : الاية 10.
(120) ترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر ج1 ص205 ح269 و ص157 ح219 ـ 231 ، سنن الترمذي ج5 ص596 ح3724 ، فرائد السمطين ج1 ص259، مجمع الزوائد ج6 ص151 ، المستدرك للحاكم ج3 ص38 وص437 ، عيون الاثر ج2 ص132 ، مسند أحمد بن حنبل ج2 ص384 ، صحيح مسلم ج4 ص1871 ح33 ـ ( 2405 ) ، أنساب الاشراف للبلاذري ج2 ص93 ، خصائص النسائي ص34 ح11 ، مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص181 ح216 ،الطبقات لابن سعد ج2 ص110 ، ينابيع المودة ص49 ، المعجم الصغير للطبراني ج2 ص100 ، مسند أبي داود الطيالسي ص320 ، تذكرة الخواص للسبط بن الجوزي ص24 ، السنن الكبرى للبيهقي ج9 ص106 وص131 ، حلية الاولياء ج1 ص62 ، أسنى المطالب للجزري ص62 ، صحيح البخاري ج5 ص22 ، اُسد الغابة ج4 ص21 ، البداية والنهاية ج4 ص182 ، تاريخ الطبري ج3 ص12 ، ذخائر العقبى ص87 ، تاريخ الاسلام للذهبي ج2 ص194 ، العقد الفريد ج2 ص194 ، الكامل في التاريخ ج2 ص149 ، مروج الذهب ج3 ص14 ، إحقاق الحق ج5 ص400 ، فضائل الخمسة ج2 ص161.
ولقد تمنّى عمر بن الخطاب أن تكون له هذه الفضيلة التى حاز عليها أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ.
فقد روي أن عمر قال : لقد أُعطى علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ ثلاثا لان تكون لي واحدة منها أحب إليَّ من حمر النعم : زوجته بنت رسول الله ، وسكناه المسجد مع رسول الله يحل له ما يحل له فيه ، والراية يوم خيبر .
انظر : المستدرك للحاكم ج3 ص125 ، مسند أحمد ج2 ص26 ، ينابيع المودة للقندوزي ص210 ، المناقب للخوارزمي ص322 ح354 ، ترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر ج1 ص220 ح283 ، الصواعق المحرقة ص125، مجمع الزوائد ج9 ص120 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص172 ، نظم درر السمطين ص129 ، فرائد السمطين ج1 ص345 ح268 ، أسنى المطالب للجزري ص65 ، فضائل الخمسة ج2 ص250 ، الغدير ج3 ص204.
وروى عالمكم أخطب خوارزم في كتاب المناقب أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال : يا علي لو أنّ عبدا عبد الله عزّ وجلّ مثلما قام نوح في قومه ، وكان له مثل جبل أُحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ، ومدّ في عمره حتى حجّ ألف حجّة على قدميه ، ثمّ قتل ما بين الصفا والمروة مظلوما ثمّ لم يوالك يا علي لم يشمّ رائحة الجنّة ولم يدخلها (121).
وفي الكتاب المذكور قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ : لو اجتمع الناس على حبّ علي بن أبي طالب لم يخلق الله النار (122) وفي كتاب الفردوس : حبّ علي حسنة لا تضرّ معها سيّئة ، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة (123).
وفي كتاب ابن خالويه عن حذيفة بن اليمان قال ، قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ : من أراد أن يتصدّق بفصّه الياقوت التي خلق الله بيده ثمّ قال لها: كوني فكانت فليتول علي بن أبي طالب بعدي .
وفي مسند أحمد بن حنبل في المجلّد الاوّل : أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أخذ بيد حسن وحسين وقال : من أحبّني وأحبّ هذين وأحبّ أباهما كان معي في درجتي يوم القيامة (124).
قال يوحنّا : يا أئمة الاسلام هل بعد هذا كلام في قول الله تعالى ورسوله في محبّته وفي تفضيله على من هو عاطل عن هذه الفضائل ؟ قالت الائمّة : يا يوحنّا ، الرافضة يزعمون أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ أوصى بالخلافة إلى علي ـ عليه السلام ـ ونصّ عليه بها ، وعندنا أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ لم يوص إلى أحد بالخلافة.
قال يوحنّا : هذا كتابكم فيه : ( كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إن ترك خيرا الوصيّة للوالدين والاقربين ) (125).
وفي بخاريّكم يقول : قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ : ما من حق امرئ مسلم أن يبيت إلاّ وصيته تحت رأسه (126) أفتصدقون أنّ نبيّكم يأمر بما لا يفعل مع أنّ في كتابكم تقريعاً للذي يأمر بما لا يفعل من قوله : ( أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) (127) فوالله إن كان نبيّكم قد مات بغير وصيّة فقد خالف أمر ربّه ، وناقض قول نفسه ، ولم يقتد بالانبياء الماضية من إيصائهم إلى من يقـوم بالامـر من بعـدهم ، علـى أنّ الله تعالى يقول : ( فبهداهم اقتده ) (128) لكنّه حاشاه من ذلك وإنّما تقولون هذا لعدم علم منكم وعناد ، فإنّ إمامكم أحمد بن حنبل روى في مسنده أنّ سلمان قال : يا رسول الله فمن وصيّك ؟
قال : يا سلمان مَنْ كان وصيّ أخي موسى ـ عليه السلام ـ ؟
قال : يوشع بن نون ! قال : فإنّ وصيّي ووارثي علي بن أبي طالب.
وفي كتاب ابن المغازليّ الشافعي بإسناده عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال : لكلّ نبيّ وصيّ ووارث ، وأنا وصيّي ووارثي علي بن أبي طالب (129).
وهذا الامام البغوي محيي سنّة الدين ، وهو من أعاظم محدّثيكم ومفسّريكم ، وقد روى في تفسيره المسمّى بمعالم التنزيل عند قوله تعالى : ( وأنذر عشيرتك الاقربين ) (130) ، عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه قال : لمّا نزلت هذه الاية أمرني رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ‍ أن أجمع له بني عبد المطّلب فجمعتهم وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون ، فقال لهم بعد أن أضافهم برجل شاة وعسّ من لبن شبعا وريّا وإنّه كان أحدهم ليأكله ويشربه : يا بني عبد المطّلب إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة ، وقد أمرني ربّي أن أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني عليه ، ويكون أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي ؟ فلم يجبه أحد.
قال علي : فقمت إليه ، وقلت : أنا أُجيبك يا رسول الله.
فقال لي : أنت أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فقاموا يضحكون ويقولون لابي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (131).
وهذه الرواية قد رواها أيضا إمامكم أحمد بن حنبل في مسنده (132) ومحمد بن إسحاق الطبري في تاريخه (133) والخركوشي أيضا رواها ، فإن كانت كذبا فقد شهدتم على أئمتكم بأنّهم يروون الكذب على الله ورسوله ، والله تعالى يقول : ( ألا لعنة الله على الظالمين ) (134) ( الذين يفترون على الله الكذب ) (135) ، وقال الله تعالى في كتابه : ( فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) (136) وإن كان لم يكذبوا وكان الامر على ذلك فما ذنب الرافضة ؟ إذن فاتّقوا الله يا أئمة الاسلام ، بالله عليكم ماذا تقولون في خبر الغدير الذي تدّعيه الشيعة ؟
قال الائمة : أجمع علماؤنا على أنّه كذب مفترى.
قال يوحّنا : الله أكبر ، فهذا إمامكم ومحّدثكم أحمد بن حنبل روى في مسنده إلى البراء بن عازب قال : كنّا مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في سفر فنزلنا بغدير خم (137) فنودي فينا الصلاة جامعة وكشح لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ تحت شجرتين ، وصلّى الظهر ، وأخذ بيد علي ـ عليه السلام ـ فقال : ألستم تعلمون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه ؟
قالوا : بلى فأخذ بيد علي ورفعها حتى بان بياض إبطيهما وقال لهم : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله.
فقال له عمر بن الخطّاب : هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.
ورواه في مسنده بطريق آخر وأسنده إلى أبي الطفيل ، ورواه بطريق آخر وأسنده إلى زيد بن أرقم (138) ، ورواه ابن عبد ربّه في كتاب العقد (139) ، ورواه سعيد بن وهب ، وكذا الثعالبي في تفسيره (140) وأكّد الخبر مما رواه من تفسير ( سأل سائل ) أنّ حارث بن النعمان الفهري أتى رسول اللهـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في ملأ من أصحابه فقال : يا محمد أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّك محمد رسول الله فقبلنا ، وأمرتنا أن نصلّي خمسا فقبلنا منك ، وأمرتنا أن نصوم شهر رمضان فقبلنا ، وأمرتنا أن نحجّ البيت فقبلنا ، ثمّ لم ترض حتى رفعت بضبعي ابن عمّك ففضّلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعليّ مولاه فهذا شيء منك أم من الله ؟
فقال : والله الذي لا إله إلاّ هو ، إنّه أمر من الله تعالى ، فولّى الحارث بن النعمان وهو يقول : اللهمّ إن كان ما يقول محمد ـ صلّى الله عليه وآله ـ‍ حقّا فأمطر علينا حجارة من السماء ، فما وصل إلى راحلته حتى رمى الله بحجر فسقط على رأسه وخرج من دبره فخرّ صريعا ، فنزل : ( سأل سائل بعذاب واقع ) (141) ، فكيف يجوز منكم أن يروي أئمّتكم وأنتم تقولون: إنّه مكذوب غير صحيح ؟
قال الائمة : يا يوحنّا قد روت أئمّتنا ذلك لكن إذا رجعت إلى عقلك وفكرك علمت أنّه من المحال أن ينصّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ على علي بن أبي طالب الذي هو كما وصفتم ثمّ يتّفق كلّ الصحابة على كتمان هذا النصّ ويتراخون عنه ، ويتّفقون على إخفائه ، ويعدلون إلى أبي بكر التيمي الضعيف القليل العشيرة ، مع أنّ الصحابة كانوا إذا أمرهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بقتل أنفسهم فعلوا ، فكيف يصدّق عاقل هذا الحال من المحال ؟
قال يوحنّا : لا تعجبوا من ذلك فأمّة موسى ـ عليه السلام ـ كانوا ستّة أضعاف أُمّة محمد ـ صلّى عليه وآله وسلّم ـ ، واستخلف عليهم أخاه هارون وكان نبيّهم أيضا وكانوا يحبّونه أكثر من موسى ، فعدلوا عنه إلى السامريّ ، وعكفوا على عبادة عجل جسد له خوار ، فلا يبعد من أُمّة محمد أن يعدلوا عن وصيّه بعد موته إلى شيخ كان رسول الله ـ صّلى الله عليه وآله وسلّم ـ تزوّج ابنته ، ولعلّه لو لم يرد القرآن بقصّة عبادة العجل لما صدّقتموها.
قال الائمة : يا يوحنّا فلم لا ينازعهم بل سكت عنهم وبايعهم ؟
قال يوحنّا : لا شكّ أنّه لما مات رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كان المسلمون قليلاً ، واليمامة فيها مسيلمة الكذاب وتبعه ثمانون ألفاً والمسلمون الذين في المدينة حشوهم منافقون ، فلو أظهر النزاع بالسيف لكان كلّ من قتل علي بن أبي طالب بنيه أو أخاه كان عليه وكان الناس يومئذ قليل من لم يقتل علي من قبيلته وأصحابه وأنسابه قتيلاً أو أزيد وكانوا يكونون عليه ، فلذلك صبر وشاققهم على سبيل الحجّة ستّة أشهر بلا خلاف بين أهل السنّة ، ثمّ بعد جرى من طلب البيعة منهم فعند أهل السنّة أنّه بايع ، وعند الرافضة أنّه لم يبايع ، وتاريخ الطبري (142) يدلّ على أنّه لم يبايع ، وإنّما العبّاس لما شاهد الفتنة صاح : بايع ابن أخي.
وأنتم تعلمون أنّ الخلافة لو لم تكن لعلي لما ادّعاها ، ولو ادّعاها بغير حقّ لكان مبطلاً ، وأنتم تروون عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أنّه قال : علي مع الحقّ والحقّ مع علي (143) ،فكيف يجوز منه أن يدّعي ما ليس بحقّ فيكذب نبيّكم يومئذ ما هذا بصحيح.
وأما تعجّبكم من مخالفة بني إسرائيل نبّيهم في خليفته وعدولهم إلى العجل والسامريّ ففيه سرُّ عجيب إنّكم رويتم أنّ نبيّكم قال : ستحذو أُمّتي حذو النعل بالنعل ، والقذّة بالقذّة ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه (144) وقد ثبت في كتابكم أنّ بني إسرائيل خالفت نبيّها في خليفته ، وعدلوا عنه إلى ما لا يصلح لها.
قال العلماء : يا يوحنّا أفتدري أنت أنّ أبا بكر لا يصلح للخلافة ؟
قال يوحنّا : أما أنا فو الله لم أر أبا بكر يصلح للخلافة ، ولا أنا متعصّب للرافضة ، لكنّي نظرت الكتب الاسلامية فرأيت أنّ أئمتكم أعلمونا أنّ الله ورسوله أخبر أنّ أبا بكر لا يصلح للخلافة.
قال الائمة : وأين ذلك ؟
قال يوحنّا : رأيت في بخاريّكم (145) ، وفي الجمع بين الصحاح الستّة ، وفي صحيح أبي داود ، وصحيح الترمذي (146) ، ومسند أحمد بن حنبل (147) أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بعث سورة براءة مع أبي بكر إلى أهل مكّة ، فلمّا بلغ ذي الحليفة (148) دعا عليا ـ عليه السلام ـ ، ثمّ قال له : أدرك أبا بكر وخذ الكتاب منه فاقرأه عليهم ، فلحقه بالجحفة (149) فأخذ الكتاب منه ورجع أبو بكر إلى النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ، فقال : يا رسول الله أنزل فيّ شيء ؟
قال : لا ولكن جاءني جبرئيل ـ عليه السلام ـ ، وقال : لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك.
فإذا كان الامر هكذا وأبو بكر لا يصلح لاداء آيات يسيرة عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في حياته ، فكيف يصلح أن يكون خليفته بعد مماته ويؤدّي عنه كلّه وعلمنا من هذا أنّ عليا ـ عليه السلام ـ يصلح أن يؤدّي عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ.
فيا أيّها المسلمون لم تتعامون عن الحق الصريح ؟ ولم تركنون إلى هؤلاء وكم ترهبون الاهوال ؟
قال الحنفي منهم : يا يوحنّا والله إنّك لتنظر بعين الانصاف ، وإنّ الحقّ لكما تقول ، وأزيدك في معنى هذا الحديث ، وهو أنّ الله تعالى أراد أن يبيّن للناس أنّ أبا بكر لا يصلح للخلافة ، فترك رسول الله حتى أخرج أبا بكر بسورة براءة على رؤوس الاشهاد ، ثمّ أمر رسول الله ـ‍ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أن يخرج عليّا وراءه ويعزله عن هذا المنصب العظيم ليعلم الناس أنّ أبا بكر لا يصلح لها ، وأنّ الصالح لها علي ـ عليه السلام ـ ، فقال لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : والله لا يبلّغ عنك إلاّ أنت أو رجل منك (150) ، فما تقول أنت يا مالكي ؟
قال المالكي : والله فإنّه لم يزل يختلج في خاطري أنّ علياً نازع أبا بكر في خلافته مدّة ستّة أشهر ، وكلّ متنازعين في الامر لا بدّ وأن يكون أحدهما محقّا ، فإن قلنا إنّ أبا بكر كان محقّا فقد خالفنا مدلول قول النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ (151).
وهذا حديث صحيح لا خلاف فيه ، فما تقول يا حنبلي ؟
قال الحنبلي : يا أصحابنا كم نتعامى عن الحقّ ؟ والله إنّ اليقين أنّ أبا بكر وعمر غصبا حقّ علي ـ عليه السلام ـ فكانا... الخ.
فقال له الحنفي : ولا بهذه العبارة.
فقال الحنبلي : يا حنفي تيقّظ لامرك فإنّ البخاري ومسلم أوردا في صحيحهما أنّه لما توفّي أبو بكر وجلس عمر مكانه أتى العبّاس وعلي إلى عمر وطلبا ميراثهما من رسول الله ، فغضب عمر وقال كلاما يقول فيه : فلمّا توفّي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قال أبو بكر أنا وليّ رسول الله ، فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك ، ويطلب علي هذا ميراث امرأته من أبيها.
فقال لكما أبو بكر : إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قال : نحن معاشر الانبياء لا نورّث ما تركناه يكون صدقة (152) ، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا ، ثمّ توفّي أبو بكـر فقلــت : أنـا ولـي رسـول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ من بعده ووليّ أبو بكر ، فجئت أنت وعلي وأنتما جميعا أمركما واحد فقلتم : الامر لنا دونكم فقلت لكما مقالة أبي بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا ، وقول عمر هذا لعلي ـ عليه السلام ـ كان بمحضر أنس بن مالك وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد ، ولم يعتذر أمير المؤمنين علي ولا العبّاس عمّا نسب إليهما من الاعتقاد الذي ذكره عمر ولا أحد من الحاضرين اعتذر إلى أبي بكر ، فيا حنفي إن كان عمر صدق فيما نسب إلى أبي بكر وإلى نفسه فمن يعتقد فيه العباس وعلي أنّه كاذب آثم خائن غادر فكيف يصلح للخلافة ؟ وإن قلت : إنّ عمر كان كاذبا في ذلك فكفاه ذلك.
قال يوحنّا : يا أئمة الاسلام هذه الرواية هي سبب تجرّي الناس على أبي بكر في الطعن عليه وعلى عمر ، فإذا سمعت الرافضة أنّ في بخاريكم أنّ عمر قد شهد على نفسه أنّ عليّا هو الذي رويتم فيه أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قال في حقّه : علي مع الحقّ والحقّ مع علي والعبّاس عمّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ‍ شهد على أبي بكر وعمر أنّهما كاذبان آثمان خائنان فكيف لايتجرئون عليهم ويجعلون هذا مبدأ أشياء أُخر.
قالت العلماء : يا يوحنّا إنّ الرافضة يطعنون في أكثر الصحابة ، وهذا هو الذي أوجب قتلهم ، إنّ رسول الله مدح الصحابة وقال : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم (153) فكيف يصح للرافضة أن يطعنوا فيهم ؟
قال يوحنّا : علماء الاسلام لا تقولوا هذا فمن الجائز أن يكون هذا المدح لهم في زمن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وبعد رسول الله حصل لبعضهم الارتداد ، فإنّ إمامكم ومحدّثكم الحميدي روى في الجمع بين الصحيحين من المتّفق عليه عندكم من الحديث الستّين من مسند عبدالله بن العباس ، قال : إنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ‍ قال : ألا إنّه سيجيء برجال من أُمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا ربّ أصحابي أصحابي ، فيقال لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول لهم كما قال العبد الصالح : ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفّيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كلّ شيء شهيد ، إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم ) (154) فيقال : إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم (155).
وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة عن عبدالله ، الحديث الحادي عشر من افراد مسلم قال : إنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قال : إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أيّ قوم أنتم ؟
قال عبد الرحمن : نكون كما أمرنا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسّلم ـ.
فقال رسول الله : بل تتنافسون وتتحاسدون ، ثمّ تتدابرون ، ثمّ تتباغضون وتنطلقون إلى مساكن المهاجرين فتحملون المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض (156).
أليس هذا وعد بارتدادهم ، وناهيك بقوله تعالى : ( وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئا ) (157).
قالت العلماء : يا يوحنّا ، هذا الذي ذكرته يدلّ على أنّ ذلك البعض أبو بكر وعمر وأتباعهما وما ندري ما الذي جرّأهم على ذلك ؟ ومن أين جاز لهم ذلك ؟
قال يوحنّا : جرّأهم على ذلك أئمتكم وعلماؤكم كالبخاري (158) ومسلم ، فإنّهم أوردوا أنّه لما مات رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ‍ أرسلت فاطمة ـ صلوات الله عليها ـ إلى أبي بكر تسأله ميراثها من أبيها ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ مما أفاء الله عليه بالمدينة من فدك وما بقي من خمس خيبر ، فأبى أبو بكر أن يردّ على فاطمة ـ عليها السلام ـ شيئا منه ، فوجدت فاطمة على أبي بكر مما أقلقها وأحزنها فهجرته ولم تكلّم مما وقع عليها منه من الاذى وما زالت تتنفّس حتى ماتت ، وإنّها عاشت بعد أبيها ستّة أشهر ، فلما توفّيت دفنها علي ـ عليه السلام ـ ليلاً سرّا ولم يؤذن بها أبا بكر (159) ، ومع هذه الشناعة روى أئمتكم في الصحيحين أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قال : فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني ، ويؤذيني ما آذاها (160) ، فأخذ الرافضة هذين الحديثين وركَّبوا منهما مقدّمتين وهو : أبو بكر آذى فاطمة ، ومن آذى فاطمة فقد آذى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ، ولا شكّ أنّ الله سبحانه يقول : ( إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة وأعدّ لهم عذابا مهينا ) (161) ، ولو احتجّ عليكم أحد بهذه الحجّة لم يسعكم إنكار مقدّمة من مقدّماتها ، ولا إنكار نتيجتها.
وقال يوحنّا : فاختبط القوم ، وكثر بينهم النزاع لكن كان مآل كلامهم ، أنّ الحقّ في طرف الرافضة ، وكان أقربهم إلى الحقّ إذن إمام الشافعية ، فقال لهم : أراكم تشكّون أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ‍ قال : من مات ولم يعرف إمام زمانه (162) فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا.
فما المراد بإمام الزمان ؟ ومن هو ؟
قالوا : إمام زماننا القرآن فإنّا به نقتدي.
فقال الشافعي : أخطأتم لانّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ‍ قال : الائمة من قريش (163) ولا يقال للقرآن إنّه قريشي.
فقالوا : النبيّ إمامنا.
فقال الشافعي : أخطأتم ، لانّ علماءنا لما اعترض عليهم بأن كيف يجوز لابي بكر وعمر أن يتركا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ‍ مسجَّى غير مغسَّل ويذهبا لطلب الخلافة ، وهذا دليل على حرصهم عليها ، وهو قادح في صحّة خلافتهما.
أجاب علماؤنا إنّهم لمحوا أقوال النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ولم يجوّزوا على أنفسهم الموت قبل تعيين الامام ، فبادروا لتعيينه هربا من ذلك الوعيد ، فعلمنا أن ليس المراد بالامام هنا النبي.
فقالوا للشافعي : فأنت مَن إمامك يا شافعي ؟
قال : إن كنت من قبيلتكم فلا إمام لي ، وإن كنت من قبيلة الاثني عشرية فإمامي محمد بن الحسن ـ عليه السلام ـ.
فقال العلماء : هذا والله أمر بعيد كيف يجوز أن يكون واحد من مدّة لا يعيش أحد مثله ، ولا يراه أحد هذا بعيد جّدا.
فقال الشافعي : هذا الدجّال من الكفرة تقولون : إنّه حيّ وموجود ، وهو قبل المهدي والسامري كذلك ووجود إبليس لا تنكرونه ، وهذا الخضر ، وهذا عيسى تقولون : إنّهما حيّان ، وقد ورد عندكم ما يدلّ على التعمير في حقّ السعداء والاشقياء ، وهذا القرآن ينطق أنّ أهل الكهف ناموا ثلاث مائة سنة وتسع سنين لا يأكلون ولا يشربون ، أفبعيد أن يعيش من ذرّية محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ واحد مدّة طويلة يأكل ويشرب إلاّ أنّه لا يخبرنا أحد أنّه رآه ، واستبعادكم هذا بعيد جدّا .
قال يوحنّا : فأطرق القوم ، فقالوا يا شافعي : الناس اختلفوا ، وكلّ أحد منهم أخذ طرفا والله ما ندري ماذا نصنع ؟
قال يوحنّا : إنّ نبيّكم قال : ستفترق اُمّتي من بعدي ثلاث وسبعين ، واحدة ناجية ، واثنتان وسبعون في النار فهل تعرف الناجية من هي ؟
قالوا : إنهم أهل السنّة والجماعة لقول النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لما سئل عن الفرقة الناجية من هم ؟ فقال : الذين هم على ما أنا عليه اليوم وأصحابي (164).
قال يوحنّا : فمن أين لكم أنكم أنتم اليوم على ما كان عليه النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ؟
قالوا : ينقل ذلك الخلف عن السلف.
فقال يوحنّا : فمن الذي يعتمد على نقلكم ؟
قالوا : وكيف ذلك ؟
____________
(121) المناقب للخوارزمي ص67 ، لسان الميزان ج5 ص219 ، ميزان الاعتدال ج3 ص 597 .
وفي هذا المعنى قال بعضهم ـ عليه الرحمة ـ :

لو أن عبداً أتى بالصالحــات غداً *** وودّ كــل نبـي مرسـل وولــي
وقام ما قام قوَّامـاً بـلا كســل‌ِ *** وصام ما صام صوَّامـاً بــلا ملل
وحجَّ ما حجَّ من فرضٍ ومن سنن‌ٍ *** وطاف بالبيت حافٍ غيـر منتعــل
وطار في الجو لا يأوي إلى أحـدٍ *** وغاص في البحر لا يخشى من البلل
وعاش في النـاس آلافاً مؤلفــة‌ *** خلواً من الذنب معصوماً من الـزلل
يكسو اليتامى من الديبــاج كلهم *** ‌ويطعـم البائسيـن البـر بالعســل
ما كان في الحشر عند الله منتفعاً *** إلاّ بحب أمير المؤمنيــن علــي

(122) مناقب الخوارزمي ص67 ح39 ، الفردوس ج3 ص373 ح5135.
(123) الفردوس ج2 ص142 ح2725 ، مناقب الخوارزمي ص75 ح56.
(124) مسند أحمد ج1 ص77 ، سنن الترمذي ج5 ص599 ح3733 ، تاريخ بغداد ج13 ص288 ، كنز العمّال ج13 ص639 ح37613.
(125) سورة البقرة : الاية 180.
(126) صحيح البخاري ج4 ص2 ، صحيح مسلم ج3 ص1249 ح1 ، سنن ابن ماجة ج2 ص901 ح2699.
(127) سورة البقرة : الاية 44.
(128) سورة الانعام : الاية 90.
(129) مناقب ابن المغازلي : ص200 ـ 201 ح238 ، ذخائر العقبى ص71.
(130) سورة الشعراء : الاية 214.
(131) معالم التنزيل للبغوي ج3 ص400.
(132) مسند أحمّد ج1 ص159.
()133 تاريخ الطبري ج2 ص319 ـ 321.
(134) سورة هود : الاية 18.
(135) سورة يونس : الاية 60 و 69 ، وسورة النحل : الاية 116.
(136) سورة آل عمران : الاية 61.
(137) غدير خم : قيل : موضع تصبّ فيه عين ، وقيل : بئر من الميثَب ، حفرها مرّة بن كعب ، نسب إلى ذلك غدير خُم ، وهو بين مكة والمدينة ، قيل : على ثلاثة أميال من الجُحْفة ، وقيل : على ميل ، وهي التي عناها الشاعر في قوله :

وقالت بالغدير غدير خم‌ٌّ *** أخيَّ إلى متى هذا الركوب

وهناك مسجدٌ للنبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ. وقال الشهيد (ره) في الذكرى : من المساجد الشريفة مسجد الغدير وهو بقرب الجحفة جدرانه باقية إلى اليوم وهو مشهور بيِّن وقد كان طريق الحج عليه غالباً.
انظر : مراصد الاطلاع ج1 ص482 ، سفنية البحار ج2 ص309.
وقد جاء اسم هذا المكان ـ غدير خم ـ كثيراً في الشعر وذلك بمناسبة تنصيب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ خليفة من بعده ، في هذا المكان وذلك بعد عودته من حجة الوداع ، وقال فيه يومئذٍ : ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله... الخ.
ومن الشعراء الذين ذكروا ذلك في شعرهم : حسان بن ثابت في قصيدته الشهيرة حيث يقول :

يُناديهمُ يومَ الغدير نبيُّهــم‌ *** بخُمٍّ وأكرم بالنبيّ منــاديــا

والكميت أيضاً حيث يقول :

ويوم الدّوح دوح غدير خم‌ّ *** أبانَ له الولاية لو أُطيعـا
ولكنّ الرجالَ تدافعـوهـا *** فلم أرَ مثلها خطراً منيعـا

وقال أبو تمام في قصيدته الرائية كما في ديوانه :

ويوم الغدير استوضح الحق أهله‌ *** بفيحأ ما فيها حجاب ولا ستـر
أقام رسول الله يدعوهـم بهـا *** ليقربهم عرفٌ وينآهم ، نكــر
يمـد بضبعيــه ويعلــم أنَّه‌ *** وليُّ ومولاكم فهل لكمُ خبــرُ

وقال السيد الحميري في ذلك أيضاً :

قام النبيُّ يوم خمٍّ خاطبــاً *** بجانب الدوحات أوحيالهـا
فقال: من كنت له مولى فذا *** مولاه ربي اشهد مراراً قالها

راجع : الغدير للعلامة الاميني المجلد الاول ، سفينة البحار ج2 ص360.
وقد ذكر العلامة الاميني في كتابه الغدير الشعراء الذين خلدوا واقعة الغدير في شعرهم ابتدأً من القرن الاول حتى القرن الرابع عشر ، وقد طُبع منه أحد عشر مجلداً وقد ذكر فيه ـ 105 ـ‍ من شعراء الغدير وقد انتهى به المطاف الى القرن الثاني عشر الهجري.
(138) مسند أحمد ج2 ص93 وج4 ص368 وص372 وص381.
(139) العقد الفريد ج5 ص61.
(140) وممن ذكر خبر الحارث بن النعمان : فرائد السمطين ج1 ص82 ح53 ، نور الابصار للشبلنجي ص71 ط السعيدية وص71 ط العثمانية ، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص93 ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص328 ط الحيدرية وص274 ، ط اسلامبول وج2 ص99 ط العرفان بصيدا.
(141) سورة المعارج : الاية 1.
(142) تاريخ الطبري ج3 ص208 ، وقد تقدمت تخريجاته.
(143) تقدمت تخريجاته.
(144) انظر : معالم التنزيل للبغوي ج4 ص465 ، مجمع البيان ج10 ص462 باختلاف ، وقد تقدم المزيد من تخريجات الحديث فيما سبق.
(145) صحيح البخاري ج6 ص81.
(146) سنن الترمذي ج5 ص256 ـ 257 ح3090 ـ 3092 وج3 ص222 ح871.
(147) مسند أحمد ج4 ص164.
(148) ذو الحليفة : قريةٌ بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ، منها ميقات أهل المدينة ، وهي من مياه بني جُشم. وذو الحليفة : موضع من تهامة بين حاذَة وذات عرق. مراصد الاطلاع ج1 ص420.
(149) الجُحفة : كانت قرية كبيرة ، ذات منبرٍ ، على طريق مكة على أربع مراحل ، وهي ميقات أهل مصر والشام ، إن لم يمرُّوا على المدينة ، وكان اسمها مَهْيَعة ، وسُميَت الجُحفة لان السيل جحفها ، وبينها وبين البحر ستة أميال ، وبينها وبين غدير خُمٍّ ميلان. مراصد الاطلاع ج1 ص315.
(150) مسند أحمد ج3 ص212 ، المصنّف لابن أبي شيبة ص84 ـ 85 ح12184 ، كنز العمّال ج2 ص431 ح4421 ، البداية والنهاية ج5 ص37 ، وقد تقدمت تخريجاته.
(151) تقدمت تخريجاته.
(152) البداية والنهاية ج5 ص290 ـ 291 ، وقد تقدمت تخريجاته.
(153) ميزان الاعتدال ج2 ص413 ، لسان الميزان ج2 ص118.
(154) سورة المائدة : الاية 117 و 118.
(155) صحيح البخاري ج6 ص69 و 122 ، صحيح مسلم ج4 ص2194 ـ 2195 ح58 ، سنن الترمذي ج4 ص532 ح2423.
(156) صحيح مسلم ج4 ص2274 ح7.
(157) سورة آل عمران : الاية 144.
(158) صحيح البخاري ج5 ص25 ـ 26.
(159) تقدمت تخريجاته.
(160) صحيح البخاري ج5 ص26 ، صحيح مسلم ج4 ص1903 ح94 ، وقد تقدمت تخريجاته.
(161) سورة الاحزاب : الاية 57.
(162) تقدمت تخريجاته.
(163) مسند أبي داود ص125 ح926 ، مسند أحمد ج3 ص183 ، المصنّف لابن أبي شيبة ج12 ص169 ح12438 وص173 ح12447 ، كنز العمّال ج12 ص30 ح33831.
(164) المعجم الصغير للطبراني ج1 ص256 ، كنز العمّال ج1 ص210 ح1055 و 1057 ، مجمع الزوائد ج1 ص189.
قال : لوجهين :
الاوّل : أنّ علماءكم نقلوا كثيرا من الاحاديث التي تدلّ على إمامة علي ـ عليه السلام ـ وأفضليته ، وأنتم تقولون إنّه مكذوب عليه ، وشهدتم على علمائكم أنّهم ينقلون الكذب فرّبما يكون هذا يتّفق أيضا كذبا ولا مرجح لكم.
الثاني : أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كان يصلّي كلّ يوم الصلوات الخمس في المسجد ولم يضبط له أنّه هل كان يبسمل للحمد أم لا ؟ وهل كان يعتقد وجوبها أم لا ؟ وهل كان يسبل يديه أم لا ؟ ولو كان يعقدهما فهل يعقدهما تحت السرّة أو فوقها ؟ وهل كان يمسح في الوضوء ثلاث شعرات أو ربع الرأس أم جميع الرأس ؟ حتى إنّ أئمتكم اختلفوا ، فبعض أوجب البسملة ، وبعض استحبّها ، وبعض كرّهها ، وبعض أسبل يديه ، وبعض عقدها تحت السرّة ، وبعض فوقها ، وبعض أوجب مسح ثلاث شعرات ، وبعض ربع الرأس ، وبعض جميعه ، فإذا كان سلفكم لم يضبط شيئا كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يفعله في اليوم والليلة مرارا متعدّدة ، فكيف يضبطون شيئا لم يفعله في العمر إلاّ مرّة واحدة أو مرّتين ، هذا بعيد ! وكيف تقولون إنّ أهل السنّة هم على ما كان عليه النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ والحال أنّهم يناقض بعضهم بعضا في اعتقاداتهم ، واجتماع النقيضين محال.
قال يوحنّا : فأطرقوا جميعا ، ودار الكلام بينهم ، وارتفعت الاصوات بينهم ، وقالوا : الصحيح أنّا لا نعرف الفرقة الناجية من هي ، وكلّ منّا يزعم أنّه هو الناجي ، وأنّ غيره هو الهالك ، ويمكن أن يكون هو الهالك ، وغيره الناجي.
قال يوحنّا : هذه الرافضة الذين تزعمون أنّهم ضالّون يجزمون بنجاتهم ، وهلاك من سواهم ، ويستدلّون على ذلك بأنّ اعتقادهم أوفى للحقّ ، وأبعد عن الشكّ.
قالت العلماء : يا يوحنّا ، قل وإنّا والله لانتهمك لعلمنا أنّك تجادلنا على إظهار الحقّ.
قال يوحنّا : أنا أقول باعتقاد الشيعة أنّ الله قديم ولا قديم سواه ، وأنّه واجب الوجود ، وأنّه ليس بجسم ، ولا في محلّ ، وهو منزّه عن الحلول ، واعتقادكم أنّكم تثبتون معه ثمانية قدماء هي الصفات حتى إنّ إمامكم الفخر الرازي شنّع عليكم ، وقال : إنّ النصارى واليهود كفروا حيث جعلوا مع الله إلهين اثنين قديمين وأصحابنا أثبتوا قدماء تسعة ، وابن حنبل أحد أئمتكم قال : إنّ الله جسم ، وإنّه على العرش ، وإنه ينزل في صورة أمرد ، فبالله عليكم أليس الحال كما قلت ؟
قالوا : نعم.
قال يوحنّا : فاعتقادهم إذا خير من اعتقادكم ، واعتقاد الشيعة أنّ الله سبحانه لا يفعل قبيحا ، ولا يخلّ بواجب ، وليس في فعله ظلم ، ويرضون بقضاء الله لانّه لا يقضي إلاّ بالخير ، ويعتقدون أنّ فعله لغرض لا لعبث ، وأنّه لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها ، ولا يُضلّ أحدا من عباده ، ولا يحيل بينهم وبين عبادته ، وأنّه أراد الطاعة ، ونهى عن المعصية ، وأنّهم مختارون في أفعال أنفسهم ، واعتقادكم أنتم أنّ الفواحش كلّها من الله ـ‍ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا ـ وأنّه كلّ ما يقع في الوجود من الكفر والفسوق والمعصية والقتل والسرقة والزنا فإنّه خلقه الله تعالى في فاعليه وأراده منهم وقضى عليهم به ورفع اختيارهم ، ثمّ يعذّبهم عليه ، وأنتم لا ترضون بقضاء الله بل إنّ الله تعالى لا يرضى بقضاء نفسه ، وأنّه هو الذي أضلّ العباد وحال بينهم وبين العبادة والايمان ، وأنّ الله تعالى يقول : ( ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أُخرى ) (165) ، فاعتبروا هَلْ اعتقادكم خير من اعتقادهم أو اعتقادهم خير من اعتقادكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون !!
وقالت الشيعة : أنبياء الله معصومون من أوّل عمرهم إلى آخره عن الصغائر والكبائر فيما يتعلّق بالوحي وغيره عمدا وخطأ ، واعتقادكم انّه يجوز عليهم الخطأ والنسيان ، ونسبتم انّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ سهى في القرآن بما يوجب الكفر فقلتم : إنّه صلّى الصبح فقرأ في سورة النجم : ( أفرأيتم اللات والعزّى ، ومناة الثالثة الاُخرى ) (166) تلك الغرانيق العلى ، منها الشفاعة ترتجى (167) ، وهذا كفر وشرك جلي، حتى انّ بعض علماءكم صنّف كتابا فيه تعداد ذنوب نسبها للانبياء ـ عليهم السلام ـ فأجابته الشيعة عن ذلك الكتاب بكتاب سمّوه بتنزيه الانبياء (168) ، فماذا تقولون أيّ الاعتقادين أقرب إلى الصواب ، وأدنى من الفوز ؟
واعتقاد الشيعة انّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لم يقبض حتى أوصى إلى من يقوم بأمره بعده ، وانّه لم يترك اُمّته هملاً ولم يخالف قوله تعالى ، واعتقادكم انّه ترك اُمّته هملاً ، ولم يوص إلى من يقوم بالامر بعده ، ومن كتابكم الذي أنزل عليكم فيه وجوب الوصيّة ، وفي حديث نبيّكم وجوب الوصيّة ، فلزم على اعتقادكم أن يكون النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أمر الناس بما لا يفعله ، فأيّ الاعتقادين أولى بالنجاة.
واعتقاد الشيعة انّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لم يخرج من الدنيا حتى نصّ بالخلافة على علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ ولم يترك اُمّته هملاً فقال له يوم الدار : أنت أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا أمره (169) وأنتم نقلتموه ونقله إمام القرّاء والطبري والخركوشي وابن إسحاق.
وقال فيه يوم غدير خم : من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه حتى قال له عمر : بخّ بخّ لك يا علي ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة ، نقله إمامكم أحمد بن حنبل في مسنده (170). وقال فيه لسلمان : إنّ وصيّي ووارثي علي بن أبي طالب رواه إمامكم أحمد بن حنبل (171).
وقال فيه : إنّ الانبياء ليلة المعراج قالوا لي : بعثنا على الاقرار بنبوّتك ، والولاية لعلي بن أبي طالب ورويتموه في الثعلبي والبيان وقال فيه : إنّه يحبّ الله ورسوله ، رويتموه في البخاري ومسلم (172).
وقال فيه لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي ، وعنى به علي بن أبي طالب ، ورويتموه في الجمع بين الصحيحين ، وقال فيه : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ، ورويتموه في البخـاري (173).
وأنزل الله فيه : ( هل أتى على الانسان حين من الدهر ) (174) وأنزل فيه : ( إنّما وليّكم الله ورسوله والّذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (175) وإنّه صاحب آية الصدقة (176)، وضربته لعمرو بن عبد ودّ العامري أفضل من عمل الاُمّة إلى يوم القيامة (177) ، وهو أخو رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ، وزوج ابنته ، وباب المدينة ، إمام المتّقين ، ويعسوب الدين ، وقائد الغرّ المحجّلين (178) ، حلاّل المشكلات ، وفكّاك المعضلات ، هو الامام بالنصّ الالهي ، ثمّ من بعده الحسن والحسين اللذان قال فيهما النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : هذان إمامان قاما أو قعدا ، وأبوهما خير منهما (179).
وقال النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة (180) ، ثمّ علي زين العابدين ، ثمّ أولاده المعصومين الذين خاتمهم الحجّة القائم المهدي إمام الزمان ـ عليه السلام ـ الذي من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية (181) ، وأنتم رويتم في صحاحكم عن جابر بن سمرة أنّه قال : سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يقول : يكون بعدي اثنا عشر أميرا وقال كلمة لم أسمعها (182) وفي بخاريّكم (183) قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلاً ، ثمّ تكلّم بكلمة خفيفة خفيت عليّ.
وفي صحيح مسلم لا يزال أمر الدين قائما حتى تقوم الساعة ، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش (184) ، وفي الجمع بين الصحيحين والصحاح الستّة أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ‍ قال : إنّ هذا الامر لا ينقضي حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش (185).
وروى عالمكم ومحدّثكم وثقتكم صاحب كفاية الطالب عن أنس ابن مالك ، قال : كنت أنا وأبو ذرّ وسلمان وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم عند النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ إذ دخل الحسن والحسين ـ عليهما لسلام ـ فقبّلهما رسول الله ، وقام أبو ذرّ فانكبّ عليهما ، وقبّل أيديهما ، ورجع فقعد معنا ، فقلنا له سرّا : يا أبا ذرّ رأيت شيخا من أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يقوم إلى صبيّين من بني هاشم فينكبّ عليهما ويقبّلهما ويقبّل أيديهما ؟
فقال : نعم ، لو سمعتم ما سمعت لفعلتم بهما أكثر ممّا فعلت.
فقلنا : وما سمعت فيهما عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يا أبا ذر ؟
فقال : سمعته يقول لعلي ولهما : والله لو أنّ عبدا صلّى وصام حتى يصير كالشن البالي إذا ما نفعه صلاته ولا صومه إلاّ بحبّكم والبراءة من عدوّكم.
يا علي ، من توسّل إلى الله بحقّكم فحقّ على الله أن لا يردّه خائبا. يا علي ، من أحبّكم وتمسّك بكم فقد تمسّك بالعروة الوثقى .
قال : ثمّ قام أبو ذرّ وخرج فتقدّمنا إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ فقلنا : يا رسول الله أخبرنا أبو ذرّ بكيت وكيت.
فقال : صدق أبو ذرّ ، والله ما أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ (186).
ثمّ قال ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : خلقني الله تعالى وأهل بيتي من نور واحد قبل أن يخلق الله آدم بسبعة آلاف عام ، ثمّ نقلنا من صلبه في أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات.
قلت يا رسول الله : وأين كنتم ؟ وعلى أىّ شأن كنتم ؟
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : كنّا أشباحا من نور تحت العرش نسبّح الله ونقدّسه.
ثمّ قال ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : لما عرج بي إلى السماء وبلغت إلى سدرة المنتهى ودّعني جبرئيل.
فقلت : يا حبيبي جبرئيل في مثل هذا المقام تفارقني ؟
فقال : يا محمد إنّي لا أجوز هذا الموضع فتحترق أجنحتي ، ثمّ زجّ بي من النور إلى النور ما شاء الله تعالى ، فأوحى الله تعالى إلى محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : إنّي اطّلعت إلى الارض اطّلاعة فاخترتك منها وجعلتك نبيّا ، ثمّ اطّلعت ثانيا فاخترت منها عليا وجعلته وصيّك ووارث علمك وإماما من بعدك ، وأُخرج من أصلابكم الذرّية الطاهرة والائمة المعصومين خزّان علمي ، ولو لا هم ما خلقت الدنيا ولا الاخرة ، ولا الجنّة ولا النار ، أتحبّ أن تراهم ؟
فقلت : نعم يا رب ، فنوديت : يا محمد ارفع رأسك ، فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار علي ، والحسن ، والحسين ، وعلي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد ابن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي ، والحجّة بن الحسن يتلألأ من بينهم كأنّه كوكب درّي ـ عليهم افضل الصلاة والسلام ـ.
فقلت : يا ربّ من هؤلاء ومن هذا ؟
فقال سبحانه وتعالى : هؤلاء الائمة من بعدك المطهّرون من صلبك ، وهذا هو الحجّة الذي يملأ الارض قسطا وعدلاً كما ملئت ظلما وجورا ويشفي صدور قوم مؤمنين.
فقلنا : بآبائنا وأُمّهاتنا أنت يا رسول الله لقد قلت عجبا.
فقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : وأعجب من هذا أنّ أقواما يسمعون هذا منّي ثمّ يرجعون على أعقابهم بعد إذ هداهم الله ويؤذونني فيهم لا أنا لهم الله شفاعتي (187).
قال يوحنّا : واعتقادكم أنتم أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لمّا مات مات على غير وصيّة ، ولم ينصّ على خليفته ، وأنّ عمر بن الخطّاب اختار أبا بكر وبايعه وتبعته الاُمّة ، وأنّه سمّى نفسه خليفة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ، وأنتم تعلمون كلّكم أنّ أبا بكر وعمر لمّا مات رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ تركوه بغير غسل ولا كفن وذهبا إلى سقيفة بني ساعدة فنازعا الانصار في الخلافة ، وولي أبو بكر الخلافة ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ مسجّى ، ولا شكّ أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لم يستخلفه ، وأنّه كان يعبد الاصنام قبل أن يسلم أربعين سنة ، والله تعالى يقول : ( لا ينال عهدي الظالمين ) (188) ومنع فاطمة إرثها من أبيها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بخبر (رواه).
قالت فاطمة : يا أبا بكر ترث أباك ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئا فريّا ، وعارضته بقول الله : ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) (189).
( وورث سليمان داود ) (190) ، وقال الله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم ) (191) ولو كان حديث أبي بكر صحيحا لم يمسك علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ سيف رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ‍ وبغلته وعمامته ونازع العبّاس عليّا بعد موت فاطمة ـ عليها السلام ـ في ذلك ، ولو كان هذا الحديث معروفا لم يجز لهم ذلك ، وأبو بكر منع فاطمة ـ عليها السلام ـ فدكا لانّها ادّعت ذلك ، وذكرت أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ نحلها إياها فلم يصدّقها في ذلك مع أنّها من أهل الجنّة ، وأن الله تعالى أذهب عنها الرجس الذي هو أعمّ من الكذب وغيره ، واستشهدت عليّا ـ عليه السلام ـ وأُمّ أيمن مع شهادة النبي ـ‍ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لها بالجنّة ، فقال : رجل مع رجل وامرأة ، وصدّق الازواج في ادّعاء الحجرة ، ولم يجعل الحجرة صدقة فأوصت فاطمة وصيّة مؤكّدة أن يدفنها عليٌ ليلاً حتى لا يصلّي عليها أبو بكر (192) .
وأبو بكر قال : أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم (193) ، فإن صدق فلا يصحّ له التقدّم على علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ ، وإن كذب فلا يصلح للامامة ، ولا يحمل هذا على التواضع لجعله شيئا موجبا لفسخ الامامة ، وحاملاً له عليه.
____________
(165) سورة الزمر : الاية 7.
(166) سورة النجم : الاية 19 و 20.
(167) تقدم الحديث عن قصة الغرانيق مع تخريجاتها.
(168) تنزيه الانبياء لعلم الهدى الشريف المرتضى ـ اعلى الله مقامه ـ.
(169) تقدّمت تخريجاته.
(170) مسند أحمد ج4 ص281.
(171) فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل ج2 ص615 ح1052.
(172) صحيح مسلم ج4 ص1871 ـ 1873 ح32 ـ 35 ، صحيح البخاري ج5 ص23.
(173) صحيح مسلم ج5 ص1870 ح30 ـ 32 ، صحيح البخاري ج5 ص24.
(174) سورة الدهر : الاية 1.
(175) سورة المائدة : الاية 55.
(176) وهي قوله تعالى : ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّا وعلانية ) ، سورة البقرة : الاية 274 ، وقد تقدمت تخريجات نزولها فيه ـ عليه السلام ـ.
(177) المستدرك ج3 ص32 ، تاريخ بغداد ج13 ص19 رقم : 6978 ، الفردوس بمأثور الخطاب ج3 ص455 ح5406.
(178) فقد جاء في فرائد السمطين ج1 ص143 ح105 : عن عبد الله بن عكيم الجهني ، قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إن الله تبارك وتعالى أوحى إليّ في عليّ ـ عليه السلام ـ ثلاثة أشياء ليلة أسري بي : إنّه سيّد المؤمنين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجّلين.
ومثله أيضاً بتفاوت ما جاء في ص145 ح109 ، بحار الانوار ج18 ص343 ، سفينة البحار ج1 ص133.
(179) كفاية الاثر : ص38 ، بحار الانوار ج36 ص289.
(180) مسند احمد ج3 ص3 و 62 ، سنن الترمذي ج5 ص614 ح3768 ، تاريخ بغداد ج11 ص90 ، كنز العمال ج12 ص112 ح34246.
(181) تقدّمت تخريجاته.
(182) مسند أحمد ج5 ص92 و 94 ، المعجم الكبير ج2 ص236 ح1875 وص248 ح1923.
(183) صحيح البخاري ج4 ص218.
(184) صحيح مسلم ج3 ص1453 ح10.
(185) صحيح مسلم ج3 ص1452 ح5 ، مسند أحمد ج4 ص94 و 96 ، وقد تقدمت تخريجات هذه الاحاديث.
(186) مجمع الزوائد ج5 ص197 ، وج6 ص442 ، مشكل الاثار ج1 ص224 ، مسند احمد بن حنبل ج2 ص175 ، وص223 ط الميمنية ، الكامل في الضعفاء لابن عُدي ج 5 ص1816 ، البداية والنهاية ج7 ص165 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج8 ص 259 ، بتفاوت.
(187) كفاية الاثر : ص69 ـ 73.
(188) سورة البقرة : الاية 124.
(189) سورة ص : الاية 6.
(190) سورة النحل : الاية 16.
(191) سورة النساء : الاية 11.
(192) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص280 ـ 281 ، وقد تقدمت تخريجاته.
(193) الامامة والسياسة ج1 ص22 ، كنز العمّال ج5 ص588 ح14046 وح1405 ، تاريخ الطبري ج3 ص210 ، نهج الحقّ ص264 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص169.
ومعنى كلامه هنا أنه يرى نفسه غير صالح للخلافة وذلك لقوله : أقيلوني فلست بخيركم ، وقد اعترف في ضمن كلمته هذه بأحقية علي ـ عليه السلام ـ منه بالخلافة ؟!! ومن رأى نفسه كذلك لا يجوز له أن يقبل الخلافة ولا أن يعهد بها إلى غيره !
ولذلك يتعجب منه أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ إذ يقول في خطبته الشقشقية : فيا عجباً ! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لاخر بعد وفاته لشدَّ ما تشطرا ضرعيها!
وقال في هذا المعنى مهيار الديلمي :

حمّلوها يوم السقيفـة أوزا *** راً تخف الجبال وهي ثقالُ
ثم جاءوا من‌ بعدها يستقيلو *** ن ، وهيهات عثرةٌ لا تقالُ

انظر : ديوان مهيار الديلمي ج3 ص16، ورواها ايضاً ابن ابي الحديد في شرح النهج ج1 ص168.
وأبو بكر قال : إنّ لي شيطانا يعتريني ، فإذا زغت فقوّموني (194).
ومن يعتريه الشيطان فلا يصلح للامامة !!
وأبو بكر قال في حقّه عمر : إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ، ووقى الله المسلمين شرّها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه (195) ، فتبيّن أنّ بيعته كانت خطأ على غير الصواب ، وأنّ مثلها مما يجب المقاتلة عليها.
وأبو بكر تخلّف عن جيش أُسامة وولاّ ه عليه ، ولم يولّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ على علي أحداً (196).
وأبو بكر لم يولّه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عملاً في زمانه قطّ إلاّ سورة براءة ، وحين ما خرج أمر الله تعالى رسوله بعزله وأعطاها عليّا (197).
وأبو بكر لم يكن عالما بالاحكام الشرعية ، حتى قطع يسار سارق ، وأحرق بالنار الفجأة السلمي التيمي (198) ، وقد قال رسول الله ـ‍ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : لا يعذّب بالنار إلاّ ربّ النار (199).
ولما سئل عن الكلالة لم يعرف ما يقول فيها فقال : أقول برأيي فإن كان صوابا فمن الله ، وإن كان خطأ فمن الشيطان.
وسألته جدّة عن ميراثها ، فقال : لا أجد لك في كتاب الله شيئا ولا في سنّة محمد ، ارجعي حتى أسأل فأخبره المغيرة بن شعبة أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أعطاها السدس وكان يستفتي الصحابة في كثير من الاحكام.
وأبو بكر لم ينكر على خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة ، ولا في تزويج امرأته ليلة قتله من غير عدّة (200).
وأبو بكر بعث إلى بيت أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ لمّا امتنع من البيعة فأضرم فيه النار (201) وفيه فاطمة ـ عليها السلام ـ وجماعة من بني هاشم وغيرهم فأنكروا عليه.
وأبو بكر لمّا صعد المنبر جاء الحسن والحسين وجماعة من بني هاشم وغيرهم وأنكروا عليه وقال له الحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ : هذا مقام جدّنا ولست أهلاً له (202).
وأبو بكر لمّا حضرته الوفاة ، قال : يا ليتني تركت بيت فاطمة لم أكشفه ، وليتني كنت سألت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : هل للانصار في هذا الامر حقّ ؟
وقال : ليتني في ظلّة بني ساعدة ضربت على يد أحد الرجلين ، وكان هو الامير وأنا الوزير (203).
وأبو بكر عندكم أنّه خالف رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ‍ في الاستخلاف ، لانّه استخلف عمر بن الخطّاب ولم يكن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ولاّه قطّ عملاً إلاّ غزوة خيبر فرجع منهزما ، وولاّ ه الصدقات فشكا العبّاس فعزله النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ، وأنكر الصحابة على أبي بكر تولية عمر حتى قال طلحة : ولّيت عمر فظّا غليظا.
وأمّا عمر ، فإنّه أُتي إليه بامرأة زنت وهي حامل فأمر برجمها ، فقال علي ـ عليه السلام ـ : إن كان لك عليها سبيل فليس لك على حملها من سبيل ، فأمسك وقال : لو لا علي لهلك عمر (204).
وعمر شكّ في موت النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وقال : ما مات محمد ولا يموت حتى تلا عليه أبو بكر الاية : ( إنّك ميّت وإنّهم ميّتون ) (205) فقال : صدقت ، وقال : كأنّي لم أسمعها (206).
وجاءوا إلى عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها ، فقال له علي ـ عليه السلام ـ : القلم مرفوع عن المجنون حتى يفيق ، فأمسك ، فقال : لو لا علي لهلك عمر (207).
وقال في خطبة له : من غالى في مهر امرأته جعلته في بيت مال المسلمين ، فقالت له امرأة : تمنعنا ما أحلّ الله لنا حيث يقول : ( وآتيتم إحداهنّ قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مُبيناً ) (208) فقال : كلّ الناس أفقه من عمر حتى المخدّرات في البيوت (209).
وكان يعطي حفصة وعائشة كلّ واحدة منهما مائتي ألف درهم ، وأخذ مائتي ألف درهم من بيت المال فأنكر عليه المسلمون فقال : أخذته على وجه القرض (210).
ومنع الحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ إرثهما من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ومنعهما الخمس (211).
وعمر قضى في الحدّ بسبعين قضية وفضَّل في العطاء والقسمة، ومنع المتعتين وقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ حلالتان وأنا محرّمهما ، ومعاقب من فعلهما (212).
وخالف النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وأبا بكر في النصّ وعدمه ، وجعل الخلافة في ستّة نفر ، ثمّ ناقض نفسه وجعلها في أربعة نفر ، ثمّ في الثلاثة ، ثمّ في واحد ، فجعل إلى عبد الرحمن بن عوف الاختيار بعد أن وصفه بالضعف والقصور ، ثمّ قال : إن اجتمع علي وعثمان فالقول ما قالا ، وإن صاروا ثلاثة ثلاثة فالقول للذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ، لعلمه أنّ عليا وعثمان لا يجتمعان على أمر ، وأنّ عبد الرحمن بن عوف لا يعدل بالامر عن ابن أُخته وهو عثمان ، ثمّ أمر بضرب عنق من تأخّر عن البيعة ثلاثة أيّام (213).
وعمر أيضا مزّق الكتاب كتاب فاطمة ـ عليها السلام ـ ، وهو أنّه لما طالت المنازعة بين فاطمة وأبي بكر ، ردّ عليها فدك والعوالي ، وكتب لها كتابا فخرجت والكتاب في يدها فلقيها عمر فسألها عن شأنها ، فقصّت قصّتها ، فأخذ منها الكتاب وخرَّقه (214) ، ودعت عليه فاطمة ، فدخل على أبي بكر ولامه على ذلك ، وانّفقا على منعها.
وأمّا عثمان بن عفّان فجعل الولايات بين أقاربه ، فاستعمل الوليد أخاه لاُمّه على الكوفة ، فشرب الخمر ، وصلّى بالناس وهو سكران (215) ، فطرده أهل الكوفة ، فظهر منه ما ظهر.
وأعطى الاموال العظيمة أزواج بناته الاربع ، فأعطى كلّ واحد من أزواجهنّ مائة ألف مثقال من الذهب من بيت مال المسلمين ، وأعطى مروان ألف ألف درهم من خمس افريقية (216).
وعثمان حمى لنفسه عن المسلمين ومنعهم عنه (217) ، ووقع منه أشياء منكرة في حقّ الصحابة.
وضرب ابن مسعود (218) حتى مات وأحرق مصحفه ، وكان ابن مسعود يطعن في عثمان ويكفّره.
وضرب عمّار بن ياسر صاحب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ حتى صار به فتق (219).
واستحضر أبا ذرّ من الشام لهوى معاوية وضربه ونفاه إلى الربذة (220) ، مع أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كان يقرّب هولا الثلاثة.
وعثمان أسقط القود ـ عن ابن عمر ـ لمَّا قتل النوار بعد الاسلام.
وأراد أن يسقط حدّ الشراب عن الوليد بن عتبة الفاسق ، فاستوفى منه علي ـ عليه السلام ـ ، وخذلته الصحابة حتى قتل ولم يدفن إلاّ بعد ثلاثة أيّام ودفنوه في حشّ كوكب.
وغاب عن المسلمين يوم بدر ، ويوم أُحد ، وعن بيعة الرضوان.
وهو كان السبب في أن معاوية حارب عليّا ـ عليه السلام ـ على الخلافة ، ثمّ آل الامر إلى أن سبّ بنو أُميّة عليّا ـ عليه السلام ـ على المنبر ، وسمّوا الحسن ، وقتلوا الحسين ، وشهّروا أولاد النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وذرّيته في البلاد يطاف بهم على المطايا (221) ، فآل الامر إلى الحجّاج حتى إنّه قتل من آل محمد اثني عشر ألفا وبنى كثيرا منهم في الحيطان وهم أحياء ، وكلّ السبب في هذا أنّهم جعلوا الامامة بالاختيار والارادة ، ولو أنّهم اتّبعوا النصّ في ذلك ولم يخالف عمر بن الخطّاب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في قوله : آتوني بدواة وبيضاء لاكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعدي أبدا (222) ، لما حصل الخلاف وهذا الضلال.
قال يوحنّا : يا علماء الدين هؤلاء الفرقة الذين يسمّون الرافضة هذا اعتقادهم الذي ذكرنا ، وأنتم هذا اعتقادكم الذي قرّرناه ، ودلائلهم هذه التي سمعتموها ، ودلائلكم هذه التي نقلتموها.
فبالله عليكم أيّ الفريقين أحقّ بالامر إن كنتم تعلمون ؟
فقالوا بلسان واحد : والله إنّ الرافضة على الحقّ ، وإنّهم المصدّقون على أقوالهم ، لكن الامر جرى على ما جرى فإنّه لم يزل أصحاب الحقّ مقهورين ، واشهد علينا يا يوحنا إنّا على موالاة آل محمد ، ونتبرّأ من أعدائهم ، إلاّ أنّا نستدعي منك أن تكتم علينا أمرنا لانّ الناس على دين ملوكهم.
قال يوحنّا : فقمت عنهم وأنا عارف بدليلي ، واثق باعتقادي بيقين فللّه الحمد والمنّة ، ومن يهد الله فهو المهتد.
فسطّرت هذه الرسالة لتكون هداية لمن طلب سبيل النجاة ، فمن نظر فيها بعين الانصاف أرشد إلى الصواب ، وكان بذلك مأجورا ، ومن ختم على قلبه ولسانه فلا سبيل إلى هدايته كما قال الله تعالى : ( إنّك لا تَهْدي مَنْ أحببتَ ولكنّ اللهَ يهدي مَنْ يشاء ) (223) فإنّ أكثر المتعصّبين ( سواءٌ عليهم أأنذرتَهم أم لم تُنذرْهم لا يؤمنون ، خَتَم اللهُ على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غِشَاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ ) (224).
اللهمّ إنّا نحمدك على نعمك الجسام ، ونصلّي على محمد وآله المطهّرين من الاثام ، مدى الايّام ، على الدوام ، إلى يوم القيامة.
إلى هنا ما وقفنا عليه من الكتاب المذكور ، وللّه سبحانه الحمد والمنّة (225).
____________
(194) نفس المصدر السابق .
(195) تقدمت تخريجاته .
(196) انظر: الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص144، شرح نهج البلاغة لابن‌ابي‌الحديد ج4 ص96.
(197) تقدّمت تخريجاته .
(198) راجع : الامامة والسياسة ج1 ص14 .
(199) شرح السنّة للبغوي ج12 ص198 ، مجمع الزوائد ج6 ص251 ، كشف الاستار ج2 ص211 ح1538 .
(200) تقدمت تخريجاته .
(201) الامامة والسياسة ج1 ص191 ، نهج الحقّ ص27 ، وفي شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج2 ص56 : فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت ، فخرج اليه الزبير بالسيف ، وخرجت فاطمة ـ عليها السلام ـ تبكي وتصيح ، فنهنهتْ من الناس إلخ وروى ذلك عن ابي بكر الجوهري .
(202) نهج الحق : ص272 ، اُسد الغابة ، ج2 ص14 ، الصواعق المحرقة ص175 ، ط‍ المحمدية وص105 ط الميمنية بمصر .
(203) الامامة والسياسة : ج1 ص14 ، مروج الذهب ج2 ص301 ـ 302، نهج الحق ص265 ، فقد ذكر المؤرخون ان ابا بكر ندم على اشياء فعلها وتمنى فعل اشياء تركها وممن ذكر ذلك ، ابن قتيبة في الامامة والسياسة ص24 : وذكر ذلك في مرضه عند دخول جماعة عليه منهم عبد الرحمن وقال له : ولا اراك تأسى على شيء من الدنيا فاتك ، قال أجل : والله ما آسى إلا على ثلاث فعلتهن ليتني تركتهن ، وثلاث تركتهن ليتني فعلتهن ، وثلاث ليتني سألت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ عنهن . فأما اللاتي فعلتهن وليتني لم أفعلَّهن ، فليتني تركت بيت عليِّ وإن كان أعلن عليَّ الحرب ، وليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين : أبي عبيدة أو عمر ، فكان هو الامير ، وكنت أنا الوزير ، وليتني حين أُتيت بالفجاءة السلمي أسيراً أني قتلته ذبيحاً أو أطلقته نجيحاً ، ولم أكن أحرقته بالنار ، وأما اللاتي تركتهن وليتني كنت فعلتهن ، ليتني حين آتيت بالاشعث بن قيس أسيراً أني قتلته ولم أستحيه ، فاني سمعت منه وأراه لا يرى غياً ولا شراً الا اعان عليه ، وليتني حين بعثت خالد بن الوليد الى الشام ، اني كنت بعثت عمر بن الخطاب الى العراق ...الخ .
(204) تقدمت تخريجاته .
(205) سورة الزمر : الاية 3 .
(206) تاريخ الخميس ج2 ص167 ، صحيح البخاري ج6 ص17 ، وقد تقدّم الحديث مع تخريجاته .
(207) تقدّمت تخريجاته .
(208) سورة النساء : الاية 20 .
(209) الدرّ المنثور ج2 ص466 ، نهج الحق ص278 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص182 وج12 ص17 .
(210) نهج الحقّ ص279 ، وفيه عشرة آلاف .
(211) أحكام القرآن للجصّاص ج3 ص61 .
(212) نهج الحقّ : ص281 ، الدرّ المنثور ج2 ص487 ، وقد تقدمت تخريجاته .
(213) الامامة والسياسة ج1 ص28 ـ 29 ، نهج الحقّ ص285 ، تقدم الحديث مع تخريجاته .
(214) شرج نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص274 .
(215) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج3 ص18 ، تاريخ الخميس ج2 ص255 و 259 ، الكامل في التاريخ ج3 ص52،الامامة والسياسة ج1 ص32، اُسد الغابة ج5 ص90 ، نهج الحق‌ ص290.
(216) تاريخ الخميس ج1 ص26 ، تاريخ الطبري ج5 ص49 ، تاريخ اليعقوبي ج2 ص155 ، المعارف لابن قتيبة ص84 ، نهج الحق ص293 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص198.
(217) نهج الحق ص294 ، تاريخ الخميس ج2 ص262 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص199 ، تاريخ‌ الخلفاء ص164.
(218) نهج الحق ص295 ، اسد الغابة ج3 ص259 ، تاريخ ابن كثير ج7 ص163 ، تاريخ الخميس ج2 ص268 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص198 ، وج3 ص40 .
(219) تاريخ الخميس ج2 ص271 ، الامامة والسياسة ج1 ص32 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص238 ، نهج الحق ص296 .
(220) تاريخ اليعقوبي ج2 ص162 ، الكامل في التاريخ ج3 ص56 ، نهج الحق ص298 ، انساب الاشراف ج5 ص52 ، مروج الذهب ج2 ص339 .
(221) انظر : ينابيع المودة ب 61 ص350 ، مقتل الحسين ـ عليه السلام ـ للمقرم .
(222) تقدّمت تخريجاته .
(223) سورة القصص : الاية 56 .
(224) سورة البقرة : الاية 6 ـ 7 .
(225) الكشكول للبحراني : ج2 ص28 .

العودة