مناظرة السيد محمد تقي الحكيم مع أكابر علماء مؤثر البحوث الإسلامية

في عصمة أهل البيت عليهم السلام (2)

مندوب الاِيمان.
 

س ـ في المواضيع التي ذكرتم أنها أُثيرت معكم من قبل العلماء الذين التقيتموهم هناك ما يتعلق بالشيعة والخلافة، وبما أن لهذا الموضوع ارتباطاً قوياً بما نشر في العدد السابق عن الشيعة والعصمة، فهل ترون أن نثير التحدث فيه لنربط بين حلقات هذه الاَحاديث الحساسة.
 

ج ـ لا مانع لديَّ شريطة أن لا نثقل على القراء ، كما أثقلنا عليهم في الحديث الماضي.
 

مندوب الاِيمان.
 

س ـ بالعكس إن القراء رحبوا بهذه الاَحاديث ترحيباً منقطع النظير، ولدينا كتب تشكر المجلة على اهتمامها باستقصاء كل ما دار في الندوات من أحاديث، وهم في أشد الشوق لمواصلة نشرها، وما أكثر ما تلقيت كلمات الحث والمطالبة والتشجيع من قبلهم، والآن هل تتذكرون أين جرى الحديث حول الشيعة والخلافة ومع مَنْ من أعلام الفكر هناك؟
 

ج ـ جرى هذا الحديث في أكثر من ندوة ـ وكان له في ندوتي الاِسكندرية والقاهرة ـ وهما اللتان سبق التحدث عنهما في موضوعنا السابق ـ مجال واسع.
 

وهناك جملة من الاَعلام شاركوا في الحديث عنهما ، وبخاصة بعض من شهدوا الندوتين ، ونحن نجمع ـ كما صنعنا في الحديث الماضي ـ جملة ما دار من أحاديث عنها سواء ما وقع منها في الندوتين المذكورتين ، أم غيرهما ملتزمين نفس الخطة التي سلكناها في الحديث الماضي.
 

س ـ هل تتذكرون كيف بدأ الحديث عن هذا الموضوع؟!
 

ج ـ بدأ الحديث فيما أتذكر في بعض الندوات عندما وجه إليَّ أحد الاَعلام هذا السؤال الهام: إذا كان في الاَدلة التي ذكرتموها ما ينهض بإثبات العصمة لاَهل البيت عليهم السلام ، فليس فيها ما يثبت الاِمامة بمفهومها العام الذي يتسع لخلافة الرسول صلى الله عليه وآله وتخطئة مَنْ لم يعطهم هذا الحق، وأيُّ محذور في أن نؤمن بالفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ، فنعطي حق التشريع للاَئمة المعصومين : مثلاً، وحق التنفيذ لغيرهم ، ممن تختارهم الاُمة لاِدارة شؤونها العامة.
 

س ـ وماذا كان جوابكم على هذا السؤال؟
 

ج ـ قلت للسائل : إن سؤالك هذا مما يثير أمامنا عدة تساؤلات ، أظن أننا إذا قُدّر لنا أن نوفق للاِجابة عليها فستتضح وجهة نظر الشيعة في هذه المسألة، وربما تجمعت هذه الاَسئلة حول سؤالين رئيسين:
 

يتعلق أولهما في طبيعة الحكم في الاِسلام، وهل فيها ما يسيغ الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية؟ وعلى تقدير الفصل في هذه المسألة فهل هناك ما يلزم بإضفاء صفة العصمة على رأس الحكم، وما هي الاَسباب الداعية إلى ذلك؟ وهذه الاَسئلة كما ترون إنما تتعلق فيما يجب أن تكون عليه طبيعة الحكم من وجهة عقلية في التشريعات الاِسلامية.
 

وثانيهما: يتعلق في طبيعة ما هو كائن وهو التساؤل عن واقع ما صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وهل كان منسجماً مع ما ننتهي إليه في الاِجابة على الاَسئلة السابقة؟ ولماذا لم يتقبله كثير من المسلمين إذ ذاك؟
 

أما الجواب على السؤال الاَول: فإن الذي أعتقده أن طبيعة الحكم في الاِسلام تختلف جذرياً عما عليه طبيعة الحكم في الاَنظمة الاُخرى غير السماوية.
 

فإذا أمكن فصل السلطتين عن بعضهما في الاَنظمة الحديثة وبخاصة الديمقراطية منها، فإن ذلك غير ممكن بالنسبة إلى الاِسلام ، بل إذا أمكن تصوره في الاِسلام نفسه ـ بعد استكمال تشريعاته وتدوينها ـ فإن ذلك لا يمكن تصوره بالنسبة إليه في الفترة التي نؤرخ لها ، وهي أشبه بما يسمى في عرف الثورات الحديثة بفترات الانتقال.
 

قال أحدهم: وكيف؟
 

قلت: هذا واضح ، لاَن الاِسلام لا يعترف بوجود شخصية فرديةأو جماعية لها حق التشريع في مقابل ما تأتي به السماء من أنظمة وقوانين لاستئثار السماء في ذلك كله ، وحضرها ذلك على البشر جمعاء ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً ) (1).
 

وإذا عرفنا أن الله جعل لكل حادثة حكماً ولم يغفل في تشريعاته شيئاً مما يحتاج إلى حكم من أفعال العباد إلا وشرع له حكمه الخاص، كما هو فحوى ما ورد في ذلك من حديث، اتضح لنا انعدام السلطة التشريعية في الدستور الاِسلامي وحصرها في الله عزوجل ، والاقتصار على السلطة التنفيذية لتلكم الاَنظمة والقوانين السماوية فيمن يدرك هذه الاَنظمة ويعرفها معرفة تامة من رسولٍ وغيره.
 

وهذا بخلاف الدساتير الوضعية ،لاِمكان فصلهما فيها ، وذلك بإعطاء حق التشريع ، مثلاً للبرلمانات أو مجالس الثورة، وحق التنفيذ لمجلس الوزراء، وعلى أن راس الحكم فيها لابد وأن يستقطب السلطتين معاً ، برجوعهما إليه لتوقف تحقيقهما على مصادقته وإقراره.
 

وهنا أود أن اسأل: ألا تعتقدون معي أن وظيفة رأس الدولة هي حماية الدستور وما يتفرع عليه ، من أنظمة دولته وقوانينها الخاصة ، والعمل على سلامة تطبيقها على جميع المواطنين؟
 

قال أحدهم: طبعاً.
 

قلت: ألا ترون أن طبيعة الحماية تستدعي إحاطة الحامي بواقع ما يحميه، والتوفر على معرفة كل ما يتصل به ، وإلا لما أمكن تصور معنى للحماية بدون ذلك، إذ لا معنى لحماية المجهول من التجاوز عليه ، وهو غير محدد له ، فحامي الدستور مثلاً كيف يمكن له حمايته ككل إذا كان يجهله كلاً أو بعضاً، وما يدريه تجاوز بعضهم على بعض ، ما يجهل منه ما دام مجهولاً لديه.
 

قال: بالطبع.
 

قلت: فحامي الاِسلام إذن يجب أن يكون محيطاً بكل ما يتصل بأنظمته وقوانينه.
 

قال: وما يمنع أن يكون ذلك متوفراً في غير أئمة أهل البيت عليهم السلام ؟
 

قلت: إن الذي يمنع عنه هو ما سبق التحدث فيه مفصلاً في المحاورة السابقة ، حيث تساءلنا ـ ونحن نتحدث عن عصمة أهل البيت عليهم السلام ـ عن مصادر المعرفة لحقائق الاِسلام في عصر الصحابة ، وانتهينا إلى أنهما الكتاب والسنة ، وقلنا: إن الكتاب ـ وإن دوّن على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وحُفظ ـ إلا أنه لم يحط بجميع خصائص التشريع، ومن هنا احتجنا إلى السنة لبيان ما أجمل فيه ، والتعرض لمختلف القيود والشرائط والموانع المعتبرة في أحكامه ، مما لم يتعرض لها بشيء من التفصيل ثم التعرف على الاَحكام التي لم يذكرها الكتاب العزيز.
 

وقلنا: إن السنة لم تدوّن على عهده ولم يلزم هو بتدوينها وتنسيقها بضم القيود إلى مطلقاتها والمخصصات إلى عموماتها،فالاِحاطة بها وبكل ما يتصل في شؤونها تكاد تكون ممتنعة لدى غير أهل البيت عليهم السلام حيث أودعها صلى الله عليه وآله لديهم وألزم بالرجوع إليهم بأمثال أحاديث الباب والثقلين كما سبقت الاِشارة إليه.
 

على أني لا أعرف أحداً من الصحابة قد ادعى لنفسه المعرفة المستوعبة سواء منهم الخلفاء أم غيرهم، بل رأيت فيهم من يحتاج إلى أن يدل على معنى آية في كتاب الله، ومَنْ يجمع الصحابة لاستشارتهم في حكم من الاَحكام يجهل واقعه، وما أكثر ما أرسل الخليفة عمر قولته المشهورة لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن. (2)
 

قال أحدهم: ألا ترى أن هذا منتهى الحرص والمحافظة على أحكام الشريعة من قبل هؤلاء الخلفاء، وإلا لما كانت أية ضرورة للاستفسار من قبل الاِمام والصحابة عما يجهلون من أحكام.
 

قلت: إن الذي يبدو لي أننا نسينا مواقع النقض من كلامنا، فالفحص والحرص على تطبيق ما يعلم من الاَحكام بعد العثور عليها لا ينافيان الجهل أحياناً، وقد قلنا إن حماية المجهول لا يمكن تصورها مطلقاً.
 

والسؤال في بعض الاَحيان عما يجهل من الاَحكام لا يعني السؤال في جميع الاَحيان، ولا استيعاب كل ما يتصل بأحكام الشريعة، وكيف ندفع احتمال السهو والغفلة ، وحمل الصحة لتصرفات الآخرين ، مما يوجب عدم الفحص عنها.
 

ومن أراد من السادة الاَعلام أن يتتبع ما صدر عن الخلفاء من الاَحكام التي لا تلتقي مع النصوص ـ كتاباً وسنة ـ فليرجع إلى أمثال كتاب الحجة شرف الدين (النص والاجتهاد) و(الغدير) للحجة الاَميني ليعرف مدى ما استدرك عليهم المعاصرون لهم من الصحابة وغيرهم في ذلك كله.
 

قال أحدهم: إن ما ذكرتموه لا يفرض أكثر من ضرورة توفر صفة العلم في الحماة ، لا العصمة كما افترضتموها لهم.
 

قلت: هذا صحيح ، لو كان عنصر الحماية لا يحتاج إلى أكثر من العلم ، أما إذا ضممنا إليه ـ لضمان وجودها واستمرارهاـ ضرورة تمثل المسؤول لواقعها تمثلاً نفسياً يأبى عليه التنكر لها مهما كانت البواعث له ، احتجنا إلى العصمة.
 

قال أحدهم: وماذا يعني هذا الكلام؟
 

قلت: إن الذي أعنيه أن لا يختلف الشخص ـ الذي يقوم بدور الحماية ـ في واقعه النفسي عنه في واقعه العقلي ، أي أن لا يحمل في أعماقه من الرواسب ما يتنافى مع طبيعة الرسالة التي آمن بها عقلياً ، لئلاً تستأثر بعض الرواسب في توجيهه الوجهة المعاكسة في حالات غفلة الرقيب ، أو تخديره بغضب أو غيره.
 

وأنتم ولا شك تعلمون أن الاِسلام جاء بثورة مستوعبة لمختلف أبعاد الاِنسان ، وقد شنها حرباً لا هوادة فيها على جملة ما كان سائداً في عصره من مفارقات، وإن الكثير ممن عاشوا تلكم المفارقات هم الذين اعتنقوا الاِسلام وناضلوا ودافعوا عنه ، وأكثرهم كانوا قد اعتنقوه ببواعث عقلية لا تمت إلى الواقع النفسي بصلة.
 

ولكن الرسالة ـ أية رسالة ـ لا يمكن أن تأتي من بداية ثورتها على جذور ما قامت عليه من مفارقات ، وبخاصة ما ترسب منها في أعماق الاِنسان ، بل هي تحتاج إلى أن تمر بأجيال يتخفف كل جيل لاحق من رواسب جيله السابق ، بعد تعويضه بما جد من قيم ومفاهيم نتيجة لقيام الثورة الرسالية الجديدة، ووظيفة الرسالة في بداية أمرها كبت تلكم الرواسب المعاكسة بإعطاء طاقة جديدة للضمير، أو الاَنا ليمنع من تسربها إلى الشعور ، والاستئثار بكل مجالات السلوك، وإلا فإن استئصالها لا يمكن أن يتم بعد أن أخذت مكانها بين عوالم اللاشعور.
 

ومن هنا كنا نرى بروز الكثير من الرواسب إذا تخدر الضمير ، أو وقف تأثيره بفعلٍ من بعض العوامل النفسية كالغضب مثلاً ، وهنا ذكرت مضمون كلام لاَحمد أمين يحسن أن نرجع إلى نصه في فجر الاِسلام.
 

مندوب الاِيمان ـ ثم تناول السيد كتاب فجر الاِسلام من أحد رفوف المكتبة واستخرج منه ص97 وقرأ فيها ما يلي وبعد فإلى أي حد تأثر العرب بالاِسلام، وهل أمحت تعاليم الجاهليةونزعات الجاهلية بمجرد دخولهم في الاِسلام، ألحق أن ليس كذلك ، وتاريخ الاَديان والآراء يأبى ذلك كل الاِباء .
 

فالنزاع بين القديم والجديد والدين الموروث والحديث يستمر طويلاً، ويحل الجديد محل القديم تدريجاً ، وقل أن يتلاشى بتاتاً .
 

وهذا ما كان بين الجاهلية والاِسلام فقد كانت النزعات الجاهلية تظهر من حين إلى حين ، وتحارب نزعات الاِسلام ، وظل الشأن كذلك أمداً بعيدا ولنقصُ طرفاً من مظاهر هذا النزاع .
 

جاء الاِسلام يدعو إلى محو التعصب للقبيلة والتعصب للجنس ، ويدعو إلى أن الناس جميعاً سواء ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (3) وفي الحديث المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم (4) ، وخطب النبي صلى الله عليه وآله في خطبة الوداع يا أيها الناس إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية ، وفخرها بالاَباء ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى (5)، وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله قال : من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية ، أو يدعو إلى عصبية ، أو ينصر عصبية ، فقتل قتل قتلة جاهلية (6) وآخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين والاَنصار بعدما كان بين المكيين والمدنيين من عداء .
 

ومع كل هذه التعاليم لم تمت نزعة العصبية ، وكانت تظهر بقوة إذا بدا ما يهيجها، أنظر إلى ما روي في غزوة بني المصطلق أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في جماعة من المهاجرين والاَنصار فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الاَنصار، فكان بينهما قتال إلى أن صرخ يا معشر الاَنصار ، وصرخ المهاجر يا معشر المهاجرين ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما لكم ولدعوة الجاهلية، فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الاَنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : دعوها فإنها منتنة، فقال عبدالله بن أبي أبن سلول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاَعز منها الاَذل (7) .
 

أفلست ترى أن نزاعاً تافهاً ، لسبب تافه هيج النفوس ودعاهم إلى النزعة الجاهلية وتذكر العصبية المكية والمدنية .
 

ومن يتصفح التأريخ يجد المئات من الشواهد أمثال ما ذكره الدكتور أحمد أمين ، ولعل أهم نقاط الضعف التي أجهز بها الخليفة أبو بكر على الاَنصار في سقيفة بني ساعدة هو إثارة هذه النزعة في أعماقهم ، عندما ذكرهم بالقتلى والجراح التي لا تداوى ما بينهم في الجاهلية ، وكان قد خدرها الاِسلام عندما ألف بين قلوبهم، ولقد ذكرت هنا مضمون حديث رواه الجاحظ يحسن أن نعود إلى نصه ففيه أعظم الدلالة على صدق ماذكره الدكتور أحمد أمين.
 

وهنا تناول السيد كتاب البيان والتبيين واستخرج ص181 من جزئه الثالث وقرأ فيها عيسى بن نذير قال : قال أبو بكر : نحن أهل الله ، وأقرب الناس بيتاً من بيت الله ، وأمسهم رحماً برسول الله صلى الله عليه وآله إن هذا الاَمر إن تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الاَوس، وإن تطاولت إليه الاَوس لم تقصر عند الخزرج، وقد كان بين الحيين قتلى لا تنسى، وجراح لا تداوى، فإن نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي أسد يضغمه المهاجري ويجرحه الاَنصاري .
 

قال ابن دأب فرماهم والله بالمسكتة. (8)
 

وكان من نتائج تأثير هذه الخطبة التي دللت على مدى ما يملكه الخليفة من خبرة بالواقع النفسي أن حولت ذلك الواقع الذي أبعده الاِسلام إلى أعماق اللاشعور ، بفضل تأليفه بينهم إلى واقع شعوري متجسد يعمل عمله في الفرقة بينهم، وهكذا أجهز عليهم من أقرب نقطة ضعف ، وحملهم على التسابق إلى بيعته خشية أن يستأثر بالخلافة أحد الفريقين ، وكان أسرع الفريقين إليها أبناء الاَوس لاَن المرشح الوحيد للاَنصار إذ ذاك كان سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج كما تعلمون.
 

فإذا صح هذا من وجهة نفسية عدناإلى ما سبق أن قلناه من أن عنصر الحماية الذي يجب توفره في رأس الدولة يستدعي أن لا يحمل رأس الدولة في أعماقه أية رأسية على خلاف المفاهيم الثورية الحديثة ، وإلا لكانت الرسالة هي أو بعض مفاهيمها عرضة للتصدع متى استأثر الباعث اللاشعوري في توجيه صاحبه الوجهة المعاكسة.
 

وضمان هذه الناحية موقوف على أن يتولى دور الحماية شخص لا يملك اية راسبةفي أعماقه على خلاف هذه المفاهيم الثورية ، بالاِضافة إلى إيمانه العقلي بكل ما صدعت به من أفكار وأحكام.
 

قال أحدهم: وكيف يتهيأ مثل ذلك الشخص ليقوم بهذا الدور ، وهل في المسلمين إذ ذاك شخص لم يعش فترة من حياته في الجاهلية ليتولى دور الحماية كما تريدون.
 

قلت: يا سيدي ـ إذا كانت الفكرة سليمة فإن على الاِسلام أن يهيء مثل ذلك الشخص إذا كان يريد لنفسه ضمان التطبيق السليم ، وأنتم تعلمون أن قيمة الرسالة لا تبرز بمجرد التشريع ، وما قيمة تشريع لا يضمن له تطبيق سليم يتمشى مع الاَهداف الاَساسية التي تبرر وجوده ، وتقديم آلاف الضحايا في سبيل تركيز ذلك الوجود.
 

قال أحدهم: إن هذا صحيح جداً ولكن على الصعيد النظري فحسب ، لما فيه من طوبائية تتجافى مع الواقع العملي لنوع الناس.
 

قلت: قد يكون ذلك كما تقولون لو كانت الرسالة غير سماوية ، وكانت المخططات لها من صنع بشر عادي يكون معرضاً للخضوع للعوامل الذاتية في تصرفاته ولا أقل من خطئه واشتباهه.
 

أما وأن الرسالة سماوية ومخططها هو الله عزوجل فليس هناك ما يمنع من وضع مخطط لتهيئة مثل أولئك الاَشخاص وإيداع ذلك إلى النبي لتنشئتهم وفق ذلك المخطط.
 

على أن دعوى الطوبائية لا أفهم لها دلالة في أمثال هذه المواضع مع إدراكنا لدور التربية السليمة في بناء الاَشخاص وفق المفاهيم التي يراد لها التطبيق ، ونحن نعرف أن الشخص الذي يُربى على أسس معينة لمفاهيم وقيم خاصة ، إذا أبعد عن كل ما يتجافى مع تلكم المفاهيم منذ صغره يكاد يستحيل عليه أن يصدر في تصرفاته عما يخالفها ، وأمامنا في واقعنا المعاش كثير من القيم الحضارية السائدة في بعض البلدان المتحضرة كالدول الاَسكندنافية مثلاً لا يمكن لاَهلها أن يخرجوا عليها ، وبعض هذه القيم انتزعت من واقع مفاهيمنا الاِسلامية كالصدق والاَمانة وغيرهما.
 

على أن الذي يكفينا الآن ـ ونحن نتحدث عما يجب أن يكون ـ هو اعترافنا بصحة هذه الفكرة على الصعيد النظري لننتقل بعد ذلك إلى دراسة ما هو كائن ثم نرى مدى انسجامه مع هذا الواقع الذي انتهينا إليه.
 

وأول ما يلفت نظرنا ونحن نستعرض هذا الجانب أن نرى في بعض تصرفات النبي صلى الله عليه وآله ما يبحث عن تفسير ما دامت تصرفاته ـ بحكم رسالته ـ تصرفات كلها هادفة.
 

وأول ما يبحث عن التفسير احتضانه للاِمام علي عليه السلام من بداية حياته والاِشراف على تربيته بنفسه وهو صبي ، ثم وضع مخطط لاِبعاده عن جميع الاَجواء المعاشة إذ ذاك لاَمثاله من صبيان قريش ، يقول الاِمام علي عليه السلام وهو يتحدث في نهجه الخالد عن لون تربيته في هذه الفترة: وضعني في حجره ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وآله ـ وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده ، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر اُمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة حراء (9) ، فأراه ولا يراه غيري (10).
 

وهذه الخطوط التي رسمها الاِمام لاَسلوب تربيته على يد النبي صلى الله عليه وآله ليست طبيعية لو لم يكن الهدف منها أسمى من وجهها البارز ، فهي تريد له الاِبعاد عن جميع الاَجواء التي كانت سائدة إذ ذاك ، مع بنائه على لون من السلوك يختلف عنها في جملة ما له من خطوط ، فهو صلى الله عليه وآله يرفع في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمره بالاقتداء به ، ولا يكتفي بذلك دون أن يصحبه حتى لمواقع تحنثه وعبادته في غار حراء ، فليس غريباً بعد ذلك أن لا يكون لهذا الصبي من الرواسب الجاهلية ما يتجافى مع الاُسس الجديدة التي رسمها النبي صلى الله عليه وآله للسلوك ، وأكد منها الاِسلام بعد ذلك في جملة ما جاء به من تشريعات.
 

ومن هنا كان من الطبيعي جداً أن يكون هذاالصبي أسرع الناس إلى الاِيمان بالرسالة التي أرسل بها صاحبه لملاءمتها لواقعه النفسي، ولقد تظافرت جملة من الروايات على تسجيل هذا الواقع ومنها ماأثر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لقد صلت الملائكة عليَّ وعلى علي سبع سنين وذلك أنه لم يصل معي غيره (11) ومن مأثور ما نقل عن الاِمام نفسه قوله في إحدى خطبه: اللهم لا أعرف أن عبداً لك من هذه الاَمة عبدك قبلي غير نبيك ثلاث مرات ، لقد صليت قبل أن يصلي الناس سبعاً (12) ثم شده النبي صلى الله عليه وآله إلى هذه الرسالة شداً ، ومكنها من نفسه عقيدة ، يفنى من أجلها ويعيش.
 

وفناؤه في الدفاع عنها وعن صاحبها وهو في مكة أشهر من أن يتحدث عنه.
 

والعقيدة متى تمكنت من أعماق صاحبها ولم يكن لها في نفسه ما يزاحمها من الرواسب المعاكسة استحال عليه عادة الخروج على تعاليمها ، أو التخلف عما تدعو إليه وتتطلبه من تضحيات ، وهو معنى العصمة الذي نريده ونذهب اليه.
 

ونجاح هذا الجانب من الاِعداد على يد النبي صلى الله عليه وآله هو الذي أوجب أن يؤهله ( وما ينطق عن الهوى ) (13) للخلافة من عبده ويعد النفوس لتقبل ذلك مبكراً ، وأول نص وصل إلينا في هذا الشأن ما روي على لسان غير واحد من المؤرخين قوله صلى الله عليه وآله لعشيرته الاَقربين وقد أمر بإنذارهم، وقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فايكم يؤازرني على أمري هذا قال علي7: فقلت : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي فقال : إن هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا يقول الراوي فقام القوم يضحكون، ويقولون لاَبي طالب قد أمرك أن تسمع وتطيع لعلي (14)
 

ثم توالت بعد ذلك التصريحات منه صلى الله عليه وآله : لكل نبي وصي ووارث ، وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب (15) وقوله لعلي ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (16) إلى عشرات أمثالها بالاِضافة إلى نوع من التصريحات يتخذ طابع الملاشاة لجميع الفوارق بينه وبين الاِمام ، إلا ما يتصل بالنبوة فهو نفسه في آية المباهلة ، وهو الذي يؤدي عنه ، لاَنه منه كما في حديث براءة ، وحديث إن علياً مني وأنا من علي ، وهو ولي كل مؤمن بعدي ، لا يؤدي عني إلا أنا أو علي (17)
 

والنص الذي اتخذ طابع البلاغ العام هو نص الغدير ، وكان بعد عودته من حجة الوداع وقد صوره ابن عباس ورسم أجواءه بقوله لما أمر الله رسوله أن يقوم بعلي فيقول له ما قال فقال : يا ربي إن قومي حديثو عهد بجاهلية ، ثم مضى بحجه فلما أقبل راجعاً ونزل بغدير خم أنزل عليه ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك... ) (18) الآية فأخذ بعضد علي فقال: أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم، قالوا: بلى يا رسول الله قال: اللهم من كنت مولاه ، فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأعن من أعانه ، واخذل من خذله ، وانصر من نصره ، وأحب من أحبه ، وأبغض من أبغضه (19) .
 

ومن هنا يتضح أن اختيار النبي صلى الله عليه وآله لعلي ما كان وليد الصدفة ، وإنما كان وليد إعداد وتهيئة ذات جذور عميقة ، تقتضيها طبيعة الحماية للمبادىء الثورية التي أنزلت من السماء لهدم أمة وبنائها من جديد، وعلي هو الوحيد الذي كان إذ ذاك لا يحمل في رواسبه مخلفات الجاهلية بفضل احتضان النبي صلى الله عليه وآله له من صغره، وإبعاده عن جميع أجوائها المعاكسة ، بما هيأ له من وسائل التربية السليمة.
 

فالفكرة إذن سليمة وليس فيها شيء من الطوبائية كما نتخيل ، ويصدقها واقع الاِمام علي عليه السلام وسلوكه المنسجم معها داخل الحكم وخارجه ، كما يصدقها واقع خلفائه من أهل البيت الذين أعد لهم الاِمام نفس الاسلوب الذي اتخذه النبي صلى الله عليه وآله في تربيته الخاصة ، وقد سبق في أحاديثنا عن العصمة والتماسها في واقعهم التأريخي ما يلقي الاَضواء على ذلك.
 

قال أحدهم: إن الذي يقف دون تقبل هذه الفكرة وما اعتضدت به من نصوص هو موقف الصحابة منها ومن نظائرها، أتراهم لم يدركوا هذا الواقع الذي تقوله الشيعة أم أدركوه ولم يتقيدوابالاَخذ بمدلوله مع شدة علاقتهم به صلى الله عليه وآله وحرصهم على الاَخذ بتعاليمه أليس في هذا الكلام شيء من الطعن في الصحابة.
 

قلت: إذا سمحت لي يا سيدي أن أتحدث بشيء من الصراحة سألتك عن رأيك في الصحابة ، وهل إنكم تنسبونهم إلى العصمة كما يعتقد الشيعة في أئمتهم.
 

قال: لا، إنهم ليسوا بمعصومين ولكنهم لا يتعمدون المعصية لاَنهم عدول، والمسألة هنا لا تحتمل الخطأ مع هذه النصوص.
 

قلت: ورأيك هذا هل ينطبق على الجميع أم أنهم يختلفون من حيث المستوى الاِيماني باختلاف مدة الصحبة ، وشدة الارتباط بالمفاهيم الجديدة وعدمه.
 

قال: ماذا تقصد بهذا الكلام؟
 

قلت: أقصد التساؤل عما إذا كان اعتقادكم قائماً على التساوي بين من دخل الاِسلام من بداية البعثة واعتنق مبادئه ودافع عنها ، وبين من أسلم عام الفتح مثلاً.
 

قال: أما من حيث عدم تعمد المعصية فنعم ، وأما من حيث التفاوت في المنازل القريبة فلا.
 

قلت: إذن تعتقدون أن الصحبة ولو كانت لفترة يسيرة كافية لاِحداث ملكة العدالة في نفوس أصحابها.
 

قال: نعم.
 

قلت: ولكن النصوص صريحة في خلاف ذلك ، فإن كثيراً من آيات الكتاب العزيز نسبت النفاق إلى بعضهم أمثال قوله تعالى: ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) (20) وقوله عزاسمه: ( وإذ زاغت الاَبصارُ وبلغتِ القلوبُ الحنَاجِرَ وتَظُنونَ باللهِ الظُنُونا ، هُنالِكَ ابتُليَ المؤُمنونَ وزُلزلُوا زلزالاً شديداً ، وإذ يقُولُ المنافقُونَ والّذينَ في قُلوبِهم مرضٌ ما وَعَدَنا اللهُ ورسُولُه إلا غروراً ) (21) إلى أمثالها من الآيات.
 

فهل كان هؤلاء من الصحابة أو من غيرهم ، وأين ذهبوا بعد وفاته صلى الله عليه وآله وهل عينهم التاريخ بأسمائهم لنخرجهم من قائمة الحساب!
 

على أن التاريخ حافل بتجاوز بعض الصحابة على البعض ، ونيل بعضهم من البعض ، فهل كان هؤلاء كلهم على حق.
 

قال أحدهم: ما بال الشيعة لا يتركون الطعن في الصحابة ، والتجاوز عليهم أحياناً.
 

قلت: يا أخي لا تقل هكذا، فنحن لسنا في موضع استفزاز أو إثارة عواطف، وليست المسألة مسألة شيعة وسنة، وإنما هي مسألة واقع تترتب عليه ممرات في مجالات العمل والسلوك.
 

إن عيب الشيعة يا سيدي أنهم لا يستطيعون أن يجمعوا الصيف والشتاء على سطح واحد، فالصحابة لديهم مختلفون في المستوى ، وفي أعمال بعضهم ما لا يعرفون له وجهاً ، وهم وإن وجدوا في الصحبة فضلاً لاَصحابها لا يعادله فضل ، إلا أنه الفضل الذي لا يعفي صاحبه من المسؤولية.
 

ولكن ما رأيك لو قال لك أحد الشيعة ـ ولوعلى طريق الاستفزاز أو الدعابةـ : إن أول من فتح باب الطعن في الصحابة هم السنة لا الشيعة ، فماذا يكون جوابك على هذا الاَمر ؟
 

قال: وكيف.
 

قلت: أسالك : هل هناك أعظم من رمي المسلم بالارتداد؟
 

قال: لا.
 

قلت: إن البخاري ـ وهو من أقدم من ألّفوا في الحديث ـ عقد باباً في صحيحه لاَخبار الحوض ، حشده بالكثير من الروايات التي تنسب إليهم أو إلى بعضهم الارتداد اقرأها مفصلة في هذا الباب. (22)
 

قال: إنا لا نمنع وجود مرتدين أمثال مَنْ حاربهم أبو بكر لردتهم.
 

قلت: ولكن بعض هذه الروايات لا تستثني منهم إلا مثل همل النعم ، كناية عن القلة وتنسب الارتداد إلى الاَكثر ، ثم ذكرت مضمون رواية لاَبي هريرة ويحسن أن نعود إلى نصها.
 

مندوب الاِيمان: وهنا أخرج الجزء الثامن من البخاري وقرأ فيه حدثني إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح حدثنا أبي قال: حدثني هلال عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذاعرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال: هلم فقلت: أين قال: إلى النار والله قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم قلت: أين قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدكعلى أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم (23)
 

إن الذي يبدو لي يا سيدي أن أسلافنا كانوا أوسع أفقاً منا وأقرب إلى الموضوعية عند ما حشدوا كل ما عثروا عليه من الاَحاديث التي اطمأنوا إلى صدورها وتركوا للباحثين أمر تمحيصها ، ولم يجعلوا رواسبهم مقياساً لما يروون وما يتركون ، وكان محدثوا الشيعة والسنة سواء من هذه الناحية ، فليس من الانصاف أن نحمل الجميع مسؤولية رأي لم يصرحوا جميعاً بتبنيه ، وحجتنا في ذلك مجرد العثور على رواية في كتاب للسنة أو الشيعة تتعلق في الصحابة أو غيرهم ويستشم منها الطعن مثلاً.
 

قال أحدهم: وقد وجه بنظرة عتاب إلى المعترض ـ لقد أبعدتنا عن صميم الموضوع، فالسؤال الذي سبق أن أثرناه حول موقف الصحابة من هذه النصوص ما يزال قائماً ، أترى أن الصحابةوفيهم مثل أبي بكر وعمر لم يدركوا هذا الواقع الذي أدركه الشيعة ، وفهموه من هذه النصوص أم ادركوه وانحرفواعنه جميعاً.
 

قلت: إن الذي أدعيه ـ يا سيدي ـ إن الصحابة جميعاً فهموه ـ كنص ـ بالمستوى الذي فهمه الشيعة ، إلا أن موقفهم منه كان مختلفاً جداً ، وهم ينقسمون في هذاالاَمر إلى أقسام ثلاثة ، وليس في أحد هذه المواقف تشكيك بالنص.
 

القسم الاَول: وهو الذي يشكل الاَكثرية وقوامه مسلمة الفتح من قريش وبعض المنافقين الذين أشارت إليهم الآيات السالفة ، كان للرواسب التي عرضها الدكتور أحمد أمين في حديثه السابق موقع كبير من نفوسهم ، ومثل هؤلاء لا يسهل عليهم تقبل خلافة الاِمام علي عليه السلام بالذات ، لاُمور عدة أهمها اعتقادهم أن الخلافة إذا دخلت هذا البيت فلن تخرج منه بعد ذلك ، وفي هذا ما فيه من قتل لطموح من يرى لنفسه أهلية الحكم ، وبخاصة من زعماء القبائل الذين كانوا ينفسون على هذا البيت مكانته الجديدة التي ارتفع رصيدهابالاِسلام، والنزعة القبيلية ما تزال متحكمة في أعماق الاَكثر، وقد رأيتم فيما سبق أن حادثة بسيطة كادت أن تثير حرباً بين المهاجرين والاَنصار بباعث من هذه النزعة ، ومن هنا انطلق شعار وسعوها في قريش تتسع (24) وقد عكست هذاالواقع محاورة للخليفة عمر مع عبدالله بن عباس يذكرها ابن الاَثير في جزئه الثاني ، ويحسن أن نقف على ما يتصل منها بطبيعة موضوعنا.
 

يقول ابن عباس ـ من حديث فقال يعني عمر: يا ابن عباس أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد صلى الله عليه وآله :
 

فكرهت أن أُجيبه ، فقلت: إن لم أدر فأمير المؤمنين يدريني .
 

فقال: عمر كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً ، فاختارت قريش لاَنفسها فأصابت ووفقت.
 

فقلت له : يا أميرالمؤمنين ، إن تأذن لي بالكلام ، وتمط عني الغضب تكلمت؟
 

قال: تكلم.
 

قلت: أما قولك يا أميرالمؤمنين: اختارت قريش لاَنفسها فأصابت ووفقت، فلو أن قريشاً اختارت لاَنفسها حين اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود.
 

وأما قولك: إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فإن الله عزوجل وصف قوماً بالكراهة فقال ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) (25) . (26)
 

فهذه المحاورة ـ ولها نظائر ـ تعكس موقف قريش من النص وتخوفها من تطبيقه ، ووقوفها دون ذلك رغم علمهم بأنه مما أنزله الله كما يبدو من حديث ابن عباس.
 

وهذا الاِصرار من قبل قريش على الوقوف دونه هو الذي فتح منفذ الاجتهاد أمام الخليفتين أبي بكر وعمر وسعد بن عبادة وأضرابهم ، وهم الذين يشكلون (القسم الثاني) في أن يتداركوا الاَمر كل من زاويته ، فسعد جمع الاَنصار لترشيح نفسه ، أو التماس مرشح للخلافة منهم ـ بعد أن أحس بخطر ما تريده قريش ـ وقد خشي من تغلبهم على الاَمر ، وعداؤهم لواتريهم من الاَنصار معروف.
 

وعمر أصر على اختيار أبي بكر ، لاعتقاده بأنه أفضل العناصر التي لا يمكن أن تجمع الكلمة إلا عليه ما دامت قريش لا تجتمع على علي عليه السلام .
 

أما القسم الثالث ويتمثل بأمثال سلمان وعمار وأبي ذر والزبير والمقداد وبني هاشم ، فقد ظلوا مصرين على ضرورة تطبيق النص واختيار علي عليه السلام للخلافة إلى اللحظة الاَخيرة ، فالمسلمون إذن ما كانوا ليشكوا في النص على علي عليه السلام أو لا يرونه، إلا أن قريشاً لا تريد أن تجمع النبوة والخلافة في بيت، والاَنصار يخشون من تمرد قريش وغلبتهم، والخليفتين وجملة من الصحابة كانوا يخشون من تفرق الكلمة عن الاِمام وهكذا.
 

قال أستاذ كبير في الندوة: إن الذي أراه أن الحق في الخلافة إنما هو للاِمام علي عليه السلام والاَئمة عليهم السلام من بعده، وأن الخلافة لو وصلت إلى الاِمام بعد النبيّ بلا فصل لما انتهت بعد ذلك إلى أمثال يزيد بن معاوية والوليد من الاَمويين.
 

ولانتهى الاِسلام إلى غير ما انتهى إليه اليوم، ولكن ما رأيكم وقد انتهى عصر الاَئمة ، ولم يعد فعلاً مجال لعودتهم للحكم أن نسدل الستار على الماضي ونتناساه ، ونعود إخواناً يجمعنا كتاب الله وسنةنبيه صلى الله عليه وآله دون أن نسمع كلمة تفرقة أوخصام من أجل عقيدة.
 

قلت: إن هذه الدعوة هادفة وسليمة جداً ، ولكن لمن لم يكن للماضي علاقة بحاضره، أما والشيعة تعتقد بضرورة الرجوع إلى الاَئمة من أهل البيت عليهم السلام ورثة السنة النبوية فإن حاضرها لم ينقطع عن ماضيها، بل هي مضطرة للتشبث به وعلى الاَخص فيما يتعلق بإمامة أهل البيت عليهم السلام ولكن ما رأيكم أن نضيف إلى ما ذكرتم ضرورة الرجوع إلى السنة الموروثة لدى أهل البيت عليهم السلام والتي ألزم بها النبي صلى الله عليه وآله بحديث الثقلين بالاِضافة إلى ما صح من غير طريقهم ، ويكون ذلك موضعاً لاتفاق الكلمة ووحدتها ، مع ما في ذلك من الحيطة للديّن كما تعلمون.
 

قال أحدهم: وكيف يمكن الاتفاق مع الشيعة ، وهم يؤمنون بأن لهم قرآناً يختلف عن قرآن أهل السنة .
 

مندوب الاِيمان: وبماذا أجبتم على هذا الاَستفزاز؟
 

ج ـ إن جوابي عليه مما لا يتسع له الحديث في جلستنا هذه ولعلنا نتحدث عنه في جلسة قادمة إن شاء الله. (27)

____________
(1) سورة الاَحزاب : الآية 36 .
(2) ذخائر العقبى للطبري : ص 82 ، كتاب فضائل الصحابة لاَحمد بن حنبل : ج 2 ص 647 ح1100 ، بحار الاَنوار : ج 40 ص 149 ح 54 وص 226 ح 6 .
(3) سورة الحجرات : الآية 13 .
(4) بحار الاَنوار : ج 2 ص 148 ح 22 وج 21 ص 138 ح 33 .
(5) بحار الاَنوار : ج 21 ص 137 ح 31 وح 67 ص 278 ، وج 73 ص 348 ح 13 .
(6) صحيح مسلم : ج 3 ص 1478 ح 1850 ، مسند أحمد بن حنبل : ج 2 ص 296 ، فتح الباري لابن حجر : ج 13 ص 34 ، سلسلة الاَحاديث الصحيحة : ج 2 ص 715 ح 983 .
(7) بحار الاَنوار : ج 17 ص 184 .
(8) البيان والتبيين للجاحظ : ج 3 ص 528 ط سنة 1968 م نشر الشركة اللبنانية للكتاب، بيروت .
(9) حراء : جبل من جبال مكة ، على ثلاثة أميال ، كان يأنس به رسول الله صلى الله عليه وآله ويعتزل للعبادة فيه ، وكان يغدو إليه كل يوم يصعده وينظر من قُلله إلى آثار رحمة الله وبدايع حكمته، إن أن نزل عليه جبرئيل عليه السلام وقال : (إقرأْ باسم ربك الذي خلق) ، وجاء في كتاب (الاَنوار) للشيخ البكري في ذكر مقدمات تزويج رسول الله صلى الله عليه وآله بخديجة عليهما السلام : سار إليه العباس في جبل حراء فإذا هو فيه نائماً في مرقد إبراهيم الخليل عليه السلام ملتفاً ببردة وعند رأسه ثعبان عظيم في فمه طاقة ريحان يروحه بها . راجع : سفينة البحار للقمي : ج 1 ص246 ـ 247 ، مراصد الاطلاع : ج 1 ص 388 ، بحار الاَنوار : ج 16 ص 26 .
(10) نهج البلاغة ، تحقيق صبحي الصالح : ص 299 ـ 300 رقم الخطبة : 192 ، بحار الاَنوار : ج14 ص 475 ح 37 وج 38 ص 320 .
(11) بحار الاَنوار : ج 22 ص 302 وج 38 ص 226 ح 31 .
(12) بحار الاَنوار : ج 38 ص 241 ح 40 .
(13) سورة النجم : الآية 3 .
(14) تاريخ الاَمم والملوك للطبري : ج 2 ص 321 ، بحار الاَنوار : ج 18 ص 178 ح 7 وج 38 ص 224 ح 24 .
(15) مناقب أمير المؤمنين عليه السلام لابن المغازلي : ص 201 ح 238 ، بحار الاَنوار : ج38 ص147 ح 115 ، وص 154 ح 127 .
(16) تقدمت تخريجاته .
(17) مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام لابن المغازلي : ص 221 ـ 230 ح 267 ـ 276 ، تاريخ الاَمم والملوك للطبري : ج 11 ص 570 ، بحار الاَنوار : ج38 ص149 ح 118 ، وص 325 ح 37 .
(18) سورة المائدة : الآية 67 .
(19) بحار الاَنوار : ج 23 ص 103 ح 11 ، وج 37 ص 115 ح 6 ، وقد تقدم المزيد من تخريجات حديث الغدير المتواتر .
(20) سورة التوبة : الآية 101 .
(21) سورة الاَحزاب : الآية 10 ـ 12 .
(22) صحيح البخاري : ج 8 ص 148 ـ 152 (ب الحوض) .
(23) صحيح البخاري : ج 8 ص 150 ـ 151 (ب الحوض) .
(24)راجع : السقيفة وفدك ، لاَبي بكر البغدادي : ص 68 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج6 ص 43 .
(25) سورة محمد : الآية 9 .
(26) راجع : الكامل في التاريخ لابن الاَثير : ج 3 ص 63 ـ 64 ، تاريخ الاَمم والملوك للطبري : ج 4 ص 223 ، مناظرات في الاِمامة للمؤلف : ص 71 ـ 74 المناظرة السادسة .
(27) ثمرات النجف للسيد محمد تقي الحكيم : ج 3 ص 193 ـ 211 ، عن مجلة الاَيمان السنة الثانية ، عدد 3 و 4 ، لعام 1385 هـ 1965 م .

العودة