مناظرة السيد عبدالله الشيرازي(1) (قد) مع بعض العلماء في حكم لعن معاوية ويزيد

قال السيّد عبدالله الشيرازي (قدس سره) : كان معنا عدد كبير من إخواننا أبناء العامّة في محل نزولنا بالمدينة المنوّرة والذي كان معروفاً آنذاك بـ بستان الصفا حين حلّ شهر محرم الحرام وقرب موعد عاشوراء الحسين عليه السلام رغبنا في إقامة مجلس عزائه ـ سلام الله عليه ـ ولمّا كان الجانب الذي كان يسكنه أُولئك النفر من أبناء العامّة واسعاً بحيث يفي للغرض عرضنا عليهم الفكرة فاستجابوا بخير وأقمنا المأتم الحسيني ، وذات يوم أثناء اجتماعنا مع إخوتنا السنة وفيهم بعض العلماء ورجال الفضل ، تداولنا الحديث عن فضائل علي عليه السلام ومقاماته ، فصدّقوا ونقلوا الاَحاديث الكثيرة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله مثل قوله : يا علي لحمك لحمي ودمك دمي (2) وما ورد أنّ المحب لعلي بن أبي طالب عليه السلام محبٌّ للنبي ومبغضه مبغضه (3) حتى انجرّ الكلام بيني وبينهم إلى لعن معاوية ، قالوا : لا يجوز !
قلت : ولعن يزيد ؟
قالوا : جائز ، فإنّه قتل الحسين عليه السلام .
قلت : لا بدّ أن يكون مقتضى مذهبكم هو عدم جواز لعن يزيد ، وجواز لعن معاوية.
أمّا جواز لعن معاوية فبمقتضى ما ذكرتم من قول النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام وقوله : اللهم عاد من عاداه (4)ومن المسلّم أنّ معاوية بن أبي سفيان عادى عليّاً أكثر مما يتصور إلى آخر عمره ، ولم يتب وأمر بسبّه عليه السلام في جميع الاَمصار ، ولم يرفع عنه السب إلى آخر عمره(5)
وأمّا عدم جواز لعن يزيد فبمقتضى تمامية البيعة له من المسلمين وصيرورته خليفة ومن أُولي الاَمر ، وعندكم إطاعة ولي الاَمر واجبة بمقتضى الآية الشريفة : ( يَا أَيُّها الذينَ آمَنوا أَطيعُوا اللهَ وَأَطيعُوا الرَّسولَ وَأُولِي الاَمرِ مِنكم )(6) فمتابعة يزيد وامتثال أمره حتى بالحرب مع الحسين عليه السلام وقتله كان واجباً على المسلمين !! وعلى مذاقكم أنّه عليه السلام خارج على إمام زمانه ، ولذا أشاعوا في ذلك الوقت أنّه خارجي ، وعند ورود أهله وعياله أُسارى إلى الشام كانوا يقولون بأنّهُنّ أهل بيت الخارجي.
قالوا : كيف يمكن القول بعدم جواز لعن يزيد وعدم جواز سبّه ، مع أنّه فعل ما فعل بالحسين عليه السلام وأصحابه وأهل بيته ؟
قلت : إن كنتم تلتزمون بجواز لعن يزيد فهذا يدلّ على أن المقصود من أُولي الاَمر في الآية الشريفة ليس كل من ولي الاَمر ولو بالقوة والسيف كائناً من كان ، وإلاّ كيف يجوز لعنه ؟ بل لا بدّ وأن يكون المقصود الوليّ الذي عيّنه الله تبارك وتعالى وأعطاه الولاية ، ولا بدّ من تعيينه من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وقد بيّنه الله تبارك وتعالى في الكتاب وبيّنه النبي صلى الله عليه وآله في السنّة ، وهذا لا يتم إلاّ على مذهب الشيعة والاِماميّة.
فقال واحد منهم : لا بدّ في الجواب عن هذا الحديث من المراجعة إلى من هو أعلم منّا .
توضيح :
أمّا البيان من الله تعالى ففي قوله عزّ من قائل : ( إنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسولُهُ والذينَ آمَنُوا الذينَ يُقيمونَ الصلاةَ وَيُؤتُونَ الزَكاةَ وَهُم راكِعون )(7) حيث إجماع المفسرين بل المسلمين على أنّ الآية نزلت في شأن علي(8) عليه السلام حين تصدّق بخاتمه الشريف ـ وهو راكع ـ على السائل ، ولا يكون المقصود من الوليّ : المحبّ لمنافاته مع كلمة إنّما الدالة على الحصر ، كما ذكر في مبحث الكلام مفصّلاً ، وبيّنه أيضاً في قوله تعالى : ( وَلَو رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ وإلىأُولي الاَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الذينَ يَستَنبِطونه مِنهمْ )(9)عرف الله تبارك وتعالى أنّ وصف الوليّ لا بدّ أن يكون من شأنه رفع الجهل وحصول العلم للسائلين والمستفتين ومن المعلوم أنّه ما كان ولا يكون كذلك غير علي والاَئمّة من ولده عليه السلام ولذا كان يرجع الخليفة الثاني في المشكلات إلى علي(10) عليه السلام ، ولم يكن يدّعي أبو بكر هذا المطلب ، بل صرح ابن حجر وغيره في كتبهم أنّه كان يقول : أما في باب الفرائض فارجعوا إلى فلان ، وفي باب قراءة القرآن فارجعوا إلى فلان ـ إلى آخر ما يذكرونه ـ أمّا أنا فلتقسيم الاَموال وإعطائها لكم .
فإذا كان هذا حال الخليفتين الاَوّلين ، فكيف حال من بعدهما من الخلفاء الاَمويين والعبّاسيين ، وفي زماننا هذا الملوك والسلاطين والاَمراء على المسلمين ، وكلهم يدعون ولاية الاَمر ، ويتمسّكون هم وأتباعهم بالآية الشريفة في وجوب إطاعتهم ولزوم إنفاذ أمرهم ؟
والاِيراد المهم والاِشكال الاَعظم على هذا الاَساس أنّه عند اختلاف الولاة وتعدّدهم مثل زماننا هذا ، من هو ولي الاَمر الذي تجب إطاعته ؟ ومن هوالاِمام الذي قال النبي صلى الله عليه وآله في الحديث المسلّم بين الفريقين من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية (11)ونحن لسنا فعلاً في مقام بيان هذا المطلب تفصيلاً ونكتفي بهذا المقدار ، والعاقل تكفيه الاِشارة(12).
____________
(1) هو : آية الله العظمى المرحوم السيّد عبدالله بن السيّد محمد طاهر الموسوي الشيرازي ، أحد الفقهاء الكبار والمراجع العظام ، ولد في مدينة شيراز سنة 1309 هـ ، هاجر إلى النجف الاَشرف سنة 1333 هـ ، وحضر عند كبار علمائنا الاَبرار أمثال السيّد أبي الحسن الاِصفهاني والشيخ آغا ضياء الدين العراقي ، والشيخ النائيني وغيرهم ، وبقي في النجف الاَشرف حتى عام 1345 هـ ثم هاجر إلى مدينة شيراز وتولى فيها الشؤون العلمية والدينية إلى أن اضطرته الظروف آنذاك إلى الهجرة ثانية إلى النجف الاَشرف عام 1354 هـ ، وباشر فيها سعيه الدؤب في تدريس بحث الخارج أصولاً وفقهاً ،ورعاية الدارسين وتوجيههم حتى هاجر منها في عام 1395 هـ واستقر في مدينة مشهد المقدّسة قائماً فيها بأعباء المرجعية وبمهامه الدينية والعلمية مما أسهم في تطوير الحوزة العلمية في مشهد حتى تخرج على يديه الكثير من علماء الدين ، وقد كان 1 ـ في أي بلد يحل فيه ـ يشارك الناس همومهم ويطلع على القضايا المصيرية ويسهم فيها بما يتجاوب فيما يراه من المسؤولية الدينية وتكليفه الشرعي ، توفّي ـ عليه الرحمة ـ في مشهد المقدّسة عام 1405 هـ ، من أعماله الخيرية هو تأسيسه المركز الصحي للحوزة العلمية في مدينة مشهد حيث يوفر هذا المركز إلى الآن خدماته الطبيّة لرجال الدين ، ومن مصنّفاته وآثاره : 1 ـ الحاشية على العروة 2ـكتاب القضاء 3 ـ الاحتجاجات العشرة 4 ـ رسائل فقهية 5 ـ تنقيح الاَصول 6 ـ محاضرات في الحج وغيرها . استفدنا هذه الترجمة من كتاب قبس من حياة الاِمام الشيرازي .
(2) راجع : فرائد السمطين : ج1 ص150 ح113 وص 332 ح257 ، لسان الميزان : ج2 ص413 ـ 414 ، مجمع الزوائد : ج9 ص111 ، ينابيع المودة : ب6 ص50 ، نظم درر السمطين : ص79 بتفاوت.
(3) فقد روي عنه انّه قال صلى الله عليه وآله : من أحب علياً فقد أحبني ، ومن أبغض علياً فقد أبغضني ، راجع: سلسلة الاَحاديث الصحيحة للالباني : ج 3 ص 287 ـ 288 ح 1299 ، كنز العمال : ج11 ص601 ح 32902 وص 622 ح 33024 ، نظم درر السمطين : ص101 ـ 103 ، وجاء في مجمع الزوائد : ج 9 ص 121 : عن ابن عمر قال : بينا أنا مع رسول اللهصلى الله عليه وآله في ظلٍ بالمدينة ونحن نطلب علياً إذ انتهينا إلى حائط فنظرنا إلى عليّ عليه السلام وهو نائم في الاَرض ، وقد اغبر فقال : لا ألوم الناس يكنونك أبا تراب ، فلقد رأيت علياً عليه السلام تغير وجهه واشتد ذلك عليه فقال : ألا أرضيك يا علي قال : بلى يا رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : أنت أخي ووزيري تقضي ديني وتنجز موعدي وتبرىء ذمتي ، فمن أحبك في حياة مني فقد قضى نحبه ، ومن أحبك في حياة منك بعدي ختم الله له بالاَمن والاِيمان وآمنه يوم الفزع ، ومن مات وهو يبغضك يا علي مات ميتة جاهلية يحاسبه الله بما عمل في الاِسلام . رواه الطبراني . وفي فرائد السمطين : ج 1 ص 332 ح 257 في حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لاَم سلمة : فاسمعي واشهدي لو أن عبداً عبد الله ألف عام وألف عام وألف عام بين الركن والمقام ثم لقى الله عزّ وجلّ مبغضاً لعلي بن أبي طالب عليه السلاموعترتي أكبّه الله على منخريه يوم القيامة في نار جهنم.
(4) حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) هو أشهر من أن يذكر ، فقد ذكرته جل مصادر أهل السنة فمنها على سبيل المثال: كنز العمّال: ج11 ص332 ح31662 وص602 ح32904 وص 608 ح 32945 ـ 32951 ، ترجمة الامام علي بن أبي طالب عليه السلام من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي: ج1 ص231 ح275 وج2 ص5 ح503 ـ 593 ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي الشافعي: ص96 ح 79 ـ 90 ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي: ص56 و59 ، أُسد الغابة لابن الاَثير: ج1 ص367 وج2 ص233 وج3 ص92 ، شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: ج1 ص245 ـ 258 ح244 ـ 250 ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي : ص30 ـ 34 ، الصواعق المحرقة لابن حجر : ص122 ح4 ، ميزان الاعتدال للذهبي : ج3 ص294 ، ذخائر العقبى للطبري : ص67 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 19 ص217 .
(5)وقد تقدّمت المصادر التي تثبت ذلك .
(6) سورة النساء : الآية 59 .
(7) سورة المائدة : الآية 55 .
(8) تقدّمت تخريجات نزولها في أمير المؤمنين عليه السلام .
(9) سورة النساء : الآية 83 .
(10) وناهيك قوله غير مرة : لا يفتين أحد في المسجد وعلي حاضر ، وقوله : لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن ، وقوله أيضاً : لولا علي لهلك عمر . راجع : المناقب للخوارزمي : ص96 ـ 97 ح97 و98 ، فرائد السمطين : ج1 ص344 ـ 345 ح266 و267 ، مناقب آل أبي طالب لابن شهراشوب : ج2 ص361 ـ 362 ، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة : ج2 ص273 .
(11) راجع : المعجم الكبير للطبراني : ج19 ص388 ح910 ، حلية الاَولياء لاَبي نعيم الاصفهاني : ج3 ص224 ، مجمع الزوائد لاَبي بكر الهيثمي : ج5 ص218 ، كنز العمّال للمتقي الهندي : ج1 ص103 ح463 و464 ، الاُصول من الكافي للكليني : ج1 ص376 ـ 377 ح1 ـ 3 ، بحار الاَنوار للمجلسي : ج23 ص78 ح9 ، الغدير للاَميني: ج10 ص359ـ 360 .
(12) الاِحتجاجات العشرة للسيد عبدالله الشيرازي : ص39 ـ 42 .

العودة