الصفحة 64
ثم يوضح أن هذا النوع من الإلقاء هو غير الوحي المخصوص بالأنبياء بقوله: (لقد ثبت في الأبحاث النفسية أن كل إنسان له ساعة أو ساعات في حياته قد يعلم فيها ببعض الأشياء عن طريق الحدس الذي هو فرع من الإلهام، بسبب ما أودع الله تعالى فيه من قوة على ذلك. وهذه القوة تختلف شدة وضعفاً وزيادة ونقيصة في البشر باختلاف أفرادهم، فيظفر ذهن الإنسان في تلك الساعة إلى المعرفة من دون أن يحتاج إلى التفكير، وترتيب المقدمات، والبراهين أو تلقين المعلمين، ويجد كل إنسان من نفسه ذلك في فرص كثيرة في حياته، وإذا كان الأمر كذلك فيجوز أن يبلغ الإنسان من قوته الإلهامية أعلى الدرجات وأكملها، وهذا أمر قرره الفلاسفة المتقدمون والمتأخرون) - إلى أن يقول: (والأئمة عليه السلام كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنهم لم يتربوا على أحد، ولم يتعلموا على يد معلم، من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد، حتى القراءة والكتابة، ولم يثبت عن أحدهم إنه دخل الكتاتيب أو تتلمذ على يد أستاذ في شئ من الأشياء، مع ما لهم من منزلة علمية لا تجارى، وما سئلوا عن شئ أجابوا عنه في وقته، ولم تمر على ألسنتهم (لا أدري). في حين إنك لا تجد شخصاً من فقهاء الإسلام ورواته وعلمائه إلا ذكرت في ترجمته تربيته وتلمذته وأخذه الرواية على غيره، وتوقفه في بعض المسائل أو شكه في كثير من المعلومات كعادة البشر في كل عصر ومصر) (1).

بقي أن نذكر أن هذه المؤهلات هي مما يخص الأئمة الاثني عشر من أهل البيت عليه السلام المنصوص على خلافتهم حسب اعتقاد الشيعة. وأما في عصر غيبة الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر عليه السلام، فإنه لا يشترط فيمن ينوب عنه (وهم في هذه الحالة: الفقهاء العدول) العصمة، وهؤلاء النواب، هم كسائر البشر يجدون ويجتهدون في تحصيل العلم، فيصيبون ويخطئون.

____________

(1) المصدر نفسه.

الصفحة 65

القسم الثاني
الخلافة والإمامة
في
الواقع التاريخي

  • تقديم

  • الفصل الأول: خلافة أبي بكر

  • الفصل الثاني: خلافة عمر

  • الفصل الثالث: خلافة عثمان

  • الفصل الرابع: خلافة علي

  • الفصل الخامس: خلافة الحسن بن علي

  • الفصل السادس: خلافة معاوية بن أبي سفيان

  • الفصل السابع: خلافة يزيد بن معاوية

  • الفصل الثامن: خلافة عبد الله بن الزبير


    الصفحة 66

    الصفحة 67

    تقديم

    عند دراسة الواقع التاريخي للخلافة والإمامة، فإنه ينبغي اعتبار كل من جوانبها السياسية وهي المتعلقة بطرق الوصول إلى هذا المنصب والصراعات والتحولات التي رافقت ذلك، وجوانبها الدينية وهي المتعلقة بتشريع الأحكام وحفظها والاجتهاد فيها عن طريق الخلفاء، وذلك لما كان لهم على مر التاريخ الإسلامي من تأثير مباشر ليس فقط في التحليل والتحريم وصك الفتاوي، وإنما في تكون الفرق والمذاهب وانتشارها من جهة، وتحجيم بعضها والقضاء عليها من جهة أخرى.

    ولا غرابة في ذلك باعتبار المكانة السامية التي أرادها الله (جل وعلا) لمنصب خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بالإضافة إلى ما اجتمعت عليه الفرق والمذاهب الإسلامية في عدم الفصل بين الدين والدولة.

    وفي الوقت الذي يفرض فيه المنطق الإسلامي جعل الدولة وسياساتها أداة لخدمة الدين الإلهي ووسيلة لتحقيق غاياته، فإن حكام المسلمين على مر التاريخ لم يلتزموا بالضرورة بهذا المبدأ، إن لم يكن قد عمل معظمهم ضده!

    وعلى كل حال، فإننا سنحاول دراسة هذا الواقع التاريخي بإلقاء الضوء على تلك الجوانب في ثمانية فصول، كل فصل خصص لاستعراض أهم الأحداث التاريخية التي حدثت في عهد كل من الخلفاء الثمانية الأوائل في أهم مرحلة من مراحل تاريخنا الإسلامي، وهي مرحلة صدر الإسلام والتي رسمت فيها الخطوط العريضة والملامح الأساسية لصورة دولة الخلافة، والتي بقيت محافظة عليها لحين سقوطها في مطلع القرن الحالي.


    الصفحة 68

    الفصل الأول
    خلافة أبي بكر

    إنكار عمر لوفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

    بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، وانشغال علي ومن معه من أهل البيت عليه السلام وبني هاشم بتجهيز الجسد الطاهر، كان وجوه المهاجرين مجتمعين في المسجد، وقد علا صوت عمر معلنا إنكاره لوفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (والله ما مات رسول الله، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم) (1).

    وكان أبو بكر في غضون تلك الأثناء في السنح، خارج المدينة، ولما رجع وعلم بوفاة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، خرج إلى المسجد وقال لعمر: (أيها الحالف على رسلك.. ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) (2) ثم تلا قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين) [ آل عمران / 144 ].

    إجتماع سري للأنصار

    وأما الأنصار، فقد اجتمعوا سراً في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة منهم، كان أبرز الطامحين لذلك المنصب زعيم الخزرج، سعد بن عبادة، وزعيم الأوس، أسيد بن حضير، وكان بين القبيلتين تنافس قديم وتحاسد.

    ____________

    (1) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، ج 5 ص 13.

    (2) المصدر نفسه.

    الصفحة 69
    وقام سعد وخطب فيهم: (يا معشر الأنصار، إن لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأوثان، فما آمن به إلا قليل... حتى أراد الله تعالى لكم الفضيلة، وساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والمنع له ولأصحابه والإعزاز لدينه، والجهاد لأعدائه - إلى قوله: ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله تعالى وهو راض عنكم، قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الأمر، فإنكم أحق الناس وأولاهم به) (1).

    وقد كان طمع الأنصار بالإمارة ليس فقط للأسباب التي ذكرها سعد بن عبادة، وإنما أيضاً بسبب تخوفهم من بعض قبائل قريش إذا استلموا الإمارة، والذين قتل منهم الأنصار عدداً كبيراً في غزواتهم مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

    ولما كان سعد بن عبادة هو المرشح الأقوى للخلافة بين الأنصار، ذهب اثنان من قبيلة الأوس حسداً لسعد وهما معن بن عدي، وعويم بن ساعدة، وأخبرا أبا بكر وعمر - اللذين كانا حينئذ في بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - باجتماع الأنصار، فأنطلق الشيخان مسرعين إلى السقيفة دون أن يخبرا أحداً بالأمر، ولقيا أبا عبيدة بطريقهما فرافقهما.

    أبو بكر وعمر في مواجهة ساخنة مع الأنصار

    وفور دخول الثلاثة إلى السقيفة، قام سعد بن عبادة، مخاطبهم: (أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر) (2).

    ____________

    (1) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج 1 ص 22 (تحقيق علي شيري).

    (2) صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر، ج 4 ص 541.

    الصفحة 70
    فأراد عمر أن يرد عليه، فقال له أبو بكر على رسلك فقام وخطب قائلاً:

    (... فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاماً، والناس لنا فيه تبع، ونحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنساباً، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا لقريش فيها ولادة. وأنتم أيضاً والله الذين آووا ونصروا، وأنتم وزراؤنا في الدين، ووزراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنتم أحق الناس ألا يكون هذا الأمر اختلافه على أيديكم، وأبعد عن أن تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم، وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر، وكلاهما قد رضيت لكم وهذا الأمر، وكلاهما له أهل) (1). فقال عمر: (بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله) (2).

    فقام الحباب بن المنذر وهو أحد وجهاء الأنصار والمؤيد لتأمير سعد بن عبادة وقال: (فنحن لا نحسدكم على خير ساقه الله إليكم... ولكنا نشفق مما بعد اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلاً منا ورجلاً منكم بايعنا ورضينا، على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار، فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبداً ما بقيت هذه الأمة) (3). وكان قول الحباب حسب رواية البخاري: (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف) (4).

    ومع تأزم الموقف إلى هذا الحد، قام عمر وقال بشدة: (هيهات أن يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه والله لا يرضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم،

    ____________

    (1) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج 1 ص 23.

    (2) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، ج 5 ص 14.

    (3) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج 1 ص 23 - 24.

    (4) صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر، ج 8 ص 542.

    الصفحة 71
    وأولو الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين. من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة!) (1).

    فرد الحباب بن المنذر: (يا معشر الأنصار، أملوا عليكم أمركم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتم، فاجلوهم عن بلادكم، وتولوا هذا الأمر عليهم، فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم، فإن دان لهذا الأمر ما لم يكن يدين له بأسيافنا. أما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة، والله لا يرد علي أحد إلا حطمت أنفه بالسيف) (2).

    إنشقاق الأنصار ومبايعة أبي بكر

    لما رأى بشير بن سعد الخزرجي ما اتفق عليه قومه من تأمير ابن عمه سعد بن عبادة - كما يروي ابن قتيبة - قام حسداً لسعد، وأعلن تأييده للمهاجرين واستعداده لإعطاء البيعة لهم، فقام أبو بكر ورشح عمر أو أبا عبيدة للإمارة، ولكنهما قدماه للأمر وبايعاه. ولما سبقهما إليه بشير الأنصاري وبايعه، ناداه الحباب بن المنذر قائلاً: يا بشير بن سعد، حسدت ابن عمك على الإمارة؟ قال: لا والله، ولكني كرهت أن أنازع قوماً حقاً لهم (3).

    ولما رأت قبيلة الأوس ما صنعه بشير بن سعد، وعلمهم برغبة الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال زعيمهم أسيد بن حضير: لئن وليتموها سعدا عليكم، لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة، ولا جعلوا لكم نصيباً فيها أبدا ، فقوموا فبايعوا أبا بكر، فقاموا إليه وبايعوه. وترى عائشة حسب ما رواه البخاري أن العامل الحاسم في إعطاء البيعة لأبيها لم يكن تحاسد الأنصار،

    ____________

    (1) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج 1 ص 25.

    (2) المصدر نفسه.

    (3) المصدر نفسه.

    الصفحة 72
    وإنما: (فما كان من خطبتهما - أبي بكر وعمر - من خطبة إلا نفع الله بها، لقد خوف عمر الناس، وأن فيهم لنفاقاً فردهم الله بذلك) (1).

    وهكذا بايع كل من حضر السقيفة من الأوس والخزرج باستثناء الحباب ابن المنذر وسعد بن عبادة، والذي اعترضهم أثناء تقدمهم لإعطاء البيعة، فطرح أرضاً حتى كادوا أن يطأوا عليه، فقال: قتلتموني. فقال عمر: اقتلوه، قتله الله (2). ومن المعلوم أن سعداً فارقهم منذ ذلك الوقت، ولم يصل معهم، ولم يجتمع باجتماعاتهم حتى قيل إنه لو وافقه أحد على قتالهم لقاتلهم. ولم يزل كذلك حتى ولي عمر بن الخطاب، فخرج إلى الشام دون أن يبايع لأحد، بل قال لعمر عند خروجه: إني أصبحت كارهاً لجوارك. وعلى حسب بعض المصادر التاريخية أن سعداً قتل في الشام على يد الجن!

    وبعد حصولهم على بيعة الأنصار، انتقل أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة إلى المسجد حيث وجدوا بني أمية وقد اجتمعوا على عثمان، وبني زهرة على سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف. فقال لهم عمر: قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايعته وبايعه الأنصار، فقام عثمان وسعد وعبد الرحمن فبايعوا.

    ويذكر المؤرخون أن عمر كان يحمل بيده عسيب نخل يحث بها الناس على البيعة.

    موقف علي عليه السلام

    كان علي عليه السلام ومن معه من بني هاشم وبعض الصحابة (أمثال الزبير، وطلحة، وعمار، وسلمان، وأبي ذر، والمقداد، وخزيمة ذي الشهادتين، وخالد بن سعيد، وأبي بن كعب، وأبي أيوب الأنصاري، وغيرهم) منشغلين بما أصاب المسلمين من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والقيام بالواجب من تجهيز الجثمان الطاهر وتهيئته للتشييع إلى المثوى الأخير، ولم يعلموا بما حصل في

    ____________

    (1) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، ج 5 ص 15.

    (2) المصدر نفسه، ج 5 ص 14، ج 8 ص 542، ابن قتيبة، ج 1 ص 27.

    الصفحة 73
    السقيفة والبيعة التي تمت إلا بعد خروج أبي بكر وعمر ومن معهما من المسجد في ضجيجهم وسماعهم لتكبيرهم. وروي أن علياً قال عندما علم باحتجاج أبي بكر وعمر على الأنصار بقرشيتهم كأساس لاستحقاقهم للخلافة: (احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة) (1).

    وامتنع علي ومن معه عن البيعة عندما جاءهم عمر طالباً منهم ذلك، حتى أن الزبير بن العوام أشهر سفيه تحدياً في وجه عمر ومن معه. ويذكر عباس محمود العقاد هذه الحقيقة التاريخية في كتابه (عبقرية عمر) كما يلي:

    (واستكثروا من عمر صرامته في الدعوة علي إلى مبايعة أبي بكر كما جاء في بعض الروايات التي نرجح صحتها، وخلاصتها: إن عمر أتى منزل علي وبه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقن عليكم الدار أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج الزبير مصلتا بالسيف، فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه. أو قال لهما عمر في رواية: أخرى: والله لتبايعان وأنتما طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان). (2).

    ثم ذهب علي ليعبر عن احتجاجه ورفضه في حضرة أبي بكر قائلاً: (أنا عبد الله وأخو رسوله وأحق بهذا الأمر منكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتأخذونه [ أمر الخلافة ] منا أهل البيت غصباً؟... وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله حياً وميتاً، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبؤوا بالظلم وأنتم تعلمون. إلى قوله: لنحن أحق به لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما دام فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، الدافع عنهم الأمور

    ____________

    (1) محمد رضا المظفر، السقيفة، ص 134.

    (2) عباس محمود العقاد، عبقرية عمر، ص 165.

    الصفحة 74
    السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله، فتزدادوا عن الحق بعداً) (1).

    فقال له عمر: أنت لست متروكاً حتى تبايع. فقال له علي عليه السلام:

    إحلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً. والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايع (2). ثم خرج دون أن يبايع، وبقي كذلك هو ومن معه لمدة ستة شهور. ويؤكد البخاري هذه الحقيقة بما يرويه عن عمر: (وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف منا علي والزبير ومن معهما) (3).

    ومما روي أيضاً عن عمر أثناء خلافته أنه قال لابن عباس: (إن الناس كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، وإن قريش اختارت لنفسها فأصابت) (4).

    وقد ثبت تاريخياً أنه لو كان لعلي عليه السلام القوة الكافية لانتزاع حقه دون حصول الفتنة لفعل. ومن ذلك ما يرويه البخاري من قول عائشة:

    (.. وعاشت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها. وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك، كراهية لمحضر عمر. فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك. فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي؟ والله لآتينهم) (5).

    ____________

    (1) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج 1 ص 29.

    (2) المصدر نفسه.

    (3) صحيح البخاري، كتاب المحاربين، ج 8 ص 540.

    (4) العقاد، عبقرية عمر، ص 167.

    (5) صحيح البخاري، كتاب المغازي، ج 5 ص 382.

    الصفحة 75
    ويتضح من ذلك أن علياً وطوال ستة شهور كان يفكر بأخذ حقه، ولكن بالكيفية التي لا يحصل فيها شقاق وفتنة، وقد روي عن علي أنه قال: (لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم) (1). ولكنه مع وفاة فاطمة الزهراء عليه السلام، فقد انصرفت عنه وجوه الناس، وتضاءلت بذلك إمكانية أخذه الخلافة، وذلك باعتبار مكانة الزهراء عليه السلام من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ووقوفها إلى جانبه بالمطالبة بحقه، وتنديدها بالشيخين، لا سيما بعد محاولتهما أخذ البيعة من علي ومن معه بالقوة عندما كانوا مجتمعين في بيتها، وتهديد عمر لهم عند رفضهم الخروج إليه.

    ويوضح العالم الشيعي المعروف السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي: (إن عليا عليه السلام لم ير أثراً للقيام ضدهم سوى الفتنة التي كان يفضل ضياع حقه على حدوثها في تلك الظروف، وبسبب الفتن الخطيرة التي أحاطت بالإسلام من كل جانب. فخطر يهدد الإسلام من المنافقين من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب، بالإضافة إلى خطر مسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد الأفاك وسجاح الدجالة، والرومان والفرس وغيرهم ممن كانوا للمسلمين بالمرصاد.

    ولو أسرع علي عليه السلام إليهم في المبايعة حين عقدها، لما تمت له حجة ولا سطع لشيعته برهان، لكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين، والاحتفاظ بحقه في الخلافة، فالظروف يومئذ لا تسمح لمقارعة بحجة ولا مقاومة بسيف، والتي قد ينتهزها أعداء الإسلام لإحداث هدم في دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم تكون مصيبته أعظم على الإمام علي عليه السلام من ذهاب الخلافة إلى غيره) (2).

    ومن هؤلاء الذين حاولوا استغلال ذلك لهدم الدين أبو سفيان الذي سعى إلى علي عليه السلام أكثر من مرة يحضه على قتالهم بقوله: (إن شئت لأملأنها

    ____________

    (1) المظفر، السقيفة، ص 151.

    (2) عبد الحسين شرف الدين الموسوي، المراجعات، ص 385 - 387.

    الصفحة 76
    عليهم خيلاً ورجالاً، ولأسدنها عليهم من أقطارها) (1). لكن علياً عليه السلام كان يرفض هذا النوع من المساعدة لعلمه اليقين بغاية أبي سفيان من تلك المساعدة، وقد أجابه قائلاً: (إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شراً لا حاجة لنا في نصيحتك) (2).

    وليس غريباً بعد هذه الأحداث، وكل ما فيها من مواجهات ساخنة وتهديدات واتهامات على جميع الألوان أن يصف عمر بيعة أبي بكر بما يلي:

    (.. فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، إلا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها) (3).

    غضب فاطمة الزهراء عليه السلام إرثها

    من المواجهات المشهودة في تلك الأثناء ما حصل بين ابنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة الزهراء عليه السلام والخليفة أبي بكر، ولم يكن ذلك بسبب وقوفها بجانب علي عليه السلام فحسب، وإنما أيضاً بسبب حرمان أبي بكر لها من ميراثها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وتروي عائشة هذه الحادثة بقولها: (سألت فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر الصديق أن يقسم لها ميراثها (الذي تركه) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما أفاء الله عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نورث، ما تركنا من صدقة. فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر. وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خمس خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك) (4).

    ____________

    (1) خالد محمد خالد، خلفاء الرسول، ص 418.

    (2) المظفر، السقيفة، ص 156.

    (3) صحيح البخاري، كتاب المحاربين، ج 8 ص 540.

    (4) المصدر نفسه، كتاب الخمس، ج 4 ص 208.

    الصفحة 77
    وكان غضب فاطمة على أبي بكر عظيماً لدرجة أنها أوصت علياً عليه السلام أن لا يصلي عليها أبو بكر ولا حتى أن يحضر دفنها كما يظهر ذلك من رواية عائشة: (... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها) (1).

    وأرض فدك التي كانت تطالب بها فاطمة عليه السلام قرية من الحجاز كان يسكنها اليهود، وقد صالحوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليها بعد هزيمتهم في خيبر، فكانت ملكاً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنها مما لم (يوجف عليها بخيل ولا ركاب).

    وذلك بالإضافة إلى ما ملكه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من خمس خيبر وصدقات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة. فكانت هذه كلها ملكاً خاصاً به، ولا حق فيها لأحد غيره.

    فالزهراء عليه السلام في هذه المسألة كانت - على رأي أبي بكر - تطالب بما ليس لها فيه حق، وهي بذلك تكون على أحد أمرين لا ثالث لهما. أولهما: إنها كانت كاذبة - والعياذ بالله - تطمع بأخذ ما تعلم أنه ليس لها فيه حق، وثانيهما: إنها كانت جاهلة بالعلم الذي يعلمه أبو بكر وقد التبست عليها أحكام الميراث.

    ولا أحسب أننا بحاجة إلى تفنيد الاحتمال الأول. وأما الثاني فقد تكفلت الزهراء عليه السلام نفسها بتفنيده حين واجهت أبا بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار بالقول: (... وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا ولا حظ (أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) [ المائدة / 50 ]، ويهاً معشر المسلمة، أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا... أعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول:

    (وورث سليمان داوود) [ النمل 16 ]، وقال فيما اقتص من خبر زكريا: (فهب

    ____________

    (1) المصدر السابق، كتاب المغازي، ج 5 ص 382 حديث رقم 4240 / 4241.

    الصفحة 78
    لي من لدنك ولياً * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) [ مريم / 5 - 6 ]، وقال: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) [ مريم / 5 - 6 ]، وقال: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين) [ البقرة / 180 ]...

    إلى قولها: أخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن من أبي وابن عمي؟ أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان؟...) (1).

    وأكثر ما رويت هذه الحادثة من طرق أهل البيت عليه السلام كما رويت عن طرق غيرهم. وتضعيف أكثر علماء الحديث عند أهل السنة لهذه الرواية لا يلغي حجيتها، ذلك أن ما جاء فيها من استدلالات بغض النظر عن قائلها الحقيقي، وليكن أي كائن، الزهراء عليه السلام أو غيرها - يكفي لإثبات صحة موقف الزهراء عليه السلام وينفي عنها أي احتمال لجهل، لا سيما أن أباها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو زوجها أمير المؤمنين عليه السلام كانا جديرين بأن يعلماها الحكم الصحيح في حالة افتراضنا جدلاً أنها كانت لا تعلم أحكام المواريث.

    وعلى فرض صحة رواية أبي بكر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قال: (نحن معشر الأنبياء لا نورث)، فإنها لا تعني عدم انطابق قوانين الميراث على الأنبياء كما اجتهد في ذلك أبو بكر، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك القول بأن الأنبياء لا يجمعون الأموال أو يكدسون الذهب والفضة ليكون ميراثاً بعدهم، كما يفعل الملوك وطلاب الدنيا. والميراث الذي جاء في الآيتين بشأن داود وزكريا لا يراد به الحكم والنبوة لأنهما ليسا مما يعطى عن طريق التوريث، وإنما قصد به عموم المعنى من توريث الأموال والعقار.

    ومن أغرب وأطرف ما قيل في هذه الحادثة، قول ابن حجر في تأييده لموقف أبي بكر:

    (ودعواها (الزهراء) أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نحلها فدكاً، لم تأت

    ____________

    (1) ابن الأثير، منال الطالب، ص 501، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ج 16 ص 211 - 213.

    الصفحة 79
    عليها (بشهود) إلا بعلي وأم أيمن، فلم يكمل نصاب البينة، على أن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافاً بين العلماء (!!)) (1).

    حروب الردة

    كان من بين الذين حاربهم أبو بكر في الحروب التي عرفت باسم بحروب الردة من ادعى النبوة كمسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد الأفاك وسجاح الدجالة. وكان من بينهم بعض القبائل العربية التي ارتدت عن الدين كقبيلة بني سليم وغيرها، وقد أرسل الخليفة أبو بكر إليهم خالد بن الوليد على رأس جيش لقتالهم، حيث روي أنه كان يجمع المرتدين منهم في الحظائر ثم يحرقها عليهم بالنار) (2)، وهكذا فعل أبو بكر بإياس بن عبد الله المعروف بالفجاءة حيث أمر بإحراقه. وقد اشتهرت هذه الحادثة في كتب التاريخ لا سيما لاحتجاج الصحابة واعتراضهم على الخليفة لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) (3).

    وقد دلت روايات تاريخية عديدة على أن معظم القبائل العربية التي حاربها الخليفة لم يكن بسبب ردتها عن الدين، وإنما بسبب رفضها دفع الزكاة أو تريثها في ذلك لارتيابها بشأن الخلافة التي تنازعها المهاجرين والأنصار، واختلاط الأمر على هذه القبائل في مدى أهلية الحكومة الجديدة واعتقادها (أن من سيقوم مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حراسة الدين وسياسة الدنيا لن يصل إلى منزلته في العصمة من الخطأ، فخافوا على مستقبلهم في ظل الحكم الجديد) (4)، أو كما قال الباحث حسن إبراهيم: (كما لا يبعد أن

    ____________

    (1) ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص 37.

    (2) الرياض النضرة ج 1 ص 100.

    (3) صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله.

    (4) منصور الحرابي، الدولة العربية الإسلامية: نشأتها ونظامها السياسي، ص 94.

    الصفحة 80
    يعلي مركز الخلافة من شأن القبيلة التي ينتمي إليها الخليفة وبغض من شأن غيرها من القبائل فيميل ميزان العدل بين الناس) (1).

    وقد كان الخليفة عمر معارضاً لقتال هذه القبائل التي لم تعلن ردتها عن الإسلام وإنما اختلط عليها الأمر في فهم بعض الأحكام الشرعية أو التطورات السياسية التي حصلت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقال عمر لأبي بكر: (كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها، وحسابهم على الله) (2)، ولكن أبا بكر كان مصراً على موقفه، وقال:

    (والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم على منعه) (3).

    ومن ضحايا سياسة أبي بكر هذه مالك بن نويرة (والذي كان قد سبق وأن ولاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على صدقات قومه لثقته به واعتماده عليه) (4) حيث أرسل الخليفة قائد جيوشه خالد بن الوليد لمقاتلة مالك وقومه بذريعة الردة عن دين الإسلام. ولما علم مالك بقدوم خالد، أخلى له الديار وأمر أصحابه بالتفرق تجنباً للاقتتال. ولكن خالداً أرسل في أثرهم حتى جئ إليه بمالك ونفر من قومه فحبسهم عنده، ولما كان وقت الصلاة صلوا جميعاً بمن فيهم مالك ومن معه، ثم سيق مالك ومعه زوجته وأصحابه إلى خالد. وبعد محاورات بين الفريقين، أصر خالد على قتل مالك وجماعته بالرغم من صلاتهم وكل تأكيداتهم له بإسلامهم، حتى أن مالكاً طلب من خالد أن يرسله إلى أبي بكر

    ____________

    (1) حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، دار إحياء التراث العربي، ج 1 ص 344.

    (2) صحيح مسلم، كتاب الإيمان.

    (3) تاريخ الخلفاء للسيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 56 - 57، تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن، ج 1 ص 350.

    (4) ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج 3 ص 336.

    الصفحة 81
    ليحكم بأمرهم. ولكن دون جدوى، حيث كان لخالد ما أراد من قتلهم، وقد أوعز بالمهمة إلى ضرار بن الأزور (1).

    والحقيقة في هذه الحادثة أن مالكاً لم يرتد عن الإسلام وإنما رفض دفع الزكاة لأبي بكر تريثاً لما ستسفر عنه الصراعات التي خلفتها فلتة السقيفة، أو كما قال ابن القيم الجوزية التلميذ الشهير لابن تيمية: إن رفض دفع مالك وجماعته لم يكن بسبب ردة عن دين، وإنما لشبهة شرعية تخيلوا بها أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن خاطبه الله (سبحانه وتعالى) بالآية: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها) هو وحده المخول بجمع الزكاة منهم، ولما توفاه الله، أصبحوا في حل من دفعها.

    ومن الثوابت التاريخية أنه وفي يوم مقتل مالك، قام خالد بالدخول في زوجته والتي روي أنها كانت من أجمل نساء العرب (2)، وقد قال مالك لخالد قبل مقتله: هذه التي قتلتني (يعني زوجته). فقال له خالد: بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام، فقال له مالك: إني مسلم. فقال خالد: يا ضرار اضرب عنقه.

    وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري من شاهدي تلك الواقعة، وقد كلما خالداً في أمر مالك قبل قتله، ولكنه كره كلامهما (3). ومما يشير أيضاً إلى عظيم ما اقترفته يدا خالد، أن أبا قتادة أقسم أن لا يشارك بعد تلك الحادثة بجيش فيه خالد. وأما عمر بن الخطاب، فقد ثارت ثائرته لفعل خالد وطالب الخليفة أبا بكر بإقامة حدي القتل والزنا عليه. وكان جواب الخليفة له بالرفض بحجة أن ما فعله خالد يعد من التأول والاجتهاد وإن أخطأ فيه (؟!) ثم قال: يا عمر ما كانت لأغمد سيفاً سله الله عليهم (4).

    ____________

    (1) تاريخ الطبري، ج 3 ص 276 - 280.

    (2) المصدر نفسه، وأيضاً: العقاد: عبقرية خالد.

    (3) تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 158، وفيات الأعيان ج 6 ص 14.

    (4) المصدر نفسه.

    الصفحة 82
    ولأن عمراً لم يقتنع (باجتهاد) خالد وتأويله، ولا بصفح أبي بكر عنه، فإنه عندما تسلم الخلافة، كان من قراراته الأولى عزل خالد عن قيادة جيش المسلمين والذي كان حينها في غمرة انشغاله بقتال الروم في الشام. ودع عنك تلك التبريرات المصطنعة القائلة بأن عزل الخليفة لخالد كان يعود لخشيته افتتان المسلمين بانتصاراته الباهرة على حساب شعورهم بصنع الله (سبحانه وتعالى) لتلك الانتصارات! (1).

    ____________

    (1) أنظر: العقاد: عبقرية عمر ص 180.

    الصفحة 83

    الفصل الثاني
    خلافة عمر

    إستخلاف أبي بكر لعمر

    يروي الطبري في تاريخه: (لما نزل بأبي بكر المرض، دعا عثمان بن عفان وقال له:

    أكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين. أما بعد - فأغمي عليه - فكتب عثمان تكملة لما بدأ بكتابته أبو بكر: أما بعد، فإني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً. ثم أفاق أبو بكر وقرأ ما كتبه عثمان فقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن أسلمت نفسي في غشيتي. قال: نعم. قال أبو بكر: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله. وأقرها أبو بكر من هذا الموضع) (1).

    وخرج عمر يحمل بيده كتاب الاستخلاف قائلاً: (أيها الناس اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله، إنه يقول: إني لم آلكم نصحاً) (2). فقال له رجل:

    ما في هذا الكتاب يا أبا حفص؟ فقال عمر: لا أدري، ولكني أول من سمع وأطاع. قال له الرجل: لكني والله أدري ما فيه أمرته عام أول، وأمرك العام (3).

    ويذكر ابن قتيبة أنه حين بلغ المهاجرون والأنصار خبر استخلاف أبي بكر لعمر، دخلوا على الخليفة الأول وقالوا: نراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته وعلمت بوائقه [ بمعنى غلظته وتشدده ] فينا وأنت بين أظهرنا، فكيف إذا

    ____________

    (1) تاريخ الطبري، تاريخ دمشق لابن عساكر.

    (2) المصدر نفسه.

    (3) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج 1 ص 38.

    الصفحة 84
    وليت عنا وأنت ملاق الله عز وجل فسائلك، فما أنت قائل؟ فقال أبو بكر:

    لئن سألني الله لأقولن: استخلفت عليهم خيرهم في نفسي) (1).

    ومن المعلوم أن أبا بكر في نزاعه الأخير وقد اشتد به المرض، قال في تبرير عهده بالخلافة لعمر وعدم تركها للتشاور، هو خشيته من الاختلاف بعده، وقالت عائشة إن أباها فعل ذلك لحكمة بالغة وهي للحيلولة دون حصول الفتنة بعده، وهكذا قال كل من أيد فعل أبي بكر، بل وعد فعله هذا من دلائل حيطته وعبقريته.

    ولكن ما يثير انتباه الباحثين هو أن حال المسلمين عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت أقرب إلى الاختلاف والفتنة من حالهم عند وفاة أبي بكر، وأي فتنة ستكون أكبر من فقدان صاحب الرسالة، حتى أن عمر قد فقد صوابه عند سماعه خبر الوفاة، وذهب ينكر إمكانية موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومهدداً بقتل كل من يقول بذلك، بالإضافة إلى ما حصل في السقيفة والردة وخطر الفرس والروم، أفلم يفطن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما فطن إليه أبو بكر؟

    والتساؤل الآخر: لماذا لم يوصف حال أبي بكر بالهجران مع أنه أغمي عليه قبل أن يتم كتابة وصيته باستخلاف عمر، كما رمي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الوصف في مرضه الأخير؟

    منع الخليفة تدوين السنة النبوية أو التحدث بها

    عن عروة، قال: (أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله شهراً، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبداً) (2).

    ____________

    (1) المصدر السابق، ص 37.

    (2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 206، كنز العمال ص 239 حديث رقم 4860.

    الصفحة 85
    ويتضح من قول عمر في هذه الرواية وغيرها أن ما دفعه لمنع تدوين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو خشيته من أن يكون اهتمام المسلمين بها على حساب اهتمامهم بكتاب الله!

    وعن القاسم بن محمد قال: (إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بإحراقها) (1).

    وقال كرظة بن كعب: (لما سيرنا عمر إلى العراق مشى معنا وقال:

    أتدرون لم شيعتكم؟ قالوا: نعم، مكرمة لنا. قال: ومع ذلك، إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم.

    جردوا القرآن وأخلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا شريككم) (2).

    وقال عمر لأبي هريرة الدوسي: (لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس) (3)، وقال أبو هريرة: (لو حدثتكم بأحاديث، ولو حدثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة) (4). وأخرج الحاكم عن إبراهيم بن عبد الرحمن قوله: (إن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود، ولأبي الدرداء ولأبي ذر: ما هذا الحديث عن رسول الله؟ وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب) (5).

    وقد سبق عمر إلى هذا الموقف في منع تدوين السنة النبوية أبو بكر، حيث جمع أيام خلافته خمسمئة حديث، وكما تروي عائشة: (إنه بات ليلته يتقلب كثيراً فهمني تقلبه، فلما أصبح قال لي: أي بنية، هلمي الأحاديث التي عندك. فجئته بها فأحرقها) (6).

    ____________

    (1) الطبقات الكبرى لابن سعد، ج 5 ص 188.

    (2) سنن ابن ماجة، ج 1 ص 16، سنن الدارمي، ج 1 ص 85.

    (3) تاريخ ابن كثير، ج 8 ص 106، كنز العمال، ج 5 ص 239.

    (4) جامع بيان العلم، ج 2 ص 121.

    (5) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، ج 1 ص 110.

    (6) كنز العمال، ج 1 ص 285.

    الصفحة 86
    وقد اقتفى سيرة الشيخين هذه في منع تدوين الأحاديث وحرقها جمهور المسلمين ولفترة طويلة من الزمن، حتى جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز وأمر بتدوين السنة النبوية.

    والحقيقة أن مسألة منع الخليفة عمر من تدوين السنة النبوية أو التحدث بها تعد من أكثر المسائل المستغربة والمثيرة للتساؤلات، ذلك أنه لا يخفى على أحد أهمية تدوين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك العهد القريب من حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنها ستكون أكثر صدقاً وسلامة من حالة تدوينها في عصور متأخرة، وقد تناقلتها ألسنة كثيرة على امتداد أجيال عديدة، لا سيما بعد تلك الحروب الطاحنة بين المسلمين أنفسهم واستشراء العداء بينهم وانتشار ظاهرة الوضع في الأحاديث لمدح فريق وذم آخر، أو لوضع الفضائل والمبالغة فيها لفريق، وطمسها والتقليل منها لفريق آخر.

    وعن أهمية السنة النبوية هذه يقول العلامة الأميني: (هل خفي على الخليفة أن ظاهر الكتاب لا يغني الأمة عن السنة، وهي لا تفارقه حتى يردا على النبي الحوض، وحاجة الأمة إلى السنة، لا تقل عن حاجتها إلى الكتاب؟ والكتاب كما قال الأوزاعي ومكحول: هو أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب) (1) ذلك أن في السنة ما يوضح متشابه القرآن ويبين مجمله، ويخصص عامه، ويقيد مطلقه، ويوقف أولي الألباب على كنهه، فبحفظها حفظه، وبضياعها ضياع لكثير من أحكامه (2).

    اجتهادات الخليفة مقابل نصوص الكتاب والسنة

    لقد اشتهر الخليفة عمر بكثرة اجتهاده في كثير من الأحكام الثابتة والمؤيدة بنصوص من الكتاب والسنة. وأما إذا كانت تلك النصوص مما

    ____________

    (1) الأميني، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، ج 6 ص 296.

    (2) عبد الحسين شرف الدين، النص والاجتهاد، ص 143.

    الصفحة 87
    يمكن الاجتهاد فيها، فهذا ما ترك الحكم فيه لاجتهاد القارئ الذكي من خلال التمعن في الأمثلة التالية:

    1 - تحريمه زواج المتعة (المؤقت)

    يعرف الفقهاء هذا النوع من الزواج بأنه الزواج المحدد بمهر معلوم وإلى أجل معلوم بعقد جامع لشرائط الصحة الشرعية، وللزوجين أن يمدداه لفترة مؤقتة أخرى أو يحولاه إلى عقد زواج دائم. وإذا ولد لهما مولود فإنه يلحق بأبيه، ويجب على الزوجة أن تعتد بعد انقضاء مدة الزواج. ويجد القارئ هذا التعريف في الموسوعات الفقهية ك‍: شرائع الإسلام للحلي، والروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني، الجبعي العاملي.

    ومما لا خلاف فيه أن الله (سبحانه وتعالى) أقر هذا النكاح بقوله: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) [ النساء / 24 ]. وكما يروي ابن عباس: (كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، ورخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب (يعني مهرها) إلى أجل. ثم قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (1)) [ المائدة / 87 ]. وحسب رواية أخرى نادى مناد: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أذن لكم أن تستمتعوا يعني متعة النساء) (2).

    ومما خلاف فيه ما يراه عموم أهل السنة من حرمة لهذا الزواج لاعتقادهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى عنه أخيراً بعد أن أباحه للمسلمين، واستندوا إلى روايات تظهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أباح هذا الزواج ثم حرمه ثم

    ____________

    (1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، ج 6 ص 110، صحيح مسلم، كتاب النكاح باب نكاح المتعة ج 3 ص 552.

    (2) صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، ج 3 ص 55.

    الصفحة 88
    أحله، وهكذا عدة مرات مما يجعل تلك الروايات المتضاربة موضع سؤال، وخصوصاً مع وجود روايات عديدة مقطوعة الصحة تظهر أن تحريم المتعة قد وقع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس قبلها، ومنها:

    ما أخرجه البخاري بالرواية عن عمران بن حصين قال: (نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء) (1).

    وهذا الرجل الذي لم يذكر اسمه في هذه الرواية هو الخليفة عمر بن الخطاب حسب ما ذكر في شرح الباري على صحيح البخاري (2).

    وما يؤكد أيضاً تحريم الخليفة عمر للمتعة بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون أن ينهى عنها ما أخرجه مسلم في صحيحه بالرواية عن جابر بن عبد الله قال:

    استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر عمر) (3). وفي رواية أخرى قال: (كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق لأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث) (4). فأما عمرو بن حريث هذا فقد استمتع بجارية، وأوتي بها الخليفة عمر وهي حبلى فسألها، فقالت: استمتع بي عمرو بن حريث) (5). فغضب الخليفة وقام معلناً تحريمه لهذا النوع من النكاح، بل قرر رجم كل من يخالف تحريمه هذا، كما يروي جابر: (تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما قام عمر قال: إن الله يحل لرسوله بما يشاء... وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة) (6).

    ____________

    (1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، ج 6 ص 34.

    (2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج 4 ص 177.

    (3) المصدر السابق، ص 555.

    (4) المصدر نفسه، ص 556.

    (5) المصدر نفسه، ج 11 ص 76.

    (6) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب مذاهب العلماء في تحلل المعتمر المتمتع، ج 3 ص 332.