مقدمة مباركة
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة المهدي صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه وجعلنا من أنصاره وأعوانه والذابين بين يديه صلوات الله عليه وآبائه الطيبين الطاهرين.
الإهداء
إلى مقام القداسة والكرامة محمد النبي صلى الله عليه وسلم
وإلى أهل البيت الكرام عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم
بطل الإسلام والفدائي الأول ووليد الكعبة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
نرفع هذا الكتاب المتواضع
دمشق - السيدة زينب عليها السلام
بجوار المقام الشريف
- الحوزة العلمية الزينبية -
(هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون)[ 45 - الجاثية / آية 28 ].
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها " [ الجامع الصغير 20 / 142 ].
المؤلف في سطور
بقلم العلامة الشيخ إبراهيم الجنيدي - جبلة - اللاذقية
ولد الشيخ هشام بن عبد الله آل قطيط الملقب (أبو عبد الله) في قرية البابيري التحتاني الواقعة على ضفاف نهر الفرات العذب النمير تولده 4 / 4 / 1965 م. أتم دراسته الابتدائية في مدرسة (البابيري الفوقاني). وفي عام 1976 نزحوا وهاجروا إلى الجزيرة السورية (مدينة رميلان) قرية تل أعور الغمر وذلك بسبب غمر الفرات لأراضيهم.
فأتم دراسته الإعدادية في إعدادية (رميلان) حقول البترول والثانوية في ثانوية (جول جمال) بمدينة رميلان، والجامعية في حلب كلية الآداب - قسم اللغة العربية. وفي أثناء دراسته الجامعية سيق إلى خدمة العلم في لبنان. ثم أثناء خدمته للعلم وفي أوقات فراغه كان له جولات فكرية مع أعلام السنة في بيروت ومع أعلام الشيعة أيضا.
ونال إعجاب الجميع وتقديرهم نظرا لما لمسوه من جرأة أدبية عالية وحبا وإخلاصا لعقيدته الإسلامية بعامة ولأهل البيت بخاصة. وهذا نابع من أعماق قلبه وصدق لسانه وظهر ذلك في أبحاثه ومحاضراته وندواته مع الخاصة والعامة معا، وبعد الانتهاء من خدمته الإلزامية عاد إلى سورية يحمل العقيدة الصحيحة مما جعله يستمر على الرغم من محاربة الآخرين له بشتى الطرق وجميع المناحي والوجوه ولكنه ثابر وصابر وأربى إلا أن يكون في الخط الصحيح للعترة الطاهرة (عليهم السلام) لا يخاف لومة لائم أو تعنيف عاذل أو هجران الآخرين وغيرهم وقد جابه كل هذه الصعاب وقابلها بروح عالية لا
____________
(1) السيد العلامة عبد الله الغريفي صاحب كتاب التشيع (نشوؤه - مراحله - مقوماته) حيث كانت له اليد الطولى برعايتي أطال الله بعمره وحفظه، وهو الآن يقطن في السيدة زينب (عليها السلام) حيث ترك بلده الجائرة البحرين ومن ثم استقر في الإمارات ومنها إلى سورية وهذا بسبب جهاده وعدم ركونه إلى السلطات.
1 - هذا الكتاب " وقفة مع الدكتور البوطي في مسائله ".
2 - من الحوار كانت الهداية (قيد الطبع)
3 - رسالة إلى من يهمه الأمر (حول ظاهرة الاختلاط في مقام السيدة زينب (عليها السلام).
كل هذا ينبع من تفانيه لإعلاء كلمة الله لتكون هي العليا وكلمة الباطل لتكون هي السفلى التي هي بند من بنود مدرسة العترة ومبدأ من مبادئ الشجرة المباركة وأرضية فكرية صحيحة كانت ولا تزال هي الجامعة الإسلامية لكل المذاهب الإسلامية ومشاربها وقد أسست من قبل الإمامين الجليلين الصادقين (عليهما السلام) الباقر وولده الإمام الصادق (عليهما السلام) ونحن من هنا ومن قبلنا نشيد به أن يمضي قدما بعزيمة وإرادة قويتين وأن يوغل في هذه الجامعة كل الإيغال وأن يسهب في التهافت عليها كل الإسهاب مهما كلفه ذلك من مشقة بادية بحتة، وإن كانت ظروفه القاسية المريرة لا تساعده كل المساعدة على تجاوز العقبات وتخطي العثرات نظرا للبيئة المتزمتة التي نشأ فيها ولبيئته الفكرية التي درج فيها منذ نعومة أظفاره أيضا ونعلم حقيقة جميعا ويعرف كل منصف بغض النظر عن انتماءاته وموروثاته لأن هذه البيئات وتلك الموروثات قلما يسلم منها العلماء فكيف السذج المغفلون لأن الموروثات قديما وحديثا تجري وتنساب وتتحرك وتنشط وتتدفق كالدم الذي يجري في العروق في أذهان العامة والخاصة وهذه علتنا كشرقيين بعامة ومسلمين بخاصة وتلك لعمري مصيبة المصائب وكارثة الكوارث وقاصمة
لماذا هذا الكتاب
ليس هذا الكتاب كتابا مذهبيا أود من ورائه خلق فجوة مذهبية بين طائفتين مسلمتين أو تعميق تلك الفجوة ونحن في عصر أشد الحاجة إلى لم شعث المسلمين، وإلى الوحدة بين أبناء الأمة الإسلامية.
وما أحرانا وما أحوجنا إلى تحطيم تلك الحواجز التي ركزت بيننا بعد أن أعل الزمان عليها وشرب، ولا ريب في أن الدعوة الإسلامية إنما قامت على عقيدة التوحيد، وتوحيد العقيدة، وتوحيد الكلمة، وتوحيد الأنظمة والقواعد، وتوحيد المجتمع، وتوحيد الحكومة، وتوحيد المقاصد.
فعقيدة التوحيد هي المبنى الوحيد لجميع الفضائل، وهي الحجر الأساس للحرية واشتراك الجميع في الحقوق المدنية والإنسانية.
فلا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود وكل الناس أمام الحق والشرع سواء والناس كلهم من آدم، وآدم من تراب قال الله تعالى:
(إنما المؤمنون إخوة) وقال: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). و (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا) و (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) و " من أصبح ولا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم ". هكذا كان المسلمون في الماضي أمة واحدة، وهكذا كان المسلمون الذين أخلصوا دينهم لله، ولولا ما نجم فيهم من النفاق وحب الرياسة والحكومة، والمنافرات التي وضعت بينهم في الإمارة لما كان اليوم على الأرض أمة غير مسلمة.
وأكثر هذه المفاسد إنما أتتنا من أرباب السياسات ورؤساء الحكومات الذين لم يكن لهم هم إلا الاستيلاء على عباد الله ليجعلوهم خولا ومال الله دولا فأثاروا الفتن، وقلبوا الإسلام رأسا على عقب، وضيعوا السنن والأحكام وعطلوا الحدود، وأحيوا البدع، وقضوا بالجور والتهمة، واستخدموا عبدة الدراهم والدنانير وأمروهم بوضع الأحاديث لتأييد سياساتهم وخسروا القرآن، وحملوا ظواهر السنة وفق آرائهم، ومنعوا الناس عن الرجوع إلى علماء أهل البيت (عليهم السلام) الذين جعلهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عدلا للقرآن، وأمر بالتمسك بهم (1) فراجع بعين البصيرة والإنصاف كتب التاريخ والحديث حتى تعرف أثر ما فعلته السياسة الغاشمة في تلك الفظائع ولا تنس أيضا أثر سياسات خصوم الإسلام من المسيحيين واليهود وغيرهما في تأجيج نار الشحناء والبغضاء بين المسلمين.
وأقول: علينا بالتوحد وجمع الكلمة، ورص الصفوف والتقارب إسلاميا وصدق الشاعر عندما قال:
والعالمون منكم والعارفون بأهداف الإستعمار يعلمون كل العلم أن تجزئة الأمة الإسلامية أعظم وسيلة تمسك بها المستعمرون للاحتفاظ بسلطتهم.
فعلينا أن ندرك أبعاد المرحلة التي تعيشها في هذا العصر كإسلاميين بغض النظر إلى المذهبية أو الطائفية.
____________
(1) في الأحاديث الكثيرة كحديث الثقلين المتواتر وله طرق كثيرة في كتب الحديث مثل: صحيح مسلم، ومسند أحمد، والطيالسي، وسنن الترمذي، والبيهقي والدارمي، وأسد الغابة، وكنز العمال، ومشكل الآثار، والجامع الصغير، والصواعق، وتهذيب الآثار، ومجمع الزوائد، وحلية الأولياء، وغيرها. وإليك لفظ الحديث في بعض طرقه: " إني تارك فيكم الثقلين إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ".
وأي رابطة أوثق من رابطة الإسلام والأخوة الدينية؟ كما جاء في الحديث الشريف: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ".
وقال تعالى: (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) (1).
وقال عز من قائل: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) (2).
وأما السياسات التي عملت على تفريق المسلمين في القرون الأولى والوسطى فقد عفى عليها الزمان فمضت العصور التي استعبد الناس فيها جبابرة الأمويين والعباسيين، ومضت الأزمان التي كان فيها تأليف الكتب وجوامع الحديث تحت مراقبة جواسيس الحكومة.
مضت العصور التي كان العلماء يعانون فيها من اضطهاد شديد، والعمال والولاة يتقربون إلى الحلفاء والأمراء بقتل الأبرياء ونفيهم وتعذيبهم في السجون وقطع أيديهم وأرجلهم.
مضى الذين شجعوا العمل على التفرقة، واختلاف الكلمة، وإشعال الحروب الداخلية.
مضت السياسات التي سلبت عن أقطاب المسلمين حرياتهم كالنسائي الذي قتلوه شر قتلة.
مضى عهد الجبابرة والطواغيت الذين صرفوا بيوت أموال المسلمين في سبيل شهواتهم المادية، واتخاذهم القينات والمعازف هواية لهم.
____________
(1) سورة المؤمنون: الآية 52.
(2) سورة آل عمران: الآية 105.
مضت الأزمنة التي كان يرمي فيها بعض المسلمين بعضهم بالافتراء والبهتان وحتى الكفر والزندقة والإلحاد.
مضت العصور التي عاشت فيها كل فرقة وطائفة من المسلمين كأمة خاصة لا يهمها ما ينزل على غيرها من المصائب والشدائد.
نعم كل ذلك مضى لكني أقول لحضرة الأستاذ الدكتور البوطي لي وقفة عتاب ولوم مع جنابكم فهل تناسيت ما حصل من تقارب إسلامي بين الشيعة والسنة، وهل تناسيت نص الفتوى التي أصدرها صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية وإليك نص الفتوى:
بسم الله الرحمن الرحيم
نص الفتوى
التي أصدرها السيد صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر. في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية.
قيل لفضيلته:
إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية، فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مثلا:
فأجاب فضيلته:
1 - إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه مذهبا معينا بل نقول
____________
(1) أنظر إلى " رسائل الجاحظ " تحقيق الأستاذ السندولي، طبع القاهرة ماذا عمل معاوية الذي أعلن سب الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) على المنابر ألف شهر ومسلم وغيره. إلخ...
2 - إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة.
فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات.
السيد صاحب السماحة العلامة الجليل الأستاذ محمد تقي القمي:
السكرتير العام لجماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية:
سلام عليكم ورحمته أما بعد فيسرني أن أبعث إلى سماحتكم بصورة موقع عليها بإمضائي من الفتوى التي أصدرتها في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية راجيا أن تحفظوها في سجلات دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي أسهمنا معكم في تأسيسها ووفقنا الله لتحقيق رسالتها والسلام عليكم ورحمة الله.
شيخ الجامع الأزهر
وهل كانت التقية على حد قولك هي الحجر الأساس في عدم فهمنا واستيعابنا للأمور العقائدية التي بيننا وهل أنت أبصر من علماء الأزهر الشريف كالشيخ محمود شلتوت والشيخ عبد المجيد سليم ومحمد الفعام والشيخ عبد الرحمن النجار والدكتور محمد عبد المنعم خفاجي عميد الجامعة الأزهرية في أسيوط ومحمد فريد وجدي من كبار المفكرين بمصر والشيخ محمد الغزالي كان في عصره مدير إدارة تفتيش المساجد بوزارة الأوقاف في مصر والدكتور أبو الوفا التفتازاني أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة والشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف الأستاذ بكلية الشريعة
وأقول:
فالدافع الذي دفعني لأن أكتب هذا الكتاب ما سمعته من محاضرات للأخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي المفكر الإسلامي والأستاذ المحاضر في كلية الشريعة جامعة دمشق.
هناك بعض المسائل قالها حضرة الدكتور وأثارها في الجامعة وفي الرقة وفي مؤتمر الغدير فجمعت قسما منها.. وأقول جل الذي لا يسهى ولا ينسى وأقول: ربما حضرة الدكتور كان ناسيا لبعض الحقائق أو غاب عن ذهنه بعض الأحداث التاريخية أو بعض الحقائق التي وردت في الصحاح المعتبرة والتواريخ أيضا.
فأحببت أن أكون مذكرا فقط لا كناقد أو راد أو مشهر أو محرج معاذ الله من ذلك وفي نهاية المطاف أقول:
إن هذا الكتاب عبارة عن مسائل وردت فأردت توضيحها وإزالة الغموض والتشويش التاريخي عنها قدر المستطاع، وأغضيت عن كثير من الشواهد التاريخية، واكتفيت بالقليل منها خشية الإطالة مرة وكراهة الغوص في أغوار بعض الأحداث المؤلمة أكثر من القدر الكافي لبيان الحاجة مرة أخرى.
معتمدا على ما يسعد به مثلكم من حظ في العقل والمعرفة والإنصاف وأستعرض لكم المسائل والمطالب في هذا الكتاب المتواضع.
وهي: قول حضرة الدكتور:
1 - نحن نتفق مع الشيعة في مأساة أهل البيت (عليهم السلام).
2 - لماذا الرجوع إلى التاريخ..؟
3 - قوله: وإن هنالك فئة من المسلمين (طبعا يقصد فئة الشيعة) لا
4 - قوله: بأن هناك مظاهرة بارزة تثبت أحقية الخليفة أبي بكر بالخلافة من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
5 - قوله: بأن الصحابة اتفقوا على حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورث.
6 - قوله: كان المسلمون على مستوى الشورى الحقيقية.
7 - قوله: بأن هناك وجهة نظر، أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
8 - محاولة الدكتور صرف حديث الغدير عن محله بالتأويل.
9 - قوله: هل أن خلافة علي منصوص عليها بصريح القرآن أو بصريح السنة؟
10 - قوله: علي أشجع الناس فلم ترك قتال المتقدمين عليه بالخلافة.
11 - قوله: لو أن الإمام عليا (رض) اتخذ موقفا مستقلا في عهد من هذه العهود الثلاثة (يقصد عهد الخليفة أبي بكر وعمر وعثمان) لتركنا كل خط دون خطه.
12 - قوله: نحن نروي من آل بيت رسول الله ومن صحابة رسول الله وليس أمامنا مقياس إلا العدالة وكل الصحابة عدول.
13 - قوله: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
14 - قوله: في كتابه فقه السيرة النبوية الطبعة الأولى عام 1972 بأن حديث كتاب الله وسنتي رواه البخاري ومسلم.
15 - قوله: لا سيما وتوجد عندهم التقية ربما إذا ألجئ أحدهم قال شئ نعم ما عاد تقدر تناقشه وإلا يظهر شئ ثاني (1).
____________
(1) هذا الكلام منقول حرفيا من تسجيل صوتي تحتفظ به (ولم أجر أي تعديل على كلام حضرة الدكتور).
17 - قوله: إنما هنالك دلائل تلمع هنا ودلائل تلمع هنا، وجمعت هذا الدلائل وقورن بعضها ببعض وكانت الحصيلة لأبي بكر (أي في مسألة الخلافة).
وأقول في نهاية المطاف:
نحن نمد يد المصافحة لكل من يرغب في الدعوة إلى التقارب والوحدة الإسلامية، والتآخي بين المسلمين.
ذلك إذا كان ممن يتفهم مثل أعلام الأزهر الشريف ورجال الفكر في مصر العربية وغير مصر وهذه مفخرة نفخر بها كما نفخر بغيرها من الفضائل وسنبقى هكذا في اليوم وفي الغد القريب والبعيد وسنمد يد المصافحة تأسيا بإمامنا الأول أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي مد يد المصافحة للخلفاء الذين سبقوه مع يقينه بأن الخلافة حق من حقوقه.
والله ندعو لذلك ونطلب من الله أن يجعل دعوتنا صادقة للإخوة الإسلامية والوحدة التي نحن بأمس الحاجة إليها.
المذنب الراجي رحمة ربه وشفاعة رسوله
هشام عبد الله آل قطيط
- دمشق - الحوزة الزينبية -
26 / 11 / 96
المسألة الأولى
قول الدكتور: فنحن نتفق مع الشيعة في مأساة أهل البيت (عليهم السلام) (1).
أقول لك يا حضرة الدكتور كلامك هذا ليس بصحيح إطلاقا، لأن من يتفق مع الشيعة في المأساة لا يقدس من قتلهم أو سمهم أو شردهم (2) فالأمويون سبوا إمام الحق عليا (عليه السلام) من خلافة أو مملكة معاوية إلى عهد خلافة عمر بن عبد العزيز عام (99 ه) لم يبق مسلم من جماعة معاوية ومن انطوى تحت لوائه إلا وقد سبه ويعلمون علم اليقين أن من سبه فقد سب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن سب رسول الله فقد سب الله ومن سب الله فقد أكبه الله على منخريه في النار كما في رواية حبر الأمة ابن عباس، فلا تجتمع في قلب مؤمن موالاة أولياء الله وموالاة أعداء الله في آن واحد كما تقول الآية الكريمة: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاذ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) (3) فالحب في الله والبغض في الله هو الإسلام والإيمان بالله سبحانه، ولو أنك تعرف حقيقة هؤلاء وسيرتهم لندمت كل الندم وأسفت كل
____________
(1) 2 / 10 / 1995 المحاضرة في جامعة دمشق.
(2) راجع مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني وهو مؤرخ أموي لترى صدق ما نقول به ونذهب إليه.
(3) سورة المجادلة: الآية 32.
وأنت تعلم أن اليهود كانوا منتشرين في شبه الجزيرة العربية كخيبر والمدينة، والنصارى في نجران وبلاد اليمن، ولكن الله سبحانه من علينا كعرب وأعاجم بفضلهم ومنزلتهم، فاهتدينا بهم وإلا كنا نتخبط في عقائد الوثنية والعصبية والقبلية والجاهلية الجهلاء، كما حدث بذلك جعفر ابن أبي طالب لملك الحبشة العادل.
قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (2) ولا ريب أنه من فضله ونعمته كما تقول الآية الكريمة: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (3)، فالله سبحانه تكريما لهم وتعظيما بهم أظهر على أيديهم هذه النعم المعنوية لذلك أكرر وأقول لكم - حضرة الدكتور - لا تجتمع موالاة العترة الطاهرة سادة الأولين والآخرين، مع موالاة أعداء الله الجاحدين الذين حاربوا الله ورسوله حتى فتح مكة المكرمة في العام الثامن للهجرة، كما أنهم حاربوا الإمام عليا (عليه السلام) في صفين والجمل والنهروان، كما أخبره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث قال له بإجماع المسلمين من مؤالفهم ومخالفهم معا: ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.
وهذا مما يدل على صدق نبوته وصحة رسالته، ولذلك - مع تقديري -
____________
(1) سورة الأنعام: الآية 123.
(2) سورة الجمعة: الآية 2.
(3) سورة الجمعة: الآية 4،
أستاذنا الكبير - إن هذا البيت لا يقاس به أحد من الأولين ولا من الآخرين، ولا يلحق بهم أحد، أو يرتقي إلى درجتهم أو يصل إلى منزلتهم، وقد فضلهم الله على سائر الأمة من خلال أعمالهم الخارقة، وتضحياتهم الفائقة للإسلام والمسلمين، وهم الذين نصروا الإسلام بجهادهم وتضحيتهم من موقعة إلى موقعة، ومن موقف إلى موقف، ومن نصر إلى نصر، فهذا حمزة سيد الشهداء وأسد الله في أحد، وأبو عبيدة بن الحارث في بدر، وجعفر الطيار في تبوك، وعلي في المحراب، والحسين ضد أئمة الجور، فإذا كان لتاريخنا الإسلامي والعربي معا من مواقف مشرفة في الجهاد والعدل والحرية والمساواة - وهذا لا شك فيه ولا خلاف عليه - فإنه يعزي هذا وغيره إلى مدرستهم الخالدة، ومبادئهم السامية وتعاليمهم التي كانت تجسيدا للإسلام ولسنة الرسول الكريم قولا وعملا وسيرة، والله نسأل جمع الكلمة ووحدة الصف، وهو الموفق والهادي إلى سبيل الحق والخير والعطاء.
المسألة الثانية
قوله: " لماذا الرجوع إلى التاريخ وإني أرى في الرجوع إلى التاريخ محاولة
لإيقاظ الفتنة من جديد " (1).
فأقول: لماذا نعتبر الرجوع إلى التاريخ جريمة أو إثما في ذلك أو ذنبا عظيما.
وأقول إن في التاريخ حقائق دفينة قد حفظها لنا وسجلها عبر عصور متراكمة وبعيدة، فلولا التاريخ لما عرفنا العقيدة التي نسير عليها ونستنير من خلالها، ونستلهم منها وجودنا الفكري وسلوكنا البشري.
فالتاريخ في الحقيقة والواقع حارس رقيب لا يغفل ولا يغيب، يراقب الخونة الذين كانوا يبيعون ضمائرهم لولاة الباطل بأبخس الأثمان، لقلب الحقائق رأسا على عقب، ولإظهار الأضاليل الكاذبة، إرضاء لنفوسهم الخبيثة وحكامهم الأخساء الأذلاء.
فصاحب العقيدة النقية الصحيحة لا يخاف من الرجوع إلى التاريخ، لأنه يرى في التاريخ الصحيح المرآة العاكسة لعقيدته النقية.
وأما المتزلزل العقيدة فالتاريخ يبين له الحق بواقعه، ويدع له الخيار في اتباعه أو تركه.
وأما المسلم القوي العقيدة فإن التاريخ يريه النعمة الوافرة التي قد من
____________
(1) قال هذا في تاريخ 18 / 11 / 1995 في الرقة.
في الواقع يجب أن نتمسك بالتاريخ بأسناننا، وأظفارنا، لأن التاريخ الصحيح هو منجاة لنا، فلولا التاريخ والتدوين لما عرفنا الصلاة، ولا الصوم ولا أركان الدين.
فالتاريخ معاد معنوي يعيد لك العصور التي سلفت وينشرها لأهل عصره، ويرجع آثارهم التي سلفت أمام أهل زمانه، فتستفيد عقولهم من غررها ما تستضئ بنوره، وتنتعش نفوسهم مما تتنفسه من مسكه وعبيره.
فأقول: لولا التاريخ لجهلت الأنساب، وماتت الأمم بموت عظمائها، وخفي على الأواخر أخبارهم وآثارهم، وخسروا تلك الفوائد التي اكتسبها الأوائل في حبهم واجتهادهم.
وقد كان العرب مع جهلهم بالقلم وخطه والكتاب وضبطه يصرفون إلى التاريخ جل اهتماماتهم. فيجعلون له الحظ الوافر في مساعيهم بحفظ قلبها عن مكتوبه وتعتاض برقم صورها عن رقم سطوره، وكل ذلك عناية بحفظ أخبار أوائلها وأخذ العبر الحكيمة من أفعالهم ومآثرهم السالفة، وهل الإنسان إلا بما أسسه ذكره وبناه مجده بعد موته وفناء جسمه ورسمه.
قال تعالى: (ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر. حكمة بالغة فما تغن النذر) فالتاريخ ضالة الباحث والمفكر والعالم وطلبه المتفنن، وبغية الأديب وأمنية أهل الدين ومقصد الساسة والقول الفصل إنه مأرب المجتمع البشري أجمع وهو التاريخ الصحيح والمحقق الذي لم يقصد به إلا ضبط الحقائق على ما هي عليه.
فلذلك أقول لسماحة وفضيلة الدكتور علينا أن نشجع الطلبة والباحثين إلى الغوص في أعماق التاريخ ليستخرجوا لنا ما فيه من درر كامنة وأصداف ثمينة وحقائق ثابتة.
لماذا نخاف من الغوص بأعماق التاريخ؟
لماذا ينتابنا الخوف والهلع عندما نجد حقيقة ثابتة أخرجها لنا الباحثون والمؤرخون تخالف ما نحن عليه اليوم؟
لماذا نخاف من الواقع؟
أليس الله سبحانه وتعالى أوجدنا أبرياء أنقياء على الفطرة، لا يوجد أي شئ يؤثر في فطرتنا السليمة.
فلنتأمل من أين جاءتنا تلك المؤثرات حتى سيطرت على عقولنا وطبعت على قلوبنا.
في الحقيقة تسليم الإنسان للأشياء واستقبالها دون تفكر وتأمل وتدبر مذموم من قبل الخالق، والدليل قوله تعالى:
(أفلا يعقلون)، (أفلا يتدبرون)، (أفلا يتفكرون) وآيات كثيرة من هذا القبيل.
يخاطب الله الإنسان الذي خلقه في أحسن تقويم، وميزه عن بقية الكائنات بالعقل الذي يتفكر ويتدبر، فلا يسلم بالأمور على عواهنها أو علاتها.
فنفهم من قوله تعالى: أنه علينا أن نبحث ونفكر ونمحص الحقائق، ونتبعها ولو خالفت أهواءنا وطبائعنا وعاداتنا وتقاليدنا، التي ورثناها عبر عصور متراكمة أبا عن جد.
لماذا نجد الكثيرين في هذا العصر المتقدم يستهدفون محاربة فكرة الرجوع إلى التاريخ ونبش الحقائق من بطون التاريخ؟
لماذا يرون هذا العمل جريمة من وجهة نظرهم وكأنهم يرون البقاء على التمزق الباطني، حيث تتشوش الحقيقة وتغيب عن أذهان الناس أفضل من الإفصاح عن قول الحق الذي من أجله نزل الوحي وتحركت قوافل الأنبياء والمرسلين.
وكأن مهمة الدين هو أن يأتي بالغموض، وكأن الله عز وجل أراد أن
وبعضهم يرى فيقول: " لا داعي للبحث عن هذه القضايا القديمة في التاريخ لأنها باعثة على الفتنة ".
فأقول لتلك الفئة: هل البقاء على التمزق الباطني وإخفاء ما نزل الوحي من أجله أفضل من الرجوع إلى هذه القضايا القديمة.
يا إلهي ما أشد ذلك غرابة، فحقا هذا هو عين التخلف الفكري والجنوح عن ركب الحضارة.
وأزيد فأقول: من القرآن يجب أن تتعلم الأمة قيمة النظر في التاريخ، لأن للتاريخ سننه وقوانينه التي تجري على كل البشر.
وكما قال العلامة محمد تقي المدرسي:
إن فهم التاريخ ضرورة لفهم الشريعة (2) وكما قال تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا) (3).
فنجد أن القرآن أهم مصدر نمتلكه لتعريف الناس بماضي الأمم فمن الذي يعرفنا بتاريخ أمتنا نحن.
أليس هو القرآن والتاريخ المدونين من كل قمع أيديولوجي ومن كل استبداد سياسي؟!
فالتاريخ الذي دون بيد الأمناء هو في الحقيقة غذاء وضياء.
____________
(1) إدريس الحسيني: الانتقال الصعب في المذهب والمعتقد.
(2) محمد تقي المدرسي: " التاربخ الإسلامي دروس وعبر ".
(3) سورة طه: الآية 99.
ويريك الذين أحسنوا واتقوا كيف ارتفعوا وتساموا، وسجل لهم التاريخ العادل على صفحة بيضاء بأحرف من نور حياة لا تموت ووجودا لا يفقد.
فأقول فما العلم إلا بتاريخه، وما الأمم إلا بماضيها، ومن لا ماضي له لا حاضر له، ومن لا طفولة له لا شباب له ولا شخصية سوية له.
يقول أوغست كونت (1798 - 1857) " إن تاريخ العلم هو العلم نفسه ". لذا فإن عزل الماضي عن الحاضر هو فصل لوحدة التاريخ، ولا أحد يملك التاريخ حتى يفصل بين أجزائه. أما الماضي فليس معناه جملة الإنجازات المعبر عنها - بتراث الأوائل - بكل ما يحمل في طياته من سلبيات وإيجابيات، وإنما هو الطاقات أو القيم المحركة الكامنة فيه، التي خلقت أصالته، والقادرة على عملية الخلق الحضاري وتطويره باستمرار، وبعبارة أخرى، إن الدعوة التي استلهمها من الماضي دعوة للعودة إلى الينابيع الأولى التي حاكت هذا الماضي، مع الاحتراز من الانحرافات التي شهدها وكانت السبب في تقويضه.
وكما قال الدكتور مهدي فضل الله (1):
" بعض من أدعياء المعرفة يهزأ بماضينا المجيد، ليس ذلك فحسب، إنما يمعن قدحا في من يحاول إحياءه. لهؤلاء يمكن القول:
كما إن الإنسان وحدة لا تتجزأ، كذلك التاريخ والعلم والمجتمع والعقيدة فالكل من الجزء والجزء من " ما صدق " الكل ومن خاصيته. من هنا تكون عملية الجذب الدائم باستمرار بين الماضي والحاضر والمستقبل، كما هو بين الجوهر والعرض، والعدل والعدالة والحق والحقيقة، والوجود والموجود، والعلة والمعلول. ومن هنا يتراءى لنا أن صرف النظر عن الماضي من المحال، لأنه صرف عن الزمان، وصرف عن الذات، والزمان
____________
(1) من وحي الحسين / الدكتور مهدي فضل الله / ص 38.
فلنرجع إلى التاريخ ونمحص حقائقه ونغذي نفوسنا الجياع ونحييها حياة سعيدة في الدنيا والآخرة.
والله لقد صدق العلامة الزاهد الشيخ حسن القبيسي رحمة الله عليه عندما قال: ماذا في التاريخ في التاريخ حكم وعبر لأولي الألباب، فتفكروا يا أولي الألباب قبل فوات الأوان.
المسألة الثالثة
قوله: " وإن هنالك فئة من المسلمين لا تستطيع أن تعبر عن حبها لعلي
إلا بانتقاص بقية أصحابه " (1).
فأقول: نعوذ بالله السميع العليم من كل شيطان رجيم ونبرأ إلى الله تعالى من كل قول غير سديد لا يمت إلى الحقيقة بيقين، وكثير من الحقائق والمسلمات تستحيل إلى خرافة ووهم حين يستفرغ المرء وسعه، ويسلخ بعض الوقت في التنقيب عن جذور تلك الحقائق ومصدرها. فكثيرا ما تكون العواطف والأهواء والنزعات، هي العامل الأقوى وراء شيوع قضية ما واستحكامها وفرض نفسها، لتشغل لها مكانا بين الثوابت والمسلمات، كل ذلك بسبب وجود من يحرص على أن تأخذ قضية معينة حجما أكبر من ذاتها ومكانة أعظم مما تستحق، أضف إلى ذلك فقدان المقياس الحقيقي المستند إلى العقل، وتقييم الواقع في تحديد حجم المسائل وإعطائها الموقع المناسب.
ولا بد أن نضيف، أن للتقليد الأعمى وعدم تكليف المرء نفسه عناء التحقق من صحة ما اشتهر على الألسن وفي بطون الكتب دورا في تثبيت المسلمات التي لا واقع لها، وما يتبادر أنها حقائق لا تقبل النقاش.
والأمثلة على ذلك كثيرة..
فحين أثبت العالم الكبير غاليلو بطلان النظرية السائدة آنذاك وهي ثبات الكرة الأرضية ودوران الشمس حولها، وإثبات عكس تلك النظرية، وهو
____________
(1) المحاضرة بتاريخ 2 / 10 / 1995 - جامعة دمشق.