الصفحة 94
الفهري فأتاه على ناقة فأنافها على باب المسجد ثم عقلها، وجاء فدخل المسجد فجثا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد، إنك أمرت نا أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا منك ذلك... ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك وفضلته على الناس، وقلت من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شئ منك أو من الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد احمرت عيناه، والله الذي لا إله إلا هو إنه من الله وليس مني، قالها ثلاثا... " (1).

أقول: إذا كان هذا هو مآل بعض صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخوفهم من الإمام علي (عليه السلام) في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمام ناظريه، فما بالك بالدكتور البوطي وابن خلدون، وابن حزم، وإحسان ظهير: وأبو زهرة، والدكتور أحمد شلبي، وغير هؤلاء من الذين أنكروا تلك النصوص، وصرفوها عن محلها بتأويلات واهية، فالإمام مسلم ليس من الثقات عند ابن حزم، لأنه خرج حديث الغدير في صحيحه. ومن الذين لا تقبل رواياتهم، والحافظ النسائي أحد أصحاب الصحاح ليس من الثقات، وغير هؤلاء من جهابذة علماء أهل السنة الذين أخرجوا حديث الغدير وغيره، ولكن ابن حزم وابن خلدون وغيرهما، يحاولون إنكار الضرورات من دين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول الإمام مسلم في صحيحه:

" وعن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوما فينا خطيبا بماء يدعى " خما " بين مكة والمدينة فحمد الله ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله... ثم قال وأهل بيتي... " (2) ولهذا يقول ابن حجر كما تقدم - " إن حديث الغدير صحيح لا مرية فيه، ولا يلتفت لمن قدح في صحته ولا لمن رده ".

وأخرج الحافظ النسائي في الخصائص: عن زيد بن أرقم قال: لما رجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن ثم قال:

كأني دعيت فأجبت وإني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أعظم من الآخر،

____________

(1) سبط ابن الجوزي: تذكرة الخواص - ص 30 - 31.

(2) صحيح مسلم: ج 7 - ص 122 - 123.


الصفحة 95
كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض... ثم قال: إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن: ثم أخذ بيد علي (رض) فقال: من كنت وليه، فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه... فقلت لزيد: سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: نعم، وإنه ما كان في الدوحات أحد إلا ورآه بعينه وسمعه بأذنيه...) (1).

وفي ذخائر العقبى للمحب الطبري، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كنا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سفر فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا، الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت شجرة فصلى الظهر وأخذ بيد علي، وقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.

قال: فلقيه عمر بعد ذلك، فقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة " أخرجه أحمد في مسنده، وأخرجه في المناقب من حديث عمر وزاد بعد قوله وعاد من عاداه وانصر من نصره وأحب من أحبه. قال شعبة أو قال وأبغض من بغضه " وعن زيد بن أرقم قال: استشهد علي بن أبي طالب الناس، فقال أنشد الله رجلا سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه فقام ستة عشر رجلا فشهدوا " (2).

وأخرج ابن المغازلي الشافعي حديث الغدير بطرق كثيرة، فتارة عن زيد بن أرقم، وأخرى عن أبي هريرة، وثالثة عن أبي سعيد الخدري وتارة عن علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود وبريدة، وجابر بن عبد الله، وغير هؤلاء. فعن زيد بن أرقم " أقبل نبي الله من مكة في حجة الوداع حتى نزل (صلى الله عليه وآله وسلم) بغدير الجحفة بين مكة والمدينة فأمر بالدوحات فقم ما تحتهن من شوك ثم نادى: الصلاة جامعة، فخرجنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم شديد الحر، وإن منا لمن يضع رداءه على رأسه وبعضه على قدميه من شدة الرمضاء... إلى قوله: ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) فرفعها

____________

(1) النسائي: الخصائص - ص 39 - 40 - 41.

(2) المحب الطبري: ذخائر العقبى - ص 67.


الصفحة 96
ثم قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، ومن كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. قالها ثلاثا " (1).

" قال أبو القاسم الفضل بن محمد: هذا حديث صحيح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد روى حديث غدير خم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نحو من مائة نفس منهم العشرة وهو حديث ثابت... " (2).

وفي كنز العمال للمتقي الهندي: "... إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن، من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه... ".

وقد أخرج المتقي الهندي هذا الحديث تارة عن زيد بن أرقم، وأخرى عن أبي هريرة، وثالثة جابر بن عبد الله، ورابعة أبي سعيد الخدري، وخامسة ابن عباس وغير هؤلاء (3).

وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي عند تفسير قوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع " (4). قيل إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري، وذلك أنه لما بلغه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي (رض): " من كنت مولاه فعلي مولاه " ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح ثم قال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك... إلى قوله: ثم لم ترض بهذا حتى فضلت ابن عمك علينا، أفهذا شئ منك أم من الله؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): والله الذي لا إله إلا هو، ما هو إلا من الله، فولى الحارث، وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء، وائتنا بعذاب أليم، فوالله ما وصل إلى ناقته حتى رماه الله بحجر فوقع على دماغه فخرج من دبره فقتله فنزلت: (سأل سائل... " (5).

وفي شواهد التنزيل للحاكم النيسابوري، والمناقب لابن المغازلي، عن

____________

(1) ابن المغازلي: المناقب - ص 29 - إلى ص 36.

(2) المصدر السابق: ص 36.

(3) المتقي الهندي: كنز العمال - ج 1 - ص 166 - 167 - 168.

(4) سورة المعارج: الآية 1.

(5) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن - ج 18 - ص 287 - 289.


الصفحة 97
أبي هريرة قال: " من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا، وهو يوم غدير " خم " كما أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيد علي فقال: ألست ولي المؤمنين؟ قالوا: بلى يا رسول الله فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن، وأنزل الله: (اليوم أكملت لكم دينكم) (1).

ويقول حجة الإسلام الغزالي: " أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته من غدير خم باتفاق الجميع وهو يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مولى، فهذا تسليم ورضى وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرياسة ولما مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال قبل وفاته ائتوا بدواة وبياض لأزيل لكم إشكال الأمر، وأذكركم من المستحق لها بعدي، قال عمر: دعوا الرجل فإنه يهجر...

فإذن بطل تعلقكم بتأويل النصوص، فعدتم إلى الإجماع، وهذا منصوص أيضا، فإن العباس وأولاده وعليا وزوجته وأولاده، وبعض الصحابة، لم يحضروا حلقة البيعة... وخالفكم أصحاب السقيفة في متابعة الخزرجي " (2).

ويقول الشهرستاني في الملل والنحل. " ومثل ما جرى في كمال الإسلام وانتظام الحال حين نزل قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته " فلما وصل غدير خم أمر بالدوحات فقممن، ونادوا الصلاة جامعة، ثم قال (عليه السلام) وهو يؤم الرحال:

من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار ألا هل بلغت؟

ثلاثا " (3).

وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن زيد بن أرقم قال: " لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حجة الوداع ونزل غدير " خم " أمر بدوحات فقممن،

____________

(1) الحاكم النيسابوري: شواهد التنزيل - ج 1 - ص 158 - ابن المغازلي المناقب - ص 31.

(2) أبو حامد الغزالي: سر العالمين وكشف ما في الدارين - ص 10.

(3) الشهرستاني: الملل والنحل - ج 1 - ص 163.


الصفحة 98
فقال: كأني دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: إن الله عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي (رض) فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه... ".

يقول الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أخرجه الحافظ الذهبي في تلخيصه على المستدرك... " (1).

وحديث الغدير أخرجه علماء أهل السنة وحفاظهم بطرق كثيرة. فيهم:

ابن حجر العسقلاني في الإصابة (2)، والقندوزي في ينابيع المودة (3) والمقريزي في خططه (4)، والإمام أحمد في مسنده (5)، والبيهقي في كتابه الاعتقاد على مذهب السلف وأهل الجماعة (6)، والسيوطي في الجامع الصغير (7)، وتاريخ الخلفاء (8)، والمحب الطبري في الرياض النضرة (9)، وابن خلكان في وفيات الأعيان (10) والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (11)، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة، وابن تيمية في كتابيه، حقوق آل البيت (12) والعقيدة الواسطية، والمسعودي في مروج الذهب، والبلاذري في أنساب الأشراف، وابن كثير في تفسير القرآن الكريم، وابن حجر الهيثمي في صواعقه المحرقة، وغير هؤلاء من حملة الآثار من علماء أهل السنة،

____________

(1) الحاكم: المستدرك على الصحيحين - ج 3 - ص 109 وأيضا الحافظ الذهبي في تلخيصه.

(2) ابن حجر العسقلاني: الإصابة - ج 2 - ص 15 - وأيضا ج 4 - ص 568.

(3) المقريزي: الخطط - ج 2 - ص 92.

(4) الإمام أحمد في مسنده: ج 1 - ص 331 ط 1983.

(5) البيهقي: كتاب الاعتقاد - ص 204 - وأيضا 217 ط بيروت - 1986.

(6) السيوطي: الجامع الصغير - ج 2 - ص 642.

(7) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 169.

(8) المحب الطبري: الرياض النضرة - ج 2 - ص 172.

(9) ابن خلكان: وفيات الأعيان - ج 4 - ص 318، 319.

(10) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد - ج 7 - ص 437.

(11) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ج 1 - ص 109.

(12) ابن تيمية: حقوق آل البيت - ص 13.


الصفحة 99
اقتصرنا على ذكر جملة منهم ليرى المنصف ما قاله ابن خلدون وابن حزم، وإحسان ظهير وأبو زهرة والدكتور شلبي وغيرهم. وليعلم أن حديث الغدير من أهم الأحاديث المتواترة عند جميع المسلمين.

وقد أخرجه الثقات من علماء أهل السنة ورواتهم.

وأما قول ابن حزم: " وأما من كنت مولاه فعلي مولاه فلا يصح من طريق الثقات أصلا... " فهو كحاطب ليل لا يرى بالبصر ولا بالبصيرة، ولا أضلته العصبية المذهبية كما أضلت غيره، وإلا فما يقول في الذين ذكرناهم، أليسوا من الثقات والعدول عنده؟ وماذا يقول ابن خلدون وغيره عن هؤلاء؟

أليسوا من جهابذة علماء أهل السنة ورواتهم، أم أنهم من عوامهم وجهالهم؟

فبماذا يجيب الحاكم العادل، وأين يضع ابن خلدون وابن حزم وغيرهما من كفتي الميزان؟ وماذا يقول الشيخ محمد أبو زهرة في قوله: "...

ومخالفوهم - أي مخالفوا الشيعة - يشكون في نسبة هذه الأخبار إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فالشيخ أبو زهرة قد طعن في رواة أهل السنة وحفاظهم، حيث ذهبوا إلى تصحيح هذه الروايات، والشيخ يطعن في صحتها.

ولا شك أن رواة الحديث أعرف بصحة الحديث من الشيخ أبو زهرة.. يقول ابن كثير في تفسيره: " وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في خطبته بغدير " خم "... " (1) ويقول ابن حجر: " إن حديث الغدير صحيح لا مرية فيه... ولا التفات لمن قدح في صحته ولا لمن رده... " (2) ويقول ابن تيمية، مع شدة معارضته للشيعة: " وثبت في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أنه قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بغدير يدعى " خم " بين مكة والمدينة... " (3) إلى غير ذلك من أقوال علماء أهل السنة وحفاظهم، والتي تدل على صحة حديث الغدير الناصة على خلافة علي بن أبي طالب (عليه السلام).

____________

(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 4 - ص 113.

(2) ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص 42.

(3) ابن تيمية: حقوق آل البيت ص 13.


الصفحة 100

فصل (3)
(كلمة موجهة لكل من أراد النيل من التاريخ
وقلب أحداثه التاريخية الصحيحة)

فأقول للذين حاولوا عبر التاريخ طمس معالم الفكر الشيعي، وفكر أهل البيت... دعوا الدين... (نحزب للباطل في الماضي... ومغالطات في الحاضر... واحتيال على المستقبل!! أيها المضللون...

البشر اليوم يعيش في عصر الحرية... واستقامة الذوق... ومقالتكم وفلسفتكم... تنافي - صراحة - القرآن العربي المبين وهو المرجع الأول والأخير للمسلمين... وليس فيه لآل أمية ومن سار على نهجهم نصيب!!

بل لهم فيه " اللعن الصريح الذي نقلته كتبكم. من علمي التفسير والحديث.. الموثوق بها عندكم!!

فإسلام " معاوية... وإسلام أمه... وإسلام أبيه... وإسلام حزبهم يتعارض مع القرآن فيجب على الأحرار رفض أحدهما إما القرآن... أو آل أمية... وحزبهم... ومن مهد لهم..!!

أن الإقرار بالنفاق... والتلون... والاعتراف... بأنكم قد وجدتم - الإسلام خير وسيلة للمعيشة الدنيوية... ونيل الخلافة والزعامة في الماضي والحاضر..!!

وانصرفوا عن نهج الصراحة. فقد أصبحنا نعيش في عصر... لا تنطلي فيه المغالطات... على الطفل... فكيف على أساتذة وجامعيين ومثقفين مثلا.


الصفحة 101
أقول: لولا التضليل... والتعصب الذي أشار إليه الدكتور البوطي في محاضرته بأنه 20 % من المذاهب عصبية ذاتية والله لما بقي - ذكر لآل أمية في التاريخ والسقيفة.. وحزبهما...!!

فأقول لكل مؤمن غيور:

فتش التاريخ تجد صحة قولي!!

ومن خلال قراءتك للتاريخ يبدو لك.. (أن القوم).. نصبوا الدين شركا لاقتناص الدنيا.. وأنهم (صفر الكف) من تعاليم القرآن الحقيقية إلا بقدر (ما يموهون به أباطيلهم) على المغفلين..!!

وقد تقيد الهاشميون به... ولذا كان الأمويون... أذكياء دهاة. لأنهم أحرار... مما يقيدهم!! فتأمل أخي المؤمن!!

أجل...

لا يشك عاقل.. أن محمدا (عليه السلام).. كان المثل الأعلى لكل مكرمة وخلق رفيع - قبل البعثة... وبعدها - ويشهد له القرآن الكريم بذلك..

بقوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) وإجماع العرب قبل البعثة وبعدها - من موحدين ومشركين... على تسميته بالصادق الأمين.

ولا يشك عاقل أيضا.. أن عليا (عليه السلام).. في صباه.. وفي جميع أدوار حياته كان مثلا أسمى في الذكاء..

أجل.. فقد اكتسب كل صفة من صفات ابن عمه.. فهو نسخة طبق الأصل ويكفي عليا شرفا أيضا.

وفي غزوة " تبوك " التي جعلها بعض المشككين... منقصة ومطعنا... ينال به منزلة " علي " وقد نسي هؤلاء الأذكياء ".. إنها عملية يقيمها الرسول للبرهنة على خلافة علي.. عنه ".

فكل هذه النيابات العملية... لا تقوم مقام " ثلاثة أيام... أو أقل...

أو أكثر من الصلاة في محراب النبي... بأمر مزعوم منه "!!

ومن النص المجمع عليه الوالي على نيابة علي عنه.. بمعنى

الصفحة 102
القيام... بأمور المسلمين... " خليفة لابن عمه "!!.

وأختم قولي ببعض ما قاله الشعراء في يوم الغدير حتى يستقيم المعنى - والختام - قال حسان بن ثابت شاعر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

يناديهم " يوم الغدير " نبيهم * بخم واسمع بالرسول مناديا
فقال: " فمن مولاكم ونبيكم؟ " * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
" إلهك مولانا وأنت نبينا * ولم تلق منا في الولاية عاصيا
فقال له قم يا علي! فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أتباع صدق مواليا
هناك دعا " اللهم! وال وليه * وكن للذي عادا عليا معاديا
فيا رب!! أنصر ناصريه لنصرهم * إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا
وقد جاءه جبريل عن أمر ربه * بأنك معصوم فلا تك وانيا
وبلغهم ما أنزل الله ربهم إليك * ولا تخش هناك الأعاديا


الصفحة 103

المسألة التاسعة

ويتابع القول حضرة الدكتور في محاضرته (1) قائلا:

فلو كانت خلافة سيدنا علي منصوصا عليها بصريح القرآن أو بصريح السنة فمن كان أول من دافع عن هذا الحق؟ بالطبع سيدنا علي، وبمقدار ما قاتل معاوية فإنه " سيدنا علي " كان سيقاتل أولئك أكثر، وبذلك فإنه قاتل معاوية، لأن خلافته منصوص عليها ضده ولكنه قاتله لأنه رأى أن الخلافة كانت من حقه بالإنتخاب والشورى فلذلك قاتله.

فكيف يقاتل معاوية عندما يرى أن الخلافة من حقه بنص القرآن أو بنص الحديث.

ولا يقاتل أبا بكر وعمر وعثمان بشراسة أشد!! لماذا...؟

فإما أن سيدنا علي معصوم أو أنه غير معصوم، فمعنى ذلك أن عمله حجة بأن الخلافة لأبي بكر (ما دام معصوم) ولعمر وعثمان، وإذا كان لا فإنه غير معصوم، وبايعه غلط، وكان عليه ألا يبايع عمر، وألا يبايع عثمان، وألا يبايعه لأنه هو الخليفة، وبذلك فهو غير معصوم.

دلالة القرآن بتصريح الخلافة لعلي (عليه السلام)

وأما دلالة القرآن الكريم على اختصاص الخلافة بعلي (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لدينا أدلة كثيرة فإليكم بعض الآيات البينات من الذكر الحكيم.

____________

(1) المحاضرة بتاريخ 2 / 10 / 1995 جامعة دمشق.


الصفحة 104
الأولى: أنه لما نزلت آية (وانذر عشيرتك الأقربين) أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا أن يجمع بني عبد المطلب، ويطبخ لهم فخذ شاة، ويخبز صاعا من دقيق، ويأتي بعس من لبن، وهو القدح الكبير، فأكلوا حتى شبعوا، ولم يبن النقص في الطعام إلا أثر أصابعهم، وشربوا اللبن حتى رووا، فلما أراد أن يكلمهم، بدره أبو لهب، فقال: لشد ما سحركم صاحبكم فتفرقوا، ولم يكلمهم، ثم جمعهم في اليوم الثاني، وصنع لهم من الطعام والشراب كما صنع في اليوم الأول، ثم قال: يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم.. فسكتوا جميعا، فقال علي: فقلت: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثم قال: " إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا "، فقاموا يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.

ورواه الطبري مسندا في تاريخه وتفسيره، ورواه أيضا الكثير من حفاظ أهل السنة ومفسريهم (1).

فأقول للدكتور: أن هذا الحديث من أوضح النصوص وأدلها على

____________

(1) ابن جرير الطبري في تفسير سورة الشعراء.

وأخرجه الطبري في تاريخ الأمم والملوك ص 217 من ج 2 بطرق مختلفة.

وأرسله ابن الأثير إرسال المسلمات في الجزء الثاني ص 2 من (عامله).

تاريخ أبي الفداء: ج 1 ص 116.

أبو جعفر الإسكافي في كتابه (نقض العثمانية).

شرح النهج لابن أبي الحديد: ص 223 ج 3.

أحمد بن حنبل: ج 1 ص 111 - ص 159.

الحاكم في المستدرك: ج 3 ص 132.

الذهبي: في تلخيصه معترفا بصحته.

الدر المنثور: للسيوطي: ج 5 ص 97.

الرياض النضرة: للطبري: ج 2 باب فضائل علي (عليه السلام).

ورواه أيضا:

السند: المتقي الهندي: (منتخب كنز العمال) ص 42 - هامش الجزء الخامس من مسند أحمد باب مناقب علي.

ابن كثير: البداية والنهاية: ج 3 ص 45 الطبعة الأولى.


الصفحة 105
خلافة أمير المؤمنين بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لا معنى لجعله واجب الطاعة على الأكابر من عشيرته، وقومه، وبني عمومته إلا لأنه يريد له (عليه السلام) الخلافة العامة لا سيما وصريح قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) " يكون خليفتي فيكم " من أظهر النصوص عليها.

وقل لي بربك حضرة الدكتور.

ما كان يضر أولئك النفر الذين اجتمعوا على غير علي (عليه السلام) لو اجتمعوا عليه (عليه السلام) ونظروا بعين الإنصاف إلى صفاته المرضية، وأخلاقه العالية، وعدله في الرعية، وقسمته بالسوية، ونزاهته من درن الدنيا الدنية، وفكروا قليلا في علمه الفاخر، وقضائه الباهر، وتفانيه في سبيل الدين، ورعايته لمصلحة المسلمين؟

ماذا يضرهم ذلك؟ لا سيما وهم يرون بأعينهم ويسمعون بآذانهم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، تلك النصوص الجلية التي تنص على خلافته بعده (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول فيه أيضا (عليه السلام):

" تختصم الناس ولا يحاجك أحد من قريش، أنت أولهم إيمانا بالله وأقواهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم في الرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية " (1).

ومن الآيات التي تنص على خلافة علي (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله تعالى في سورة هود (عليه السلام):

(أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) (2).

فقد روى الجمهور ونقله عنهم ابن جرير (3): إن الذي على بينة من ربه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والشاهد الذي يتلوه هو علي بن أبي طالب. وقد أخرج

____________

(1) الكاتب المصري: محمد حسنين هيكل: في كتابه (حياة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)) الطبعة الأولى ص 104 وقد حذفه من الطبعة الثانية مقابل مبلغ من الدولارات النفطية.

(1) الرياض النضرة: للطبري: ج 2 ص 198 باب فضائل علي - ط - سنة 1337 ه‍.

المتقي الهندي (منتخب عن العمال) ج 5 ص 34 ه‍ مسند أحمد باب فضائل علي (عليه السلام).

سورة هود: الآية 17.

تفسير ابن جرير الطبري ج 12 ص 12.


الصفحة 106
الحديث جماعة من مفسري أهل السنة (1).

الآية الثالثة: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد).

ومن الآيات التي تنص على إمامة علي (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله تعالى في سورة الرعد: (إنما أنت منذز ولكل قوم هاد ".

ويقول العلامة البغوي محيي السنة عند أهل السنة في تفسيره: لما نزل قوله تعالى: (إنما أنت منذز ولكل قوم هاد) وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على صدره، وقال: أنا المنذر، وأومأ إلى منكب علي، وقال: أنت هاد، بك يا علي يهتدي المهتدون من بعدي.

وقد أخرج ذلك غير البغوي جمع من مفسري أعلام أهل السنة وحفاظهم (2).

____________

(1) راجع: الحافظ السيوطي في (الدر المنثور) ص 324 من جزئه الثالث عن ابن أبي حاتم وغيره من ثقات علمائهم.

ومنهم: الفخر الرازي في (تفسيره الكبير) ص 68 من جزئه الخاص. ومنهم: النيسابوري في تفسيره ص 317 من جزئه الثاني.

ومنهم: الثعلبي في تفسيره الكبير.

ومنهم: الحافظ أبو نعيم، فقد أخرجه من ثلاث طرق عن عبد الله بن عباس الأسدي، والفلكي المفسر عن مجاهد، وعن عبد الله بن شداد وغيرهم من حفاظ أهل السنة.

ومنهم: ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج: ص 236 ج 2. ويقول السيوطي: في كتاب (الإتقان) ص 225 من جزئه الثاني. من النوع الثمانين: إن تفسير مجاهد هو المعتمد عند شيخ الحديث البخاري من التقليد ممن يخالفه.

(2) راجع: السيوطي في (الدر المنثور) ص 45 من جزئه الرابع في تفسير الآية في تفسيره عن ابن عباس، وأخرجه أيضا عن ابن مردويه عن ابن أبي حاتم وغيره من طريق علي (عليه السلام)، وأخرجه عن ابن مردويه من طريق ابن عباس.

ومنهم الفخر الرازي في (تفسيره الكبير) ص 230 من جزئه الثالث.

ومنهم الحاكم النيسابوري في تفسيره 367 من جزئه الثاني.

ومنهم ابن الصباغ المالكي في ص 122 من كتابه الفصول المهمة. ومنهم القندوزي الحنفي في ص 99 من (ينابيع المودة من جزئه ومنهم المتقي الهندي في ص 34 من (منتخب كنز العمال) بهامش الجزء الخامس من (مسند الإمام أحمد بن حنبل) وغير هؤلاء من مفسري أهل السنة وحفاظهم.


الصفحة 107
الآية الرابعة: آية الولاية.

قال تعالى في كتابه العزيز: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (1) هذه الآية نزلت في علي (عليه السلام)، لما تصدق بخاتمة في الصلاة، كما في كتاب أسباب النزول للسيوطي، وعلي ابن أحمد الواحدي النيسابوري وتفسير الثعلبي وغيرها.

وجه دلالة هذه الآية على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) أنها دلت على انحصار (الولاية) في الله تعالى، وفي رسوله، وفي علي (عليه السلام)، وفي اقتران ولايته بولاية الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أقوى دليل على إمامته ويدل هذا الاقتران أيضا على أن المراد بالولي الأولى، وهو معنى الإمامة.

دلالة الحديث النبوي بتصريح الخلافة لعلي (عليه السلام)

الحديث الأول:

ومن الأدلة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغدير: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا بلى، قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله وأدر الحق معه كيفما دار (2).

فهذا الحديث يدل على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) لدلالته على أن عليا (عليه السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فيكون هو الإمام.

ثم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفرد له خيمة يوم الغدير، وأمر الناس أن يبايعوه بإمرة المؤمنين فبايعوه كلهم الرجال والنساء، حتى أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

____________

(1) سورة المائدة: الآية 54.

(2) راجع سند حديث الغدير ص 100 من هذا الكتاب.


الصفحة 108

الحديث الثاني:

قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الطائر المشوي (1) " اللهم ائتني بأحب خلقك إلي يأكل معي من هذا الطائر ".

وجه دلالة هذا الحديث على إمامته، أنه إذا كان أحب الخلق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أفضلهم، لأن حب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس مبنيا على الهوى والغرض بل على زيادة الفضل، وإذا كان أفضلهم كان أحق بالخلافة والإمامة، لأن تقديم المفضول على الفاضل قبيح عقلا.

الحديث الثالث:

الدليل على أنه أعلم الصحابة:

أنهم كانوا يرجعون إليه في المسائل، ولم يكن يرجع إلى أحد، ويكفي في ذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):

" أقضاكم علي " وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):

" أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب ".

الدال على أنه يعلم جميع علوم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويكفي في ذلك أيضا إخباره بالمغيبات الكثيرة، كإخباره عن الخوارج وعن ذي الثدية منهم وعن غرق البصرة وعن صاحب الزنج وعن التتر وعن قتل ابن ملجم إياه وإخباره عن أصحابه بأنهم سيعرضون بعده على سبه والبراءة منه الخ...

تبليغ سورة براءة:

وقصة تبليغ سورة براءة هي أيضا من الأحداث التي تدل دلالة قاطعة على أن تولي أمور المسلمين بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) محصورة بأمير المؤمنين علي (عليه السلام) وهذه القصة مشهورة ومعروفة لكني أوردتها للفائدة - والقصة كما رواها الإمام أحمد بن حنبل، قال: حدثني وكيع قال: قال إسرائيل ة قال أبو

____________

(1) أخرج الحاكم حديث الطير في المستدرك من طريق يحيى بن سعيد عن أنس وقال رواه عن أنس جماعة من أصحابه.

أنظر المستدرك للحاكم النيسابوري ج 3: 130 - 131.

تذكرة الخواص: 39.


الصفحة 109
إسحق، عن زيد بن يشيه عن أبي بكر: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه ببراءة إلى مكة: " لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف في البيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله مدة فأجله إلى مدته، والله برئ من المشركين ورسوله ".

قال: فسار بها ثلاثا: ثم قال النبي لعلي: " إلحقه فرد علي أبا بكر وبلغها أنت ".

قال: ففعل، فبينا أبو بكر في بعض الطريق، إذ سمع رغاء ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القصوى فخرج أبو بكر فزعا فظن أن رسول الله، فإذا هو علي، فدفع إليه كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذها منه وسار ورجع أبو بكر.

فلما قدم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكى وقال. يا رسول الله أمرت في شئ...؟

قال: " لا ولكن أمرت أن لا يبلغها إلا أنا أو رجل مني ".

وفي بعض الروايات: " لا يبلغها عني إلا أنا، أو رجل مني " (1).

فالنظر في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أمرت " ألم يكن معلوما أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن الهوى " إن هو إلا وحي يوحى "، فهذه الواقعة عبرة لمن يعتبر ولقد جاء هذا الحدث ليعلمنا من أين نأخذ ديننا " إلا أنا أو رجل مني ".

____________

(1) الخصائص للنسائي: 25.

جامع الأصول من أحاديث الرسول: 9: 475 / 6496 الترجمة من تاريخ ابن عساكر - 2:

376 - 391.

مجمع الزوائد: 9: 119.

تاربخ اليعقوبي: 2: 76.

تفسير الطبري: 10 / 46.

المناقب: للخوارزمي: 106.

مسند أحمد بن حنبل: 1: 3، 331 و 3: 212 و 4: 164، 165 في كتاب فضائل الصحابة.

الحاكم في المستدرك: 3: 132 - 134.

ابن حجر في الإصابة: 4 / 270.

البداية والنهاية: لابن كثير: 7 / 350 وأصحاب المناقب.


الصفحة 110

فصل (4)
سكوت الإمام عن حقه
وعدم محاربة الخلفاء الثلاثة

فأقول للدكتور البوطي:

بعد أن بينت لك الأدلة القاطعة من القرآن والسنة النبوية على خلافة أمير المؤمنين، لا بد لي وأن أوضح لحضرتك سبب سكوت الإمام وعدم محاربة أو مقاتلة الخلفاء الذين تقدموا عليه.

فأقول: إن هذا السؤال الذي تطرحه للطلبة في محاضرتك في جامعة دمشق ليس جديدا بطرحه، وإنما هذا السؤال المطروح من قبل حضرتكم أكل الزمان عليه وشرب. لقد طرح هذا السؤال على الإمام (عليه السلام) منذ عصره فأول من سأل الإمام (عليه السلام) هذا السؤال هو الأشعث بن قيس حيث إنه قال للإمام (عليه السلام): ما منعك يا ابن أبي طالب حين بويع أخو بني تيم وأخو بني عدي وأخو بني أمية أن تقاتل وتضرب بسيفك، وأنت لم تخطبنا مذ قدمت العراق إلا قلت قبل أن تنزل عن المنبر، والله إني لأولى الناس وما زلت مظلوما مذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال (عليه السلام): يا ابن قيس لم يمنعني من ذلك الجبن ولا كراهية لقاء ربي ولكن منعني من ذلك أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعهده إلي. أخبرني بما الأمة صانعة بعده، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي ستغدر بك الأمة من بعدي...

فقلت يا رسول الله فما تعهد إلي إذا كان كذلك..؟

فقال: إن وجدت أعوانا فانبذ إليهم وجاهدهم. وإن لم تجد أعوانا

الصفحة 111
فكف يدك واحقن دمك حتى تجد على إقامة الدين وكتاب الله وسنتي أعوانا (1).

وهذا الذي اتبعه علي (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما بينا.

وفي رواية أخرى عن أبي عثمان النهدي عن علي (عليه السلام) قال: أخذ علي يحدثنا إلى أن قال: جذبني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبكى فقلت: يا رسول الله ما يبكيك..؟ قال: ضغائن في صدور قوم لن يبدوها لك إلا بعدي فقلت: بسلامة من ديني؟ قال نعم بسلامة من دينك (2).

لاحظ أخي القارئ نفس السؤال يتكرر في عصر الإمام الرضا (عليه السلام) الإمام الثامن لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) فيسأل نفس السؤال فيقال له: لم لم يجاهد علي أعداءه خمسا وعشرين سنة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم جاهد في أيام ولايته؟ فأجابهم: لأنه اقتدى برسول الله في تركه جهاد المشركين بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة تسعة عشر شهرا.

وذلك لقلة أعوانه عليهم وكذلك ترك علي مجاهدة أعدائه لقلة أعوانه عليهم " ومن هذا القبيل أدلة كثيرة.

فحسبك في جوابه قوله (عليه السلام) فيما تضافر عنه نقله أدلة كثيرة (3).

وغيره من مؤرخي أهل السنة، حيث يقول (عليه السلام):

" لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله تعالى على أولياء الأمر، أن لا يقاروا على كظة ظالم، أو سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها... ".

وأنتم ترون أن قوله (عليه السلام) هذا صريح في أنه (عليه السلام) إنما ترك جهاد المتقدمين عليه لعدم وجود الناصر وجاهد الناكثين، والقاسطين، والمارقين لوجود الأنصار والدليل الآخر:

____________

(1) شرح الذهبي في البلاغة للتستري: ج 4 ص 519.

(2) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج 13 ص 398.

ما نقله لنا ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة.


الصفحة 112
أنظر كتاب معاوية المشهور إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:

وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار. ويداك في يد ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر. فلم تدع من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك وأدليت إليهم بابنيك. فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة.

ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك. لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم (1).

فإذا الإمام كان وحيدا فكيف يقاتل أمة لوحده.

وإليك ما ذكره ابن قتيبة.

(وحمل أمير المؤمنين الزهراء والحسنين ليلا مستنصرا بوجوه القوم فلم ينصروه) (2).

وكم قال (عليه السلام): فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت. وأغضيت على القذى وشربت على الشجى وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمر من طعم العلقم.

وقال أيضا: لا يعاب المرء بتأخير حقه. إنما يعاب من أخذ ما ليس له.

لكن الإمام ترك جهاد المتقدمين عليه لقلة وجود الناصر فصبر لكن الإمام أعطى الجواب القاطع لحضرة الدكتور وكل من يتسائل لم لم ينازع علي (عليه السلام) الخلفاء الثلاثة (رض) كما نازع طلحة والزبير ومعاوية وإليك أيها الدكتور قوله (عليه السلام).

" إن لي بسبعة من الأنبياء أسوة:

الأول: نوح (عليه السلام) قال الله تعالى مخبرا عنه في سورة القمر (3):

____________

(1) رواه نصر بن مزاحم في تاريخ صفين - شرح النهج ج 1 ص 327.

(2) الإمامة والسياسة 130 والنهج ج 3 ص 5.

(3) سورة القمر: الآية 10.


الصفحة 113
فدعا ربه (ربي أني مغلوب فانتصر) فإن قلت لي حضرة الدكتور لم يكن مغلوبا فقد كذبت القرآن وإن قلت لي كان مغلوبا كذلك فعلي (عليه السلام) أعذر.

الثاني: إبراهيم الخليل (عليه السلام) حيث حكى الله تعالى عنه قوله:

(وأعتزلكم وما تدعون من دون الله) (1) فإن قلت لي اعتزلهم من غير مكروه، فقد كفرت وإن قلت لي رأى المكروه فاعتزلهم فعلي (عليه السلام) أعذر.

الثالث: ابن خالة إبراهيم نبي الله تعالى لوط (عليه السلام) إذ قال لقومه على ما حكاه الله تعالى: (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) (2) فإن قلت لي كان له بهم قوة فقد كذبت القرآن وإن قلت إنه ما كان له بهم قوة فعلي (عليه السلام) أعذر.

الرابع: نبي الله يوسف (عليه السلام) فقد حكى الله تعالى عنه قوله: (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) (3).

فإن قلت لي إنه دعي إلى غير مكروه يسخط الله تعالى فقد كفرت، وإن قلت إنه دعي إلى ما يسخط الله فاختار السجن فعلي (عليه السلام) أعذر.

الخامس: كليم الله موسى بن عمران (عليه السلام) إذ يقول على ما ذكره الله تعالى عنه: (ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي رب حكما وجعلني من المرسلين) (4) فإن قلت لي إنه فر منهم من غير خوف فقد كذبت القرآن وإن قلت فر منهم خوفا فعلي (عليه السلام) أعذر.

السادس: نبي الله هارون بن عمران (عليه السلام) إذ يقول على ما حكاه الله تعالى عنه: (يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) (5) فإن قلت لي: إنهم ما استضعفوه فقد كذبت القرآن وإن قلت: إنهم استضعفوه

____________

(1) سورة مريم: الآية 48.

(2) سورة هود: الآية 81.

(3) سورة يوسف: الآية 33.

(4) سورة الشعراء: الآية 21.

(5) سورة الأعراف: الآية 150.