وهو كلام فيه وهن وسفاهة إذ يعتبر أن موقف معاوية وجرائمه هي مجرد رأي..
أما موقف ابن عمر الذي بايع حسما للفتنة - كما يروى - فكأنه يشير إلى أن هناكم ثقل ووزن جماهيري لابن عمر يخشى منه الدخول في صدام مع معاوية وهو غير صحيح وكل ما في الأمر أن شخصية ابن عمر كانت شخصية سلبية وعاجزة عن اتخاذ القرار المناسب في مواجهة الواقع وهو ما يظهر لنا من خلال علاقته بزوجته المشاكسة التي لم يكن يقوى على طليقها. كما كانت شخصية ابن عمر شخصية قشرية مسطحة ليس لها إلا ظاهر الأمر وهو ما يتضح من خلال تشدده في اللباس (تقصير ثوبه) واللحية وقيام الليل والمبالغة في الوضوء حيث كان يتعمد إدخال الماء في عينيه حتى ذهب بصره. وشخصية كهذه لا شأن لها بالسياسة والحكم وهو ما يفسر لنا تمسكه بظاهر الروايات الخاصة بالحكام وتطبيقها على بني أمية..
يروى: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية (عام 63 هـ) جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي (ص) يقول: " ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة وإنا قد بايعنا هذا الرجل - يزيد - على بيع الله ورسوله وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال. وإني لا أعلم أحد منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر - أي غير يزيد - إلا كان الفيصل بيني وبينه " (1)..
ووقت هذه الرواية هو يوم وقعة الحرة حين اقتحمت جيوش يزيد المدينة واستباحتها ثلاثة أيام حتى لم تبق في المدينة عذراء واحدة وحملت أكثر من ألف امرأة سفاحا وأسرفوا في القتل ثم أجبروا أهلها على البيعة ليزيد على أنهم عبيد له (2)..
____________
(1) البخاري كتاب الفتن..
(2) أنظر كتب التاريخ أحداث وقعة الحرة.. وانظر فتح الباري ح 13 / 59 كتاب الفتن..
ولكن هل غفل ابن عمر عن النصوص الصريحة التي جاءت على لسان الرسول (ص) والتي تحرم انتهاك المدينة (1)..؟
إن مثل هذا الموقف من ابن عمر يكشف لنا مدى جنبه وانهزاميته..
وإن تعلقه برواية الغدر يكشف لنا مدى قشريته وفهمه السطحي للنص..
ولقد استمر ابن عمر على موقفه الانهزامي المداهن للحكام حتى عصر الحجاج سفاح الأمة والذي كان يصلي وراءه. وليس هناك أكثر من الصلاة وراء مجرم كالحجاج كدليل على جبن هذا الرجل وسفاهته. ولا يقال إن موقف ابن عمر هذا من باب حسم الفتنة وتوحيد الكلمة فالحجاج لم يكن إلا ذنب من أذناب بني أمية ولم يكن إمام المسلمين..
هل بعد هذا كله يجوز أن نضع مثل هذا القشري الجبان قدوة لنا نتلقى منه الدين وعلم الرسول؟
والإجابة بالطبع لا. ولكنها السياسة والفقهاء الذين استنبطوا من صلاته وراء
____________
(1) يروى عن الرسول (ص) قوله: " من حمل علينا السلاح فليس منا ". (البخاري كتاب الفتن ومسلم كتاب الإيمان) ويروى عنه (ص) " آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار " (مسلم والبخاري وكتاب الإيمان)..
ويروى عنه (ص): " لا يكيد أهل المدينة أحد إلا إنماع كما ينماع الملح في الماء " (مسلم كتاب الحج والبخاري كتاب فضائل المدينة).
ويروى عنه (ص) " من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (مسلم كتاب الحج والبخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة).
وإذا كان ابن عمر قد غفل عن هذه الروايات فهو جاهل.
وإذا كان يعلم بها ولم يتخذ موقفا فهو جبان.
والأمر الثاني هو الأرجح بالطبع..
ويروى أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يجلس في ظل الكعبة والناس مجتمعون حوله فقال:.. من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر. فدنا منه أحد السامعين وقال له:
أنشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله (ص) فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال سمعته أذناي ووعاه قلبي. فقال له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا والله يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) قال فسكت ساعة ثم قال - أي ابن عمرو - أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله (2)..
يقول الفقهاء: أمقصود بهذا الكلام أن هذا القائل لما سمع كلام عبد الله بن عمرو وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة الأول وأن الثاني يقتل أعتقد أن هذا الوصف في معاوية لمنازعته عليا وكانت قد سبقت بيعت علي فرأى هذا أن نفقة معاوية على أجناده وأتباعه في حرب علي ومنازعته ومقاتلته إياه من أكل المال بالباطل ومن قتل النفس لأنه قتال بغير حق. وقوله أطعه في طاعة الله واعصه..
الخ. فيه دليل لوجوب طاعة المتولين للإمامة بالقهر من غير إجماع ولا عهد. كذا قال النووي وقيل يشكل قول عبد الله هذا مع وجود علي وانعقاد الخلافة له بأهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار يريد بذلك الإشارة إلى ما نفس الحديث من قوله فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر إلى ما جاء في الحديث الآخر من وجوب الوفاء ببيعة الأول وقد كان علي هو الأول فكيف يأمر بطاعة من خرج عليه
____________
(1) أنظر كتب عقائد أهل السنة مثل العقيدة الطحاوية والعقيدة الواسطية وعقيدة أهل السنة لابن حنبل. وأصول أهل السنة للأشعري وغيرها من كعب العقائد..
(2) مسلم. كتاب الإمارة. باب الوفاء ببيعة الخلفاء..
وقد لخص السيوطي تاريخ الخلفاء في كتاب من أبي بكر حتى خلفاء بني العباس الذين كانت خلافتهم جرد صورة وواجهة لحكم المماليك العبيد في مصر..
يقول السيوطي عن كتابه: ولم أورد أحدا ممن ادعى الخلافة خروجا ولم يتم الأمر له ككثير من العلويين وقليل من العباسيين ولم أورد أحدا من الخلفاء العبيديين - الفاطميين - لأن إمامتهم غير صحيحة (2)..
ومل يمكن قوله حول كتاب السيوطي هذا هو أنه قدم لنا خدمة كبيرة بجمعه كل هذه الروايات عن الحكام وأحكامهم وهي كافية للدلالة على انحرافهم وفساد حكمهم وعدم جدارتهم بتولي أمر المسلمين (3)..
ومثل هذه النتيجة التي نخرج بها من تاريخ الحكام تضعنا بين أمرين:
إما أن نقر بصحة هذه الروايات الواردة على لسان الرسول عنهم وبالتالي نتهمه بالظلم وإضفاء الشرعية على الفساد..
وإما أن نقر بأن هذه الروايات باطلة أو قصد بها أناس صالحون وتم تحريفها..
والأمر الثاني هو المختار بالطبع..
أما أقوال الفقهاء وتبريراتهم لهذه الروايات فقد أكدت لنا أن هؤلاء الفقهاء وقعوا في فخ السياسة ودانوا لها وعاشوا في خدمتها وبدلا من أن يدافعوا عن الرسول (ص) بنقض هذه الروايات الواضح بطلانها ومخالفتها للقرآن وروح الدين
____________
(1) مسلم. كتاب الإمارة. هامش باب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول..
(2) مقدمة تاريخ الخلفاء..
(3) ألقى كتاب السيوطي الضوء على حالات السكر والعربدة والزنا والشذوذ الجنسي وحتى الإلحاد والاستهانة بالإسلام من خلال عرضه لتاريخ الحكام الأمويين والعباسيين..
____________
(1) أنظر كتاب العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي. وهو يحوي كم هائل من التبريرات لسلوك ومواقف الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان ثم معاوية وولده..
وانظر كتب العقائد..
الرسول المتطرف..
الرسول يبشر بالدم ويهدد المسلمين ويمنح الحكام شرعية ذبح الخارجين عليهم.. |
هذا ما جاءت به الروايات..
هل جاء الرسول ليهدد أهل الكتاب ويعزلهم عن المجتمع ويحط من قدرهم..؟
هذا ما جاءت به الروايات..
هل جاء الرسول لنصرة الحكام ومنحهم شرعية ذبح المخالفين لهم والخارجين عليهم..؟
هذا ما تصوره الروايات..
لقد أظهرت الروايات والتبريرات الفقهاء لها الرسول بمظهر التطرف والعدوانية على المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى..
وكان أن استثمرت القوى الحاكمة هذه الروايات وتبريرات الفقهاء لها في قمع المسلمين وإراقة الدماء وزرع الطائفية في المجتمع الواحد. كما استثمرها أعداء الإسلام في حملتهم الشعواء ضد هذا الدين الذي وصفوه بالدموية والتعصيب..
وجاءت الحركة الوهابية الحنبلية في العصر الحديث لتؤكد هذا المفهوم حيث تبنت جميع الروايات المتطرفة المنسوبة للرسول (ص) وأعملت السيف في رقاب المسلمين وتمكنت من إقامة دولة شعارها السيف لا الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة..
وبدعم من الحركة الوهابية تم زرع التطرف في ربوع العالم الإسلامي عن طريق شراء الرموز والمؤسسات والتيارات الإسلامية التي تشبعت بالفكر الوهابي وقامت بنشر الارهاب الفكري وإراقة دماء المخالفين وزرع بذور الشقاق بين المسلمين..
وعاش أصحاب الفكر والرأي في خوف من فرعون وملائه بعد أن أصبح الرأي المخالف مجرما ومناهضا للحكم القائم ومبررا للبطش والتنكيل..
- ضد المسلمين:
يروى عن الرسول (ص) قوله: " بعث بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له. وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم " (1)..
قال ابن رجب الحنبلي: والذي يظهر أن في القرآن أربعة سيوف. سيف على المشركين حتى يسلموا أو يؤسروا فإما منا بعد وإما فداء وسيف على المنافقين وهو سيف الزنادقة. وقد أمر الله بجهادهم والاغلاظ عليهم في سورة براءة وسورة التحريم وآخر سورة الأحزاب. وسيف على أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية. وسيف على أهل البغي وهو مذكور في سورة الحجرات ولم يسل (ص) هذا السيف في حياته (2)..
ويبدو من كلام ابن رجب أنه استند إلى القرآن لدعم موقفه من هذه الرواية المتطرفة المنسوبة للرسول. وهذه نادرة من نوادر الفقهاء إذ أنهم لا يلجأون إلى القرآن ليدعموا به الروايات فهم قد استغنوا بها عن القرآن..
إلا أن هذه الرواية تفوح منا رائحة السياسة واستناد ابن رجب إلى القرآن استناد في غير موضعه وهو لا يخرج عن كونه محاولة لتسييس النص القرآني فهذه السيوف الأربعة التي ذكرها إنما هي سيوف خاصة بالرسول وهو المختار من قبل الله سبحانه لتطبيق أحكامه. وهو الشخصية الوحيدة التي سوف تغمد هذا السيف في موضعه. فإن أحكام الدماء لا يؤتمن عليها إلا الرسول..
____________
(1) رواه أحمد والطبراني. أنظر الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي (ص) " بعث بالسيف بين يدي الساعة لابن رجب الحنبلي ".
(2) أنظر الحكم الجديرة بالإذاعة..
ومن هنا فإن هذه السيوف الأربعة التي ذكرها ابن رجب هي من صلاحيات الحكام أو من أطلقوا عليهم لفظ الأئمة زورا وبهتانا لكي يضلوا الأمة عن الأئمة الحقيقيين الذين أشار إليهم الرسول (ص)..
ومن هنا أيضا أعملت السيوف في رقاب المسلمين من قبل الحكام بتهمة الزندقة تارة والبغي تارة والخروج على جماعة المسلمين تارة أخرى..
قال النووي: الزنديق هو الذي يعترف بالدين ظاهرا وباطنا. لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة (1)..
إن الفقهاء قد عبدوا الأمة للرجال وعلى رأسهم الحكام الذين منحوهم شرعية تصفية الخارجين عن هذا الخط بتهمة الزندقة..
ولأن الأمة من بعد الرسول لم تلتزم بوصيته وتتبع الأئمة الذين أشار إليهم فمن ثم هي قد وقعت في براثن الحكام الذين أحلوا أنفسهم مكان الأئمة وحملوا السيوف ليضعوها في غير موضعها..
والفقهاء يريدون منا أن نساير هذا الوضع ونقره..
يريدون منا أن نقر تلك المجازر الوحشية التي ارتكبها الحكام باسم الإسلام تحت شعار الجهاد في سبيل الله..
يريدون منا أن نقر تلك المذابح التي قام بها هؤلاء الحكام ضد المسلمين باسم البغي والخروج على جماعة المسلمين..
يريدون منا أن نقر عمليات التصفية الجسدية والإطاحة برقاب أصحاب الرأي تحت شعار الزندقة..
____________
(1) المرع السابق..
وهو ثانيا الشخص الوحيد الذي بشر به الرسول (ص) كشاهر للسيف في مواجهة أهل القبلة. فهو قاتل عائشة وطلحة والزبير وغيرهم.. ثم قاتل الخوارج من بعدهم. ثم قاتل معاوية من بعد ذلك (1)..
ونظرة إلى حركة الإمام علي وكيفية تطبيقه لأحكام السيف يتبين لنا أنه لا فرق بين تطبيقه وتطبيق الرسول..
يتبين لنا أنه لم يكن يقاتل لغرض القتال وإنما لغرض الدفاع..
ويتبين لنا أنه كان يقاتل بخلق الإسلام لا بخلق الحكام..
يتبين لنا ذلك بوضوح إذا ما نظرنا إلى الجبهات الأخرى التي كانت تواجهه والتي كانت تقاتل من أجل الدنيا..
فهو قد رد عائشة آمنة مطمئنة إلى بيتها ما ارتكبته من جرائم وما تسببت فيه من مفاسد وإراقة دماء المسلمين..
وهو لم يقاتل الخوارج لأنهم قد خرجوا عليه وخالفوا نهجه وإنما قاتلهم عندما رفعوا شعار التكفير واستحلوا أموال المسلمين ودمائهم..
وهو لم يقاتل معاوية من أجل الحكم وإنما قاتل معاوية دفاعا عن الإسلام الذي جاء معاوية لهدمه وتزييفه..
يروى أن رجلا قال لعبد الله بن عمر: ألا تغزو. فقال: إني سمعت رسول الله (ص) يقول: " إن الإسلام بني على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت " (2)..
وابن عمر هو فقيه الصحابة الذي يعتمد القوم على رواياته لم يكن له دور فيما سمي بحركة الفتوحات وهذا الموقف من قبله يضعنا بين أمرين:
____________
(1) أنظر تفاصيل هذه المعارك في كتب التاريخ.. وانظر الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي. والعواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي. وانظر لنا السيف والسياسة (2) مسلم. كتاب الإيمان..
الثاني: أن يكون جبانا لا يقوى على القتال..
ونحن نرجح الأمرين معا..
يروى أن رسول الله (ص) رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه.
وقال: " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ". فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله. خذ خاتمك فانتفع به. قال: لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله (1)..
قال الفقهاء: قوله فنزعه فطرحه. وهذا أبلغ في باب الانكار. ولذا قدمه (ص) في قوله: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ". وقال النووي: فيه إزالة المنكر باليد لمن قدر عليها. وقيل: نزع الخاتم من يده وطرحه دليل على غضب عظيم وتهديد شديد وفيه أن النهي للتحريم المتوعد عليه بالنار وقول صاحبه لا آخذه مبالغة في اجتناب النهي إذ لو أخذه لجاز ولكن تركه تورعا لمن يأخذه من الضعفاء لأنه نهاه عن لبسه خاصة لا عن التصرف فيه بغير اللبس (2)..
إن الفقهاء لم يتطرقوا إلى هذا السلوك الذي بدر من الرسول (ص) وكونه لا يتلاءم مع خلقه العظيم فهو لا يخرج عن كونه تصرف شائن ومعالجة متطرفة لسلوك فرد لا يصطدم بجوهر الدين. وهو يتناقض مع دعوة الرسول إلى الرفق واللين والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة التي نص عليها القرآن... وكل ما يعني الفقهاء هو تبرير هذا السلوك ثم استنباط أحكام تشريعية منه. دون إعمال العقل في الرواية والعمل على مطابقتها بالقرآن...
ومثل هذا التبرير هو الذي خلق التيارات المتطرفة في تاريخ المسلمين وعلى رأسها تيار الحنابلة الذي يتعبد بالروايات ويقدمها على القرآن وعلى العقل حتى ولو كانت ضعيفة ومشكوك في صحتها سندا..
____________
(1) مسلم. كتاب اللباس والزينة..
(2) مسلم. هامش باب في طرح خاتم الذهب. كتاب اللباس والزينة.
ويروى عن ابن هريرة أن الرسول (ص) قال: " لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار " (1)..
وفي رواية أخرى: " ثم تحرق بيوت على من فيها " (2)..
قال الفقهاء: المراد أناس مفقودين بعض من المنافقين فإنه لا يظن بالمؤمنين أنهم يؤثرون العظم السمين على حضور الجماعة مع سيد المرسلين.. وقيل هذا مختص بزمانه (ص) لأنه لم يتخلف عن الجمعة في ذلك الوقت إلا منافق ويحتمل أن يحصل عاما فيكون تشديدا على تاركي الجمعة بغير عذر وتنبيها على عظم إثمهم (3)..
وكلام الفقهاء هذا فيه إدانة للرسول (ص) فهو قد هم بإحراق بيوت تاركي الصلاة بمن فيها من الأطفال والشيوخ والنساء. وهذا حكم لا يوجد ما يبرره شرعا لا في القرآن ولا في الروايات. فضلا عن كونه يتسم بالوحشية والهمجية التي تضع الرسول في موضع طغاة القرون الوسطى ورجال محاكم التفتيش الذين كانوا يحرقون المخالفين أحياء وعلى الملأ. وإذا كان قتل الشيوخ والأطفال والنساء وحرق الأشجار والبيوت والزرع لا يجوز في زمن الحرب على المشركين وهو ما نصت عليه الروايات التي يتعبد بها القوم. فهل يجوز إحراق المسلمين وفي زمن السلم (4)..؟
____________
(1) مسلم. كتاب المساجد. باب فضل صلاة الجماعة والتشدد في التخلي عنها. وانظر أبو داود كتاب الصلاة.
(2) المرجع السابق..
(3) مسلم. هامش الباب السابق..
(4) أنظر أبواب الجهاد في كتب السنن..
وهذا التصور إنما هو نابع من عدة روايات منسوبة للرسول بخصوص الصلاة وهي روايات لا تخرج عن موضوع الباب..
يروى عن الرسول (ص) قوله: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان " (1)..
ويروى عن الرسول (ص) قوله: " إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (2)..
ويروى عن أبي هريرة أن الرسول (ص) قال: " إن أول ما يحاسب به العبد بصلاته. فإن صلحت فقد أفلح وأنجح. وإن فسدت فقد خاب وخسر " (3).
ومن هنا أفتى ابن حنبل بكفر تارك الصلاة وعدم جواز دفنه في مقابر المسلمين. وقال آخر يحتمل أن يكون المراد بهذا الكفر كفرا يبيح الدم لا كفرا يرده إلى ما كان عليه في الابتداء. وقيل إن المقصود بالكفر من تركها جحودا (4)..
وكون أن الصلاة من أركان الإسلام الخمس أو أنها الفيصل بين الإسلام والكفر أو أنها وسيلة صلاح العمل والنجاة في الآخرة فجميع ذلك هو من اخترع السياسة كي تتجه الأمة نحو الصلاة وتعتقد أن فيها خلاصها وتهمل جوهر الدين وتصبح أداة طيعة للحكام الذين يقيمون الصلاة أيضا ما دامت هي وسيلة إخضاع الأمة لهم وإلزامها بطاعتهم (5)..
____________
(1) مسلم. كتاب الإيمان..
(2) النسائي. كتاب الصلاة..
(3) المرجع السابق..
(4) النسائي. هامش باب المحاسبة على الصلاة. شرح السيوطي وحاشية السندي.
(5) أنظر لنا كتاب: أحاديث نبوية اخترعتها السياسة.
- ضد أهل الكتاب:
يروى عن الرسول (ص) قوله: " لا تبدؤهم - أي أهل الكتاب - بالسلام.
وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيع الطريق " (1).
ويروى عنه (ص): " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم " (2)..
ويروى جاء يهودي إلى النبي (ص) فقال: يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك. فقال: " من "؟ قال: رجل من الأنصار. قال: " ادعوه ". فقال:
" أضربته ". قال سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر. قلت:
أي خبيث. على محمد. فأخذتني غضبة ضربت وجهه. فقال النبي: " لا تخيروا بين الأنبياء " (3)..
ومثل هذه الروايات وغيرها إنما تقوي نزعة العداء في نفوس المسلمين تجاه أهل الكتاب وأصحاب الديانات الأخرى الذين يشاركونهم العيش في أوطانهم.
فمن ثم فهي تخلق الصراعات الطائفية التي تحول دون استقرار المجتمع الذي يحوي ديانات أخرى بجوار المسلمين..
ولقد أسهم الفقهاء بتبريراتهم وتأويلاتهم خاصة الحنابلة منهم في دفع المسلمين إلى معاداة أصحاب الديانات الأخرى والنظر إليهم كمواطنين من الدرجة الثانية. ومثل هذه النظرة إنما تنبع من ذلك الكم الهائل من الروايات التي تصور أهل السنة وكأنهم شعب الله المختار (4)..
ومن خلال الرواية الأولى تبدأ عملية التعبئة المعنوية ضد أهل الكتاب وتأسيس الموقف النفسي منهم ثم تجاوز ذلك إلى العمل على التضييق عليهم في الطرقات. وهو سلوك لا يتسم بالعقلانية والخلق الحسن الذي نادى به الإسلام..
والنتيجة ذاتها يمكن أن نخرج بها من خلال الرواية الثانية..
____________
(1) أبو داود. كتاب الأدب. باب السلام على أهل الذمة..
(2) مسلم. كتاب السلام..
(3) البخاري كتاب الخصومات. ومسلم كتاب الفضائل..
(4) أنظر لنا كتاب أهل السنة شعب الله المختار..