الصفحة 25
في البلدان النائية من مركز الاسلام وهاجروا الى الأماكن التي يصعب اليها الوصول خوفا من الخلافة الأموية والعباسية وحفاظا على الدين والأنفس. والسيد محمد الديباج بن الامام جعفر الصادق عليه السلام هاجر الى بلاد العجم ثم من بعده هاجر ابنه السيد علي الى جزيرة سومطراء وتزوج بإحدى نسائها. وسنعود الى هذا البحث عند ما نتحدث عن الشيعة في اندونسيا ان شاء الله تعالى.

ثم وقعت في هذه المملكة المنازعات المذهبية بين الشيعة واهل السنة حتى تمّ الإنهزام لحكومة آل السيد عبد العزيز وتولّى من بعدهم حكّام اخرون من اهل السنة والجماعة. واليكم اسماء الملوك من آل السيد عبد العزيز ومدة حكومتهم:

1- السلطان علاء الدين السيد مولانا عبد العزيز شاه سنة 225- 249 هجرية /840- 846 ميلادية.

2- السلطان علاء الدين السيد مولانا عبد الرحيم شاه سنة 249- 285 /864- 888 ميلادية.

3- السلطان علاء الدين السيد مولانا عباس شاه سنة 285-300 هجرية / 888- 913 ميلادية.

4- السلطان علاء الدين السيد مولانا علي مغيّاة شاه سنة 302- 305 هجرية / 915- 918 ميلادية.

واما ملوك " برلاك " من اهل السنة فكالتّالي:


الصفحة 26
1- السلطان مخدوم علاء الدين ملك عبد القادر شاه جهان بردولت سنة 928-932 ميلادية.

2- السلطان مخدوم علاء الدين ملك محمد امين شاه جهان بردولت سنة 932-956 ميلادية.

3- السلطان مخدوم علاء الدين عبد الملك شاه جهان بردولت سنة 956- 983 ميلادية.

ب- مملكة " باساي " (Pasei)

ثم قامت مملكة " باساي " التي استمرّت من سنة 1261- 1496 ميلادية. واشهر ملوكها الملك الصالح (1261-1289) الذي ينتهي نسبه الى ملوك مملكة " برلاك " الثانية السنية , والسلطان احمد بهيان شاه ملك الزاهر (1326- 1345 ميلادية). وقد كان أثناء حكومته جاء الى " باساي " السائح الشهير إبن بطوطة.

تعتبر مملكة " باساي " آنذاك مركزا اسلاميا في جنوب شرق آسيا و تلعب دورا مهما في نشر الاسلام الى كافة جزر اندونسية مثل كلمنتان وسولاويسي وجاوى.


الصفحة 27

ج- مملكة " سياك " (Siak)

قامت هذه المملكة قبل مجيئ الاسلام الي هذه المنطقة وهي بعد لم يزل سكانها على الوثنية ثم جاء الهندوس والبوذا فظلّت المملكة تتّسم بالهندوس والبوذا، وآثار الوثنية والهندوس والبوذا لاتزال باقية فيها الى يومنا هذا. اما دين الاسلام فدخل الى " سياك " تقريبا في القرن الثاني عشر الميلادي, ثم مع مرور الزمان وانتشار الاسلام فيها أسلم ملك " سياك " فتحوّلت مملكة " سياك " الهندوسية-البوذية الى مملكة اسلامية حتى مابعد استقلال اندونسيا من ربقة القوة الاستعمارية الهولندية.

وفي عهد الاحتلال الأوربّي على المناطق الاندونسية قام اهلها بمناضلة القوة الاستعمارية التي مثّلتها بورتغال وهولندا فهي بالتالي من بين المناطق الاندونسية التي لم تخضع للاستعمار. ثم إثر اعلان استقلال اندونسيا من هولندا سنة 1945 الميلادية فوّض سلطان " سياك " وهو سلطان شريف قاسم الثاني حكومته الى اندونسيا كدولة جديدة معترفة دوليّا للانضمام معها(17).

دخول الاسلام وانتشاره في جزيرة جاوى

بعد ان استتبّ الاسلام وتقوّت المملكة الاسلامية في Pasei (1261-1497) واعتبرت هي مركزا اسلاميا حيث بعث

____________

(17) Muhammad Syamsu, Ulama pembawa Islam di Indonesia dan Sekitarnya,22.

الصفحة 28
منها الدعاة المبلغون الى الجزر الاندونسية منها جزيرة جاوى، شرع يتّسع نفوذ الاسلام الى المناطق التي وقعت تحت حكومة الهندوسية والبوذية ويشعّ نوره آفاق العالم الاندونسي الرحب.و حسب ما وصل الى بعض المحققين أن دخول الاسلام في جاوى حصل في اوائل القرن العاشر الميلادي مستندين على اكتشافهم من الخط الحجري المنقوش من على مقبرة فاطمة بنت ميمون في Leran من مناطق جاوى الشرقية حيث كتب فيها سنة ولادتها (او وفاتها) وهي سنة 475 الهجرية (1082 الميلادية)(18)، الا ان انتشاره الواسع الملحوظ كان بعد مجيئ الدعاة الذين عرفوا بالأولياء التسعة (Walisongo) في القرن الثالث عشر وما بعده.

الأولياء التسعة

لم يختلف رأسان في اندونسيا ان لهولأء الأولياء التسعة اليد الطولى في نشر الاسلام في جزيرة جاوى، واليكم أسماء هؤلأء الأولياء:

1- مولانا ملك ابراهيم وهو اول داعية اسلامية جاء الى جاوى ولم يعرف بالتحديد سنة مجيئه الى جاوى الا انه توفي في 12 ربيع الاول 882 (او 822(19) هجرية) او 1419 ميلادية ويفرض انه اقام في مدينة Gresik التابعة لجاوى

____________

(18) Sejarah Islam di Indonesia 89.

(19) H.J. De Graaf & TH. Pigeaud, Kerajaan Islam Pertama di Jawa, 22.

الصفحة 29
لمدة عشرين سنة(20). يقول المحقق منهاج الأفكار ان مولانا ملك ابراهيم كان في اول امره ذهب لمواجهة ملك Majapahit ودعاه الى الاسلام ولم يجب الملك دعوته الا انه اجاز له للإقامة في جاوى بل وهبه ارضا في قرية Gapura الواقعة في مدينة Gresik ليجعله مركز دعوته(21).

2- Sunan Ampel واسمه احمد رحمة الله وله قرابة قريبة مع ملك Majapahit. ذلك لأن زوجة الملك ليست الا خالته المسماة بPutri Darawati وهي بنت ملك Campa في كمبوديا. وكان لهذا الملك بنت اخرى زوّجها للداعي العربي ابراهيم اسمورو بعد اعتناقه للاسلام ثم انجب هذا الداعي احمد رحمة الله.فمجيء Sunan Ampel الى جاوى مضافا الى الدعوة ليزور خالته(22). ولمجيئه الى جاوى -بلا شك- تأثير ملموس للدعوة الاسلامية بحيث انه وان لم ينجح في دعوة الملك الى الاسلام قد فوضت اليه حكومة المنطقة الشرقية من مدينة Gresik ثم اسس المدرسة الاسلامية فيها(23).

____________

(20) Muhammad Syamsu, Ulama Pembawa Islam di Indonesia dan Sekitarnya, 39.

(21) Minhajul Afkar, Pertumbuhan Masyarakat Muslim di Sekitar Kerajaan Majapahit dan Peranan Malik Ibrahim di Dalamnya 39-40.

(22) Prof. Hamka, Sejarah Umat Islam IV, 136, Salihin Salam, Sekitar Walisanga 30.

(23) Muhammad Syamsu, Ulama Pembawa Islam di Indonesia dan Sekitarnya 42.


الصفحة 30
3- Sunan Giri ابن مولانا اسحاق الملقب بالسلطان عبد الفقيه. ذكر Thomas W. Arnold انه من مواليد سنة 1365؟(24).

4- Sunan Bonang وهو مولانا ابراهيم بن احمد رحمة الله (Sunan Ampel) عاش في فترة 1465-1525.

5- Sunan Drajat وهو مولانا شريف الدين بن احمد رحمة الله.

6- Sunan Kalijaga وهو مولانا محمد الشهيد. اختلف المؤرخون في نسبه فبعضهم قال انه زوج لإحدى بنات Sunan Ampel وبعضهم قال انه انتسب الى رسول الله (ص) كغيره من العلماء التسعة.

7- Sunan Kudus وهو جعفر الصادق بن Sunan Ampel. قال د. علوي شهاب انه ابن عثمان(25).

8- Sunan Muria وهو مولانا رادين عمر سعيد بن جعفر الصادق.

9- Sunan Gunung Jati وهو مولانا الشريف هداية الله (1448-1568)

____________

(24) نفس المصدر 51.

(25) التصوف الاسلامي وآثاره في التصوف الاندونسي المعاصر 23.

الصفحة 31
بالطبع ان ناشري الاسلام في جاوى لاينحصرون بهؤلاء التسعة فحسب، بل هنالك علماء اخرون أتوا اليها متقدمين عليهم او متزامنين معهم او متأخرين منهم.

مملكة Demak ـ (1513-1549 الميلادية)

ثم وصلت الدعوة الاسلامية في جاوى أوجها بعد انقضاض مركز مملكة Majapahit في سنة 1478 الميلادية ثم قامت على إثرانقضاضها مملكة Demak الاسلامية في اوائل النصف الأول من القرن الخامس عشر الميلادي هنالك العديد من أسباب انقضاض Majapahit كمركز المملكة الهندوسية-البوذية التي يعود بعضها الى المنازعات الداخلية وبعضها الى الامور الخارجية، و نعرض عن ذكرها في هذا الكتاب.

والجدير بالذكر، ان المملكة الهندوسية - البوذية لا تنتهي بانقضاض مملكة Majapahit، بل قامت بعده مملكات هندوسية -بوذية صغيرة تتسلط على بعض المناطق البعيدة من مركز مملكة Majapahit سواء أكانت في جاوى الشرقية او الغربية. ولكنها سرعان ما تلاشت عندما هجم عليها مملكة Demak،وعلى سبيل المثال مملكة Kediri استسلمت الى المسلمين في سنة 1526 الميلادية و مملكة Pasuruan في سنة 1546 الميلادية، كلتاهما في جاوى الشرقية، وفي جاوى الغربية قامت مملكة Pajajaran التي تحالفت مع بورتغال عند ما اشتعلت نار الحرب بينهم وبين

الصفحة 32
المسلمين وغلب عليهم المسلمون تحت زعامة سلطان رادين فتح الله في سنة 1527 الميلادية(26).

لم تدم مملكة Demak متسلطة على جاوى الا مدة قصيرة (36 او 35 سنة). وتفرقت مملكتها الى عدة مملكات صغيرة ومحدودة:كمملكة Jepara ومملكة Cirebon ومملكة Banten وغيرها، مغبّة المنازعات الداخلية والمنافسات لأجل السلطة. وقد نقلت كتب التاريخ القديمة عن اسماء الملوك الذين حكموا على مملكة Demak واختلف كل واحد منها في ذكر اسماءهم الا ان هذا الإختلاف يهدف الى اشخاص متماثلة وهم على أشهر الأقوال:

1- Raden Patah

2- Pangeran Sabrang-Lor

3- Pangeran Tranggana ـ(27)

4- Susuhunan Prawa ـ(28)

ثم ثانية المملكة الاسلامية ذات النفوذ الواسع في جاوى والمناطق الشرقية هي مملكة Mataram التي سيطرت المملكات الاسلامية الأخرى الصغيرة.

____________

(26) Sejarah Nasional Indonesia III: 90-93.

(27) H.J. De Graaf & TH. Pigeaud, Kerajaan Islam Pertama di Jawa, 41-42.

(28) نفس المصدر 85.

الصفحة 33
وأنهي الحديث عن دخول الاسلام وانتشاره في اندونسيا،والحديث عنه بحاجة الى كتاب مستقل ومبسّط لأن الغرض الأصيل والبيت القصيد في هذه الصفحات هو الاطّلاع على الإتّجاهات الاسلامية في اندونسيا. فلنعرض -إذن- عن الحديث عن المملكات الاسلامية في جاوى كما نعرض عن الحديث عن الاسلام ومملكاته في بقية الجزر الإندونسية كجزيرة كلمنتان وسولاويسي ومالوكو.


الصفحة 34

المذهب السائد في اندونسيا
السنة ام الشيعة؟


الصفحة 35

الوضع الديني العام للمسلمين في اندونسيا

لايجد امرء مسلم يتضلع المذاهب الاسلامية ولو يسيرا أي صعوبة في الإجابة على هذا السؤال، فإنه سوف يجيب بملء فمه،وهو على يقين بما يجيب، ان المذهب السائد في اندونسيا هو أهل السنة والجماعة. ولكنه إذا تفحص بالدقة الممارسات والتقاليد الدينيية التي مارسها المسلمون في اندونسيا سوف يتراجع عن إجابته تلك ويبدأ يفكر أن بعض ممارساتهم لم يكن لها اساس ومصدر ديني سنّي من كتب الحديث او كتب الفقه. وهب في ذلك، عقد حفلة مولد الرسول (ص) وذكرى وفيات العلماء البارزين ومجلس الذكر على الميّت ثلاث ليالي متواليات وفي اليوم السابع واليوم الأربعين من بعد موته. وإذا التفت الى كتب الشيعة وتعرّف على ممارساتهم الدينية سوف يحكم ان السائد في اندونسيا ليس مذهبا سنيّا بالمئة بل للشيعة جذور وآثار ملحوظة. وهذا مايدفع الثلة من المراقبين لتاريخ دخول الاسلام في اندونسيا - كالأستاذ ابي بكر أتشيه والسيد ضياء شهاب و الاستاذ عبد الله بن نوح- الى القول بوجود الشيعة في غابر الزمان كما قلت في الاسطر السالفة.


الصفحة 36
على أي حال، وجود آثار الشيعة في اندونسيا أمر لايمكن الإنكار عليه الا ان هذه الآثار صارت تراثا ثقافيا دينيا فحسب. وهذا التراث لا يغيّر الواقع الديني المعاصر السائد والحاكم فيها،فأكثرية المسلمين الساحقة في اندونسيا- بلا شك - أهل السنة والجماعة. و اما الشيعة فليسوا الا الأقلية القليلة المعدودة بما يقلّ عن مائة الف نسمة. وليس هذا العدد بشيئ يذكر اذا قيس بعدد سكان اندونسيا البالغ مائتي مليون نسمة. ولا أعني من اهل السنة والجماعة بمعناه الدقيق في الفقه والكلام بل عبارة عن الذين يمارسون دين الاسلام بحسب ما وصل اليهم من القرآن والحديث المروي من الصحابة. فكل مسلم او طائفة اسلامية متقيدة بالقرآن والحديث المروي عن الصحابة يشملها معنى اهل السنة والجماعة مهما اختلفت اتجاهاتهم في الكلام والفقه.

والملاحظ ان المسلمين في اندونسيا رغم تفيئهم في ظل اهل السنة والجماعة كما نشهده في ممارساتهم واتجاهاتهم الدينية الا انهم ليسوا على وتيرة واحدة في تقيدهم وتمسكهم بأهل السنة والجماعة، فبعض منهم يقلدون الامام الشافعي في الفقه والأشعرية في الكلام وهم مانصطلح عليهم بالتقليديين،وبعض أخر يستنكفون من التقليد الى أئمة مذهب الفقه بل يراجعون الى الكتاب والسنة مباشرة وهم ماسموا انفسهم بالمجددين (سوف نتكلم عن الطائفتين بالتفصيل)، وبعض ثالث يمارسون الدين بحسب ماوصل اليهم من المعلومات الدينية من خلال مطالعاتهم لكتب

الصفحة 37
الحديث والفقه والتفسير ولاينتمون الى الطائفتين المذكورتين، ولكن الأكثرية منهم لايفهمون شيئا عن المذهب الشافعي والأشعري بل لايعرفون مصطلح ومعنى اهل السنة والجماعة اصلا،والذي يهمهم في حفظ كيانهم الاسلامي ان ادّوا الصلاة والصوم وغيرهما تقليدا عن ابائهم وبيئتهم. ونحن لانتكلم هنا عن الاتجاه الفكري الديني للأكثرية لأنهم لااتجاه لهم في الدين ولااهتمام به اصلا فهم اتباع كل ناعق. و انما الكلام ينصبّ في اولئك الذين يرون الدين- جزئيا اوكليا - مبدأ لحياتهم الشخصية والإجتماعية.

وبعد هذه الملاحظة نقول بالتأكيد ان واقع المسلمين الحالي في اندونسيا بشكل عام اهل السنة والجماعة. وهذا الواقع ما نشهده في ممارستهم الدينية حيث انهم في اداء فرائض الدين يطبّقون فتاوى الامام الشافعي او علماء الشافعية او يراجعون الأحاديث مباشرة من كتب علماء اهل السنة، ويتضح ذلك اكثر في المدارس الاسلامية بحيث تدرس فيها كتب الفقه الشافعي - ككتاب فتح الوهاب وفتح القريب والسفينة- وكتب الكلام الأشعري- الماتريدي - ككتاب الدسوقي وعقيدة العوام - وكتب الحديث- ككتاب بلوغ المرام لإبن حجر العسقلاني وصحيحي البخاري ومسلم.


الصفحة 38

الصفحة 39

الاتجاهات الاسلامية في اندونسيا

وآن الكلام عن الإتجاهات الاسلامية التي شكّلت طوائف لها رئاستها و جماعتها و مدارسها و برامجها في حفظ تعاليمها ونشر نفوذها في اوساط الشعب. وبعض هذه الطوائف ظهرت بمظهر جمعية اسلامية امثال جمعية " محمدية " و جمعية " نهضة العلماء " وجمعية " اسلام جماعة " .


الصفحة 40

الاتجاه الديني للحركة التجديدية

جمعية " محمدية " (1912)

تاريخ و خلفية تأسيسها

كما ذكرت سالفا ان نوعية التدين الاسلامي في اندونسيا تتأثر قديما وحديثا بشكل مباشر بالمسلمين في البلاد العربية - الحجاز بالخصوص-. فأيّ نوع من التدين الاسلامي تولد ونشأ في البلاد العربية سوف يصوب ويشبّ في اندونسيا. و هذا ما دل على ان العلاقة العلمية والنفسية بين المسلمين في اندونسيا و البلاد العربية وطيدة منذ احقاب من الزمان الى يومنا هذا بحيث يذهب الى مكة المكرمة او القاهرة او اليمن الجنوبية جلة كثيرة من الطلاب الاندونسيين للتفقه في الدين ثم رجعوا الى اندونسيا للتبليغ والتدريس. وبطبيعة الحال، كل ماأخذوه خلال اقامتهم في البلاد العربية من ثقافاتها وانكبابهم في الدرس ومعاشرتهم مع علمائها بلغوه الى أبناء جنسهم من المسلمين في اندونسيا.

وبناء على ذلك،يمكن القول بالتأكيد ان الإتجاهات الاسلامية في اندونسيا نابعة من منبع عربي او لها جذور علمية ثقافية عربية - مباشرة غير مباشرة، وان كان البعض منها قد تشكلّت بأشكال تخصّ بمعالم الشعب الاندونسي.


الصفحة 41
ثم يجب ان ننطلق الى الحديث عن جمعية " محمدية " (29) من منطلق العلاقة الوطيدة بين الشعب الاندونسي المسلم و الشعب العربي التي الهمت رائدها ومؤسسها العالم احمد دحلان (1868- 1923) لتكريس طموحاته، ومن منطلق الحاجة التي مست الشعب الاندونسي المسلم المحتلّ تحت سلطة قوة الهولندا الى تغيير ثقافي واجتماعي(30).

اما من حيث المنطلق الاول فقد اسّس هذه الجمعية العالم الشهير احمد دحلان في 12 نوفمبر 1912 (8 ذوالحجة 1330)(31) بعد عودته من الحج ومعاشرته العلماء من الشرق الأوسط. قالت احدى الجرائد الاندونسية في تقرير خاص لها عن شخصية هذا العالم تحت العنوان " العالم احمد دحلان عالم مصفّ للتوحيد " . قال هذا المصدر انه كان منذ عنفوان شبابه مولعا بدراسة العلوم الاسلامية وحضر المحاضرات العلمية في مختلف العلوم عند عدة العلماء البارزين في زمانهم في اندونسيا كما في الفقه عند العالم محمد صالح و في اللغة العربية عند العالم محسن وفي علم الفلك عند العالم رادين دحلان وفي علوم الحديث عند العالم محفوظ و الشيخ الخياط وفي علوم القرآن عند الشيخ امين والسيد بكري

____________

(29) في الواقع ان جمعية " محمدية " ليست اولى جمعية اسلامية قامت في اندونسيا بل قد قامت قبلها جمعية " شركت اسلام اسسها في سنة... ثم تحولت الى حزب سياسي الا انها بمرور الزمان يضعف نفوذها وينقرض اتباعها. H.O.S. Cokroaminoto.

(30) Gerak Politik Muhammadiyah dalam Masyumi , Syaifullah 27.

(31) نفس المصدر، مقدمة احمد شافعي معارف.

الصفحة 42
ستوك وفي علم الكلام عند العالم صالح دارت وفي العلوم الطبية عند الشيخ حسن(32).

وفي سنة 1890(33) عند ما ناهز من العمر اثنين وعشرين سنة تشرف لأداء فريضة الحج وفي اثنائه استبدل اسمه القديم محمد درويش باسم جديد احمد دحلان(34). ولسفره هذا تأثير فاعل في رغبته لمواصلة دراسته بمكة المكرمة غير انه في هذه السفرة لم يوفق له البقاء في مكة الا لمدة يعتادها الحجاج. ثم في سنة 1903 ذهب للحج للمرة الثانية واقام في مكة مايربو السنة الواحدة والنصف (او عشرين شهرا كما ذكر في بعض المصادر). فكان عند اقامته فيها لم يسنح لنفسه عبور وقت الا للاستماع الى دروس العلماء المقيمين بمكة نظائر العالم الحاج محفوظ من Pacitan و العالم محترم من Banyumas والشيخ صالح بافضل والشيخ سعيد اليمني والشيخ علي المهري المكي(35). ولم يكتف بالاستماع فقط بل عطشه الى العلم دفعه الى مطالعة مؤلفات العلماء الكبار في عصرهم ككتب احمد بن تيمية ومقالات للسيد جمال الدين الأفغاني و الشيخ محمد عبده ومحمد رشيد رضا و فريد وجدي ورحمة الله الهندي ثم ناقش افكارهم واتجاهات نظرهم الجديدة مع العلماء

____________

(32) Republika, Kamis 31 Januari 2002.

(33) وفي كتاب Gerakan Politik Muhammadiyyah dalam Masyumi 27 انه ذهب للحج سنة 1889.

(34) وجدير بالذكر ان الحجاج الاندونسيين في الغالب بعد اداء مناسك الحج يتركون اسما قديما ويأخذون اسما جديدا سيما اذا كان الاسم القديم ليس اسما اسلاميا وذلك للتبرك ولتجديد كيانه الاسلامي.

(35) K.H. Ahmad Dahlan: Amal dan Perdjoangannja hal.8.

الصفحة 43
الاندونسيين المقيمين في مكة لمدة طويلة كمحمد خطيب من Minangkabau والشيخ نووي البنتاني من Banten والشيخ ماس عبد الله من Surabaya والشيخ فقيه كممبانج من Gresikـ(36) و في اثناء بقاءه في مكة شاهد المشاكسات الدينية بين علماء مكة من مقلدي الامام الشافعي والمالكي وبين الحركة الوهابية التي سندتها قوة آل سعود حيث حسبت الحركة الوهابية وجود الطقوس الدينية السائدة التي خالفت الاسلام و ادعت انها من البدع المستنكرة.

فعند عودته الى وطنه جوكجاكرتا (Jogjakarta)، وقد تأثر احمد دحلان بإتجاهات نظر ابن تيمية والسيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا كما قد تأثر تأثرا بالغا بأفكار محمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية التي تهدف مع مواكبة آل السعود بالقوة الى تجديد او - على أصح التعبير- تصفية بعض الطقوس الدينية التي حسبها مخالفة للاسلام، طمح تحقيق ما اقتناه من تلك الاتجاهات والافكار وحاول من أجل الوصول الى طموحاته بأن أسس المدرسة الدينية الإبتدائية في سنة 1908-1909 (وفي بعض المصادر سنة 1911) في منزله وعلى حساب ماله الشخصي. وكانت هذه المدرسة بمثابة بذرة لتأسيس جمعية " محمدية " .

____________

(36) Gerakan Politik Muhammadiyyah dalam Masyumi hal. 30 dan Republika, Kamis 31 Januari 2002.

الصفحة 44
والملفت للنظر ان هذه المدرسة تعتبر جديدة من نوعها لأنها استخدمت الطريقة و الأجهزة غير المألوفة في زمانها عند المسلمين في اندونسيا كطريقة صفّيات (كلاسات) مع المقاعد والسبورة والاستاذ واقف امام الطلاب، مع ان الطريقة المألوفة في ذلك العصر هي ان يجلس الأستاذ على البلاط والطلاب جالسون اطرافه. وهذه الطريقة بصفتها طريقة جديدة استدعت النقض والاستنكار من قبل التقليديين بأنها مأخوذة من الغرب الكافر، ولكنها مع مرور الزمان صارت شيئا مألوفا تتبعه المدارس الاسلامية الأخرى،وان كان هناك ايضا من المدارس ما تحافظ على الطريقة القديمة الى هذا اليوم.وتدرس في هذه المدرسة المعارف العامة مضافا الى الدروس الاسلامية. ورأى احمد دحلان ان ليس كل ما لدى الغرب غير حسن بل فيهم خيرات نافعة للاسلام والمسلمين.

ثم بدا لي ان الخّص من هذا المنطلق ان العديد من اساتذة احمد دحلان كانوا من اصل اندونسيا وصاروا من علماء مكة بعد اقامتهم فيها جيلا بعد جيل ولسنوات طويلة، وان أي فكرة اسلامية نشأت في اندونسيا قبل النصف الأخير من القرن العشرين لابد وان تنتهل من الفكرة المتولدة في الشعب العربي. وهذا ان دل على شيئ فإنما يدل على كثافة العلاقة الثقافية - العلمية بين الشعب المسلم الاندونسي و الشعب العربي - وسكان مكة على وجه خاص- منذ زمان طويل. واما بعد النصف الأخير فالأفكار

الصفحة 45
الاسلامية في اندونسيا قد تشمّ في بعضها رائحة غربية او تصبغ بصبغة غربية كالعلمانية والانوثية والعولمة والتعددية والانسانية.

واما من المنطلق الثاني وهو الخلفيات التي من اجلها أسّس احمد دحلان جمعية " محمدية " فقال احمد جينوري في مقالته " محمدية هي حركة تجديدية اسلامية " ،

" هناك عدة عوامل - داخلية وخارجية - تدفع نشوء حركة محمدية. اما الداخلية فتتعلق بوضع الحياة الدينية الذي عايشه المسلمون في اندونسيا والذي اعتبره احمد دحلان قد خالف التعاليم الاسلامية الصحيحة. واما الخارجية فترتبط بالسياسة التي خطّطتها حكومة هولندا تجاه المسلمين في اندونسيا- اولا وثانيا وجود فكرة وحركة تجديدية مستلهمة من الشرق الاوسط وثالثا الوعي الناشئ عند القادة الاسلامية عن التقدمات التي حازها الغرب " (37).

واركز في هذه الأسطر الى عاملتين: وضع الحياة الدينية الذي عايشه المسلمون في اندونسيا والفكرة التجديدية المستلهمة من الشرق الاوسط، لأنهما تمس بصورة مباشرة الإتجاهات التي نحن في صدد البحث عنها.

اما العاملة الاولى فقد ارتأى في نفس احمد دحلان ان المسلمين في اندونسيا لم يكونوا على وجه صحيح في فهم التعاليم الاسلامية وبالتالي لايمارسون الدين بحسب ما جاء في الكتاب والسنة بل مزجوه بالخرافات، وانهم اعتقدوا بأمور هي في الواقع -على

____________

(37) Muhammadiyah, Kini & Esok, hal 35.