الصفحة 120
ترويها كتب الشيعة في ما يتعلق بـ (غدير خم).. وهكذا دأب علماء الشيعة على ذكر هذه (الخرافة) التي تُعد أساس المذهب الشيعي..).

وأنا لا أدري هل هذا ينم عن جهل بالحديث والتاريخ! أم عن بغض الإمام علي (ع)، ونكران لفضائله، فهذه الحادثة واضحة لا يخلو منها كتاب تاريخي.

فكيف غابت عن هذا المهندس؟!..

والواضح أنه لم يكلف نفسه، بأن يغمض عينيه ثم يأخذ أي كتاب في الحديث أو التاريخ من كتب أهل السنة، ثم يتصفحه، فإذا لم يجدها فيحق له بعد ذلك، أن ينسبها إلى كتب الشيعة أو يسميها (خرافة).

  الغدير في المصادر الإسلامية:

حديث الغدير من أكثر الأحاديث تواتراً، فقد بلغ رواته من الصحابة عشرةً ومائة صحابي، وقد أحصاهم العلامة الأميني مع الكتب التي أخرجت رواياته في كتاب الغدير ج1 ص 14 إلى ص 61، ويطول بنا المقام إذا ذكرنا أسماءهم والتصنيفات التي أخرجت أحاديثهم من كتب أهل السنة.

وبلغ رواته من التابعين أربعةً وثمانين (84) راوٍ كما في الغدير ص 62 إلى ص 72، ولم يقف رواة حديث الغدير عند هذا الحد بل نُقل بالتواتر في كل طبقاته، وقد بلغ مجموع الرواة من القرن الثاني إلى القرآن الرابع عشر للهجرة 360 راوٍٍ، هذا غير آلاف الكتب السنية التي ذكرت هذا الحديث.

كيف يتسنى لهذا الكاتب بعد ذلك أن يقول هذه (الخرافة) الشيعية مع العلم بأن رواية الغدير بطرق الشيعة لا تبلغ نصف ما جاء بطرق السنة!

ولكن هذه مشكلة أنصاف المثقفين، يطلقون كلامهم من غير بحث أو دراية، فهؤلاء علماء السنة وثقاتهم من الأقدمين والمتأخرين يصرحون بصحة حديث الغدير، ومنهم على سبيل المثال.


الصفحة 121
1) ابن حجر العسقلاني ـ شارح صحيح البخاري ـ يقول: (وأما حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جداً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان)(1).

وهذا الكتاب الذي أشار إليه ابن حجر هو كتاب الولاية في رق حديث الغدير لأبي عباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمذاني الحافظ المعروف بابن عقدة المتوفي سنة 333 وقد أكثر منه النقل ابن الأثير في أسد الغابة، وبان حجر العسقلاني، وقد ذكره العسقلاني أيضاً في كتاب (تهذيب التهذيب) ج7 ص 337 بعد ذكر حديث الغدير فقال: (صححه واعتنى بجمع طرقه أبو العباس ابن عقدة، فأخرجه من حديث سبعين صحابياً أو أكثر).

وقد أشار لهذا المصنف في إثبات طرق حديث الغدير ابن تيمية بقوله:

(وقد صنف أبو العباس ابن عقدة مصنفاً في جمع طرقه)(2).

2) ابن الغازلي الشافعي: بعدما يذكر حديث الولاية بسنده يقول: (هذا حديث غدير خم عن رسول الله ـصلى الله عليه وسلم ـ وقد روي حديث غدير خم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نحو مائة نفس منهم العشرة ـ أي المبشرين بالجنة ـ وهو حديث ثابت لا أعرف له علة، تفرد علي (رضي الله عنه) بهذه الفضيلة لم يشركه أحد)(3).

3) وقد أفرد أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ صاحب التأريخ ـ كتاباً أخرج فيه أحاديث الغدير، وقد ذكر عنه ذلك صاحب كتاب

____________

1- فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج7 ص 61.

2- منهاج السنة ج4 ص 86.

3- مناقب أمير المؤمنين ص 26 ـ 27.


الصفحة 122
ـ العمدة ـ بقوله: (وقد ذكر ابن جرير الطبري صاحب التاريخ خبر يوم الغدير وطرقه في خمسة وسبعين طريقاً، وأفرد له كتاباً سماه كتاب الولاية)(1).

وقد جاء في شرح ـ التحفة العلوية ـ لمحمد بن إسماعيل الأمير: (قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة من كنت مولاه: ألف محمد بن جرير فيه كتاباً، قال الذهبي ـ وقفت عليه فاندهشت لكثرة طرقه).

وذكر كتاب ابن جرير أيضاً ابن كثير في تاريخه: (وقد رأيت كتاباً جُمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين)(2).

4) وخرّج الحافظ. أبو سعيد مسعود بن ناصر بن أبي زيد السجستاني ـ المتوفي سنة 477 ـ حديث الغدير في كتاب (الدراية في حديث الولاية) في (17) جزءاً جمع فه طرق حديث الغدير ورواه عن (120) صحابياً.

هذا وقد ذكر الأميني في الغدير ـ 26ـ عالماً من فطاحل علماء أهل السنة، أفردوا كتباً في تخريج روايات أحاديث الغدير، فضلاً عن الكتب التي ذكرت الرواية، ونختم كلامنا هنا بما قاله ابن كثير عن الجويني: (أنه كان يتعجب ويقول: شاهدت مجلداً ببغداد في يد صحّاف فيه روايات هذا الخبر، مكتوب عليه: المجلد الثامن والعشرون من طرق (من كنت مولاه فعلي مولاه)، ويتلوه المجلد التاسع والعشرون(3).

____________

1- العمدة ص 55.

2- التاريخ لابن كثير ج11 ص 147.

3- الخلاصة ج 2 ص 298.


الصفحة 123

  المصادر التي أثبتت نزولها في علي (ع):

أما بخصوص نزول هذه الآية: (يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك..) في أمير المؤمنين، فقد صرح بذلك كثيرون منهم على سبيل المثال.

(1) السيوطي في (الدر المنثور) في تفسير الآية عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر بأسانيدهم عن أبي سعيد قال: (نزلت على رسول الله (ص) يوم غدير خم في علي) ونقل أيضاً عن ابن مردويه بإسناده إلى ابن مسعد قوله: (كنا نقرأ على عهد رسول الله. (يا أيها الرسول بلغ ما نزل إليك من ربك أن علياً مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)(1).

(2) روى الواحدي في أسباب النزول عن أبي سعيد قال: (نزلت يوم غدير خم في علي)(2).

(3) الحافظ أبو بكر الفارسي، روى في كتابه ما نُزِّل من القرآن في أمير المؤمنين بالإسناد عن ابن عباس أن الآية نزلت في غدير خم في علي بن أبي طالب.

(4) الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، بسنده عن الأعمش عن عطيه قال: نزلت هذه الآية على رسول الله (ص) يوم غدير خم(3).

(5) الحافظ ابن عساكر الشافعي، بإسناده عن أبي سعدي الخدري أنها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب(4).

____________

1- أسباب النزول.

2- أسباب النزول للواحدي ص 150.

3- الخصائص ص 29ـ فيما نُزل من القرآن في علي.

4- الدر المنثور ج2 ص 298.


الصفحة 124
(6) بدر الدين بن العيني الحنفي، ذكر في عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الحسين: معناه بلغ ما أنزل من ربك في فضل علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه). فلما نزلت هذه الآية أخذ بيد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه.

  نص الخطبة:

.. وعشرات غيرهم ثبتوا نزولها في علي بن أبي طالب، نختار من بين هذه الروايات المتعددة، رواية الحافظ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري.

أخرج بإسناده في كتاب ـ الولاية في طريق أحاديث الغدير ـ ما نصه: (عن زيد بن أرقم قال: لما نزل النبي صلى الله وسلم بغدر خم في رجوعه من حجة الوداع وكان في وقت الضحى والحر شديد أمر بالدوحات فقممن. ونادى الصلاة جامعة. فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة ثم قال: إن الله تعالى أنزل إلي. (بلغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)، وقد أمرني جبرائيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد وأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي فسألت جبرائيل أن يستعفي لي ربي لعلمي بقلة المتقين وكثرة المؤذين لي واللائمين بكثرة ملازمتي لعلي وشدة إقبالي عليه حتى سموني أذناً، فقال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم). ولو شئت أن أسميهم وأدل عليهم لفعلت، ولكني بسترهم قد تكرمت فلم يرض الله إلا بتبليغي فيه فاعلموا معاشر الناس ذلك: فإن الله قد نصبه لكم ولياً وإماماً، وفرض طاعته على كل أحد، ماض حكمه جائز قوله، ملعون من خالقه، مرحوم من صدقه، اسمعوا وأطيعوا، فإن اله مولاكم وعلي إمامكم، ثم الإمامة في ولده من صلبه إلى يوم القيامة، لا حلال إلا ما أحله الله

الصفحة 125
ورسوله وهم، ولا حرام إلا ما حرم الله ورسوله وهم: فما من علم إلا وقد أمضاه الله فيه ونقلته إليه فلا تضلوا عنه ولا تستنكفوا منه، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به، لن يتوب الله على أحد أنكره ولن يغفر له، حتماً على الله أن يفعل ذلك أن يعذبه عذاباً نُكراً أبد الآبدين، فهو أفضل الناس بعدي، ما نُزِّل الرزق وبقي الخلق، ملعون من خالفه، قولي عن جبرائيل عن الله، فتنظر نفس ما قدمت لغد.

افهموا محكم القرآن ولا تتبعوا متشابهه، ولن يفسر ذلك لكم إلا من أنا آخذٌ بيده وشائل بعضده ومعلمكم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وموالاته من الله عز وجل أنزله علي ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقت أوضحت.

لا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره، ثم رفعه إلى السماء حتى صارت رجله مع ركبة النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال:

معاشر الناس هذا أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب رب. وفي رواية: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، والعن من أنكره، واغضب على من جحد حقه، اللهم إنك أنزلت عند تبين ذلك في علي، اليوم أكملت لكم دينكم بإمامته فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إن إبليس أخرج آدم (ع) من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد فلا تحسدوه فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم، في علي نزلت سورة والعصر إن الإنسان لفي خسر.

معاشر الناس (آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه من قبل أن يطمس وجوهاً فنردها على أدبارهم أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت).

النور من الله في ثم في علي ثم في النسل منه إلى القائم المهدي.


الصفحة 126
معاشر الناس: سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وإن الله وأنا بريئان منهم، إنهم وأنصارهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار، وسيجعلونها ملكاً اغتصاباً فعندها يفرع لكم أيها الثقلان ويرسل عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران).

لا تحتاج هذه الخطبة إلى شرح وتوضيح، فعلى العافل أن يتدبر.

فالدلالة واضحة من هذه الخطبة في وجوب اتباع الإمام علي (ع) وفيها الرد الكافي على من يقول أن المقصود من (الوالي) هو الناصر أو المحب، لأن القرائن المقامية تمنع ذلك فلا يعقل أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يحتجز كل هذه الجموع الهائلة في شدة الشمس، حتى يقول لهم الرسول هذا علي فأحبوه وانصروه، أي عاقل يرتأي هذا المعنى؟ وإنه بذلك، يتهم رسول الله (ص) بالعبثية، كما أن المقال يؤكد ذلك. فقول الرسول (ص): (إن علي بن أبي طالب، أخي ووصيي، وخليفتي والإمام بعدي) وقوله (ص): (فإن الله قد نصبه لكم ولياً وإماماً وفرض طاعته على كل أحد..).

فأمر الولاية ليست بالأمر البسيط، فالإسلام كله يتوقف عليه.

أليس الإسلام هو التسليم؟!

فالذي لا يسلم بالقيادة الإلهية ينصاع إليها في كل أوامرها، هل يحق لنا أن نسميه مسلماً؟!.

بالطبع لا. وإلا يكون في ذلك التناقض بعينه، فاتباع القيادات المزيفة والتسليم لها جعله القرآن في عداد الشرك.

قال تعالى: (.. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله..)(1) فإنهم لهم يجعلوهم أصناماً وإنما أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا لهم ما احل الله فاتبعوهم، كذلك الذي يتمرد على القيادة الإلهية يُعد مشركاً لا محال.

____________

1- سورة التوبة: الآية 31.


الصفحة 127
فالمتدبر في الآية بعين الوعي والبصيرة يكتشف ذلك جيداً، فقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك..) فإن هذه الآية من سورة المائدة وهي آخر سورة القرآن كما جاء في مستدرك الحاكم.

كما أن هذه الآية بالذات نزلت في غدير خم كما تقدم، وهي في آخر حجة لرسول الله (ص)، فيعني ذلك أن الإسلام بالمعنى الظاهري قد كان مبلغاً من صلاة وزكاة وحج وجهاد،.. إلخ.

فما هو هذا الأمر الإلهي الذي يساوي عدم تبليغه عدم تبليغ الرسالة؟!

فلا بد أن يكون جوهر الإسلام وغايته، وهو التسليم للقيادة الإلهية والانصياع لأوامرها، ومن الواضح أن هذا الأمر يشكل حالة عدم رضا من الصحابة، فالأغلبية ترفضه ولذلك قال رسول الله (ص) لجبرائيل في أحد الروايات بما معناه أني قاتلتهم ثلاثة وعشرين عاماً حتى يعترفوا بنبوتي فكيف يسلموا بإمامة علي (ع) بلحظة واحدة. ومن هنا جاء الخطاب القرآني: (والله يعصمك من الناس..).

وبعد أن بلغ الرسول (ص) هذا الأمر الذي يساوي كل الرسالة نزل قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) وقد صرح بنزول هذه الآية في علي كثير من المحدثين، وذكر منهم الأميني في كتابه الغدير ج 1 ص 230 إلى ص 237 ستة عشر مصدراً، فإتمام الدين وإكمال النعمة بولاية علي (ع)، فمن هنا يمكن أن نحتمل كل الروايات التي تقول: إن قبول الأعمال من العبد منوطة بولاية أهل البيت (ع)، لأنهم الطريق الذي أمرنا الله تعالى باتباعه، قال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)، ومودتهم لا تعني مجرد الحب لهم وإنما موالاتهم وابتاعهم وأخذ معالم الدين عنهم.


الصفحة 128
جاء في حديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)، قال: (إن أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله عن الصلوات المفروضات وعن الزكاة المفروضة وعن الصيام المفروض وعن الحج المفروض وعن ولايتنا أهل البيت، فإن أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله عز وجل منه شيئاً من أعماله)(1).

وعن علي (ع) كان يقول: (لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين، رجل يزداد كل يوم إحساناً ورجل يتدارك سيئته بالتوبة! وأنى له بالتوبة؟ والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا أهل البيت).

وعن أنس بن مالك، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (معاشر الناس إلي إذا ذُكر آل إبراهيم (ع) تهلّلت وجوهكم وإذا ذُكر آل محمد كأنما يفقأ في وجوهكم حب الزمان؟ فو الذي بعثني بالحق نبياً لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبل ولم يجئ بولاية علي بن أبي طالب (ع) لأكبّه الله عز وجل في النار)(2).. وغير ذلك من الروايات.

____________

1- بحار الأنوار ج 27 ص 167.

2- المصدر السابق ص 170.


الصفحة 129


الفصل السادس
الشورى والخلافة الإسلامية


  أولاً: بحث في دلالة آيات الشورى
  ثانياً: الشورى في الواقع العملي
  ثالثاً: الصحابة وآية الانقلاب



الصفحة 130

الصفحة 131

أولاً: بحث عن دلالة آيات الشورى

اختلف المسلمون في كيفية تعيين الإمام والخليفة اختلافاً شديداً قديماً وحديثاً، وقد تجسد الخلاف قديماً على الواقع العملي والتطبيق الخارجي أكثر منه على الصعيد النظري والفكري، وأما حديثاً فانحصر الخلاف في الناحية الفكرية، فلا يتعدى المشادات الكلامية والبراهين النظرية.

ومساهمة منا في حل هذا النزاع أحببنا أن نناقش دلالة آيات الشورى في القرآن التي يعتمد عليها أهل السنة في نظرتهم، ومن ثم التطرق إلى الشورى في الواقع العملي بعد وفاة الرسول (ص) وما حدث بعده من انقلاب.

قال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) آل عمران/159.

وقال تعالى: (فإذا أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله وعلموا أن الله بما تعملون بصير) البقرة/233.

وقال تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلوة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون). الشورى/38.


الصفحة 132
يعتمد أهل السنة في نظرية الخلافة على مبدأ الشورى ويرون أن خلافة المسلمين لا تكون إلا بالشورى، وبذلك صححوا خلافة أبي بكر بانتخابه بالشورى في سقيفة بني ساعدة، وترى النظرية أو الخط الثاني وهم الشيعة ضرورة التعيين والتنصيب الإلهي للخليفة حيث لا يمكن ضمان اختيار الأصلح في النظرية الأولى وذلك لأن قضية الشورى تتأثر بانفعالات الناس وعواطفهم وتوجهاتهم الفكرية والنفسية وانتماءاتهم العقائدية والاجتماعية والسياسية، كما تحتاج إلى مستويات من النزاهة والموضوعية والتحرر من المؤثرات الشعورية واللاشعورية، وذلك يقولون لا بد لرسول الله (ص) من وصية واضحة في شأن الخلافة، وادعت أن رسول الله (ص) نص على خليفته بل خلفائه من بعده، وعلى ذلك قالوا بخلافة علي بن أبي طالب (ع) وأن الشورى التي نزل بها القرآن إنما جاءت في بعض المواضيع التي تخص ممارسة الحكم لا تعيين الحاكم الذي هو منصب إلهي.

وبما أنه انحصر الخلاف بين هذين الخطين، فإذا ثبت بطلان أحدهما ثبت صحة الآخر، مما يترتب عليه صحة أو بطلان خلافة الخليفة سواء كان أبا بكر ومن خلفه من خلفاء أو علياً (ع) ومن خلفه من أوصياء.

وقد أثبتنا بما لا يدع مجالاً للشك في الفصول السابقة صحة نظرية القائلين بالنص وأحقية أهل البيت في الخلافة الإسلامية، بل هو حق محصور فيهم لا يتعدى إلى غيرهم، ولكن من باب إتمام الفائدة وتبيان الحقائق أكثر فأكثر كان لا بد من نقاش نظرية الشورى بما هي نظرية مجرده وصلاحيتها في انتقاء خليفة المسلمين.

لقد اعتمد أهل الشورى اعتماداً عظيماً في إقامة نظريتهم على الآيات القرآنية التي توجنا بها صدر البحث فهي العمدة في الباب.


الصفحة 133
فإذا رجعنا إلى الآيات يتضح لنا أن الشورى الإسلامية تتصور على نحوين:

آ ـ إما أن يكون موضوع الشورى الذي يراد الاستشارة فيه أمر جزئياً في نطاق ضيق ومحدود كموضوع فطام الطفل الرضيع كما تشير إليه الآية (فإن أرادا فصالاً..) وهذا النوع من الشورى ليس محل النزاع ولذا نغض الطرف عن مناقشته.

ب ـ وإما أن يكون موضوع الشورى الذي يراد الاستشارة فيه أمرأ كلياً وعاماً يهم كل المسلمين كإعلان الحرب على العدو أو انتخاب خليفة للمسلمين.. الخ.

ولا شك ولا ريب في أنه لا بد الرجوع في مثل هذه الموضوع إلى الرسول (ص)، إذ لا يعقل أن تتم هذا الشورى وليس للرسول (ص) فيها رأي، بل من القبيح عرفاً والعصيان شرعاً أن تتم الشورى بدون الرجوع إلى من يحل محله وهو ولي الأمر (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) النساء/83.

وهذا النوع من الشورى حسب الآية (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل..) لها ثلاثة أركان:

1ـ ضرورة وجود مستشارين حتى تتم الاستشارة وهذا يدل عليه لفظة (هم) في (وشاروهم).

2ـ وجود مادة التشاور وموضوعها لكي تقوم هذه الشورى.

3ـ ولي يدي الشورى، والأمر في النهاية منوط برأيه، وهذا يدل عليه ضمير تاء المخاطب في (فإذا عزمت فتوكل..) ولا إشكال أنه إذا كان الموضوع أمراً كلياً يخص كل المسلمين فإن الذي له حق الحسم إنما هو ولي أمر المسلمين.


الصفحة 134
ولا يمكن للشورى الشرعية بالصيغة الإسلامية أن تتم بانهدام ركن من الاركان الثلاثة، لأنه إما أن يكون ولي الأمر موجوداً والمستشار موجوداً ولا يكون هناك موضوع للشورى فلا تنعقد هناك المشاورة أصلاً إذ لا أمر هناك حتى يتناقش ويتشاور فيه، وإما أن يكون ولي الأمر موجوداً وهنا يتغير العنوان من الشورى إلى النص أو الأمر.

وإما أن تكون الجماعة المستشارة موجودة وموضوع الشورى موجداً وولي الأمر غير موجود وهنا لا تقع الشورى بصيغتها الشرعية التي تقررها الله في كتابه حين فرض على الشورى قيِّماً وبصراحة للآية التي أكدت أن الأمر في النهاية منوط بولي الأمر (فإذا عزمت فتوكل على الله).

ويمكن أن يستشكل ويقال: إن هذه الآية (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل..) هي مختصة برسول اللله (ص) فلا يلزم وجود ولي الأمر في الشورى ولا مانع من انعقاد الشورى دون ولي الأمر فيها بدلالة الآية و(وأمرهم شورى بينهم) إذ ظاهر الآية ليس فيها ولي أمر يعزم ويتوكل كما في الآية الأولى.

ويدفع هذا الإشكال بما يلي:

1ـ إن كل ما ثبت لرسول الله (ص) من حق الطاعة يثبت لولي الأمر بدليل قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وبذلك يتضح أن ذات طاعة ولي الأمر هي طاعة رسول الله (ص) لوجود العطف على سبيل الجزم، كما استخدم لفظاً واحداً لكليهما (أطيعوا الرسول وأولي

الصفحة 135
الأمر منكم..) فلو أنه استخدم لفظة أطيعوا مرة ثالثة لأولي الأمر لصح القول أن هناك اختلافاً الطاعتين.

2ـ إن كيفية الشورى التي قررها الله في الأمور الكلية التي تخص جميع المسلمين هي كيفية واحدة (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل..) والإتيان بكيفية أخرى يستلزم الدليل الشرعي والاستدلال بآية (وأمرهم شورى بينهم) على كيفية ثانية من الشورى غير تامة.

إذ يرد عليها بأن هذه الآية ـ وبلا إشكال وخلاف ـ نزلت على رسول الله (ص) بمعنى أنها نزلت وهو حي بين ظهراني المسلمين، والعقل واشرع يمنعان أن يتشاور المسلمون على أمر كلي يخص المسلمين دون وجود الرسول (ص) بينهم ورجوعهم إليه، فهذا قبيح وبعيد جداً، مما يدل أنه لا بد أن يكون معهم وأن الضمير هم في (وأمرهم شورى...) شامل لرسول الله (ص)، وبالإضافة على ذلك فإن صيغ الآيات تتحدث عن صفات المؤمنين الفائزين (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يفغرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما زرقناهم ينفقون) الشورى/ 36ـ37.

ومما لا شك فيه أن أفضل مصادق للمؤمنين هو رسول الله (ص) فلا ريب أن رسول الله (ص) أحد هؤلاء، وإذا ثبت أن رسول الله (ص) ضمن هذه الشورى علمت أن أمر الشورى في الآية راجع إلى رسول اله (ص) ولا تتم إلا بعزيمته (فإذا عزمت فتوكل..) وعليه فإن هذه الشورى هي ذاتها الكيفية الأولى، وكل ما هنالك في آية (وأمرهم شورى بينهم..) مجملة

الصفحة 136
وعامة وأن آية (وشاروهم في الأمر وإذا عزمت فتوكل..) هي شارحة ومفصلة لها.

بعد أن بينت هذا اضيف إليه على الفور أننا نصل إلىنتيجة محصورة في ما لو التزمنا بأن آية (وشاورهم في الأ/ر..) مختصة برسول الله دون أولي الأ/ر، لأن الشورى عندئذ لا تتم إلا بوجود رسول الله (ص) فإذا مات فلا شورى بسبب عدم وجود ركن أساسي فيها وهو رسول الله (ص)، أما إذا لم نلتزم بانحصار الآية في رسول الله (ص) وحده اعتبرنا أنها تتعدى إلى أولي الأمر، فتكون الشورى موجودة وشرعية بشرط وجود ولي الأمر فيها وله ما لرسول الله (ص) من حقوق في الشورى لأنه يحل مله، فيكون معنى (وأمرهم شورى بينهم) أي لا يعقدون أمراً دون مشاورة الرسول (ص) وأولي الأمر فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم كما قال تعالى (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم..).

وعلى كلا الرأيين تقع نظرية الشورى في تنصيب الخليفة بمأزق ومحذور يستلزم بطلانها، فعلى الرأي الأول: وهو أن آية (وشاورهم في الأمر..) مختصة برسول الله (ص)، فمن المعلوم أن الشورى التي انعقدت لتنصيب الخليفة الأولى إنما كانت بعد وفاة رسول الله (ص) فبالتالي هي شورى غير شرعية بحكم الإسلام وبمنظور الرأي القرآني، وكل ما ينتج عنها غير شرعي، ومنها تنصيب الخليفة الأول كما دلت كتب التاريخ والروايات على كيفية تنصيبه فيما يسمونه سقيفة بني ساعدة، وقد ذكرها الذهبي في تاريخه، كما جاءت هذه الحادثة برواية عمر بن الخطاب في كتاب صحيح البخاري كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا، كما ذكرها الطبري في تاريخه عند ذكره لحوادث سنة 11 هـ، ج2، وابن الأثير، وابن قتيبة في تاريخ الخلفاء، ج1 وغيرها من مصادر التاريخ المتعددة.


الصفحة 137
وعلى الراي الثاني، أي أن آية (وشاورهم..) منعقدة برسول الله (ص) أو من يحل محله وهو ولي الأمر، فإن الشورى الشرعية لا تنعقد غلا بولي الأمر وولي الأمر لا ينصب إلا بالشورى الشرعية فهذا دور والدور باطل، إذ لا يمكن انعقاد الشورى الشرعية إلا بعد وجود ولي الأمر ولا يمكن أن يوجد ولي الأمر إلا بعد انعقاد الشورى الشرعية، وهذا الأمر متوقف على نفسه فلا يمكن انعقاد الشورى الشرعية إلى أبد الآبدين، اللهم إلا أن يقال أن هناك ولي أمر معين من قبل رسول الله (ص) سبق وجوده الشورى، وهذا تسليم بنظرية النص التي تدعيها مدرسة أهل البيت أو الخط الثاني.

وربما يقال أنه ليس من الضروري وجود ولي أمر في الشورى بل يكفي فقط وجود صاحب الشورى أي المشاور ولا يشترط فيه أن يكون ولياً، وغن استشكلت أن ضمير عزمت يدل على حق المشاور في الحسم مما يدل على أنه ولي في أمر اشورى فربما أمكن رد الإشكال إن عزمت بمعنى عزم على ما وصلت إليه الشورى في تنفيذ أمرها.

وفيه: إن الظاهر غير ذلك حيث الأظهر من الآية هو ثبوت حق الحسم بالنسبة إليه، وبمعنى آخر إن الكلام يستقيم فيما لو كان رأي المستشارين واحداً ولكن إذا اختلفت آراء المستشارين فكيف ينحسم أمر الشورى؟

فإن قال صاحب الإشكال بالأكثرية فأين الدليل؟ بل إن الله تعالى ذم الأكثرية في كثير من الآيات (.. أكثر من في الأرض يضلونك)، بل إن قوله هذا يخالف صريح الآية التي توكل أمر العزم إلى المشاور عند تردد الآراء، فإن سلمنا بذلك فقد خرج من صفة المشاور إلى صفة الولي على هذه الشورى، وحتى لو اتفقت آراء المشاورين على رأي فهو له حق العزم وعمه، نعم كل ما هنالك أنه لا يستطيع العزم بأمر مخالف لرأي المستشارين وهذا لا يسلبه صفة الولاية.


الصفحة 138
ومما سبق يتضح نظرية الشورى تقع بين محذورين.

آ ـ غما أن الشورى انعقدت دون رسول الله (ص) وولي الأمر، وهذه شورى باطلة غير شرعية، والقول الذي يقول بإمكانية الشورى من دون الرسول (ص) وأولي الأمر بحاجة إلى دليل شرعي ولا دليل عليها.

ب ـ وإما أن الشورى تمت بوجود ولي أمر يرجعون إليه، وهذا يتصور على وجوه 1ـ إما أن يكون ولي الأمر هذا نصب نفسه بنفسه لولاية أمر المسلمين، فهذا سلوك لا مسوغ له شرعاً، وهو مصادرة غير مشروعة لحقوق المسلمين، فكيف تجب طاعته شرعاً على جماعة المسلمين إذا عزم على أمر بعد الشورى؟.

2ـ وإما أن تكون هناك ماعة صغيرة ولته أمر المسلمين فنقع في نفس المحذورين اللذين تكلمنا عنهما، غذ كيف ولوه؟ فيقع على هذه الصورة ما وقع على نظرية الشورى من إشكالات إضافة إي مشروعية التساؤل ما هو المسوغ الشرعي لطاعة هؤلاء وأين الدليل؟!

3ـ أن يكون الله ورسوله نص عليه ونصبه لولاية الأمر فلا حاجة حينها للشورى إذ لا يمكن مخالفة الله ورسوله، وهذا الرأي عينه نظرية النص فانتفت الشورى، وعلى أثرها انتفت وبطلب خلافة الأول.

وبهذا يتضح جلياً بطلان نظرية الشورى في تعيين الخلافة من كل الوجه، ونبغي صرف موضوع الشورى في الآيات القرآنية إلى وجوه غير تصيب ولي أمر المسلمين، كالاستشارة في أساليب الحكم والحرب.. الخ.

كما هو سياق الآي (وشاورهم).


الصفحة 139
ولم يبق لهم باب، اللهم إلا أن يدعوا أن الله تعالى ورسوله (ص) نصا على خلافة الأول، وهذا ما لم يدَّعه أبو بكر نفسه إذ لو كان لاحتج به على النصار في سقيفة بني ساعدة.

ومما يتضح أيضاً من آية الشورى أن الله لم يأمنهم على أساليب الحرب التي لم تخرج الاستشارة من إطارها كما يستفاد من سياق الآية وكما بينته الروايات التي توضح استشارة الرسول لأصحابه في الحرب، حتى أناط أمر الشورى برسول الله (ص) فكيف أمنهم على أمر أكبر وهو استخلاف خليفة لرسول الله (ص)، فإذا لم تأمن إنساناً في إدارة مائة دينار حتى تجعل له وصياً ومرشداً، فكيف تأمنه على ألف دينار. إن هذا قبيح في حق الإنسان العالم، وهو أشد قبحاً في حق الله تعالى ورسوله (ص).

ثم كيف يعقل أن الله يوكل الأمر إلى الأمة في اختيار خليفتها، والله ورسوله قد انذرا بوقوع انقلاب مباشر بعد وفاة رسول الله (ص) (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتهم على أعقابكم..)؟ وإذا تأملت في الآيات يتضح لك أن المخاطبين هم من المسلمين إذ لا معنى لانقلاب الكافر ولا يمكن حملها على مسيلمة الكذاب لأن انقلابه كان على عهد رسول الله (ص).

وكيف يعقل أن يترك الله ورسوله الأمر سدى بين المسلمين وهو يعلم وقوع الفتن بينهم دون تعيين راع ووال يرجعون إليه، والتاريخ خير شاهد على ذلك حيث كان فقدان ولي الأمر سبب الفتن التي حدثت بين المسلمين حيث امتد الانحراف حتى تأمر على المسلمين فسّاقهم وفسادهم ومن لم يكن

الصفحة 140
له حياء ولا خلق ولا دين. ولكي تزداد يقيناً ارجع بعقارب ساعتك عبر مصادر التاريخ 14 قرناً وتوقف قليلاً عند الأمويين والعباسيين الذي تسلطوا على رقاب الناس حقباً من الزمن، لكي تتعرف على أمرائهم وحكامهم وكيف كانوا يتجاهرون بشرب الخمر وكيف كانوا يلاعبون الكلاب والقرود بعدما يكسونها من صافي الحرير والذهب، وغير ذلك من فضائح الحكام التي يستحي القلم أن يخطها بين السطور.

وهذا مما يدلل على مساؤئ الاختيار، وعقم النظرية من أساسها، لان من نختاره اليوم قد ننقم عليه غداً، ثم لا نقدر على عزله بعد توليته، وقد حاول المسلمون جهدهم عزل عثمان فأبى قائلاً: (لا أنزع قميصاً قمصنيه الله).

وبعدما أثبتنا بُعد الدليلين اللذين استدلت بها الطائفة الأولى، التي اعتمدت الشورى كمبدأ سياسي في اختيار الخليفة لغدارة أمور المسلمين بعد رسول الله (ص) وتبين لنا بعدهما عن مقام القيادة والخلافة.

نرجع ونغض أعيننا ونتجاهل إلى حد الغفلة ونسلم بحجية هذين الدليلين في موضوع الخلافة والقيادة، فهل يشفي ذلك التجاهل والتغافل والتسليم سقم هذه النظرية التي يواجهها (الغموض التشريعي) في كل ما يتعلق بالأطر والأساليب التنفيذية لمضمونها؟ إن هذين الدليلين لا يقوِّمان انحناء ولا يسدان ثغرة من متطلبات هذه النظرية العميقة المتعددة الأطراف، حيث تحتاج إلى تحديد وتفصيل لمعناها، كما يفقد النصان المشار إليهما موازين الشورى ومقاييسها وكيفية ضبطها، إضافة إلى أنها تحتاج في تطبيقها إلى أدوات تنفيذية ووسائل تطبيقية.


الصفحة 141
ونحن لا نجد في الأحاديث والروايات المأثورة ولا في سيرة رسول الله (ص) أنه قد طرح هذا المبدأ وألزم الأمة بتنفيذه، ولو كان قد فعل ذلك لوجدنا رسول الله (ص) قد حدد معالمها الواضحة أو أن يكون مارس إعداداً فكرياً وروحياُ وسياسياً للتعاطي مع هذا المبدأ.

وعلى الأقل يكون قد هيأ نماذج متعددة مؤهلة لتولي زعامة التجربة وقيادتها والإشراف على التشريع وتنفيذه، وكما قدمنا تخلو الأدلة عن ملأ هذه الفراغات. فأين تذهبون وكيف تحكمون!


الصفحة 142

الصفحة 143

ثانياً: الشورى في الواقع العملي

الشورى وسقيفة بني ساعدة:

ذكر المؤرخون أن خلافة أبي بكر كانت عن طريق ترشيحه في سقيفة بني ساعدة، وهي في الواقع الشرعية الأساسية التي يرتكز عليها أبو بكر في خلافته للمسلمين، فلا يمكن أن يلتزم المسلم بخلافته إلا إذا التزم وآمن بالسقيفة واعتبرها الكيفية الوحيدة التي يمكن من خلالها تعيين خليفة المسلمين، وبما أننا في البحث السابق أثبتنا بطلان نظرية الشورى كوسيلة لتنصيب خليفة المسلمين، أحببنا في هذا المقام أن تستعرض حادثة السقيفة، التي هي التطبيق الخارجي لنظرية الشورى حتى نستكشف مدى نزاهتها، ومن ثم يترتب على ذلك الالتزام بها أو عدم الالتزام.

السقيفة في تاريخ الطبري:

ذكر الطبري هذه الحاثة بشكل مفصل في تاريخه ج2 مطبعة الاستقلال بالقاهرة سنة 1358 هـ ـ 1939م، ننقل منه مختصراً على قدر الحاجة من ص455 ـ ص460، كالآتي:

اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وتركوا جنازة الرسول يغسله أهله، فقالوا: نولي هذا الأمر بعد محمد، سعد بن عبادة. ,أخرجوا سعداً إليهم وهو مريض.. فحمد الله وأثنى عليه، وذكر سابقة الأنصار في

الصفحة 144
الدين وفضيلتهم في الإسلام، وأعزازهم للنبي وأصحابه وجهادهم لأعدائه، حتى استقامت العرب وتفي الرسول وهو عنه راض، وقال: استبدوا بهذا الأمر دون الناس فأجابوه بأجمعهم أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الأمر. ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم، فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأولون ونحن عشيرته وأولياؤه، فعلام تنازعوننا هذا الأمر بعده؟ فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذا: منا أمير ومنكم أمير.

فقال سعد بن عبادة: هذا أول الوهن.

سمع أبو بكر وعمر بأمر الأنصار، فأسرعا إلى السقيفة مع أبي عبيدة بن الجراح وانحاز معهم أسيد بن حُضير وعويم بن ساعدة وعاصم بن عدي من بني العجلان. تكلم أبو بك ـ بعد أن من عمر من الكلام ـ فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرسول دون جميع العرب، وقال: (فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم) ثم ذكر فضيلة الأنصار، وقال: (فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم فنحن الأمراء وأنتم الوزراء).فقال الحباب بن المنذر وقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم وفي ظلّكم من ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقص عليكم أمركم. فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمناً أمير ومنهم أمير.

فقال عمر: هيهات! لا يجتمع اثنان في قرن واحد والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمورهم منها، ولنا على من آمن الحجة

الصفحة 145
الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة؟!

فقام الحباب بن المنذر وقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبواعليكم ما سألتموهم فاجلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب. أما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة.

قال عمر: إذاً يقتلك الله.

قال: بل إياك يقتل.

فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار، إنكم كنتم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدّل وغير.

فقام بشير بن سعد الخزرجي أبو النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضاً فإن الله ولي النعمة وأولي، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم.

فقال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا.

فقالا: والله لا نتولى هذا الأمر عليك.. الخ وقام عبد الرحمن بن عوف، وتكلم فقال: يا معشر الأنصار إنكم وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي، وقام المنذر ابن الأرقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت، وإن فيهم لرجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد ـ يعني علي بن أبي طالب (ع).


الصفحة 146
(فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلا علياً).

(قال عمر: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف فقلت: ابسط يدك لأبايعك، فلما ذهبا ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحُباب بن النذر: يا بشير بن سعد عَققَت عقاق! أنفست على ابن عمّك الإمارة؟

فقال: لا والله، ولكني كرهت أن أنازع قوماً حقاً جعله الله لهم ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعوا إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض ـوفيهم أسيد بن حضير وكان أحد النقباء ـ: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبدأ، فقوموا فبايعوا أبا بكر.

فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا اجتمعوا له من أمر... فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطأون سعد بن عبادة.

فقال أنسا من أصحاب سعد: اتقوا سعداً لا تطأوه.

فقال عمر: اقتلوه، قتله الله.

ثم قام على رأسه فقالك لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك.

فأخذ قيس ابن سعد بلحية عمر فقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفيك واضحة.

فقال أبو بكر: مهلاً، يا عمر! الرفق ها هنا أبلغ.

فأعرض عنه عمر.

وقال سعد: أما والله، ولو أن بي قوة، أقوى بها على النهوض لأسمعت مني في أقطارها وسككها زئيراً يحجرك وأصحابك، أما والله إذاً لأحلقنك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع. احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه في داره.


الصفحة 147
لا تحتاج هذه الحادثة إلى شرح وتعليق فهي بنفسها تكشف عن كيفية تولي أبي بكر للخلافة.. وأنها بعيدة كل البعد عن الشورى، فالشورى لا تنسجم مع هذا الريب المكانين حيث تقع سقيفة بني ساعدة في مزرعة خارج المدينة، ولكان مسجد رسول الله (ص) أولى بانعقاد هذا الأمر فيه، فإنه محل اجتماع المسلمين وموضع المشاورة في أمور الدنيا والدين، هذا بالإضافة إلى الريب الزماني حيث ما زال رسول الله (ص) مسجى لم يُوراى جسده الطاهر في التراب، فكيف سمحت لهم نفوسهم أن يتركوه في هذه الحال ليتنازعوا في أمر الخلافة، وأقطاب الصحابة وأعاظمهم مشغولون برسول الله (ص).

فهل هناك عاقل يسمي هذا الأمر شورى؟!

وفي الواقع إن القوم لم يبحثوا عن الخلافة الإسلامية الرشيدة التي عن طريقها تصان وحدة المسلمين وكينونتهم، فكلماتهم كاشفة عن هذا الأمر.

فقول سعد: استبدوا بهذا الامر دون الناس، أجابوه: أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول، ولن نعدوا ما رأيت.

وقول عمر: من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته.

وقول الحباب: املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقاله هذا وأصحابه فيذهب بنصيبكم من هذا الأمر.

... فهذه الكلمات كاشفة عن نفسية القوم، فهم لا يريدون إلا سلطة وسلطاناً.

بالإضافة للكلمات الحادة التي وقعت بين الصحابة الذين تعب رسول الله (ص) ثلاثة وعشرين عاماً في تربيتهم، فمثلاً قول عمر للحباب: قتلك الله وقول الحباب: بل إياك يقتل، أو قول عمر لسعد: اقتلوه قتله الله. وقوله: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك، أو قول قيس بن سعد لعمر وهو ماسك بلحيته: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة.