الصفحة 256

ومن الواضح أن هذه الآراء قد تميزت بالموضوعية، فلم تكن سبأ وشتماً وخروجاً عن حد المعقول بل هي إشكالات علمية على أبي حنيفة، وقد تغاضينا في هذا المقام عن تهريجات أعدائه وعن مغالاة أتباعه، واكتفينا بآراء العلماء فيه، وهي كافية في قدح شخصيته، فكيف تسنى له أن يكون إماماً، وفي الأمة من هو أجدر منه، فقهاً وعلماً وعدالة؟! ولكنها السياسة، وما أدراك ما السياسة.

  أبو حنيفة والإمام الصادق (ع).

كان أبو حنيفة كثير الجدل قوي المناظرة، وقد أراد المنصور، أن يستغله في ضرب الإمام الصادق (ع)، الذي انتشر ذكره وعلا صيته، وكان يصعب على المنصور أن يرى في الكوفة ومكة والمدينة وقم حلقات علمية هي اشبه شي بفروع لمدرسة الغمام جعفر بن محمد الصادق (ع)، ولذلك اضطر المنصور لجلب الإمام (ع) من المدينة إلى الكوفة وطلب من أبي حنيفة أن يهييء من مهمات المسائل، فيسأل الإمام بها في مجلس عام لكي يحرج الإمام الصادق (ع)، ويحظ من منزلته.

قال أبو حنيفة: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق، لما أقدمه المنصور بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة، إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهييء له من المسائل الشداد، فهيأت له أربعين مسألة.

ثم بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته، فدخلت عليه، وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما بصرت به، دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور، فسلمت عليه، وأومأ إليّ فجلست ثم التفت إليه فقال: يا أبا عبد الله، هذا أبو حنيفة.


الصفحة 257
قال جعفر: نعم، قد أتانا، كأنه كره ما يقول فيه قومه أنه إذا رأى الرجل عرفه، ثم التفت المنصور إليّ فقال: يا با حنيفة ألق على أبي عبد الله مسائلك، فجعلت أُلقي فيُجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا جميعاً حتى أتيت على الأربعين مسألة، ثم قال أبو حنيفة: ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس(1)..

وكان الإمام الصادق (ع)، ينهى أبا حنيفة عن القياس ويشدد الإنكار عليه، ويقول: بلغني أنك تقيس الدين برايك، لا تفعل فإن أول من قاس إبليس(2).

وقال له: يا أبا حنيفة، ما تقول في محرم كسر رباعية ظبي؟! قال: يا ابن رسول الله ما أعلم فيه. فقال: أنت تتداهى ولا تعلم أن الظبي لا يكون له رباعية، وهو ثني أبداً(3).

وحدّثنا أبو نعيم: إن أبا حنيفة وعبد الله بن أبي شبرمة وابن أبي ليلى دخلوا على جعفر بن محمد الصادق، فقال لابن أبي ليلى: من هذا الذي معك؟

قالك هذا رجل له بصر ونفاذ في الدين.

قال: لعله يقيس أمر الدين برأيه؟

قال: نعم.

فقال جعفر لأبي حنيفة: ما اسمك؟

قال: نعمان.

____________

1- مناقب أبي حنيفة، للموفق ج1 ص 137. تذكرة الحفّاظ للذهبي ج1 ص 157.

2- الطبقات الكبرى للشعراني ج1 ص 28.

3- وفيات الأعيان ج1ص 212، شذرات الذهب ج1 ص 220.


الصفحة 258
قال: ما أراك تحسن شيئاً، ثم جعل يوجه إليه أسئلة فكان جواب أبي حنيفة عدم الجواب عنها.

فأجابه الإمام عنها.

ثم قال: يا نعمان حدثني أبي عن جدي أن رسول الله (ص) قال: أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس.

قال الله تعالى له: اسجد لآدم. فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين، فمن قاس الدين برأيه قرنه الله يوم القيامة بإبليس، لأنه من أتباعه بالقياس.

يقول الفخر الرازي: (العجب أن أبا حنيفة كان تعويله على القياس، وخصومه يذمونه بسبب كثرة القياسات، ولم يُنقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنه صنف في إثبات القياس ورقة، ولا أنه ذكر في تقريره شبهة، فضلاً عن حجة، ولا أنه أجاب عن دلائل خصومه في إنكار القياس، بل أول من قال في هذه المسألة وأورد فيها الدلائل هو الشافعي)(1).

ومن أجل ذلك نجد الإمام الصادق (ع)، يوجه الأمة إلى الطرق الصحيحة في استنباط الأحكام الشرعية، وخاصة بعدما تفشى القياس والعمل به كمصدر من مصادر التشريع، فتخرج من مدرسته آلاف العلماء المجتهدين. وكان من بينهم أبو حنيفة الذي انقطع له طوال عامين قضاهما بالمدينة، وفيها يقول: لولا العامان لهلك النعمان.

وكان لا يخاطب صاحب المجلس إلا بقول: (جُعلت فداك يا ابن بنت رسول الله)(2).

____________

1- الإمام الصادق، لعبد الحليم الجندي هامش ص 180.

2- المصدر السابق ص 162.


الصفحة 259
ويعلق عبد الحليم الجندي لتلمذة أبي حنيفة على الإمام الصادق (ع) بقوله:

(ولئن كان مجداً لمالك أن يكون أكبر أشياخ الشافعي، أو مجداً للشافعي أن يكون أكبر أساتذة ابن حنبل، أو مجداً يتتلمذا أن يتلمذا لشيخيهما هذين، إن التلمذة للإمام الصادق قد سربلت بالمجد فقه المذاهب الأربعة لأهل السنة، أما الإمام الصادق فمجده لا يقبل الزيادة أو النقصان.

فالإمام مبلغ للناس كافة، علم جده عليه الصلاة والسلام. والإمامة مرتبته وتلمذة أئمة السنة له تشرف منهم لمقاربة صاحب المرتبة)(1).

فحقاً إن مجالسة الإمام الصادق (ع) شرف يفتخر به، فهو عالم أهل البيت ومعدن الحكمة. قد اعترف بفضله الأعداء، قال المنصور: هذا الشجى المعترض في حلقي أعلم أهل زمانه. وإنه ممن يريد الآخرة لا الدنيا.

وليس الأمر هو الاعتراف بفضلهن التشرف بمجالسته، فحسب إنما هو التسليم له والإنصياع لأمره لأن طاعته فرض من الله على كل مسلم، كما هو ثابت بحديث الثقلين (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) ومع الأسف لم يكن أبو حنيفة من أهل التسليم له فانفرد بنفسه يفتي برأيه ويقيس في الدين، ويخالف بذلك أحاديث رسول الله (ص) التي لم يقبل منها سوى سبعة عشر حديثاً...!

وأختم هذا المقام بمناظرة جرت بين الإمام الصادق (ع) وأبي حنيفة عندما جاء إليه أبو حنيفة:

قال له الصادق (ع): من أنت؟

- أبو حنيفة.

- مفتي أهل العراق؟

____________

1- المصدر السابق ص 163.


الصفحة 260
- نعم.

- بم تفتيهم؟

- بكتاب الله.

- وإنك لعالم بكتاب الله؟.. ناسخة ومنسوخة؟.. محكمه ومتشابه؟

- نعم.

- فأخبرني عن قول الله عز وجل: (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين). أي موضع هو؟

- هو ما بين مكة والمدينة.

فالتفت الإمام يميناً وشمالاً.

- ناشدتكم بالله.. هل تسيرون بين مكة والمدينة ولا تأمنون على دمائكم من القتل؟ وعلى أموالكم من السرقة؟

(وبصوت واحد قال الحاضرون: اللهم نعم) والتفت الإمام (ع) إلى أبي حنيفة هذه المرة:

- ويحك يا أبا حنيفة!.. إن الله لا يقول إلا حقاً.

فسكت أبو حنيفة لحظات، ثم تراجع عن قوله السابق:

- ليس لي علم بكتاب الله.

وطرح مبرراً جديداً:

- إنما أنا صاحب قياس.

قال الإمام (ع):

- انظر في قياسك، إن كنت مُقيساً.

أيهما أعظم عند الله: القتل؟.. أو الزنا؟

- بل القتل.


الصفحة 261
- فكيف رضي في القتل شاهدين، ولم يرض في الزنا إلا بأربعة؟

أيقاس لك هذا؟

- قال: لا.

- حسناً:

الصلاة أفضل من الصوم؟

- بل الصلاة أفضل.

- فيجب على قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حالة حيضها. دون الصيام، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة. وأعرض عن هذا أيضاً.

- البول أقذر أم المني؟

- البول أقذر.

- يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول، دون المني، وقد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول.

أيقاس لك ذلك؟

فسكت أبو حنيفة، وقال:

إنما أنا صاحب رأي.

وسرعان ما سأله الإمام:

- فما ترى في رجل كان له عبد، فتزوج وزوج عبده في ليلة واحدة، فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة، ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد، وولدتا غلامين.. فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين وبقي الغلامان، أيهما في رأيك المالك وأيهما المملوك؟.. وأيهما الوارث وأيهما الموروث.


الصفحة 262
وللمرة الثالثة، تراجع أبو حنيفة عن قوله: إنه صاحب رأي، وأعلن بعد لحظات صمت وتفكير وحيرة وخجل:

إنما أنا صاحب حدود.

فقال الإمام:

- فما ترى في رجل أعمى، فقأ عين صحيح-، وأقطع قطع يد رجل كيف يقام عليهما الحد؟

حالو أبو حينفة أن يجيب عن أسئلة الإمام حتى يحصل على تبرير لتربعه على عرش الفتيا، في العراق، ولكنه فشل ثم قال بتحسر:

- لا علم لي... لا علم لي -... لولا أن يقال دخل على ابن رسول الله، فلم يسأله عن شيء ما سألتك عن شيء.. فقس إن كنت مقيساً.

- لا.. لا أتلكم بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس.

ولكن الإمام (ع) ابتسم قائلاً:

كلا.. كلا.. إن حب الرئاسة غير تاركك.. كما لم يترك من قبلك.

(2) الإمام مالك بن أنس

هو أبو عبد الله، مالك بن أنس بن مالك، ولد في المدينة سنة 93هـ على أحد الأقوال وتوفى سنة 179هـ على أحد الأقوال، وقد ازدهر عهد مالك بالعلم وأصبحت المدينة يؤمها طلاب العلم من مختلف الأقطار الإسلامية، وامتازت مدرسة المدينة بالتمسك بالحديث ومحاربة مدرسة الرأي بالكوفة برئاسة أبي حنيفة، مما أحدث بينهما خلافاً وتنازعاً خرج عن حد العلم والموضوعية.


الصفحة 263
وكان في قبال هذه المدارس، مدرسة الإمام الصادق (ع) التي كانت تضج بالعلماء الوفود من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، الذين كانوا يتحينون الفرص للقاء أئمة أهل البيت (ع) وكان الصادق (ع)، أقلهم مضايقة من قبل السلطات. وقد انتمى مالك إلى مدرسته مدة من الزمن وأخذ عنه الحديث، فيعتبر من أكبر شيوخ مالك، ثم تتلمذ مالك على يد عدد من المشايخ، أثمال: عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبري وأبي حازم، وصفوان بن سليم، وغيرهم، وقد اختص مالك بملازمة والأخذ من وهب بن هرمز، نافع مولى بن عمر، وابن شهاب الزهري، وربيعة الرأي، وأبو الزناد، وقد تقدم مالك حتى تزعم مدرسة الحديث، ولكن سرعان ما تدخلت السياسة، لكي تنتصر لمدرسة الرأي، وتسخط على أهل الحديث ولذلك كان مالك بن أنس عرضة لضغوط الدولة حتى منعوه من الحديث وضُرب بالسياط لأجل فتوى أفتاها لم توافق هوى الدولة، وذلك في زمن ولاية جعفر بن سليمان سنة 146هـ فإنه تجرد مالكاً ومده وضربه بالسياط حتى انخلعت كتفاه.

قال إبراهيم بن حمّاد: كنت أنظر إلى مالك إذا أقيم من مجلسه حمل يده اليمنى أو يده اليسرى بالأخرى.

ومن الغريب والمثير جداً أنه بعد زمن قليل أصبح مالك مقدماً في الدولة، منوطاً بالعناية، وصل إلى مرحلة كان يتهيب منه الأمراء، فالسؤال الذي يطرح نفسه أي شيء حصل عند مالك حتى ترضى عنه الدولة وترفعه هذه المكانة؟

فهل كانت الدولة تبغضه لرأي معين تنازل عنه مالك؟

أم ثبت على ما يراه وتحملته الدولة وتنازلت له؟

أم هناك شيء آخر؟


الصفحة 264
وهذا السؤال الحائر، والاستفهام الذي يعترض من يدرس تاريخ الإمام مالك فيلاحظ تبدل العلاقة بينه وبين الدولة، من حالة ضغط وغضب إلى أن أخذ مالك والمنصور يتبادلان العواطف والثناء.

فالمنصور يقول لمالك: أنت والله أقل الناس وأعلم، ولئن بغيت لأكتبنّ قولك كما تُكتب المصاحف، ولأبعثنّ به إلى الآفاق فأحملهم عليه.

ومن هنا كانت انطلاقة مذهب الإمام مالك عندما أصبح رضاً للسلطان، وإلا فإن المسالة ليست علماً وعدمه بل ملك وسلطان ودعاية وإعلام، وحمل الناس بالرضا أوب القهر على تقليد المذهب، وهذا هو الذي دعى ربيعة الرأي - أستاذ مالك وأكثر منه علماً - أن يقول: أما علمتم أن مثقالاً من دولة خير حمل علم(1).

وعندما حصل مالك من السلطتن هذا الرضا، أخذ يقول: (وجدت المنصور أعلم بكتاب الله وسنة رسوله وآثار من مضى).

سبحان الله!، أي علم للمنصور، حتى يكون أعلم الناس بكتاب الله وسنة رسوله (ص)؟!

ولكنه التزلف، والتقرب إلى المُلك والسلطان.

وأما الدليل على أن مالكاً كان منزوياً عن السلطان؟! لم يحدثنا التاريخ انه وقف بجرأة أمام المنصور، يخالفه في أمر أو يعترض طريقه، كما فعل عبد الله بن مرزوق عدما التقى بأبي جعفر في الطواف، وقد تنحى الناس عنه، فقال له عبد الله: من جعلك أحق بهذا البيت من الناس تحول بينه وبينهم وتنحيهم منه؟!

فنظر أبو جعفر في وجهه فعرفه. فقال: يا عبد الله بن مرزوق، من جرأك على هذا، ومن أقدمك عليه؟

____________

1- طبقات الفقهاء لأبي اسحاق.


الصفحة 265
فقال عبد الله: وما تصنع بي؟ أبيدك ضرر أو نفع؟ والله ما أخاف ضرك ول أرجو نفعك، حتى يكون الله عز وجل يأذن لك فيّ.

قال المنصور: إنك أحللت بنفسك وأهلكتها.

فقال عبد الله: اللهم إن كان بيد أبي جعفر ضري، فلا تدع من الضر شيئاً إلا أنزلته علي، وإن كان بيده منفعتي، فاقطع عني كل منفعة منه، أنت يا رب بيدك كل شيء، وأنت مليك كل شيء.

فأمر به أبو جعفر، فحمله إلى بغداد، فسجنه بها ثم أطلقه(1).

ولذلك نجد مالكاً بعُد عن الإمام الصادق (ع)، لأنه لا يتفق مع آرائه من مجانبة السلطان والابتعاد عنه.

وأنا - في نظري - أن السبب الأساسي في غضب السلطة أولاً على مالك لأنها رأت منه تودداً للإمام الصادق (ع)، والشبهة التي كانت تدور في ذلك القوت، أن العرب يريدون أن يثاروا لأهل البيت، ولذلك نجد أن السلطة قربت الموالي ونصرت أبا حنيفة في الكوفة، وعندما انتفى هذا الأمر لم تجد السلطة طريقاً إلا أن تلمع شخصية مالك وتطرحه كرمز ديني للدولة، حتى يصدق عليها اسم الدولة الإسلامية، وخاصة أن العباسيين ثاروا على الأمويين بحجة أنهم بعدوا عن الدين، ولهذا نجد أن المرسوم الملكي صرح بصلاحيات لمالك لم تكن معهودة عند عالم من قبل: (إن رابك ريب من عامل المدينة أو عامل مكة أو أحد من عمال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك أو سوء أو شر في الرعية. فاكتب إليّ بذلك أُنزل بهم ما يستحقون).

فعظُمت بذلك منزلة مالك، فأخذ الولاة يهابونه هيبة المنصور، كما حدّث الشافعي عندما قدم المدينة يحمل كتاباً لواليها من والي مكة، ويطلب منه أن يوصله إلى مالكن فقال الوالي: يا فتى إن المشي من جوف المدينة إلى

____________

1- الإمامة والسياسة ج1ص 156.


الصفحة 266
جوف مكة حافياً راجلاً أهون عليّ من المشي إلى باب مالك، فلست أرى الذلة حتى أقف على باب داره(1).

وعندما جاء المهدي بعد المنصور عظُمت مكانة مالك وازداد قرباً إلى السلطة، فكان المهدي يجله ويحترمه ويصله بهدايا جزيلة، وعطاء وافر، ويظهر للناس شأنه وعلو منزلته وعندما جاء الرشيد لم يغير في الموازين فاحتفظ بمالك بمكانة وعظمة غاية التعظيم، فوقعت هيبة مالك في النفوس.

هكذا السياسة.

ترفع من تريد أن ترفعهن وتنسي ذكر من تريد له ذلك. وبعد ذلك ما هو المانع الذي يحول بين مذهب مالك من الانتشار بعد أن أصبح رضاً للدولة؟!.

لك الله يا سيدي، جعفر بن محمد الصادق (ع).

يعرفون أن الحق لك وعندك، ولا تجوز الإمامة لغيرك.

أو لم يقل مالك: (ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق، فضلاً وعلماً وعبادة وورعاً)(2).

ومع ظهور فضله، لم يلق (ع) وشيعته إلا الضغط والإرهاب والقتل والتشريد، والذي يشه به تاريخ الشيعة من وفاة رسول الله (ص) وطوال تاريخهم.

ولكني أتساءل، كما يتساءل صاحب كتاب (الإمام الصادق معلم الإنسان)، عندما قال: (إنني لا أتساءل لماذا ظل المسلمون ممزقين إلى سنة وشيعة، لا: وإنما أتساءل بدهشة: كيف استطاع الشيعة الصمود حتى اليوم، رغم كل الظروف القاهرة العصيبة، التي مروا بها في ظل الإرهاب

____________

1- معجم الأدباء ج 11 ص 275.

2- ابن شهراشوب، مناقب الإمام الصادق - الإمام الصادق معلم الإنسان ص 24.


الصفحة 267
الفكري والجسدي؟!.. ورغم لك محاولات طمس معالم الحق وتمزيق الإسلام؟!)(1).

وإلا، أو ليس من الظلم تقديم كل المذاهب على مهذب جعفر بن محمد (ع)؟!. بل، من المؤسف جداً أنه غير معروف إلى الآن حتى في أوساط المثقفين من طبقات المجتمع.

وأذكر يوماً، أن أستاذنا في الجامعة كان يدرسنا الفقه المالكي فاعترض عليه مجموعة من الطلبة قائلين: لماذا لا تدرسنا الفقه على المذاهب الأربعة؟ قال: أنا مالكي، وأهل السودان كلهم مالكية، ومن كانت منكم غير مالكي أن مستعد أن أدرسه مذهبه بصورة خاصة، قلت له: أنا غير مالكي أتدرسني مذهبي؟، قال: نعم، وما مذهبك؟ أشافعي أنت؟

قلت: لا.

قال: حنفي أنت؟

قلت: لا.

قال: حنبلي أنت؟

قلت: لا.

ظهرت الحيرة والاندهاشة على وجهه. قال:

- إذن من تقلد؟!

قلت: جعفر بن محمد الصادق (ع).

قال: ومن جعفر؟!

قلت: أستاذ مالك وأبي حنيفة، ومن ذرية أهل البيت، اشتهر مذهبه باسم المذهب الجعفري.

قال: ما سمعت بهذا المذهب من قبل.

____________

1- الإمام الصادق معلم الإنسان ص 52.


الصفحة 268
قلت: نحن الشيعة؟

قال: أعوذ بالله من الشيعة...

          وخرج.......!

فمن كان له تحظ وإعلام وسلطان بلغ الثريا، فمالك نفسه لم يكن طامعاً في هذه المرتبة لأنه يعلم أن هناك كثيرين أجدر منه بهذه المكانة.

ولكن السلطة تريده مرجعاً عاماً في الفتوى، وقد أمره المنصور بوضع كتاب يحمل الناس عليه بالقهر، فامتنع مالك فقال المنصور: ضعه فما أحد اليوم أعلم منك(1)، فوضع الموطأ، ونادى منادي السلطان أيام الحج: أن لا يفتي إلا مالك.

  انتشار المذهب المالكي:

انتشر المذهب المالكي بواسطة القضاة والملوك، ففي الأندلس حمل ملكها الناس على تقليد مذهب مالكن لما بلغه من مالك في مدحه عندما سأل عن سيرة الملك في الأندلس فذكر له عنها ما أعجبه، فقال: نسأل الله تعالى أن يزين حرمنا بملككم. فلما بلغ قوله إلى الملك حمل الناس على مذهبه، وترك مذهب الأوزاعي فاتبعه الناس خضوعاً لسلطته - فالناس على دين ملوكهم -.

وكذلك انتشر في أفريقيا بواسطة القاضي سحنون. يقول المقريزي: ولما ولي المعز ابن باديس حمل جميع أهل إفريقيا على التمسك بمذهب مالك وترك ما عداه، فرجع أهل إفريقيا وأهل الأندلس كلهم إلى مذهبه، رغبة فيما عند السلطان، وحرصاً على طلب الدنيا إذ كان القضاء والإفتاء في جميع تلك المدن لا يكون إلا لمن تسمى بمذهب مالك، فاضطرت العامة إلى

____________

1- شرح الموطأ للزرقاني ج1ص 8.


الصفحة 269
أحكامهم وفتاويهم، ففشا هذا المذهب هناك وحظي بالقبول لا بحسب مؤهلاته ومقوماته الروحية، وإنما سار على حسب نظام القوة التي خضع الناس لها بدون تبصر)(1).

وكذلك انتشر في المغرب عندما تولى علي بن يوسف بن تاشفين، في دولة بني تاشفين فعظم الفقهاء وقربهم، وكان لا يقرب إلا من كان مالكياً، فتنافس الناس في تحصيل المذهب المالكي فنُفقت في زمانه كتب المذهب وعملوا بها وتركوا ما سواها حتى قلّ اهتمام الناس بكتاب الله وسنة نبيه.

هكذا لعبت السياسة في دين المسلمين فأصبحت هي التي تتحكم في اعتقادتهم وتسيّر عباداتهم، فتوارث الناس المذاهب المفروضة وسلموا بها من غير جدال أو نقاش، وكان الأجدر أن يستقل كل جيل في معرفة ذلك ولا يقلد ويطيع طاعة عمياء.

قال ابن حزم: مذهبات انتشرا في مدبء أمرهما بالرئاسة والسلطان:

مذهب أبي حنيفة فإنه لما ولي أبو يوسف القضاء كان لا يولي قاضياً إلا من أصحابه المنتسبين إليه وإلى مذهبه.

والثاني: مذهب مالك عندنا في الأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكيناً عند السلطان مقبولاً في القضاء، فكان لا يولي قاضياً في أقطار الأندلس غلا بمشاورته واختياره ولا يسير إلا بأصحابه، والناس راع إلى الدنيا، فأقبلوا عل ما يرجون به بولغ أغراضهم(2).

  طعون على مالك:

تجاوزت في هذا المقام، أقوال المتعصبين له، وتركت ما عندهم من فضائل ما أنزل الله بها من سلطان، لأنها ليست ميزاناً واقعياً لمعرفة شخصية

____________

1- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج1 ص 166.

2- ابن خلكان ج 2 ص 116.


الصفحة 270
مالك، وإليك نموذجاً منها: (إن القيسي رأى النبي (ص) يمشي في طريق وأبو بكر خلفه وعمر خلف أبي بكر ومالك بن أنس خلف عمر وسحنون(1) خلف مالك)(2).

.. ومئات من أمثالها.. وهي قضايا تافهة وفضائل مصطنعة ليست جديرة بالنقاش.

واكتفيت هنا بكلمات العلماء وبعض المعاصرين لمالك، وهي آراء حرة لا تعدو أن تكون مجرد مؤاخذات علمية.

قال الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقال سعيد بن أيوب: لو أن الليث ومالك اجتمعا لكان مالك عند الليث أبكم ولباع الليث مالكاً في من يريد(3).

وسأل علي بن المديني يحيى بن سعيد: أيما أحب إليك رأي مالك أو رأي سفيان؟

قال: رأي سفيان لا يشك في هذا.

وقال: سفيان فوق مالك في كل شيء.

وقال يحيى بن معين: سمعت يحيى بن سعيد يقول سفيان أحب إليّ من مالك في كل شيء(4).

وقال سفيان الثوري: ليس له حفظ يعني مالكاً.

وقال ابن عبد البر: تلكم ابن ذويب في مالك بن انس بكلام فيه جفاء وخشونة، كرهت ذكرها(5).

____________

1- هو القاضي المالكي الذي نشر مذهب مالك في الأندلس.

2- مناقب مالك للزاوي ص 17، ص 18.

3- الرحمة الغيثية، لابن حجر ص6.

4- تاريخ بغداد ج10 ص 164.

5- جامع فضائل العلم ج25 ص 158.


الصفحة 271
وتكلم في مالك إبراهيم بن سعد، وكان يدعو عليه، وكذلك تكلم فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وابن أبي يحيى، ومحمد بن اسحقا الواقدي، وابن أبي الزناد، وعابوا أشياء من مذهبه.

وقال سلمة بن سليمان لابن المبارك: وضعت شيئاً في رأي أبي حنيفة ولم تضع في رأي مالك؟

قال: لم أره عالماً(1).

وقال ابن عبد البر في مالك: أنهم عابوا أشياء من مذهبه، وعن عبد الله بن إدريس قال: قدم علينا محمد بن إسحاق فذكرنا له شيئاً عن مالك، فقال: هاتوا عمله، وقال يحيى بن صالح: قال لي ابن أكثم: قد رأيت مالكاً وسمعت منه ورافقت محمد بن الحسن، فأيهما كان أفقه؟ فقلت: محمد بن الحسن فيما يأخذه لنفسه أفقه من مالك(2).

وكان أبو محمد بن أبي حاتم يقول: عن أبي زرعة عن يحيى بن بكير أنه قال: الليث أفقه من مالك، إلا أنه كانت الحظوة لمالك(3).

وقال أحمد بن حنبل: كان ابن أبي ذؤيب يشبه سعيد بن المسيب، وكان أفضل من مالكن إلا أن مالكاً أشد تنقية للرجال منه(4).

ومن كل هذه الأقوال يمكننا القول: بأنه ليس هناك أفضلية بمالك على غيره من العلماء، وليست له ميزة تؤهله للمرجعية الفقهية، ولكن السياسة لا تنظر للمؤهلات الموضوعية، فلها ميزانها الخاص الذي تقيم به على أساس

____________

1- المصدر السابق.

2- الخطيب البغدادي ج2ص 175.

3- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج1 ص498.

4- تذكرة الحفّاظ ج 1 ص 176.