8 - علي لا مع الأبطال ولا مع الفرسان ولا مع الشهود
لقد اطلعت على كل الروايات التي يرددها أهل السنة في مجال جمع القرآن الكريم، وعرفنا أبطال هذه المفخرة الجليلة وفرسانها، وعجبت من أنه ليس بين هؤلاء الأبطال والفرسان رجل واحد من آل محمد، ولا حتى علي (عليه السلام) الذي أعلن على رؤوس الأشهاد قائلا (سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار وفي سهل أم جبل) أخرجه بن سعد، راجع تاريخ الخلفاء صفحة 185. وهو الهادي بنص الشرع، وهو ولي المؤمنين بنص الشرع، وهو الصديق الأكبر بنص الشرع، والفاروق الأعظم بنص الشرع، وهو مولى أبي بكر وعمر ومولى كل مؤمن ومؤمنة بنص الشرع، ومن ليس بمولاه فليس بمؤمن بنص الشرع، وهو باب مدينة العلم والحكمة اللدنية بنص الشرع، ومنزلته من النبي كمنزلة هارون من موسى بنص الشرع وبإقرار معاوية بن أبي سفيان، وهو زوج البتول، ووالد السبطين، وهو فارس الإسلام الأول، حبه إيمان وبغضه نفاق بنص الشرع. راجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام، فقد أقمت الحجة القاطعة. إلخ.
فإن قالوا: نسوا الآل الكرام، فالصلاة على النبي وآله جزء من الصلاة المفروضة على العباد، والآل هم الثقل الأصغر والقرآن هو الثقل الأكبر بالنص الشرعي، فإذا نسوا الآل الكرام فكيف ينسى علي (عليه السلام)؟ وهو عميد أهل البيت وعميد قريش كلها!!!
وإنا لله وإنا إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل.
وكم من مرة قال الإمام علي (اللهم إني أستعينك على قريش ومن أعانهم، فقد قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي...) أو كما قال أبو رية في كتابه الرائع أضواء على السنة المحمدية: لك الله يا علي!!
الفصل الرابع
نقد النظرية الرسمية في جمع القرآن
1 - نقد نظرية عدم جمع القرآن في عهد النبي
أهل البيت الكرام وشيعتهم ينزهون النبي الأعظم عن ترك الأمة دون راع، كما أنهم ينزهونه عن ترك القرآن الكريم دون جمع، وكيف لا يجمعه وهو معجزته، وقانون دولته، والدليل على صحة نبوته، وكيف يصح الركون عقلا لنظرية السلطة وشيعتها في موضوع جمع القرآن؟!!!
في كتاب الفريد البيان في تفسير القرآن وعلى الصفحات من 239 - 259 عالج الإمام الخوئي موضوع جمع القرآن الكريم، فنقل روايات أهل السنة ووضع تحت تصرف عاشقي الحقيقة النص الحرفي لهذه الروايات، ثم أثبت أنها متناقضة تماما من حيث الوجوه التالية:
متى جمع القرآن؟ ظاهر الرواية الأولى أن الجمع كان في زمن عثمان، وصريح الروايات الأولى والثالثة والرابعة، وظاهر البعض الآخر أنه كان في زمن أبي بكر، وصريح الروايتين السابعة والثانية عشر أنه كان في زمن عمر.
من الذي تصدى لجمع القرآن حسب هذه الروايات؟ تقول الروايات الأولى والثانية والعشرون أن المتصدي زيد بن ثابت، وتقول الرواية الرابعة أنه أبو بكر نفسه، وإنما طلب من زيد أن ينظر، وتقول الرواية الخامسة أن المتصدي هما زيد وعمر.
هل بقي من الآيات ما لم يدون إلى زمن عثمان؟ ظاهر كثير من الروايات بل صريحها أن عثمان لم ينقص مما كان مدونا قبله، وصريح الرواية الرابعة عشر أنه محا مما دون قبله، فأمر المسلمين بمحو ما محاه.
من الذي طلب جمع القرآن؟ تقول الرواية الأولى أن الذي طلب من أبي بكر جمع القرآن هو عمر، وأن أبا بكر أجابه بعد الامتناع، فأرسل إلى زيد وطلب منه ذلك، فأجابه بعد الامتناع.
وتقول الرواية العاشرة أن زيدا وعمر طلبا ذلك من أبي بكر، فأجابهما بعد مشاورة المسلمين.
من الذي جمع المصحف الإمام وأرسل منه نسخا إلى الأمصار؟ تقول الرواية الثانية إنه كان عثمان، وصريح الرواية الثانية عشرة أنه كان عمر!
متى ألحقت الآيتان بآخر سورة براءة؟ صريح الروايات الأولى والحادي عشر والثانية والعشرين أن إلحاقهما كان في زمن أبي بكر، وصريح الرواية الثامنة وغيرها أنه كان في عهد عمر.
من أتى بهاتين الآيتين؟ صريح الروايتين الأولى، والثانية والعشرين أنه كان أبو خزيمة، وصريح الروايتين الثامنة والحادية عشرة أنه القرطبي.
بما ثبت أنهما من القرآن؟ بشهادة الواحد على ما هو ظاهر الرواية الأولى وصريح الروايتين التاسعة والثانية والعشرين، وبشهادة عثمان معه على ما هو صريح الرواية الثامنة، وبشهادة عمر على ما هو صريح الرواية الحادية عشر.
من عينه عثمان لكتابة القرآن وإملائه؟ صريح الرواية الثانية أن عثمان عين للكتابة زيدا وابن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن.
وصريح الرواية الخامسة عشرة أنه عين ثقيفا للكتابة، وهذيلا للإملاء، وصريح الرواية الثامنة عشرة أن
تعارض روايات الجمع فيما بينها: أن هذه الروايات معارضة بما دل على أن القرآن كان قد جمع وكتب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد روى جماعة منهم ابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي، عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين ففرقتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتموهما في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟
فقال عثمان: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يأتي عليه الزمان ينزل عليه السورة ذات العدد، وكان إذا نزل عليه الشئ يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، وقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك فرقت بينهما ولم أكتب سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتها في السبع الطوال.
وقد نقل الخوئي هذه الرواية عن منتخب الكنز العمال مجلد 2 صفحة 48.
وروى الطبراني، وابن عساكر عن الشعبي قال (جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ستة من الأنصار: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وأبو زيد، وكان مجمع بن جارية قد أخذه إلا سورتين أو ثلاثة - منتخب الكنز مجلد 2 صفحة 52
وروى قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي؟ قال:
أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو زيد - صحيح البخاري باب القراء من أصحاب النبي مجلد 6 صفحة 202
وأخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر قال (جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إقرأه في شهر - الإتقان، النوع 20 مجلد 1 صفحة 124.
ويضيف الإمام الخوئي قائلا: ولعل قائلا يقول: أن المراد من الجمع في هذه الروايات هو الجمع في الصدور لا التدوين، ولا يخفى أن هذا القول دعوى لا شاهد عليها، أضف إلى ذلك أنك ستعرف أن حفاظ القرآن الكريم على عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من أن تحصى أسماؤهم، فكيف يمكن حصرهم في أربعة أو ستة؟ وأن المتصفح لأحوال الصحابة وأحوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحصل له اليقين بأن القرآن كان مجموعا على عهد رسول الله، وأن عدد الجامعين له لا يستهان به.
وأما ما روى البخاري بإسناده عن أنس قال: مات النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، فمطروح لأنه معارض للروايات المتقدمة، حتى لما رواه البخاري بنفسه، ويضاف إلى ذلك أنه غير قابل للتصديق، وكيف يمكن أن يحيط الراوي بجميع أفراد المسلمين حين وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، على كثرتهم، وتفرقهم في البلاد، ويستعلم أحوالهم ليمكنه أن يحصر الجامعين للقرآن في أربعة؟ وهذه الدعوى تخرص بغير علم.
وصفوة القول: أنه مع هذه الروايات كيف يمكن أن يصدق أن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بعد خلافته؟ وإذا سلمنا بذلك فلماذا أمر زيدا وعمر بجمعه من اللخاف، والعسب، وصدور الرجال، ولم يأخذه من عبد الله ومعاذ وابن أبي، وقد كانوا عند الجمع أحياء، وقد أمروا بأخذ القرآن منهم ومن سالم؟ نعم إن سالما قد قتل في حرب اليمامة فلم يمكن الأخذ منه، على أن زيدا نفسه كان أحد الجامعين للقرآن على ما يظهر من هذه الرواية، فلا حاجة إلى التفحص والسؤال من غيره، بعد أن كان شابا عاقلا غير متهم، كما يقول أبو بكر.
تعارض روايات الجمع مع الكتاب: إن هذه الروايات معارضة بالكتاب، فإن كثيرا من آيات الكتاب الكريمة دالة على أن سور القرآن كانت متميزة في الخارج بعضها عن بعض، وأن السور كانت منتشرة بين الناس، حتى المشركين وأهل الكتاب، فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد تحدى الكفار والمشركين على الإتيان بمثل القرآن، وبعشر سور من مثله مفتريات، وبسورة من مثله، ومعنى هذا أن سور القرآن كانت في متناول أيديهم.
وقد أطلق لفظ الكتاب على القرآن في كثير من الآيات، وفي قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي) وفي هذا دلالة صريحة على أنه كان مكتوبا مجموعا لأنه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور، بل ولا على ما كتب في اللخاف والعسب، والأكتاف، إلا على نحو المجاز والعناية، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة، فإن لفظ الكتاب ظاهر في ما كان له وجود واحد جمعي، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزءا غير مجتمع، فضلا عما إذا لم يكتب وإنما كان محفوظا في الصدور فقط.
مخالفة أحاديث الجمع مع حكم العقل: إن هذه الروايات مخالفة لحكم العقل، فإن عظمة القرآن في نفسه، واهتمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لحفظه وقراءته، واهتمام المسلمين بما يهتم به النبي (صلى الله عليه وآله)، وما يستوجب ذلك من الثواب، كل ذلك ينافي جمع القرآن على النحو المذكور في تلك الروايات، فإن في القرآن جهات عديدة كل واحدة منها تكفي لأن يكون القرآن موضعا لعناية المسلمين وسببا لاشتهاره حتى بين الأطفال والنساء منهم، فضلا عن الرجال، وهذه الجهات هي:
1 - بلاغة القرآن: فقد كانت العرب تهتم بحفظ الكلام البليغ، ولذلك فهم يحفظون أشعار الجاهلية وخطبها، فكيف بالقرآن الذي تحدى ببلاغته كل بليغ، وأخرس بفصاحته كل خطيب لسن، وقد كانت العرب بأجمعهم متوجهين إليه سواء في ذلك مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن يحفظه لإيمانه، والكافر يتحفظ به لأنه يتمنى معارضته وإبطال حجته.
3 - إن حفظ القرآن سبب لارتفاع شأن الحافظ بين الناس وتعظيمه عندهم، فقد علم كل مطلع على التاريخ ما للقراء والحفاظ من المنزلة الكبيرة، والمقام الرفيع بين الناس، وهذا أقوى سبب لاهتمام الناس بحفظ القرآن جملة، أو بحفظ القدر الميسور منه.
4 - الأجر والثواب الذي يستحقه القارئ والحافظ بقراءة القرآن وحفظه.
هذه أهم العوامل التي تبعث على حفظ القرآن والاحتفاظ به، وقد كان المسلمون يهتمون بشأن القرآن، ويحتفظون به أكثر من اهتمامهم بأنفسهم وبما يهمهم من مال وأولاد.
وقد ورد أن بعض النساء جمعت القرآن كله، أخرج بن سعد في الطبقات:
أنبأنا الفضل بن دكين، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع قال: حدثني جدي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن - أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين غزا بدرا قالت له: أتأذن لي فأخرج معك، أداوي جرحاكم، وأمرض مرضاكم، لعل الله أن يهدي لي شهادة؟ قال:
إن الله مهد لك شهادة - الإتقان، النوع 20 مجلد 1 صفحة 125.
وإذا كان هذا حال النساء فكيف يكون حال الرجال، وقد عد من حفاظ القرآن على عهد رسول الله جم غفير؟ قال القرطبي (قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بئر معونة مثل هذا العدد) الإتقان مجلد 20 صفحة 122، وراجع تفسير القرطبي مجلد 1 صفحة 50، وقد تقدم في الرواية العاشرة أنه قتل من القراء يوم اليمامة 400 رجلا، وقد كان للنبي كتاب عديدون، ولا سيما أن القرآن نزل نجوما في مدة 23 سنة.
كل هذا يورث لنا القطع بأن النبي كان قد أمر بكتابة القرآن على عهده، روى زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع. (قال الحاكم: هذا حديث
روى عبادة بن الصامت قال (وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن) مسند أحمد مجلد 5 صفحة 324
وروى كليب قال (كنت مع علي (عليه السلام) فسمع ضجتهم في المسجد يقرأون القرآن فقال: طوبى لهؤلاء) كنز العمال مجلد 2 صفحة 185
وعن عبادة بن الصامت قال (كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع من مسجد رسول الله ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا) مناهل العرفان صفحة 324.
نعم إن حفظ القرآن ولو بعضه كان رائجا بين الرجال والنساء من المسلمين، حتى أن المسلمة قد تجعل مهرها تعلم سورة من القرآن أو أكثر رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي، التاج مجلد 2 صفحة 332
ومع هذا الاهتمام كله كيف يمكن أن يقال: إن جمع القرآن قد تأخر إلى زمن خلافة أبي بكر، وإن أبا بكر احتاج في جمع القرآن إلى شاهدين يشهدان أنهما سمعا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
2 - شجرة اجتثت ما لها من قرار
نكرر نحن أهل السنة بلا كلل ولا ملل، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد انتقل إلى جوار ربه، ولم يبين من هو الخليفة من بعده، ولا بين كيفية محددة لاختيار خليفته، ولا كيف ينتقل منصب الخليفة، ونتيجة عدم البيان هذا، ضاع الناس سياسيا، وأوشكت أن تحدث فتنة لولا أن قيض الله لهذه الأمة أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وسنا سنة ولاية
كذلك نكرر نحن أهل السنة بلا كلل ولا ملل بأن رسول الله أيضا لم يجمع القرآن في كتاب واحد، بل تركه متفرقا مبعثرا في صدور الرجال، والأكتاف، والألواح المتفرقة بين المسلمين، وأدرك الصديق والفاروق رضي الله عنهما أنهما إن تركا القرآن الكريم دون جمع كما تركه رسول الله فإن الدين سيضيع تماما وسيندثر القرآن الكريم وهو معجزة النبي، وقانون الدولة الإسلامية، لذلك نهدا لهذه المهمة التاريخية، وقاما بجمع القرآن! وسموه المصحف!
هذه النظرية هي في حقيقتها كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، وهي لا تثبت لا بحكم العقل، ولا بحكم الشرع، وهي في ميزان الحق والحقيقة لا تقدم ولا تؤخر، وما هي إلا وسيلة من وسائل إبراز فضل الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم، وقد أغنى الله هؤلاء الخلفاء عن الفضل الذي سينسب إليهم على حساب القرآن الكريم، وعلى حساب النبي العظيم.
ومع أن هذه النظرية لا تستقيم بأي مقياس موضوعي، ولا تقدم ولا تؤخر إلا أنها وبسبب نسيجها الواهي فتحت على القرآن الكريم أبواب الشائعات، والشائعات لا تؤثر على الحقيقة، إلا أنها قد تبلبل أفكار العامة، وتفتح شبهة ظنون أعداء الإسلام، وتغذي ظنونهم المريضة عن الإسلام.
3 - شائعات بنقص سور من القرآن الكريم
جاء في صحيح مسلم مجلد 3 صفحة 100 باب لو كان لابن آدم واديين كتاب الزكاة - أن أبا موسى الأشعري بعث إلى قراء البصرة وكانوا ثلاثمائة رجل فقال من جملة ما قال: وإن كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني حفظت (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ودايا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب).
وجاء في الإتقان في علوم القرآن مجلد 2 صفحة 25، والدرر المنثور صفحة 105
عن أبي موسى الأشعري قوله إنها نزلت سورة شديدة نحو براءة في الشدة، ثم رفعت وحفظت منها (إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم) ونحوه في مجلد 6 صفحة 378 من الدر المنثور.
4 - شائعات بنقص آية أو زيادة أية في القرآن الكريم
وهذه الشائعات منتشرة في كتب حديث أهل السنة كلها، ولا تجد صحيحا من صحاح أهل السنة يخلو منها، وكلها تذهب إلى الزعم بوجود نقص في القرآن، أو زيادة في القرآن الكريم، ولم نر حاجة لإيراد هذه النصوص والأحاديث، لأنها برأينا بنيت على افتراض أن رسول الله انتقل إلى جوار ربه ولم يجمع القرآن ولم يكتبه، فجاء الخلفاء فجمعوا هذا القرآن، فجاءت تلك الأحاديث ثمرة طبيعية من ثمرات هذه المقولة التي تسند جمع القرآن للخلفاء الثلاثة، وحتى لا يتصور متصور أننا نتقول القول تقولا عليهم فسنذكر بعض كتب الحديث التي وثقت هذه الشائعات.
كتب الحديث وثقت شائعات علماء الدولة: صحيح بخاري مجلد 4 صفحة 120 باب رجم الحبلى من كتاب الحدود، وصحيح مسلم مجلد 5 صفحة 116، وسنن أبي داود مجلد 2 صفحة 229 في الرجم من كتاب الحدود، والترمذي مجلد 6 صفحة 204 باب ما جاء في تحقيق الرجم من كتاب الحدود، وسنن ابن ماجة الحديث 2553، والدارمي مجلد 2 صفحة 179 كتاب الحدود، والموطأ مجلد 3 صفحة 42 كتاب الحدود وصحيح مسلم مجلد 4 صفحة 167 كتاب الرضاع، وأبو داود مجلد 1 صفحة 279، والنسائي مجلد 2 صفحة 82 كتاب النكاح، وابن ماجة مجلد 1 صفحة 626 كتاب النكاح الحديث 1944، وموطأ مالك مجلد 2 صفحة 118 كتاب الرضاع، والدارمي مجلد 1 صفحة 157 كتاب النكاح، وصحيح مسلم مجلد 3 صفحة 100 كتاب الزكاة،
ولو أردنا أن نتتبع الأحاديث التي تقول بزيادة في القرآن أو نقص فيه، لما اتسع لتلك الأحاديث هذا المجلد، ويمكن لمن أراد أن يقف على موجزها أن يقرأ كتاب آراء علماء المسلمين للسيد مرتضى الرضوي من 185 - 248، وقد أعرضنا عن ذكر هذه الأحاديث لعدم إنتاجيتها، ولأنها مبنية على فرض أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك القرآن وهو معجزته الكبرى دون جمع، مما اضطر الخلفاء لتلاشي ما تركه الرسول، وهذا غير وارد بكل المقاييس العقلية والشرعية.
لقد رأينا كيف ترنحت نظرية السنة وتداعت واعتراها الخور وانهارت أمام هذا التحليل الرائع العلمي والعقلي لأحد مراجع الشيعة وسليل شجرة النبوة المباركة السيد أبو القاسم الخوئي، وتوجب علينا بعد ذلك وحتما مقضيا أن نبسط الخطوط العريضة لنظرية المعارضة أو شيعة أهل البيت الكرام في موضوع جمع القرآن الكريم.
الفصل الخامس
نظرية أهل البيت وشيعتهم في جمع القرآن
1 - تمسك الإمامية بالقرآن
إن الإمامية أشد تمسكا بالقرآن الكريم، ومحافظة عليه وتعظيما له، ومنه يستقون عقيدتهم وأحكامهم، وبه يدفعون شبهات المبطلين، وأقوال المتحذلقين، فهو عندهم المعجزة الكبرى، والمقياس الصحيح للحق والهداية، فقد رووا أن أئمتهم أمروهم أن يعرضوا ما ينقل عنهم على القرآن، فإن خالفه فهو كذب وافتراء، وزخرف وباطل، يجب ضربه في عرض الجدار. آراء علماء المسلمين للسيد مرتضى الرضوي صفحة 150، وراجع الشيعة في الميزان صفحة 314
قال تعالى (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) المصدر السابق صفحة 150 وعلماء الشيعة الإمامية يستدلون بهذه الآيات لنفي الزيادة والنقصان. المصدر السابق صفحة 150
2 - عقيدة جمع القرآن الكريم على عهد النبي
قال الإمام شرف الدين العاملي (وكان القرآن مجموعا أيام النبي (صلى الله عليه وآله) على ما هو عليه الآن من الترتيب والتنسيق، في آياته وسوره وسائر كلماته وحروفه بلا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير، ولا تبديل ولا تغيير، إن القرآن كان عند الشيعة مجموعا على عهد النبي والوحي، مؤتلفا على ما هو عليه الآن، وقد كان القرآن زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلق عليه الكتاب قال تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) وهذا يشعر بأنه كان مجموعا ومكتوبا، فإن ألفاظ القرآن إذا كانت محفوظة ولم تكن مكتوبة لا تسمى كتابا، وإنما تسمى بذلك بعد الكتابة كما لا يخفى...
ورأي المحققين من علماء الشيعة هو أن القرآن العظيم إنما هو ما بين الدفتين الموجود في أيدي الناس، والباحثون من أهل السنة يعلمون ذلك، والمنصفون منهم يصرحون به.
والمعروف عدم وقوع التحريف في القرآن، وأن الموجود بين أيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الأعظم، وقد صرح بذلك كثير من الأعلام منهم: العالم الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدمة تفسيره آلاء الرحمن، والشيخ المفيد، والشيخ البهائي... والمشهور بين علماء الشيعة الإمامية ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف (ولا يوجد في القرآن الكريم زيادة ولا نقصان). آراء علماء المسلمين صفحة 151 - 152 للسيد مرتضى العسكري صفحة 157 - 158
قال الشيخ الصدوق في كتابه (الإعتقاد) اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره ماءة وأربع عشرة سورة. وعندنا أن الضحى وألم نشرح لك صدرك سورة واحدة، ولإيلاف قريش وألم تر كيف سورة واحدة، ومن نسب إلينا أننا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب. كتاب الإعتقاد صفحة 63 طبع طهران.
وقال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (أقول بسلامة القرآن الكريم). أوائل المقالات في المذاهب المختارات صفحة 95 طبع طهران.
وقال الشيخ الطوسي (اعلم أن القرآن معجزة عظيمة على صدق النبي (عليه السلام) بل هو أكبر المعجزات وأشهرها... إلى أن قال: وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضا، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان فيه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح... وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته ينبغي أن نتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه. تفسير التبيان مجلد 1 صفحة 3
إلى أن قال: والعلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، وقد عرفوا كل شئ اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟ إلخ. مجمع البيان مجلد 1 صفحة 15 وصفحة 165 من آراء علماء المسلمين.
وقال الفيض الكاشاني (قال تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وقال إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير؟
وقال الشيخ العلامة جعفر الجناحي النجفي: لا زيادة فيه من سورة ولا آية من بسملة وغيرها، ولا كلمة ولا حرف، وجميع ما في الدفتين مما يتلى كلام الله تعالى
وقال الشيخ آل كاشف الغطاء (وإن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله للإعجاز والتحدي وتمييز الحلال من الحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم). أصل الشيعة وأصولها صفحة 133 وصفحة 172 من آراء علماء المسلمين.
وقال السيد الشريف شرف الدين (والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) إنما هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة ولا لحرف بحرف، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواترا قطعيا إلى عهد الوحي والنبوة، وقد كان مجموعا على ذلك العهد الأقدس مؤلفا على ما هو عليه الآن، وكان جبريل (عليه السلام) يعرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقرآن في كل عام، وقد عارضه به عام وفاته مرتين والصحابة كانوا يعرضونه ويتلونه على النبي (صلى الله عليه وآله) حتى ختموه عليه مرارا عديدة، وهذا كله من الأمور المعلومة الضرورية لدى المحققين من علماء الإمامية. الفصول المهمة في تأليف الأمة صفحة 162 وصفحة 169 من آراء علماء المسلمين.
وروى روح بن عبد الرحيم، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن شراء المصاحف وبيعها فقال: إنما كان يوضع الورق عند المنبر وكان ما بين المنبر والحائط قدر ما تمر الشاة أو رجل منحرف قال: فكان الرجل يأتي ويكتب من ذلك، ثم إنهم اشتروا قلت: فما ترى إن أعطي على كتابته أجرا؟ قال: لا بأس ولكن هكذا كانوا يصنعون.
وروى سليم بن قيس الهلالي، قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله (صلى الله عليه وآله) غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن
ورجل سمع من رسول الله شيئا لم يحمله على وجهه ووهم فيه، ولم يتعمد كذبا فهو في يده، يقول به ويعمل به ويرويه فيقول: أنا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو أنه وهم لرفضه.
ورجل ثالث سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، شيئا أمر به ثم نهى عنه هو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ، ولو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.
وآخر الرابع لم يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، لم ينسه، بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع، لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ من المنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ فإن أمر النبي (صلى الله عليه وآله) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ (وخاص وعام) ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكلام له وجهان: كلام عام، وكلام خاص، مثل القرآن وقال الله
3 - تهمة والرد عليها
قال الإمام شرف الدين العاملي: نسب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن بإسقاط كلمات وآيات... إلخ. فأقول: نعوذ بالله من هذا القول، ونبرأ إلى الله تعالى من هذا الجهل، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا، أو مفتر علينا، فإن القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته
4 - الغاية من التوسع في بسط نظرية شيعة أهل البيت
لقد أبرزت التقاطيع الأساسية لنظرية شيعة أهل البيت في موضوع جمع القرآن، ونقلت حرفيا لكثير من أقوال علمائهم في هذا المجال، بسبب أن الأكثرية الساحقة من علمائنا نحن أهل السنة يجهلون جهلا مطبقا وجهة نظر شيعة أهل البيت في مختلف الأمور.
ولهذا ما زالوا يرددون نفس المقولات التي قيلت عن الشيعة قبل 1200 عام، ويتصورون أن هذه المقولات هي بعينها وجهة نظر أهل الشيعة، مع أن هذه المقولات قالها أعداء شيعة أهل البيت، فكان أعداء الشيعة هم الخصم، وهم الشهود، وهم الحكم بنفس الوقت، والضحية في النتيجة الشيعة والعدالة.
والعدالة مقصود شرعي، حتى ولو كان أطراف القضية من أهل الكتاب أو المشركين.
وقد تندهش إذا علمت أن أساتذة جامعات يدرسون الشريعة الإسلامية ومع هذا لا يفهمون معنى التشيع، ولا يفهمون معنى أهل البيت، ويعتقدون أن للشيعة قرآنا غير قرآننا نحن أهل السنة، وأنهم يقولون بوجود نبي غير نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل ويشككون بإسلام الشيعة مع أن الشيعة تعلموا الإسلام عن طريق أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين ورثوا علم النبوة، وواكبوا
هؤلاء هم أساتذة شيعة أهل البيت.
أما أساتذتنا نحن أهل السنة فهم عمليا معاوية، وابنه يزيد، وخلفاء بني أمية، لأن التدوين وخاصة كتابة الحديث وروايته انتشر في عهدهم، ومن المعروف أن بني أمية طلقاء أسلموا يوم الفتح، ومعرفتهم بالدين محدودة، وأنهم حاربوا النبي والإسلام واحدا وعشرين عاما حتى أحيط بهم، فاضطروا للإسلام لأن كل الأبواب قد أغلقت في وجوههم إلا باب الإسلام!
فأئمة أهل البيت مدرسة علمية، وطلاب هذه المدرسة هم شيعة أهل البيت.
وخلفاء بني أمية ومن والاهم كأبي هريرة مدرسة، وطلاب هذه المدرسة هم أهل السنة. فما الداعي للتفريق بين طلاب مدرستين إسلاميتين!!
هذا إذا اعتبرنا أن أمية كهاشم، وأن المهاجر تماما كالطليق، وأن من قاتل تحت لواء الإسلام هو تماما مثل الذي قاتل الإسلام.
على الأقل لنعامل طلاب المدرستين بروح المساواة والأخوة، وليكن هدف أتباع المدرستين الوقوف على الحقائق الشرعية المجردة.
الفصل السادس
موقع بيان النبي من المنظومة الحقوقية
1 - الركيزة الثانية من المنظومة الحقوقية الإلهية
وهي نبي الله المرسل، بذاته، وقوله، وفعله، وتقريره، ولو لا (المماحكة) والتقليد الأعمى، وأحابيل السياسة ومكرها، فإن محمدا خاتم الأنبياء غني عن التعريف بذاته وقوله وفعله وتقريره، وللأسباب التي ذكرناها لا بد من أن نفرد أبوابا أربعة، للذات، وللقول، وللفعل وللتقرير.
2 - ذات النبي عند الحكام وشيعتهم
إنها أحسن ذات عرفتها الخليقة، فهو المؤتمن على الوحي الإلهي وهو المكلف بتبليغ آخر رسالة إلهية لبني البشر، وهي رسالة الإسلام بصيغتها النهائية، وهو خيرة الله من خلقه (شجرته خير الشجر، وعترته خير العتر) فهو الأسوة والقدوة، طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، واتباعه محبة لله، وطريق المغفرة، والإيمان به إيمان بالله، والكفر به كفر بالله، صادق مصدق في كل شئ، لا ينطق عن الهوى، فما يقوله حق لا ريب فيه، (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) سورة النجم آية 3، (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) الأحزاب آية 21، (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) سورة آل عمران آية 31، (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه) سورة الأعراف آية 158.
فكلما قاله الرسول حق، لأنه المبين للقرآن البيان القائم على الجزم واليقين، وهو قائد الأمة إلى الصراط المستقيم بتفويض من ربه، وبرعاية وعناية إلهية تسدده في كل خطوة من خطواته، بلغ القرآن حرفيا، فهو صادق، وكفى بالله شهيدا، وبين القرآن بيانا كاملا فهو صادق في بيانه وكفى بالله شهيدا، وقاد الأمة حتى وضعها على الصراط المستقيم، وهو موفق بقيادته وكفى بالله شهيدا، فالفصل بين النبي وبين القرآن مرفوض لأن من شك في النبي فقد شك في القرآن، ومن آمن بالقرآن ولم يؤمن بالنبي فهو كافر، ومن آمن بالنبي ولم يؤمن بالقرآن فهو كافر، فالقرآن والنبي جملة كاملة تساوي الإسلام، والهدى لا يطلب إلا بالاثنين معا، القرآن والنبي، والتمسك بأحدهما دون الآخر ضلالة ستقود صاحبها إلى النار حتما، فالنبي بالضرورة هو الإنسان الكامل وكماله الإنساني ضرورة من ضرورات تبليغ رسالة الكمال الإلهية، فلو لم تتوفر فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصية الكمال الإنساني، لما كان مؤتمنا على تبليغ رسالة الكمال الإلهية.
ولا عجب في ذلك، فقد تنتشر الأمراض بين أفراد شعب، فتقوم دولة ذلك الشعب باختراع مصل وتقوم بتطعيم رعاياها ضد هذا المرض، فينجو الذين تطعموا ولا يصيبهم هذا المرض ولا يؤثر فيهم، والأطباء بشر، والأمصال من صنع البشر فهل نستكثر على رب البشر أن يطعم أنبياءه ورسله ضد الخطأ!!
3 - ذات النبي عند قادة التاريخ الإسلامي وشيعتهم
روى البخاري ومسلم في كتاب الدعوات باب قول النبي من آذيته، وروى مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة باب من لعنه النبي، فقالا - البخاري ومسلم إن رسول الله كان يغضب، فيلعن ويسب ويؤذي من لا يستحقها، ودعى الله أن يجعلها لمن بدرت منه إليه زكاة وطهورا! تمعن بهذا الحديث، ثم أتل قول الله تعالى في نبيه (وإنك لعلى خلق عظيم) سورة القلم آية 2، فالشخص العادي، الذي لا تتوفر فيه صفات النبوة يترفع عن لعن وسب من لا يستحق اللعنة والمسبة، فكيف بالنبي ذي الخلق العظيم، السمح، اللين، الذي لا يعرف الفضاضة إطلاقا، صاحب الصدر الواسع؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، إذا كانت الأمور على هذه الشاكلة، فمن مصلحة كل مسلم أن يثير غضب النبي، حتى يسبه النبي ويشتمه، ويحصل على الزكاة والطهر!!!.
إن هذا لأمر عجاب!!
4 - وظيفة هذا الحديث
جاء في السيرة الحلبية مجلد 2 صفحة 234 طبعة مصر (أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صار يقول:
اللهم العن فلانا وفلانا.
وأخرج البخاري عن يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، فأنزل الله (ليس لك من الأمر شئ) إلى قوله (فإنهم ظالمون).
وقال السيوطي وأخرج أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد: (اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو واللهم العن صفوان بن أمية).
ثم قال السيوطي، وأخرج الترمذي، وصححه وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يدعو على أربعة نفر وكان يقول في صلاة الفجر: اللهم العن
وأخرج نصر بن مزاحم المنقري، عن عبد الغفار بن القاسم، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اللهم العن التابع والمتبوع، اللهم عليك بالأفيعس، فقال ابن البراء لأبيه، من الأفيعس؟ قال: معاوية.
وأخرج نصر عن علي بن الأقمر في آخر حديثه قال: فنظر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى أبي سفيان وهو راكب، ومعاوية وأخوه أحدهما قائد والآخر سائق، فلما نظر إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: اللهم العن القائد والسائق والراكب، قلنا: أنت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟!
قال: نعم وإلا صمت أذناي كما عميت عيناي. راجع وقعة صفين صفحة 217 تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، طبع مصر، وصفحة 220، وراجع النهاية في غريب الحديث والأثر مجلد 4 صفحة 87 و 88 وصفحة 75 من آراء علماء المسلمين.
ولا يماري أحد بأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعن الحكم بن العاص، ولعن ما في صلبه، وطرده من المدينة ونفاه إلى منطقة وج، وحرم عليه دخول المدينة، ولما انتقل رسول الله إلى جوار ربه راجع عثمان أبا بكر ليدخل الحكم بن العاص إلى المدينة فرفض الصديق ذلك، ولما توفي الصديق راجع عثمان الفاروق ليدخله المدينة فرفض الفاروق ذلك، ولما آلت الأمور إلى عثمان أدخل الحكم بن العاص معززا مكرما، وأعطاه ماءة ألف درهم دفعة واحدة! ولا أحد من أهل الملة ينكر هذه الوقائع.
5 - أبو سفيان
قاد الشرك في حربه مع النبي واحدا وعشرين سنة هو وأولاده وبنو أمية، واشترك في حصار بني هاشم، وحاول أن يقتل النبي، وفشلت المحاولة، وقاد الأحزاب، وبانهيار أبي سفيان وأولاده انهارت جبهة الشرك، واستمرت عداوة أبي سفيان وأولاده لرسول الله ولآله وللإسلام 21 عاما بلا انقطاع، فهل يستغرب عاقل أن يلعن رسول الله من كان هذا حالهم؟!
6 - الحكم بن العاص
لقد كثر إيذاء الحكم لرسول الله، كما هو معروف، ومن أجل هذا نفاه الرسول ورفض صاحباه إعادته، بالرغم من إلحاح عثمان. خاطبت أم المؤمنين مروان بن الحكم بن العاص قائلة: كذبت والله ما هو به، ولكن رسول الله لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان فضض من لعنة الله عز وجل! والفضض القطعة. راجع تاريخ ابن الأثير مجلد 3 صفحة 199 وراجع فتح الباري مجلد 10 صفحة 197 وصفحة 198، وأخرج القصة بتفصيلها أبو الفرج في الأغاني مجلد 1 صفحة 90 - 91، وراجع ترجمة الحكم بن العاص من الإستيعاب لابن عبد البر، وأسد الغابة، والإصابة، ومستدرك الحاكم مجلد 1 صفحة 181، وتاريخ ابن كثير مجلد 8 صفحة 89، والإجابة في ما استدركته عائشة على الصحابة، في ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر، من تاريخ دمشق لابن عساكر... إلخ.
ومرة أخرى فهل كثير على رسول الله أن يلعن الحكم بن العاص وما في صلبه بعد إيذاء له من جانبهم دام 21 عاما!!؟
7 - أعداء الرسول تولوا الحكم وأولياؤه أصبحوا مملوكين
21 عاما وأبو سفيان وذريته ومن والاهم يكيدون لرسول الله ويحاربونه بكل وسائل الحرب، حتى نصر الله رسوله ودخل مكة عاصمة الشرك فاتحا، فأغلقت الأبواب أمام أبي سفيان ومن والاه ولم يبق أمامه إلا باب الإسلام مفتوحا، وعندما وجد نفسه وسط جزيرة الشرك حفيرة، وقد أحيط به أسلم، فأصبح أبو سفيان ومن والاه طلقاء ومن المؤلفة قلوبهم، فصحب الرسول سنتين، واستغل الخلاف الذي نشأ بين الصديق والفاروق من جهة وبين الإمام علي من جهة أخرى، فحسن وضعه، وولى الصديق ابنه على الشام وألحق به معاوية، وبموت شقيق معاوية أصبح معاوية هو حاكم الشام، واستقرت الأمور لبني أمية في إمارة عثمان، وفجأة، وبدون مقدمات،
8 - الحقائق الثابتة
الحقيقة الأولى: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن الحكم بن العاص، ولعن ما في صلبه، ولعن أبا سفيان، ولعن ابنيه.
والحقيقة الثانية: أن عداء أبي سفيان ومن والاه للنبي لم يتوقف طوال 21 عاما، وأن إيذاء الحكم بن العاص للنبي لم يتوقف أيضا طوال هذه المدة.
والحقيقة الثالثة: أن أبناء أبي سفيان سادوا المسلمين بالقوة، كذلك فإن أبناء الحكم بن العاص سادوا المسلمين بالقوة. والثابت أن تدوين الحديث النبوي تم رسميا في العهد الأموي.
هنا يثور التساؤل المرير، كيف يحكم أمة محمد أولئك الذين لعنهم محمد؟!!
9 - الحديث يحل الإشكال
لعنة النبي لهاتين الأسرتين، وأمثالهما كان في لحظة غضب، فقد لعنهم الرسول وسبهم وهم لا يستحقون اللعنة والمسبة، وأدرك الرسول ذلك فدعا أن تتحول لعنة هاتين الأسرتين وأمثالهما إلى زكاة وطهور لهم. وتلك قفزة بالتفضيل لم يشهد العقل البشري لها مثيلا.
فأهل البيت الذين انحدروا من صلب النبي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين عادوا النبي طوال سني البعثة طهرهم الله أيضا تطهيرا!! إن هذا لأمر عجاب!!